|
|
|
رسائل لم يحملها البريد |
|
بقلم الشيخ عبد الرؤوف
اللبدي |
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
جاري
القط الصغير: |
|
لا
أزال أذكر بشيء كثير من الأسى والألم تلك الأيام الأخيرة من حياة أمك، على الرغم
من أن حياتنا معها لم تعرف وثاما وسلاما، ولا أمنا وطمأنينة، لقد عشناها حياة
قلق واضطراب، حياة ليل مفزع ونهار مروع، لا أذكر إلا أياما قليلة مرت في حياتنا
الطويلة دون أن نشهد غاراتها الخاطفة وهجماتها العاصفة. |
|
ما
أنس لا أنس ما حييت تلك اللحظات التي لا أزال حتى اليوم أرتعد فرقا، وأكاد أقع
مغشيا علي كلما مرت بي ذكراها وطاف بي خيالها، لقد كنت أرى بعيني الاثنتين
أجدادي الأعزاء وأبناء عشيرتي الخلصاء أراهم يوما بعد يوم، وليلة بعد أخرى،
أراهم أمام والدتك وهي تلاعبهم لعبة الموت، تضرب الفريسة باليمين تارة وباليسار
تارة أخرى، وتعضها عضات هشة، ثم تتخلى عنها قليلا، فتظن الفريسة المسكينة الحياة
ممكنة، فيعدو بها حب الحياة، ولكن هيهات هيهات الحياة .. |
|
لقد
كنت أغمض عيني حين أرى الضحية وقد خارت قواها تتمزق بين المخالب والأنياب ولا
أفتحهما إلا على لسان يلعق الدم على أطراف الفم وعلى يدين تمسح بهما ما عسى أن
يكون عليه من بقايا، يا لهول تلك اللحظات! ويا لمراراة تلك الذكرى! |
|
جاري
العزيز: |
|
على
الرغم من كل هذا فلا أزال أذكر أيامها الأخيرة بشيء كثير من الأسى والألم، أيام
ذابت عضلاتها المفتولة التي كانت تتموج من تحت شعرها اللماح، أيام أخنت عليها
الشيخوخة، فلم تترك لها غير جلد على عظم، لقد ذهبت أيام الشباب، أيام كانت تطوف
بأرجاء هذا البيت وهي تحرك ذيلها في كبرياء، وتسير الهويني بخطواتها الخرس،
وأصحاب البيت يقدمون إليها طيب الطعام وسائغ الشراب، تسمر معهم ليالي الشتاء حول
الموقد، فيمسح الكبار شعرها بالأيدي ويتسابق الصغار في ضمها إلى الصدور، إني
لأصدقك الحديث أيها الجار الكريم حين أقول لك: إن الدموع كانت تترقرق في عيني
وفي عيون كثير من فيران هذا البيت، حين كنا نرى الصغار يضربونها وقد أثقلتها
الشيخوخة، يضربونها بعيدان الخشب وأغصان الشجر ضربا مبرحا يملأ البيت مواءات
ألم. كم مرة رأينا صاحبة هذه الدار تركلها بقدميها،
وهي تنظر إليها نظرات ازدراء صائحة في زوجها: إلى متى ستظل هذه القطة العجوز
عندنا، وهي لا تستطيع أن ترد عادية الفيران في المطبخ، أو تقضي على الهوام في
الحديقة؟! إنك لم تسمع جواب زوجها وهو يجلجل في أرجاء البيت، فيملأ علينا جحورنا
رعبا ورهبا، كان يصيح: ماذا أصنع بهذه القطة وقد أعيتني فيها الحيل .. كم مرة
قذفت بها وراء السور في المساء فوجدتها مع الصباح في الحديقة.. ألم أضعها في كيس
وأذهب بها إلى مكان قصي في أطراف المدينة، فإذا بنا نجدها بعد يومين على الباب
تموء.. دعيها، سوف يأكلها الجوع ويحرقها الظمأ ويطويها الموت. |
|
ما
أسرع ما ماتت ولكن كما يموت الغرباء المشردون، لم تذرف عليها دمعة، ولم تتلظ لها
لوعة، ثم بقيت أنت وإخوتك من بعدها للذل والهوان، والجوع والحرمان، فأخذ الموت
يتخطف إخوتك واحدا بعد واحد، وقد لطف الله بك فسلمت، وها أنت ذا لا تكاد تبلغ
الكفاف من هذا الفتات المرذول والعظام المعروقة. |
|
إننا
_ فيران هذا البيت _ نستطيع أن نقدم إليك الكثير من طعامك وشرابك، فنوفر لك
الشحم واللحم، والبيض والجبن، والحليب واللبن, وأشياء أخرى كثيرة أنت لا تدريها،
وكل ما نرجوه منك أن تكف عنا شرك، وأن تكفينا مؤونة حربك. |
|
الطعام
في هذا البيت كثير، والفناء واسع كبير، فماذا يضيرك أنت أن نأكل منه جميعا،
ونعيش فيه آمنين مطمئنين على غير خوف وقلق دون أن تجلس لنا كل مرصد، وأن تنغص
علينا حياتنا ليل نهار. |
|
إننا
لا نذوق النوم إلا غرارا، ولا نعرف المراح واللعب إلا خلسة. |
|
لا
نريد أن تقع بيننا العداوة والبغضاء كما كانت من قبل بيننا وبين والدتك التي
ماتت محرومة جائعة مهملة، وإننا لنخشى عليك أن تلاقي ذلك المصير الحزين الذي
لاقته أمك من قبل، بعد أن بذلت كل ما تستطيع من جهد وسهر في رعاية هذا البيت..
