|
|
|
|
المسئولية في الإسلام |
|
|
بقلم الشيخ عبد الله
قادري |
|
|
المشرف الاجتماعي بالجامعة |
|
|
|
|
بقية الأقارب
|
|
|
المؤمنون
كلهم مهما اختلفت أنسابهم وتباعدت أوطانهم يعتبرون بمنزلة الأشقاء، بل المؤمن
البعيد النسب أحق وأولى بأخيه المؤمن من أقرب قريب إليه إذا لم يكن ذلك القريب
مؤمنا، ولكن الله تعالى أنعم على عباده بتوثيق رابطة القرابة حيث جعلهم يتحابون
ويعطف بعضهم على بعض، ولقد اعتنت نصوص الشريعة من كتاب وسنة بالأقارب والحث على صلتهم وتقديمهم في ذلك على من سواهم، فقد قرن
الله تعالى حقهم بحقه فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً}، وذم الله المشركين بعد مراقبتهم احترام قرابتهم من
المؤمنين فقال: { لا يَرْقُبُونَ
فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً } والآل: القرابة كما فسرها ابن
عباس، وفُسرت بالعهد أيضا، وقرن الله تعالى بين الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام
ولعن من يفعل ذلك فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي
الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ }, قال ابن كثير رحمه الله:
"وقوله سبحانه: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ
إِنْ تَوَلَّيْتُمْ } أي عن الجهاد ونكلتم عنه { أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ } أي تعودوا
إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال
الله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ
اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } وهذا نهي عن
الإفساد في الأرض عموما وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح
في الأرض وصلة الأرحام وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل
الأموال. |
|
|
وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة ووجوه كثيرة.."، ثم ساق رحمه الله حديثا
أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله تعالى الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوى الرحمن عز وجل فقال: مه،
فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك
وأقطع من قطعك؟ قالت بلى، قال: فذاك لك"، قال أبو هريرة - رضي الله
عنه -: "اقرأوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ
}". |
|
|
ثم
ساق حديثا آخر أخرجه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أحرى
أن يعجّل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي
وقطيعة الرحم" ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث إسماعيل
هو ابن علية به, وقال الترمذي: "حديث صحيح" انتهى ج4 ص178. |
|
|
ولقد
بلغت عناية الإسلام بالأقارب أن أمر المؤمنين بصلتهم
ولو كانوا كفارا ما لم يتعرضوا لأذاهم قال تعالى: {
لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ
وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }، وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنها قالت: "قدمت أمي وهي مشركة في
عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي
قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: "نعم صلي
أمك" , والآية الكريمة عامة في الوالدين وغيرهم، وهي محكمة على
الصحيح من أقوال العلماء، قال القرطبي رحمه الله:
"اتفقت الملة أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة" أهـ. |
|
|
إذا عرفنا ذلك بقي علينا أن نعرف الأمور التي تعتبر صلة
للرحم، والأمور التي تعتبر قطيعة لها. |
|
|
السبل التي يصل بها الرجل: |
|
|
1- إن من أعظم ما يصل الرجل به
أقاربه تعليمهم أمور دينهم وبيان ما يحل وما يحرم، ودعوتهم إلى الله تعالى
وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حسب الاستطاعة، ولهذا كان أول ما أمر الله
نبيه صلى الله عليه وسلم إنذار عشيرته الأقربين، مع أنه رسول إلى جميع العالمين،
قال الإمام البخاري رحمه الله في باب وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك - ألن
جانبك, وساق بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لما نزلت { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ
} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا
فجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى
اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب
وقريش فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم
مصدقي، قالوا: نعم ما جرّبنا عليك إلا صدقا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب
شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا
جمعتنا؟ فنزلت: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ, مَا أَغْنَى عَنْهُ
مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله {
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } قال: "يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله
شيئا, يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا, يا عباس عبد المطلب لا أغني
عنك من الله شيئا, ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من
الله شيئا, ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" .
فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بعشيرته الأقربين وما ذاك إلا
لأن حقّهم مقدّم على حقّ غيرهم، وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه فبدأ بهم
وعمّ في ندائه وخصّ, فنادى قريشا وخص منهم بيوتا كبني فهر وبني عدي وبني عبد
مناف، وخص أفرادا هم أقرب الناس إليه كعمه وعمته وابنته، والآية الكريمة عامة
لكل فرد من أفراد المسلمين وإن كان الخطاب أصلا للرسول صلى الله عليه وسلم فإن
لنا فيه أسوة حسنة, وقد قال الله تعالى في آية أخرى مخاطبا كل مؤمن { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }
الآية, وأقارب الرجل من أهله وعدم القيام بهذا الأمر يعتبر أعظم
قطيعة لذوي الأرحام. |
|
|
2- أن فقراء أقارب الرجل أحق
بوقفه وصدقته ووصيته من غيره، ولهذا لما أراد أبو طلحة أن يتصدق ببعض ماله وقفا
قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "اجعلها
لفقراء أقاربك" كما في صحيح البخاري، وقد رجّح كثير من أهل التفسير
أن الآية الكريمة { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ
أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً } محكمة وليست منسوخة، وأن قريب
الميت الذي ليس بوارث إذا حضر قسمة التركة يرضخ له منها تطييبا لخاطره، ورأى
بعضهم أن ذلك واجب، ورأى آخرون أنه مندوب، والأصل في الأمر الوجوب كما هو معروف،
انظر تفسير الشوكاني ج 1 ص 393 والبخاري ج 6 ص 36. |
|
|
وفي الصحيحين من حديث ميمونة رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم,
فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي
قال: "أو فعلت؟" قالت: نعم، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك
لكان أعظم لأجرك"
. |
|
|
3- ومن أهم الأمور التي يجب
على الرجل أن يصل بها رحمه الإصلاح بينهم وتأليف قلوبهم حتى لا يحصل بينهم نزاع
يفرق كلمتهم ويوقع بينهم العداوة والبغضاء والتدابر،
والإصلاح وإن كان حقا على كل عاقل أن يقوم به بين كل الناس، فإن الأقارب أحق به
وقد قال تعالى: { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ
نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ
النَّاسِ }, وقال تعالى: { فَاتَّقُوا
اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}, وقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ }، وينبغي للرجل أن يترفع بنفسه عن قطع الرحم ولو قطعه
أقاربه، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رجلا قال:
يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عنهم
ويجهلون عليّ فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسفّهم الملّ
- والملّ الرماد الحار - ولا يزال معك من الله ظهير
عليهم ما دمت عليهم" ،
والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جدا. |
|
|
والخلاصة أن من حق ذوي الأرحام على الرجل أن يسعى قدر
استطاعته في تحصيل ما ينفعهم ودفع ما يضرهم في دينهم ودنياهم. |
|
حقوق الأيتام الذين يتولى شؤونهم لصغرهم
|
|
|
كثير من
الأطفال يتوفى الله آباءهم أو أمهاتهم أو الآباء والأمهات معا فيبقى هؤلاء
الأطفال في حاجة شديدة إلى من يعطف عليهم ويرحمهم ويواسيهم، ويدخل عليهم السرور
بما يسديه إليهم من نفقة أو كسوة أو كلمة طيبة، كما أنهم في حاجة إلى من يحفظ
أموالهم إن كانت لهم أموال، وينميها لهم لتسد منها حاجاتهم في حال الصغر ويجدوا
ثمرتها في حال الكبر، والله تعالى يبتلي بعض عباده ببعض، ليظهر المطيع من العاصي
ويجازي كلا على عمله قال تعالى: {وَجَعَلْنَا
بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}، وقد يبتلى الرجل بيتيم
أو أيتام سواء كانوا من قرابته أو من غيرهم ليعولهم ويقوم بمصالحهم، فإن وفق
