|
|
|
|
دفع إيهام الاضطراب عن
آيات الكتاب |
|
|
لفضيلة الشيخ محمد الأمين
الشنقيطي المدرس بالجامعة |
|
|
|
|
سورة التين
|
|
|
قوله
تعالى: { وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ }
تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: { لا
أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ }. |
|
|
قوله
تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ فِي
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } هذه الآية الكريمة توهم أن الإنسان ينكر أن ربه
خلقه, لما تقرر في المعاني من أن خالي الذهن من التردد والإنكار لا يؤكّد له
الكلام، ويسمّى ذلك ابتدائيا, والمتردد يحسن التوكيد له بمؤكد واحد ويسمى طلبيا،
والمنكر يجب التوكيد له بحسب إنكاره ويسمى إنكاريا، والله تعالى في هذه الآية
أكّد إخباره بأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم بأربعة أقسام وباللام وبقد, فهي ستة
تأكيدات, وهذا التوكيد يوهم أن الإنسان منكر لأن ربه خلقه، وقد جاءت آية أخرى
صريحة في أن الكفار يقرّون بأن الله هو خالقهم وهي قوله: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ }. |
|
|
والجواب
من وجهين: |
|
|
الأول: هو ما
حرره علماء البلاغة من أن المقر إذا ظهرت عليه أمارة الإنكار جعل كالمنكر، فأكد
له الخبر كقول حجل بن نضلة: |
|
|
جـاء
شقيـق عارضـا رمحـه |
إنّ
بـني عمـك فيـهم رمـاح |
|
فشقيق
لا ينكر أنّ في بني عمه رماحا, ولكن مجيئه عارضا رمحه أي جاعلا عرضه جهتهم من
غير التفات أمارة أنه يعتقد أن لا رمح فيهم فأكد له الخبر. |
|
|
فإذا
حققت ذلك فاعلم أن الكفار لما أنكروا البعث ظهرت عليهم أمارة إنكار الإيجاد
الأول؛ لأن من أقر بالأول لزمه الإقرار بالثاني؛ لأن الإعادة أيسر من البدء فأكد
لهم الإيجاد الأول، ويوضّح هذا أن الله بيّن أنه المقصود بقوله: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } أي ما
يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث والجزاء بعد علمك أن الله أوجدك أوّلا،
فمن أوجدك أوّلا قادر على أن يوجدك ثانيا كما قال تعالى: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } الآية،
وقال: {
كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } الآية، وقال: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }،
وقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي
رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب} والآيات
بمثل هذه كثيرة، ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي إيجاده الأول بقوله: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ
يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}, وبقوله: { وَيَقُولُ الأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ
أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلا يَذْكُرُ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ
وَلَمْ يَكُ شَيْئاً }. |
|
|
وقال
البعض: معنى { فَمَا يُكَذِّبُكَ }:
فمن يقدر على تكذيبك يا نبي الله بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا خلقنا
الإنسان على ما وصفنا، وهو في دلالته على ما ذكرنا كالأوّل, فظهرت النكتة في جعل
الابتدائي كالإنكاري. |
|
|
الوجه الثاني:
أن القسم شامل لقوله: { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ
أَسْفَلَ سَافِلِينَ } أي إلى النار، وهم لا يصدّقون بالنار بدليل
قوله تعالى { هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ
بِهَا تُكَذِّبُونَ } وهذا الوجه في معنى قوله: { أَسْفَلَ سَافِلِينَ } أصح من القول بأن معناه
الهرم والرد إلى أرذل العمر لكون قوله: { إِلا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ }
أظهر في الأول من الثاني، وإذا كان القسم شاملا للإنكاري فلا إشكال؛ لأن التوكيد
منصبّ على ذلك الإنكاري، والعلم عند الله تعالى. |
|
