|
|
الإسلام حرية
منظمة وإخاء
|
|
بقلم: الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي |
|
المدرس في كلية الدعوة
وأصول الدين بالجامعة |
|
|
|
كان هدف الإسلام
العقائدي الأول تحرير العقل البشري من قيود الجهالة، وانحرافات الضلالة، وتخليص
العقيدة من جمود الفكر وتبلد الحس، وتنقية النفس من أسر التقليد وعبودية العادة. |
|
فلقد كان الإنسان قبل
مجيء الإسلام يعيش في سجن مغلق يمسك بمفتاحه السلطان الكهنوتي الذي يوجه العقول
وفقا لخطة استغلالية مرسومة، وتبعا لمصالح ذاتية موضوعة. |
|
هذا في الغرب. وفي
الشرق كان يمسك بالزمام جماعات من الأحبار والرهبان لا ينهضون لتحرير العقيدة،
وإنما ينهضون لبقاء سلطتهم وتثبيت نفوذهم على ما كسبوا من أتباع، وما انضم إليهم
من أشياع. وفي مكة الذات كان يقف إلى جانب سلطان الأحبار والرهبان سلطان رهيب من
العصبية الحمقاء، والتقاليد الموغلة في الضلال، والعادات العريقة في الانحراف. |
|
وجاء الإسلام بنوره،
وبزغت فكرة التوحيد الإسلامية البسيطة، تشع وضوحا وبساطة وإقناعا، ليست في حاجة
إلى فلسفة معقدة أو إلى مغالطة مبلبلة أو إلى جدال عقيم. إنما تعطى المبدأ
الحقيقي في يسر وسهولة وفي إشراق وإقناع. |
|
وبرز إلى الوجود الشعار
الصادق الخالد: |
|
(لا إله إلا الله، محمد رسول الله). |
|
وأعلن الرسول الكريم –صلوات
الله وسلامه عليه- مفتاح الباب إلى الإسلام، وأعطى إشارة المرور للحيارى
والضالين ليعبروا منطقة الظلام إلى منطقة الأمان. وما أروع هذا الشعار وما
أعظمه، وفي الوقت نفسه ما أبسطه وأيسره. لأنه يعطى الحقيقة كلها عن الوجود
وخالقه مجردة لا غموض فيها ولا إبهام، ولا تعقيد ولا جمود. |
|
ولقد حرص رسول الإسلام –صلى
الله عليه وسلم- على بقاء هذا الشعار واضحا متجردا، وحذر مما وقع فيه أتباع
الديانات السابقة من خلط وتلبيس، ومن تحريف وتدليس. ونادى بتجريد فكرة التوحيد
من كل ما يوحي بالشرك، بل نادى بالابتعاد عما يوهم به، ولو كان هذا الإيهام في
المظهر أو في المخبر، في الصورة أو في الحقيقة، في العبادة أو الحياة الفردية أو
الحياة العامة. |
|
وضمن هذه العقيدة
الواضحة تقررت العلاقة المباشرة بين الفرد وخالقه. فهو لا يحتاج في استقبالها
إلى وسيط، ولا يتوقف فهمها على سدنة أو أحبار. وإنما مجرد دعاء صادر من الأعماق
يردد. |
|
لا إله إلا الله محمد
رسول الله. |
|
وضمن هذا الوضوح البالغ
تقرر بالأصالة تحرير الفرد من سلطة الكهنة، وتحريره من التبعية للأحبار أو
الرهبان... ويستطيع كل ذي سمع أن يسمع (الشعار) أو يفهمه ويرتضيه دينا له،