للصبر عليهم والرحمة بهم والقيام بحقوقهم نال أجرا عظيما على ذلك، وإن لم يوفق
فأغلظ لهم القول وآذاهم بالضرب ونحوه لغير تأديب وحرمهم من المأكل والمشرب, أو
أكل أموالهم ظلما فقد تعرض لخطر عظيم، ولهذا يجب أن يتنبه القائمون على الأيتام
لحقوقهم ويبتعدوا عن ظلمهم، ولنذكر على سبيل المثال بعض الحقوق التي لا ينبغي
النقص فيها بالنسبة لليتيم. |
|
|
1- الرفق بهم وعدم الغلظة التي
تدخل عليهم الهم والحزن، والرفق مطلوب في كل وقت ومع كل الناس ولكنه مع الطفل
اليتيم آكد، وقد ذم الله المشركين وجعل من علامتهم
الإغلاظ على اليتيم وعدم الرفق به قال تعالى: {
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} كما ذكر من صفاتهم عدم
إكرامه قال تعالى: { كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ
الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يحرم الرفق يحرم الخير" رواه مسلم من
حديث جرير، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما
لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه", وفي رواية "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه"، وفي حديث آخر عنها رواه مسلم أيضا قالت: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول في بيني هذا "اللهم من ولي
من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"، وهذه الأحاديث عامة واليتيم كما قلت
أولى الناس بمدلولها. |
|
|
2- ومن حقه أيضا أن يعتني
بتعليمه عندما يبلغ سنّ التمييز القراءة والكتابة ومبادئ دينه كالوضوء والصلاة,
وحسن السلوك كالصدق والأمانة والشجاعة والكرم، وألاّ يتكلم إلاّ بخير، إن استطاع
وليّه أن يعلّمه بنفسه وإلاّ أدخله مدرسة يؤمن فيها
على أخلاقه، كما ينبغي أن يعلّمه بعض الحِرَف التي يستفيد بها في الإنفاق على
نفسه عند الكبر، ولا يكون عالة على المجتمع، وتعليمه دينه ودنياه من البر
والتقوى اللذين أمر الله المؤمنين أن يتعاونوا عليهما
كما قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } وهو مما يحبه المرء
لنفسه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". |
|
|
3- أن ينفق عليه الولي من ماله
- أي من مال الولي - لا سيما إذا كان اليتيم لا مال
له، ويكسوه أيضا فإن في ذلك أجرا عظيما ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الساعي
على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله", وأحسبه قال: "وكالقائم
لا يفتر والصائم لا يفطر", وفيه أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: "كافل اليتيم له أو لغيره
أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار مالك وهو أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى، والمراد بكافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة
وتربية وغيرها، وقوله: "له أو لغيره" أي
سواء كان اليتيم له به صلة كابن أخيه ونحوه أو ليس من قرابته. |
|
|
4- أن يحفظ ماله إذا وليه وله
مال، وينميه ولا يفرّط فيه حتى لا يضيع، ولا يأخذ منه شيئا ظلما فقد جاءت النصوص
بالوعيد الشديد لمن يأكل مال اليتيم بغير حق قال تعالى:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ
ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيداً,إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } ففي الآية الأولى إشارة إلى أن ولي اليتيم
يجب أن يعمل له كما يجب أن يعمل ولي أطفاله لهم من بعده، فليتق الله في مباشرة
ماله، وفي الآية الثانية من الوعيد لمن أكل مال اليتيم ظلما ما لا يحتاج إلى
بيان، فليتق الله أولياء الأيتام في أموالهم ومصالحهم فإنهم إن لم يخشوا من
محاسبة الأيتام لهم لعدم معرفتهم مصالحهم ومضارهم، فالله وكيلهم وكفى بالله