سورة العلق
|
|
|
قوله
تعالى: { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } الآية،
أسند الكذب في هذه الآية الكريمة إلى ناصية هذا الكافر وهي مقدّم شعر رأسه مع
أنه أسنده في آيات كثيرة إلى غير الناصية كقوله: {
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} والجواب ظاهر: وهو أنه هنا أطلق
الناصية وأراد صاحبها على عادة العرب في إطلاق البعض وإرادة الكل, وهو كثير في
كلام العرب وفي القرآن، فمن أمثلته في القرآن هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}, وقوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } يعني بما
قدمتم، ومن ذلك تسمية العرب الرقيب عينا. |
|
|
وقوله: {خَاطِئَةٍ} لا يعارضه قوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِه ِ}؛
لأنّ الخاطئ هو فاعل الخطيئة أو الخطء بكسر الخاء، وكلاهما الذنب كما بيّنه قوله
تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا
فَأُدْخِلُوا نَاراً }, وقوله: { إِنَّ
قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } فالخاطئ المذنب عمدا، والمخطئ
من صدر منه الفعل من غير قصد فهو معذور. |
|
سورة القدر
|
|
|
قوله
تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْرِ} لا تعارض بينه وبين قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}؛
لأنّ الليلة المباركة هي ليلة القدر وهي من رمضان بنصّ قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}
فما يزعمه كثير من العلماء من أن الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان تردّه هذه
النصوص القرآنية والعلم عند الله تعالى. |
|
سورة الزلزلة
|
|
|
قوله
تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}
هذه الآية الكريمة تقتضي أن كل إنسان كافرا أو مسلما يجازى بالقليل من الخير
والشر, وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف هذا العموم، أمّا ما فعله الكافر من
الخير فالآيات تصرّح بإحباطه كقوله: {أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا
فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}, وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ
هَبَاءً مَنْثُوراً} وكقوله: {أَعْمَالُهُمْ
كَرَمَادٍ} الآية, وقوله: {أَعْمَالُهُمْ
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} الآية, إلى غير ذلك من الآيات، وأمّا ما عمله
المسلم من الشر فقد صرّحت الآيات بعدم لزوم مؤاخذته به لاحتمال المغفرة أو لوعد
الله بها كقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشَاءُ}, وقوله: {إِنْ
تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم}
إلى غير ذلك من الآيات، والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: |
|
|
الأول: أن
الآية من العام المخصوص، والمعنى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره إن لم يحبطه الكفر
بدليل آيات إحباط الكفر عمل الكفار، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره إن لم يغفره
الله له بدليل آيات احتمال الغفران والوعد به. |
|
|
الثاني: أنّ
الآية على عمومها وأنّ الكافر يرى جزاء كل عمله الحسن في الدنيا كما يدل عليه
قوله تعالى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ
فِيهَا} الآية, وقوله: {وَمَنْ كَانَ
يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا} الآية, وقوله تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}،
والمؤمن يرى جزاء كل عمله السيّء في الدنيا بالمصائب والأمراض والآلام، ويدل
لهذا ما أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم وجماعة عن
أنس قال: "بينا أبو بكر رضي الله عنه يأكل مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه {فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الآية فرفع
أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل
ذر الشر" الحديث. |
|
|