والحفاظ على ما فيه. |
|
لقد
تغير العالم هذه الأيام، وأخذت تخفق على ربوعه رايات السلام، هاهي ذي الشعوب
والأجناس على اختلاف أوطانها وألوانها في جميع بقاع الأرض تتنادى إلى تعايش سلمي
وتفاهم أخوي، أفلا نكون نحن أولى بهذا منها ونحن نعيش في بيت واحد وتحت سقف واحد
ونأكل من مائدة واحدة. |
|
لقد
دعا آبائي وأجدادي والدتك إلى هذا الذي أدعوك إليه، ولكن والدتك- رحمها الله -
كانت فطيرة الرأي، قليلة التجربة، تدور في رأسها حميا الغرور، ويملأ صدرها أحلام
الشباب فصمت أذنيها عن تلك الدعوة، وأبت أن تجيب ذلك النداء، ولو أنها في أخريات
أيامها استقبلت من أمرها ما استدبرت لتغير الموقف، فوصلت حبالا كانت قطعتها،
ولبت دعوة كانت رفضتها، وإني لعلى ثقة أن الندم كان يأكلها أكلا، حين أمست في
شيخوختها عاجزة عن الصيد لا تستطيع لحاقا بالفريسة. |
|
والعاقل
من اتعظ بغيره، وحاد عن طريق هلك فيها السالكون من قبل، فإياك والغرور، وإياك أن
تعمى عن شيخوخة باردة ستدركك يوما ما، فلا تجد فيها عاطفا ولا نصيرا، خير لك أن
تمد إلينا يدك اليوم، لنمد إليك أيدينا في المستقبل. |
|
نعم,
إنه لأمر جديد هذا الذي ندعوك إليه، وهو على خلاف عادتك وإلفك، وربما عظم على
نفسك وأصابك من ارتكابه حسرة وألم، ولكنك بعد طول معاودة ومعاناة ستطيب نفسا،
وتهدأ قلبا، وتستمرئ هذه الحياة السهلة, وهذا الرزق الذي يأتيك رغدا دون أن تبذل
في سبيله جهدا أو تجد من ورائه نصبا. |
|
انظر
إلى هذه الخادم التي تشاركنا الحياة في هذا البيت, يعطيها أهله الأجر، ويشركونها
في طعام وشراب ثم هي لا تتذمم أن تسرق السكر والشاي والخبز والجبن والأرز كلما
آنست من أهله طمأنينة، أو كانوا عنها في شغل، على حين أنها من أمة جاءها
المرسلون، وبعث فيها النبيون، وتوالت فيها النذر، وضربت لها الأمثال. |
|
كم
وقف على أبواب هذه الدار التي دافعتنا أمك عن خيراتها وذادتنا عن حماها، ثم
هاأنت ذا من بعدها تذود وتدافع، كم وقف على أبوابها أناس أكلهم الجوع وشربهم
الظمأ، فما نالوا منها بلالة حلق، ولا بلالة معدة، ولقد سمعت أنت ورأيت كما كنت
أنا أسمع وأرى، كيف كان الرد خشنا، وكيف كان الجواب غليظا، وفي الدار رزقها
المغدق، وفيها ماؤها المتدفق. |
|
ولعلك
لا تزال تذكر ما حدث منذ أسبوعين حين كرمت هذه الدار بعض ذوي الحول والطول من
رجالات هذا البلد، أرأيت كيف ضاقت الدار على رحبها بأصحاب اليسار والموظفين
الكبار.. أرأيت كيف كان الطعام غنيا، شهيا، سخيا، ملأ العيون وأوفى على البطون،
وجاوز الظنون، على حين أن أصحاب الطعام لا يكنون لمن دعوهم ودا، ولا يحفظون لهم
عهدا، وإنما يرجون من وراء ذلك جلب مصلحة أو دفع أذى. |
|
الأمانة،
والإخلاص، والوفاء، والاستقامة، والمروءة، والامتيازات الفردية والجماعية،
والعقائد الموروثة, والأمجاد الأثيلة، والأنساب العريقة, كل هذا وأمثاله - مما