حسيبا، ويستثنى من هذا الوعيد من ولي مال اليتيم وقام بالواجب له من حفظ وتنمية
وهو فقير لا مال له فإنه يجوزله أن يأخذ من مال
اليتيم ما يحتاج إليه قوتا بالمعروف لقوله تعالى: {
وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ
بِالْمَعْرُوفِ }, وفي الصحيحين من حديث عائشة أن هذه الآية الآنفة الذكر نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل
منه مكان قيامه عليه بالمعروف، وفي لفظ:
"نزلت في
ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح ماله إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف". |
|
|
5- ويجب ألاّ يمكّن الولي
اليتيم من التصرف في ماله إلاّ بعد رشده وبعد اختباره في التصرف هل يحسنه أم لا
قال تعالى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى
إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا
إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً
أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً
فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً } ويجب أن يشهد
على دفع أموالهم إليهم حتى لا يحصل بينه وبينهم نزاع وخصومة قال تعالى: { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}. |
|
|
6- وإذا ولي الرجل يتيمة ورغب
في نكاحها فيجب أن يعطيها مهرها كاملا كأمثالها، ولا يجوز أن يأخذ من مالها
شيئا، فإن أحس من نفسه أنه سيظلمها بنقص مهرها أو غير ذلك من حقوقها, أو لم تكن
له رغبة في الأصل وإنما أرادها لمالها فقط فينبغي أن يتركها وينكح غيرها من
النساء اللاتي لا يقدر على أخذ حقوقهن أو نقص مهرهن؛ فقد جاء في صحيح البخاري عن
عائشة رضي الله عنها أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها, وكان لها عذق وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى
فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } الآية. |
|
حقوق العبيد على السادة
|
|
|
مضت
سنة الله الكونية أن يختلف الناس وأن يتبع ذلك الاختلاف حروب بين طائفة وأخرى،
تستولي الطائفة المنتصرة على أموال الطائفة المنهزمة، وتسبي نساءها وذراريها وتأسر رجالها وتسترق الجميع ويكونون عبيدا يتصرفون
فيهم تصرفهم في أموالهم، هكذا كان الناس يفعلون قبل الإسلام من العرب وغيرهم،
وكانت معاملة العبيد عندهم سيئة جدا، بل كانت طرق الاسترقاق متعددة؛ فمنهم من
يسترق الأجير، ومنهم من يسترق المرأة ومنهم من يسترق
ذا لون معين، فلما جاء الإسلام أبطل كل تلك الطرق ما عدا طريقا واحدة وهي
استرقاق أسرى الحرب، فقد أبقاها لأن في إلغائها ضررا على المسلمين لأن الكفار
إذا انتصروا عليهم سيسترقونهم، وترك استرقاق الكفار مع كونهم يسترقون المسلمين
ليس من العدل، فالطريق الوحيد للاسترقاق في الإسلام هي استرقاق أسرى الحرب فقط
وهي طريق عادلة كما مضى لأنها معاملة بالمثل. |
|
عناية الإسلام بتحرير الرقيق
|
|
|
لقد اعتنى
الإسلام بعتق المماليك عناية عظيمة وفتح له أبوابا
كثيرة. |
|
|
1- فهو يحث المؤمن أن يعتق
مملوكه ويعده على ذلك بجزاء عظيم كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من
أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها - أي عضو - إربا منه من النار". |
|
|
2- أوجب
على من حصل منه القتل خطأ عتق رقبة مؤمنة في ثلاث حالات لا ينتقل من العتق فيها
إلى غيره إلاّ إذا لم يجد ما يعتق. |
|
|
أ- أن يقتل
مؤمنا خطأ وأولياؤه مؤمنون فيسلم لهم الدية ويعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين
متتابعين. |
|
|
ب- أن يقتل مؤمنا
خطأ وليس له أولياء مؤمنون كان بكون من قوم كفار محاربين أو كان ذميا فعلى
القاتل أن يعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين كذلك. |