الوجه الثالث:
أن الآية أيضاً على عمومها وأن معناها أن المؤمن يرى كل ما قدم من خير وشر فيغفر
الله له الشر ويثيبه بالخير، والكافر يرى كل ما قدم من خير وشر فيحبط ما قدم من
خير ويجازيه بما فعل من الشر. |
|
سورة العاديات
|
|
|
قوله
تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} الآية، هذه الآية تدل على أنّ
الإنسان شاهد على كنود نفسه أي مبالغته في الكفر، وقد جاءت آيات أخر تدل على
خلاف ذلك كقوله تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} وقوله: {وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}, وقوله: {وَبَدَا
لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}, والجواب عن
هذا من ثلاثة أوجه: |
|
|
الأول:
أنّ شهادة الإنسان بأنه كنود هي شهادة
حالة بظهور كنوده، والحال ربما تكفي عن المقال. |
|
|
الثاني: أن
شهادته على نفسه بذلك يوم القيامة كما يدل له قوله: {وَشَهِدُوا
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}, وقوله: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ
السَّعِيرِ}, وقوله:
{بَلَى وَلَكِنْ
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}. |
|
|
الوجه
الثالث: أن الضمير في قوله {وَإِنَّهُ عَلَى
ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} راجع إلى رب الإنسان المذكور في قوله: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} وعليه
فلا إشكال في الآية، ولكن رجوعه إلى الإنسان أظهر بدليل قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} والعلم
عند الله تعالى. |
|
سورة القارعة
|
|
|
قوله
تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} هذه الآية الكريمة تدل على أن الهاوية وصف لا
علَم للنار إذ تنوينها ينافي كونها اسما من أسماء النار يلزم فيها المنع من
الصرف للعلمية والتأنيث، وقوله تعالى: {وَمَا
أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} يدل على أن الهاوية من أسماء
النار. |
|
|
اعلم
أولا أنّ في معنى قوله تعالى: {فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ} ثلاثة أوجه للعلماء، اثنان منها لا إشكال في الآية
عليهما، والثالث هو الذي فيه الإشكال المذكور، أمّا اللذان لا إشكال في الآية
عليهما فالأول منهما أن المعنى {فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ} أي أمّ رأسه هاوية في قعر جهنم؛ لأنه يطرح فيها منكوسا
رأسه أسفل ورجلاه أعلا، وروي هذا القول عن قتادة وأبي صالح وعكرمة والكلبي
وغيرهم، وعلى هذا القول فالضمير في قوله: {وَمَا
أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} عائد إلى محذوف دلّ عليه المقام أي أم رأسه
هاوية في نار وما أدراك ما هيه نار حامية. |
|
|
والثاني: أنه
من قول العرب إذا دعَوا على الرجل بالهلكة قالوا: "هوت أمه" لأنه إذا
هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه ثكلا وحزنا، ومن هذا المعنى قول كعب بن سعد الغنوي: |
|
|
هوت
أمه ما يبعث الصبـح غاديـا |
يـؤوب وماذا يرد الليـل حيـن |
|
وهذا
القول رواية أخرى عن قتادة، وعلى هذا القول فالضمير في قوله: {هِيَهْ} للداهية التي دلّ عليها الكلام، وذكر
الألوسي في تفسيره أن صاحب الكشف قال: إنّ هذا القول أحسن, وأن الطيبي قال: إنه
أظهر, وقال هو: وللبحث فيه مجال. |
|
|
الثالث الذي
فيه إشكال: أنّ المعنى {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}
أي مأواه الذي يحيط به ويضمّه هاوية وهي النار؛ لأن الأمّ تؤوي ولدها وتضمّه،
والنار تضمّ هذا العاصي وتكون مأواه. |
|
|
والجواب
على هذا القول هو ما أشار له الألوسي في تفسيره من أنه نكّر الهاوية في محلّ
التعريف لأجل الإشعار بخروجها عن المعهود للتفخيم والتهويل, ثم بعد إبهامها لهذه
النكتة قرّرها بوصفها الهائل بقوله {وَمَا
أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ}. |
|
|
قال
مقيده عفا الله عنه: هذا الجواب الذي ذكره الألوسي يدخل في حد نوع من أنواع