ويباشر عبادته مع ربه ومولاه. |
|
وكما حرر الإسلام عقيدة
الفرد، حرر حياته ووجوده، فهو خليفة الله في الأرض يتحمل المسئولية، ويشارك في
مهام الوجود في الدائرة التي هيئ لها، فهو راع، وكل راع مسئول عن رعيته. وأمام
توزيع المسئولية على الجميع بلا استثناء أصبح الكل سواسية بلا استثناء، وإنما
الخلاف فقط في نوع المسئولية، والخلاف في اختلاف مواقع المسئولية. ولكن الكل
محاسب والكل يتحمل واجبات معينة أمام المجتمع الإسلامي العام، والكل مسئول. |
|
وتجاه هذه المسئولية
وأمام هذه المساواة، فلكل فرد حقوقه الذاتية، فهو حر في تكوين منزلة، حر في
اختيار العمل الذي يزاوله، حر في كسب عيشه. وقد صان الإسلام هذه الحرية فلا يصح
لأي سلطة التدخل في هذه الحرية إلا بحق
توجه عليه أو بواجب لزمه. |
|
وأمام هذه الحريات
الأصلية تقوم واجبات معينة، هذه الواجبات هي التي يمليها النظام العام للجماعة،
والتي تحتها المصلحة المطلقة للأمة. فالحرية ليست فوضى، والحياة ليست انطلاقة
نحو التدمير والتخريب تحت سلطان الرغبة وميل النفس وجموح الهوى. |
|
ولنسمع إلى القرآن
الكريم وهو يقرر هذا الشعار النبيل: |
{وَلَكُمْ فِي
الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
|
|
لم يطالب القرآن
بالعقوبة، ولم يدع إلى الانتقام. وإنما دعا إلى التفكير في القضية كلها بدايتها
ثم تسلسلها ثم نهايتها. لأن الفرد المتأمل لهذه القضية سيدرك أن محاولته العدوان
على غيره ليس تحطيما لهذا الغير وحده، وإنما تحطيم لنفسه أيضا. وأنه ما دام قد
وهبة الله العقل والتفكير فيتحتم عليه أن يصل إلى النتيجة الحتمية. وهي أن
القصاص حياة له، وحياة لغيره، وحياة للمجتمع. |
|
ولو تتبعنا صورة
للعدوان في مجتمع بدائي لوجدنا أن الأمر يجري على هذا النحو.. يبدأ فرد بالعدوان
على آخر، وبذلك يكون قد حكم على نفسه بالموت لأن أنصار القتيل لن يتركوه من غير
انتقام. وعندما تتم عملية الانتقام تتبعها عملية مماثلة وهكذا يتحول القتل إلى
سلسلة متوالية تهدد حياة الجماعة وتحرم المجتمع أمنه واستقراره، فلا يركن فرد
فيه إلى الدعة أو الاستقرار لأنه يتحول أما مطلوب لدم، أو مطالب بدم. |
|
ومن هنا جاء النظام
الأم، النظام الأصل، التشريع الإسلامي العادل الرحيم وصاح في الأغبياء هبوا أيها
الضعاف، وأدركوا الحقيقة. أن القصاص ليس عقوبة، وليس قسوة ولكنه رحمة بل إنه
الحياة، وما أقل حوادث العدوان في مجتمع يأخذ به، وما أكثر حوادث العدوان في
مجتمعات عطلته. إن الله سبحانه وتعالى اللطيف الخبير أعلم بالأسرار والخفايا..
