طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

صفحات من جهاد الصومال

لفضيلة الشيخ محمد مهدي محمود

 

 

الله أكبر الله أكبر ..

الله أكبر الله أكبر ..

أشهد أن لا إله إلا الله ..

أشهد أن لا إله إلا الله ..

أشهد أن محمدا رسول الله ..

أشهد أن محمدا رسول الله ..

حي على الصلاة ..

دوي هذا الصوت الجميل المبارك من فوق مئذنة مسجد بربرة ببلاد الصومال ينادي الناس لصلاة الفجر وتسبيح الخالق جل وعلا، فقد انسلخ الليل وانبلج الفجر وبدت تباشير الصباح، وأذنت الديكة، وغردت البلابل، وشقشقت العصافير، وغنت الطيور مسبحة بحمد الله المنعم على الكون فتجاوب مع تسابيح الكون بذكر الله وتوحيد ذي الجلال والإكرام، والكرامة التي تأبى الذل والعار، منادي السماء وداعي التوحيد، الله أكبر الله أكبر، ولكن هذا الصوت الملائكي العذب الجميل .. لم يعجب ذلك القسيس الإنجليزي .. الذي جاء من بلاده .. ليدرس عقائد أهل الصومال وعاداتهم ولغاتهم، ولينقلهم من دينهم لدين آخر يرتضيه المستعمرون! فسرعان ما أخرج مسدسه وصوت رصاصات طائشة على منادي السماء، وهو يدعو الناس إلى عبادة الرحمن، إن القسيس يطلق الرصاص في وحشية وجنون على المؤذن الأعزل بحجة أنه قطع عليه نومه وأحلامه الجميلة البراقة ..

نزل المؤذن صارخا مستنجدا بأهل الصومال .. مستحثا فيهم العزة الإسلامية، والنخوة، والمروءة، والهوان، وسرعان ما دوي صوت النجدة بين أبناء البلاد وشجعانهم، واجتمعت الجماهير، وتعالى صوت العزة والحرية:الجهاد!!!  الجهاد!!!  الجهاد!!!

بيد أن الأنظار تتجه دائما نحو مركز البطولة الحقة، نحو القيادة التي تفنى في خدمة الشعوب في إخلاص وتقوى، وخوف من الله، فها هو ذا بطل الصومال يتزعم الجماهير ويقود الثورة ضد الإنجليز وأذنابهم، إنه العالم المجاهد: الشيخ محمد عبد الله حسن، ولد رحمه الله عام 1273هـ الموافق 1856م في قبائل الأوجادين، ولما شب وترعرع حرص والده رحمه الله على تعليمه القرآن وجدّ في التحصيل، ورحل إلى بربرة وهو في حداثة سنه، ثم لازم العلماء ينشر العلم والدين، ثم سافر إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج، ولمقابلة علماء الحرمين الشريفين والأخذ عنهم، ولما عاد إلى الصومال ذاع صيته، وأقبل عليه طلاب العلم والمعرفة يرتشقون من منهله العذب، فكان رحمه الله يقسم وقته بين:

أ- إفادة الطلاب.

ب- وعظ الجماهير.

ج- تأليف الكتب.

إلى أن دوي صوت الجهاد, وحانت ساعة البطولة الخالدة، فنزل إلى الميدان مستمدا العون من الله العلي القدير على منازلة الأعداء، أعداء الله والإنسانية، والوطن، لقد سارع في إصدار إعلان الجهاد المقدس إلى شعب الصومال يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله.

فقرات من وثيقة إعلان الجهاد المقدس:

"بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين على أمور الدنيا والدين … إن أجل طاعة الله نصرة دينه وجهاد أعدائه … وقد جاء الإنجليز إلى بلادنا، وليس لهم غرض إلا إذلالنا وإفساد عقيدتنا، ونشر الإلحاد في أوطاننا، والسكوت على أمر كهذا معناه الرضا بالكفر، وعذاب الكفر لا يحل على القوم الكافرين … أعظكم أن تقوموا بواجبكم الديني وأن تدافعوا شر هؤلاء قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء … إن علماء الكفار غزوكم في بلادكم .. يريدون إفساد دينكم .. معتمدين على حماية حكوماتهم، وما لديها من سلاح وعتاد .. فحسبكم من سلاحكم إيمانكم بالله وقوة عزيمتكم فلا ترهبوا جنودهم ولا كثرة سلاحهم، فالله أقوى منهم وأكثر جندا، وكونوا صابرين على الشدائد موطنين النفس على طول الجهاد في سبيل الدين والعقيدة … وإذا رأيتم من المسلمين من يعين عليكم الكفار بأن دلّوهم على الطرق أو أماكن المياه أو كانوا لهم عيونا وجواسيس فاقتلوهم حيث وجدتموهم فليسوا بمسلمين قال عليه الصلاة والسلام: "من حمل علينا السلاح فليس منا".