البديع المعنوي يسمّيه علماء البلاغة التجريد، فحد التجريد عندهم هو أن ينتزع من
أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في كمالها فيه، وأقسامه معروفة عند البيانيين؛
فمنه ما يكون التجريد فيه بحرف نحو قولهم: "لي من فلان صديق حميم" أي
بلغ من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها مبالغة في كمالها فيه,
وقولهم: "لئن سألته لتسألن به البحر" بالغ في اتصافه بالسماحة حتى
انتزع منه بحرا في السماحة، ومن التجريد بواسطة الحرف قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد} وهو أشبه شيء
بالآية التي نحن بصددها؛ لأن النار هي دار الخلد بعينها لكنه انتزع منها دارا
أخرى وجعلها معدة في جهنم للكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة، ومن
التجريد ما يكون من غير توسط الحرف نحو قول قتادة بن سلمة الحنفي: |
|
|
ولئـن
بقـيت لأرحـلن بغـزوة |
تحـوي
الغنائـم أو يمـوت كريـم |
|
يعني
نفسه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه، فإذا عرفت هذا فالنار سميت الهاوية
لغاية عمقها وبعد مهواها، فقد روي أن داخلها يهوي فيها سبعين خريفا، وخصها البعض
بالباب الأسفل من النار فانتزع منها هاوية أخرى مثلها في شدة العمق وبعد المهوى
مبالغة في عمقها وبعد مهواها، والعلم عند الله تعالى. |
|
سورة العصر
|
|
|
قوله
تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي
خُسْرٍ} هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن هذا المخبر عنه أنه في
خسر إنسان واحد بدليل إفراد لفظة الإنسان، واستثناؤه من ذلك الذين آمنوا وعملوا
الصالحات يقتضي أنه ليس إنسانا واحدا. |
|
|
والجواب
عن هذا هو أن لفظ الإنسان وإن كان واحدا فالألف واللام للاستغراق يصير المفرد
بسببهما ما صيغة عموم، وعليه فمعنى أن الإنسان أي أن كل إنسان لدلالة (أل)
الاستغراقية على ذلك، والعلم عند الله تعالى. |
|
سورة الماعون
|
|
|
قوله
تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ}
الآية، هذه الآية يتوهم منها الجاهل أن الله توعد المصلين بالويل، وقد جاء في
آية أخرى أن عدم الصلاة من أسباب دخول سقر وهي قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}، والجواب عن هذا في
غاية الظهور، وهو أن التوعد بالويل منصب على قوله: {الَّذِينَ
هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} الآية، وهم المنافقون على التحقيق،
وإنما ذكرنا هذا الجواب مع ضعف الإشكال وظهور الجواب عنه؛ لأن الزنادقة الذين لا
يصلون يحتجون لترك الصلاة بهذه الآية، وقد سمعنا من ثقات وغيرهم أن رجلا قال
لظالم تارك الصلاة مالك لا تصلي؟ فقال: لأن الله توعد على الصلاة بالويل في قوله
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} فقال له:
اقرأ ما بعدها، فقال: لا حاجة لي فيما بعدها فيها كفاية في التحذير من الصلاة،
ومن هذا القبيل قول الشاعر: |
|
|
دع
المساجـد للعبـاد تسكنهـا |
وسر
إلى حانة الخمـار يسقينـا |
|
ما
قال ربك ويل للأولى سكـروا |
وإنمـا
قـال ويـل للمصلينـا |
|
فإذا
كان تعالى توعد بالويل المصلى الذي هو ساه عن صلاته ويراءي فيها فكيف بالذي لا
يصلي أصلاً فالويل كل الويل له وعليه لعائن الله إلى يوم القيامة مالم يتب.
|
|
|
سورة الكافرون |
|
|
قوله
تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}
يدل بظاهره على أن الكفار المخاطبين بها لا يعبدون الله أبدا مع أنه دلّت آيات
أخر على أن منهم من يؤمن بالله تعالى كقوله {وَمِنْ
هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} الآية. |
|
|
والجواب
من وجهين: |
|
|
الأول:
أنه خطاب لجنس الكفار وإن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داموا كفارا، فإذا
أسلموا لم يتناولهم ذلك لأنهم حينئذ مؤمنون لا كافرون وإن كانوا منافقين فهم
كافرون في الباطن فيتناولهم الخطاب، واختار هذا الوجه أبو العباس بن تيمية رحمه
الله. |
|