|
|
ج- أن يقتل ذميا فعليه دية وعتق فإن لم يجد
صام شهرين أيضا، قال تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا
أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. |
|
|
3- خيّر من حلف وحنث أن يكفّر
بواحدة من ثلاث: تحرير رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم, فإن لم يجد انتقل
إلى صيام ثلاثة أيام قال تعالى: { لا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ
أَيَّامٍ } الآية. |
|
|
4- أو
جب على من ظاهر من زوجته ثم أراد إبقاءها زوجة له أن يعتق رقبة ولا ينتقل منها
إلى غيرها إلاّ إذا لم يجدها قال تعالى: {
وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} الآية. |
|
|
5- أمر من ضرب مملوكه فأوجعه
أن يعتقه وجعل ذلك كفارة له، ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه"،
وفي صحيح مسلم أيضا عن معاوية بن سويد قال: لطمت مولى لنا فهربت ثم جئت قبيل
الظهر فصليت خلف أبي فدعاه ودعاني ثم قال: امتثل منه ثم قال: كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا
إلا خادم واحدة فلطمها أحدها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"اعتقوها" قالوا: ليس لهم خادم غيرها قال: "فليستخدموها فإذا
استغنوا عنها فيخلوا سبيلها", والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. |
|
|
6- إذا كان العبد مشتركا بين
جماعة فأعتق أحدهم نصيبه منه عتق سائره ووجب على
المعتق أن يدفع من ماله نصيب الآخرين فإن لم يكن له مال طلب من العبد أن يسعى في
تحصيل نصيبهم من غير أن يشق عليه في ذلك ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من أعتق شقصا
[1] له في
عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى
العبد غير مشقوق عليه" أي كلف العبد الاكتساب من غير مشقة حتى تحصل قيمة نصيب
الشريك الآخر فإذا دفعها إليه أعتق. |
|
|
7- أمر المالكين أن يلبوا طلب
العبيد مكاتبتهم إذا علموا فيهم خيرا، والمكاتبة عقد بين العبد وسيده على مال
يدفعه منجما أو دفعة إن قدر، يعتبر بعد دفعه إليه حرا، وأمر السيد أن يعين عبده
بإعطائه شيئا من ماله قال تعالى: { وَالَّذِينَ
يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}
الآية, والظاهر أن الخير يشمل صلاح العبد في دينه وأخلاقه وفي قدرته على الكسب
لنفسه. |
|
|
8- ورغّب الإسلام المؤمن في أن
يعتق أمته ثم يتزوجها بعد تأديبها كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما
رجل كانت عنده وليدة فعلّمها فأحسن تعليمها وأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها
وتزوجها فله أجران" الحديث، ومعنى هذا أن المطلوب من المؤمن أن
يحوّل جاريته الخادمة إلى ربة بيت راعية. |
|
|
9- وسن
الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته جعل عتق الأمة صداقها إذا أراد أن يتزوجها عن
أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق
صفية وتزوجها فقال له - أي لأنس ثابت - ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها
وتزوجها" متفق عليه. |
|
|
هكذا وقف الإسلام من عتق الرقيق له أبوابا وسبلا كثيرة
جدا رغبة في تحرير الرقيق وتقليل الرق كما قطع كل سبل الاسترقاق التي كانت سائدة
قبل الإسلام إلا طريقا واحدة عادلة وقد مضى بيانها. |
|
حقوق العبد مع بقائه
عبدا
|
|
|
لقد
اعتنى الإسلام بالعبيد الباقين في ملك ساداتهم حتى لم
تبق بينهم وبين السادة فروق جوهرية، فأمر سادتهم أن يطعموهم مما يطعمون،
ويلبسونهم مما يلبسون، ونهاهم أن يكلفهم من الأعمال ما لا يطيقون، ففي صحيح مسلم
عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى
غلامه مثلها فسألته عن ذلك قال: فذكر أنه ساب رجلا على