كان يؤمن به الآباء والأجداد ويحافظون عليه كل الحفاظ - قد ذهب فلا رجعة، وأمسى
في هذا العالم كهذه الأزهار الصناعية التي تراها في غرفة الاستقبال من هذه
الدار، ليس فيها حياة ترقص بها في الجو، وتميس بها فوق الأرض، وتنطق بجماله صنع
الله، ليس فيها رائحة تفغم الأنوف، وتنعش الأنفس، وتثير الحياة، إنها مظهر جذاب،
ومنظر خلاب، يخادع به الناس بعضهم بعضا وهم يعلمون. |
|
وأنا
لم أقل لك ما قلت، ولا ضربت لك تلك الأمثال، إلا لأبين لك كيف يعيش الأحياء من
الناس على الأرض في هذه الأيام، لا تكاد تربطهم رابطة من دين، أو خلق، أو جنس
وإنما هي المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، لماذا لا نأخذ بهذا المبدأ ونسير
على هذا الطريق ونحيا حياة مسالمة ودعة ينعم فيها الطرفان، ويتفيأ ظلالها القطط
والفيران.. |
|
وهل
هناك حياة أمتع وأروع من حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، مع راحة
وهناء، وطعام دون عناء. |
|
علام
هذا الخصام بين مخلوقات الله في لقمة خبز، وجرعة ماء.. لو تراضى الخلق بالمساواة
وأخذ كل مخلوق ما كفاه، لعاشوا جميعا عيشة هادئة وادعة، لا قلق فيها ولا اضطراب،
ولا دماء ولا حراب. |
|
لا
تفكر في الماضي، فالماضي مليء بالأحقاد والترات، زاخر بالعداوات والذكريات، فكر فيما
نحن فيه، وما أنت عليه، ودع عنك ماضيا سحيقا سحقته السنين والقرون. |
|
أرجو
ألا تستصغر شأني، أو تهمل ما أدعوك إليه، حين ترى رسالتي هذه قد جاءتك حقائق
عارية من حلل الفصاحة والبلاغة، خالية من زخرف القول ومكذوب الوداد، فنحن -
معاشر الفيران- قد ابتلينا بشتى المصائب، ولعل أعظمها أن الله لم يهب لنا فصاحة
نملك بها الأسماع، ونختلب العواطف، ونستهوي الأنفس ، ونلبس الحق بالباطل، ألا
ترى إلى الفأر منا يسرق قطعة الجبن، أو لقمة الخبز يدفع بها عادية الجوع، فإذا
هي سرقة ملء السمع والبصر، نذوق بها الموت وعذاب الحريق، ويسرق ابن آدم _ وهو
المتخم _ سرقاته الكبر فيسميها أسماء شتى، ولكن ليس بين هذه الأسماء وبين السرقة
نسب، ثم لا يلحق به عاب، ولا يأخذه عقاب أو عذاب. |
|
ولي
بعد هذا أصدق العذر ألاّ أبعد في هذه الرسالة وأطيل، وفيما قلته غناء وكفاية،
وفيما أتوقعه من سداد رأيك في الأمور، وحسن تبصرك في العواقب ما يرأب الصدع،
وينزع غلا في القلوب طال عليه الأمد. |
|
وفي
نهاية هذه الرسالة أود أن أقول: إن هذه المسالمة التي ندعوك إليها ليست عن قلة
ولا ذلة ولا ضعف، فنحن - معاشر الفيران- أشد منكم خطرا، وأوسع نفوذا في الأرض،
وأقدر على أن نكثر فيها الفساد، لا أقول هذا تهديدا ووعيدا، معاذ الله فنحن
ننتظر منك مكرمة تطوق أعناقنا بالجميل، وتلهج ألسنتنا بالشكر الجزيل، وتغرس في
قلوب صغارنا والكبار كل احترام لك وتجله. |
جارك المخلص الفأر |