ولهذا كان القصاص حياة. |
|
وفي الحرمات كلها تتكرر
القصة وتتمثل الصورة الرائعة. فإن أردت أن تحمي مزرعتك من العدوان فلا تعتدي على
مزرعة غيرك، وإن أردت أن تصون حماك فلا تقتحم حمى لسواك. |
|
وإذا تطلعت إلى عورات
جرك أعطيت له الفرصة ليتطلع إلى عوراتك وقدمت له السلاح الذي يستخدمه ضدك. وكما
تدين تدان، والديان لا ينام، والرقيب العليم لا يخطئ ولا تخفى عليه خافية في
الأرض ولا في السماء. |
|
والحرية التي يدعيها
المهرجون، ويتشدق بها دعاة الهمجية ليست حرية وإنما هي بوهيمية نازلة، وفوضى
سافلة تعود بالمجتمع إلى حياة الحيوانات. فلا حدود للأعراض، ولا حدود للحقوق،
ولا حدود للواجبات، ولا حدود للأخلاق، وإنما يعيش الناس في مهزلة جماعية يشترك
فيها الجميع وهي مهزلة مبكية ومضحكة في وقت واحد. يدعي الكل فيها أنه حر وهو في
الواقع أشد ما يكون عبودية لأخس الرغبات وأحط الرذائل، يعيش في مجتمع يسيطر عليه
النفاق والخداع والمداهنة، وتستولي عليه المجاملات الكاذبة بينما يغلي بالنقد
الأخرس والحقد الأسود والسخط المكبوت. فلا أحد راض عما يحدث حوله لأن ما يحدث
هجوم فعلي على عقائده، ولكن لا أحد يتكلم لأن الكل يتشدق برنين أجوف باسم
الحرية، وباسم التصرف الشخصي. |
|
لقد صور الرسول النبيل –صلى
الله عليه وسلم- فكرة الحرية في بساطة الإسلام ووضوح العقيدة بصورة حسية حينما
ضرب المثل بقوم كانوا في سفينة، واحتل بعضهم المواقع العلوية في السفينة، واحتل
آخرون الموقع الأسفل منها. وكان على الرابضين في الموقع الأسفل أن يستقوا الماء
بواسطة إخوانهم الذين يعيشون في أعلى السفينة ولكن شيطان الحرية وسوس لهم،
وطالبهم بالثورة على هذه التبعية باسم الحرية الحمقاء. وهتفوا: لماذا لا نخرق في
مكاننا خرقا نأخذ منه الماء مباشرة من البحر لنتحرر من التبعية. |
|
ولو مضى هؤلاء النفر
ينفذون خطتهم باسم الحرية فماذا ستكون النتيجة؟ |
|
يرد الرسول الكريم –عليه
الصلاة والسلام- على هذا السؤال فيقول: |
|
"فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وإن
أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً". |
|
والواقع أن بعض
المفلسين لا يضره أن يحترق السوق بما فيه لأنه لن يبيع ولن يشتري، ومثله بعض
المأفونين الذي لا يضره صلح المجتمع أم فسد، وإنما يردد: علي وعلى أعدائي. |
|
وإذا كان الرسول –صلى
الله عليه وسلم- قد عالج في الحديث السابق قضية الفوضى ووضع حدا للحرية. فهو في
حديث آخر يسجل أسس النظام، وقواعد المعاملة في إطار المجتمع. ويسجل أن الإسلام
دين الأمن والأمان، وشرعه النظام والوئام. يروي مسلم في صحيحة عن أبي هريرة: |
|
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا. ومن غشنا فليس
منا". |
|
وفي الشطر الأول من
الحديث إقرار لأمن الجماعة وحماية لاستقرارها، ودعوة صريحة لاحترام النظام
القائم ولتقديس الأمن الداخلي للأمة، لأن محاولة الخروج عليه فتنة لا تأتي إلا
بالدمار والهلاك. فما دامت الحياة ماضية على سنن الإسلام وهدي القرآن، وراية
الدين عالية ودستور القرآن منفذ، والأحكام الشرعية سارية يتحتم علينا أن نقف إلى
جوار هذا الأمن عاملين على تدعيمه ليكون شوكة في ظهور العصاة وحربا على
المجرمين، ولتكون له القدرة في الدفاع عن الحدود والوقوف في وجه أعداء الدين
والإسلام. |
|
ولقد أنذر الرسول –صلوات
الله وسلامه عليه- كل من يخرج على هذا الأمن بأنه ليس منا وليس في جماعة المسلمين.
لأن الإسلام دين سلام ونظام لا يرضى بالفوضى ولا يقبل العبث وإنما يدعو أعوانه
إلى الحب والإخاء والمودة والتصافح والتعاون لا إلى التناحر أو الخلاف. |
|
وأما تدعيم الإسلام
لنظام المعاملة ولإرساء قواعد الأخذ والعطاء. فقد تحدث عنه الحديث في الشطر
الثاني حيث يقول: "ومن غشنا فليس منا". |
|
وإذا كان الأمن الداخلي
هو عمود الاستقرار، ومحور السلام والنظام. فإن النظام الاقتصادي الصحيح هو عمود
الرخاء ورفع مستوى المواطنين وتوفير العيش والحياة الكريمة لهم. ولم يترك
الإسلام أمر ذلك للحرية المطلقة لتتحول الحياة الاقتصادية إلى مضاربات ومراهنات،
وإلى مقامرة أو مغامرة بل حرم الربا والمراهنة أو المقامرة وحرم الغش والخداع.