عهد رسول صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه
تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم
فأعينوهم عليه". |
|
|
ومما
يدل على شدة اهتمام الإسلام بالرقيق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى به في
آخر لحظة من حياته وقرنه بركن من أركان الإسلام وهو الصلاة كما روى أحمد وأبو
داود وابن ماجة من حديث أنس رضي الله عنه قال: كانت
عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم",قال الشوكاني في نيل الأوطار: ج7 ص 3: "حديث أنس أخرجه أيضا النسائي وابن
سعد وله عند النسائي أسانيد منها ما رجاله رجال الصحيح" أهـ. |
|
|
وللعبد
الحق في أن يقوم بشعائر دينه الواجبة عليه كالصلاة والصيام، ويجب على سيده أن
يرفق به كما مضى في الحديث وأن يساعده على أداء الواجب عليه، كما ينبغي أن
يساعده على أفعال الخير التي يريد فعلها وليست واجبة عليه كصلاة الجمعة والجماعة
والحج والعمرة وغيرها، بل ينبغي أن يأمره سيده بذلك ويعلمه أمور دينه ويأمره
بالمعروف وينهاه عن المنكر، وينبغي أن يزوجه إذا رآه في حاجة إلى الزواج، ويزوج
الأمة كذلك إن لم يكن راغبا فيها هو، حتى لا يضطر العبد أو الأمة إلى مقارفة الفاحشة. |
|
|
ومن
أراد الاطلاع على شبه الأعداء التي يوردونها للطعن في
الإسلام بسبب موقفه من الرق والجواب على تلك الشبه فليراجع (فصل الإسلام والرق)
من كتاب (شبهات حول الإسلام) للأستاذ محمد قطب. |
|
|
7-
الخادم |
|
|
اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يجعل بعض عباده أغنياء وبعضهم فقراء،
وسخّر كلاّ من الطائفتين للأخرى، هذه تنمي المال وتنفق منه على تلك، وتلك تقوم
بالعمل مقابل ذلك الإنفاق. |
|
|
الناس
للنـاس من بـدو وحاضـرة |
بعض
لبعض وإن لم يشعـروا خـدم |
|
والإسلام
يوجه الأغنياء المخدومين إلى التواضع وعدم التكبر على الخادمين، ويجعل لهؤلاء
حقوقا على أولئك يجب عليهم أن يؤدوها بدون مماطلة ولا نقص، فمن صفات المؤمنين في
القرآن الكريم قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلاماً }، وقوله { وَلا
تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }. |
|
|
فالمخدوم
ينبغي أن يتواضع مع خادمه ولا يترفع عليه لأنه قد يكون أعظم درجة منه عند الله،
وليس الفضل بكثرة الأموال ولا بعظم الأجسام ولا بغير ذلك من متاع الدنيا وزينتها
ومظاهرها وإنما الفضل بالتقوى { إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }
ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في معاملة الخادم ويكفينا
دلالة على ذلك أن نعلم أنّ أحد خادميه مكث معه صلى الله عليه وسلم عشر سنين
يخدمه في حضره وسفره ولم يقل له في شيء صنعه لم صنعته؟ ولا
في شيء لم يصنعه لمَ لم تصنعه. ففي صحيح مسلم عن أنس
بن مالك قال: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم
عشر سنين والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت
كذا". والرسول صلى الله عليه وسلم قدوة
حسنة لأمته وهي إذا لم تستطع أن تصل إلى درجة الكمال التي بلغها صلى الله عليه
وسلم فلتسدد ولتقارب. |
|
بعض حقوق الخادم على سيده
|
|
|
وللخادم على
سيده حقوق أذكر منها ما يلي: |
|
|
1- أن يعامله معاملة حسنة
ويحلم عليه إذا بدر منه خطأ، قال تعالى: {
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ}، وقال: { وَلَمَنْ
صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: "إن فيك
خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" رواه
مسلم عن ابن عباس، وروى مسلم أيضا عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"
وقد سبق، وسبق حديث أنس قريبا في خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم. |
|
|