أعلن جهادي أنا ومن اتبعني على الحكومة الإنجليزية وأعوانها مستعينا بالله .. وإني لأرجو أحد الفوزين: أن أموت شهيدا أو أطهّر البلاد من درن الكفار والله ولينا وهو حسبنا ونعم الوكيل".

ومن ثنايا هذه الوثيقة التاريخية الهامة نلمس مدى ما كان عليه الشيخ رحمه الله من قوة الإيمان وصفاء العقيدة وحب الاستشهاد في سبيل الله مع ما تحلّى به من الشجاعة وقوة الرأي وصفاء العقل ونور البصيرة، ويظهر ذلك في وضوح في هذه النقاط الحيوية التي تحدث عنها والتي شملت الناحية الدينية والحربية والسياسية، أعلن رحمه الله الجهاد على الإنجليز ومن تحت حمايتهم وأخذ للأمر عدته، وجمع الصوماليين من مختلف أقسام الصومال واستحثهم على القتال، وتخليص أوطانهم من أدران الإنجليز، وبنى أكثر من أربعين حصنا أودعها الذخائر والمؤن التي جمعها، وصنع فيها صهاريج لحفظ المياه، وأنشأ قلاعا في داخل الأوجادين، وقسّم الجيش إلى فرق متناسبة بطريقة تكفل له النصر وتحقق الظفر، فألّف فرقا خاصة من العلماء وزعماء القبائل ممن عرفوا بالشجاعة وقوة الشكيمة وأعدّها لقتال الفرق الإنجليزية الخالصة، كما ألّف فرقا أخرى من الصوماليين غير من تقدموا لمقاتلة جنود المستعمرات وغيرهم الذين يجلبهم الإنجليز لهذه الحرب ويجعلونهم وقودا للدمار وضمانا لتوفير المواد الغذائية للجيش، أصدر أمره رحمه الله إلى الزراع بالاجتهاد والتوسع في الزراعة ليكثر محصولها وتكفي مؤونة الجند وأهل البلاد، وقد أبدى في هذه الحرب من ضروب الشجاعة والدعاء في القتال ما أقضّ مضاجع المستعمرين وكلّفهم الكثير من الأموال والرجال طيلة خمسة وعشرين عاما كان النصر فيها معقودا بلوائه، مع قلة رجاله وضعف عدته وكثرة عدوه وقوة أسلحته، فلم تستطع أنجلترا وهي في عنفوان طغيانها واستبدادها أن تنال منه في قليل أو كثير، فتعهدت له كتابة بما كان قد طلب تغييره مما يتنافى مع الدين، ولكن نفسه العالية - رحمه الله - أبت إلا إخراج الإنجليز الذين دنّسوا البلاد برجسهم وكفرهم.. وهنا تلجأ قوى الاستعمار إلى التكتل .. وتحارب الشيخ من كل الجهات فتتعاون الجيوش الإيطالية- الحبشية في ذلك الوقت - على هدم هذا الطود الشامخ..

ويلجأ الإنجليز في محاربة الإمام المجاهد العظيم إلى كل الوسائل الاستعمارية التي أتقنوها ومارسوها في كل العصور محاولين إطفاء هذا القبس المضيء لأبناء أفريقيا عامة طريق النور والخير والحرية في ظل الإسلام العظيم، وكانت السلطات الحبشية الإيطالية جادة في مطاردته والقضاء عليه وقويت شوكة خصومه، وكانت سنه قد تقدمت فأخذ ينتقل من مكان إلى آخر حتى انتقل إلى رحمة الله ورضوانه، ودفن في مكان من الصومال الأوجادين لا يعرفه إلا خاصة أصدقائه، وحاول أعداؤه العثور على جثته فلم يهتدوا إليه، وبقي تاريخ جهاده بين أبناء الصومال جميعه يتناقلونه بالفخر والإعجاب.

ترجم له الأجانب ولقّبوه بأسد الصحراء، ولم يترجم له المؤرخون العرب بعد إلا ما كتبته بعثة الأزهر في بلاد الصومال وأرتيريا وعدن والحبشة عام 1368هـ بقلم الشيخين (عبد الله المشد)، والمرحوم (محمود خليفة) في تقريرهما القيم الذي رجعنا إليه في كتابة هذا المقال، ولعل الله سبحانه وتعالى يوفق أبناء الجامعة الإسلامية من الطلاب الصوماليين إلى جمع تراث الشيخ رحمه الله، وإبراز حياته في صورة واضحة مشرقة كي تكون حياته مدرسة لأبناء أفريقيا عامة، وليقفوا صفا واحدا أمام هذه الحروب الوحشية البربرية التي لا زال الغرب المستعمر يشنها على أبناء أفريقيا لسلب حرياتهم وتغيير دينهم .. والاستيلاء على خيرات بلادهم، وقد ظهر ذلك في وضوح في مأساة نيجيريا التي راح ضحيتها المرحوم أحمدو بيللو رحمه الله رحمة واسعة.