وأعطى التشريع الإسلامي للمشتري الحقوق التي تكفل له الرجوع على البائع عندما
يخدعه أو يغشه. "فالبيعان بالخيار ما لم
يتفرقا". فإذا تفرقا لا ينتهي الأمر بهذا التفرق بل لكل منهما حق
الرد بالعيب إذا ظهر في العين المشتراة عيب لم يعلنه البائع للمشتري، أو حدث منه
تدليس. وكذا للبائع رد الثمن إذا ظهر أن النقد الذي قبضه مزيف أو فيه عيب من
العيوب. |
|
وبهذه القواعد، وبهذا
التحذير الرهيب، الذي يهدد بطرد "من غشنا" من جماعة المسلمين يتحتم
على كل من يعمل في حقل التجارة أن يكون أمينا في معاملاته، صادق النية في أخذه
وعطائه. والتاجر الذي يخدع أخاه، إنما يخدع نفسه، لأن دولة الباطل لا تدوم، وثوب
الخداع يشف عما تحته. والقرآن الكريم يقول:
{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا
أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. الأنفال، الآية 27 . |
|
وأذكر أن الأستاذ الشيخ مصطفى عبد
الرزاق شيخ الأزهر الأسبق وقف يتكلم في احتفال عام ولكن بعض الحمقى حاول إفساد
نظام الحفل. فإذا به يتنمر ويقول ما خلاصته: |
|
إن الله سبحانه وتعالى
أقام عالمه على أساس النظام فالشمس تجري لمستقر لها محسوب ومقدور، والقمر قدرناه
منازل، فلا الليل يسبق النهار ولا يحدث العكس. ولو اضطرب أمر النظام ولو بأقل من
شعرة لاضطراب أمر العالم. فالنظام سر الكون وهو عمود الحياة وقوام الوجود ولولاه
لأصبحت الحياة فوضى لإقرار فيها. |
|
ونظرة هادئة –ولا أقول
فاحصة ولا متعمقة- إلى التشريعات الإسلامية تجدها تعطي أجمل صورة للنظام وللعدل
ولوضع الأمور في نصابها. |
|
تأمل معي عشرات الألوف
ذات الأمزجة المختلفة والطبائع المتباعدة والجنسيات المتفرقة، وهي تقف متراصة
مصطفة داخل مسجد الرسول –عليه الصلاة والسلام- تجمعها كلمة واحدة (الله أكبر)
وتسرحها كلمة واحدة (السلام عليكم). لقد شاهدت بنفسي الجيوش وهي تتجمع في
المناسبات ورأيت ما تحدثه من فوضى، وما تأخذه من وقت رغم التدريب المتواصل
والمران البعيد المدى. |
|
وتأمل معي هذه الجماعات
من الباعة وذوي الحرف، وهي تهرول في طريقها إلى منادى الصلاة، تتوضأ خمس مرات في
اليوم في أوقات متباعدة. هل لأمة من الأمم مثل هذا النظام مهما بلغت حضارتها
وتقدم النظام الصحي فيها. |
|
ثم هذه الزكاة التي تضع
أفضل نظام لتقريب الفوارق بين الناس، وتمضي حسب خطة عمادها التعاون والإخاء لا
الطغيان أو العنف. فالذي يعطي راض، بل وشاكر لله على توفيقه، والذي يأخذ راض،
وشاكر لله على نعمائه وعلى ما هيأ له من إخاء وإيمان وإسلام. وشاكر أخاه داعيا
له راجيا الخير للمجتمع. فلا حقد ولا سخط ولا انحلال أو فقدان للثقة أو انعدام
للمسئولية. |
|
والحق أن الإسلام كل
صوره عدالة وبساطة ويسر، وسلام وحب ونظام. |