2- أن يتواضع معه ولا يتكبر
عليه فإن التواضع مع الخادم يؤنسه ويشعر معه بالطمأنينة وعدم الحرج من العسر
والفقر، والتكبر عليه يوحشه ويشعر بسببه أنه محتقر لا
قيمة له فيضطرب ويعيش كئيبا حزينا، وقد ذم الله الكبر والمتكبرين وأعدّ لهم
عقابا أليما كما مدح التواضع والمتواضعين ووعدهم الجزاء الحسن قال تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ} وقال في وصف المؤمنين {
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}
وقال: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ }، وفي صحيح مسلم عن عياض
بن حمار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد
ولا يبغي أحد على أحد" وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: "إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى
الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"، وفي الصحيحين من حديث حارثة بن
وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ
مستكبر". |
|
|
3- قد يقوم الخادم بالخدمة في
مقابل طعامه وشرابه وكسوته، وقد يقوم بها بأجر معلوم من النقود أو غيرها، وفي
كلتا الحالتين يجب على المخدوم أن يؤدي إلى الخادم ما يستحق، ولا يجوزله أن يظلمه بنقص أجرته أو مماطلته فيها فإن فعل شيئا
من ذلك فقد ظلمهن, والله تعالى ذم في كتابه الظلم والظالمين كما حذر الرسول صلى
الله عليه وسلم منه قال تعالى: { وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في
الصحيحين من حديث: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس
بينها وبين الله حجاب", وفي صحيح مسلم من حديث أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق
امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" فقال رجل: وإن
كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال: "وإن كان قضيبا من أراك", وقد حذر الله المستأجر تحذيرا شديدا من عدم
إعطاء الأجير أجره, قال البخاري رحمه الله: "باب إثم من منع أجر
الأجير" ثم ساق بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم
القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى
منه ولم يعطه أجره"، فليحذر المستأجرون من أن يكون الله تعالى خصمهم
يوم القيامة. |
|
|
4- ومن أهم ما ينبغي أن يعتني
به السيد للخادم تعليمه ما يجب عليه وما يحرم من أمور دينه, وحثه على التحلي
بالأخلاق الفاضلة فإن في ذلك مصلحة عظيمة للسيد والخادم والمجتمع، كما ينبغي أن
يحذره من الأخلاق الرذيلة واقتراف الأمور المحرمة ويأمره بالمعروف وينهاه عن
المنكر لأنه أصبح مسئولا عنه كمسئوليته عن بقية أهل بيته. |
|
|
5- وإذا كان الخادم صالحا
كفؤا, وهو في حاجة إلى الزواج وعند السيد بنت أو أخت صالحة للزواج فيحسن أن
يزوجه إياها، فقد عرض الرجل الصالح صاحب مدين على موسى أن ينكحه إحدى ابنتيه
ونفذ ذلك بالفعل، وليس في عرض المرأة على الرجل
الصالح غضاضة ولا عيب، وإنما العيب كل العيب في ترك المرأة
تختلط بالرجال الأجانب وتختلي بهم فيحصل من ذلك ما يحصل من الشرور العظيمة، وهذا
ما لا يبالي به كثير من الناس وهو أمر قبيح يدل على دياثة
من يفعله، وإذا ذكر له عرض بنته على رجل صالح شمخ بأنفه وتكبر ورأى في ذلك حطا
من كرامته, وهذا من قلب الحقائق ووضع الأمور في غير موضعها، فإن الكرامة
والنزاهة في تزويج المرأة ولو اقتضى عرضها، والإهانة
والخسة في إطلاقها تفعل ما تريد، وتتصل بمن تشاء، وعرضها على رجل صالح يتزوجها
خير من اتصالها بفاسق يستبيح عرضها ويلطخ شرف أهلها برجس الفجور والفحشاء، وفي
سيرة سلفنا الصالح - في هذا الباب وغيره - خير قدوة لمقتفي آثارهم والله
المستعان. |
|
|
|
|
[1] شقصا بكسر الشين وسكون القاف نصيباً وفي رواية لمسلم أيضاً شركاً |