وكذا مأساة الكونغو وجنوب السودان وجنوب أفريقيا الخ، ولنا في بطل التضامن الإسلامي الملك فيصل حفظه الله خير قائد في العصر الحديث إلى حياة العزة الإسلامية في ظل نور الله تبارك وتعالى تحت راية القرآن الكريم وهدايته، ولعل وزراء المعارف والثقافة والإعلام يحرصون على جمع تراث هذا الشيخ المجاهد وتقديمه للمكتبة الإسلامية كي ينتفع به الجيل ويقبل على الارتشاف من مناهله الشباب الإسلامي في أفريقيا خاصة فيكون قدوة حسنة لحياة الجهاد والكفاح وحصانة لهم من التردي في مهاوي الغزو الفكري العنيف.

أما بعد:

فهل نرى لأبناء أفريقيا عامة وأبناء الصومال خاصة نشاطا قويا بنّاء ضد الاستعمار وأذناب الاستعمار الذين تثقفوا بثقافات استعمارية ضالة مغرقة في الكفر والضلال والانحراف فراحوا يتهافتون على المبادئ المنحرفة منخدعين بهذا السراب الكاذب .. لقد توالت الأنباء عن دولة الصومال الإسلامية التي سعدت بنور الإسلام وهدايته، وظلت فترة طويلة من الدهر قلعة من قلاع الإسلام وحصنا حصينا لتعاليم الإسلام.

توالت الأنباء - والحسرة تدمي قلوب المؤمنين -بأن الاتجاه الجديد في جمهورية الصومال إلى بناء المجتمع الصومالي على أسس الاشتراكية العلمية الماركسية، واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، هذا الاتجاه الذي ينافي العقيدة الإسلامية, وتقاليد الشعب الصومالي المسلم الذي ظلّ وفيّا للإسلام رغم ضغوط الاستعمار.

يا شعب الصومال إن تاريخك المشرق .. في جهادك في نشر الإسلام العظيم المبارك، يسمو بك عن التردي في مهاوي هذا الظلام وهذا الضلال .. لقد عرف العالم كله الفشل الواضح للمبادئ الماركسية في كل الميادين، وهاهو الاتحاد السوفيتي يتراجع في خزي وذل وهوان عن نظريات ماركس الرئيسية.

لقد اعترف الاتحاد السوفيتي بأنواع من الملكية الخاصة, وبالوراثة وبالحوافز المادية، لقد فشلت الاشتراكية العلمية في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية ونجحت في سلب الحريات العامة، وإذلال الشعوب، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وتشريد الأحرار, وتعذيبهم في السجون والمعتقلات بالوسائل التي تنم عن الوحشية والإجرام الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا إلى في تاريخهم المظلم المغرق في الظلم والظلام والضلال المبين.

وهذه نتيجة طبيعية .. إذ إن الشيوعية لا تعترف بدين، ولا بخلق، ولا بحساب وبعث، إنها كفر وضلال وإلحاد .. إن أصولها خبيثة، إن نباتها سام، إنها شجرة الزقوم، إن الشيوعيين حيوانات سائمة فقدوا إنسانيتهم وفقدوا كرامتهم، فهم عبيد مسخرون لعبادة أشخاص أصحاب مبادئ ضالة أردتهم في أسوأ نهاية ثم لهم جهنم وبئس المصير.

يا علماء الصومال، يا أبناء الجامعة الإسلامية أعيدوها إسلامية واضحة مشرقة السنا والسناء، وجاهدوا في العمل بالحكم بكتاب الله حتى تنعم البلاد بنعمة الهدوء والاستقرار، واحرصوا على نشر اللغة العربية, وجعلها اللغة الرسمية للبلاد، حتى تظل الصلة وثيقة بالقرآن الكريم, والسنة النبوية, والتراث الإسلامي العظيم, والاخوة الإسلامية مع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، طهّروا البلاد من آثار الغزو الثقافي في ميادين التعليم, وفي أجهزة الإعلام عامة، وفي ثقافة المرأة والمحافظة على تقاليدها الإسلامية المباركة، مع الحرص على رعاية الشباب من الانحراف.

يا أبناء الصومال .. أعيدوها إسلامية واضحة نيرة، وإن مصادر النور والخير والسعادة والهداية والفضيلة والشرف والعزة والنصر, تتمثل هذه المصادر في:

أ- كتاب الله، وكتاب الله هو النور الخالد .. وفي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فالرسول صلوات الله وسلامه عليه هو الهادي الأمين إلى نور الله المبارك.

ب- وفي ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم فهم ورثة النور المحمدي.

وفق الله المسلمين إلى أسباب عزهم ومجدهم، هذا وبالله التوفيق.