|
|
|||
أثر الاستعمار
في مناهج التربية والتعليم في بعض البلاد العربية
|
|||
|
بقلم: الشيخ محمد المهدي محمود |
|||
|
المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة |
|||
|
|
|||
|
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على من اصطفاه الله رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم، الذي سعدت الدنيا ببعثته واستنارت برسالته، واهتدت بنور واستنارت برسالته،
واهتدت بنور الله تبارك وتعالى، قال جل شأنه: |
|||
|
{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال سبحانه وتعالى: |
|||
|
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ
بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم. أما بعد: |
|||
|
فحينما تجلت رحمة الله
تبارك وتعالى على هذا العالم، وأراد الله له الهداية، بعث المصطفى صلى الله عليه
وسلم بخير كتاب كريم، يهدي إلى أقوم سبيل، وبذلك استنارت الدنيا بهذا المصباح
السماوي المبارك، وسطعت شمس الهداية الربانية، على يد هادي البشرية، ومنقذها من
الضلال، المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي كانت رسالته رحمة عامة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. |
|||
|
رحمة عامة، شاملة
مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة، رحمة في العقيدة والتشريع والأخلاق، والنظام
العام في الأسرة والمجتمع أنها رسالة الأخلاق السامية، قال صلوات الله وسلامه
عليه: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء،
سبحانه وتعالى، قال جل شأنه: |
|||
|
{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وقال سبحانه: {كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ
أُولُو الأَلْبَابِ }. |
|||
|
وبذلك شهدت الإنسانية
نورا عاما في مناحي الحياة، نوراً في العقيدة، وحكمة في التشريع، وعظمة في
الأخلاق، وضياء في المعرفة الكونية، وهداية لأقوم السبل، هداية عامة مباركة
للحياتين الدنيا والآخرة، بأسلوب في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة، مع إعجاز عام
في كل أنواع المعرفة، فالقرآن بحر لا ساحل له، وتقدم العلوم والمعارف يكشف عن
بعض ما في القرآن من معان تتحدى أساطين الكشف والاختراع. |
|||
|
درج المسلمون في عصورهم
الزاهية الأولى. أيام مجدهم، وعظمتهم، وعزتهم، على العناية بكتاب الله. مصدر
الهداية الحقة، ومصدر الخير والحق والنور، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم،
فلقد كان الهادي الأمين صلوات الله وسلامه عليه يوجه عنايته التامة إلى كتاب
الله عز وجل، لقد أنس بكتاب الله، رأى نور الله في التنزيل الرباني. الذي أحكمه
مبدع السماوات والأرض، فعكف على ترتيل كلام الحق جل شأنه، متدبرا ما توحي به
الآيات المباركة من فيض المعاني الربانية وما فيها من أسرار قدسية، ويجد أسعد
أوقاته في رياض القرآن تاليا ومستمعا ومتدبرا لما ترشد إليه آيات الذكر الحكيم،
ويقوم صلوات الله وسلامه عليه، يقوم الليل الطويل مرتلا للقرآن الكريم، ترتيلا
لم تشهد الدنيا أجمل منه، يناجي المولى بحديث اختاره الله بعلمه، وأحكمه بقدرته،
يتلو كتاب الله في السحر فتسيل عبراته على وجناته، مبللة لحيته الشريفة المباركة
يرجو الله، ويستمطر رحمته، ويطلب عفوه، ويستعيد من عقوبته، يطلب رضوان الله،
ويسأله الجنة، واللطف بأمته. |
|||
|
ويأتي السلف الصالح
رضوان الله عليهم فينهج سنة سيد القائمين والقانتين في العناية بكتاب الله تلاوة
وعملا، ويحكمون كتاب الله في كل شيء من أمور دينهم ودنياهم، فكانت لهم السعادة،
وتكونت الأمة الإسلامية في أوج عظمتها وسيادتها، فقهرت الفرس والروم، وزلزلت
عروش الأكاسرة والقياصرة، ودانت لهم البلاد بالنصر والفتح المبين وصحبهم نصر
الله، ونصر الله للمؤمنين الصادقين المجاهدين في ظل راية القرآن وهداية القرآن
الكريم وصدق الحكتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ق تبارك وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. |
|||
|
إن هذا النور الإلهي
يهدي ويوصل للتي هي أحكم وأقوم وأعدل، يهدي لأقوام الطرق وأرشدها وأكملها. |
|||
|
ظل المسلمون على خير
حال إلى أن ابتعدوا عن مصدر عزهم ومجدهم.. وأهملوا كتاب ربهم.. وفقدوا صلتهم
بأخلاق القرآن وآدابه وهديه.. فمالت الراية الإسلامية وضاعت الخلافة العثمانية
بسبب مؤامرات الأعداء من اليهود والصليبيين الذين توصلوا إلى تحطيم هذا الطرد
الشامخ عن طريق إبعاد المسلمين عن آداب القرآن وهديه، وإشاعة الفوضى الخلقية،
وبث الدسائس والفتن والمؤتمرات، وكر المستعمرون بدورهم على الدول الإسلامية
يحتلونها ويسلبون خيراتها، وينشرون الفساد العام في كل ناحية من النواحي، وظهرت
الحرب الصليبية من جديد، ولكنها في شكل آخر، ومظهر مغاير، بدأت الحرب الصليبية
على يد إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا تحاول إبعاد
المسلمين عن دينهم، وسلب خيرات بلادهم، وسيق أحرار الرجال إلى السجون والنفي،
ولكن المستمر الماكر الخبيث يرى أن كل هذا لا يكفي، ولن يطمئن إلا إذا أبعد
المسلمين عن القرآن الذي كان سببا وباعثا في بناء الدولة الإسلامية وقوتها
وصمودها، فلا بد من الحيلولة بين المسلمين وبين مصدر عزهم ومجدهم وعظمتهم، وها
هو ذا اللورد غلادستون يقف في مجلس العموم البريطاني ويعلن السياسة الاستعمارية
في حربها للقرآن الكريم فيقول: لا قرار لكم في مصر ما دام هذا الكتاب في أيدي
المصريين. |
|||
|
وبدأت الحرب الصليبية
تسير في قوة وعنف عن طريق الغزو الفكري الصليبي، ويبدو في وضوح في الأمور
الآتية: |
|||
|
1- الإرساليات التبشيرية |
|||
|
2- المستشفيات التبشيرية |
|||
|
3- المدارس الأجنبية |
|||
|
4- البعثات التعليمية |
|||
|
5- السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه وتوجيهها وجهة رسمها
المستعمرون لتحقيق أهدافهم وأغراضهم. |
|||
|
قامت الإرساليات
التبشيرية بممارسة نشاطها في أفريقية وآسيا مدعمة بجميع الإمكانيات المادية من
أجل أن تنشر النصرانية في ربوع أفريقية بين المسلمين وغير المسلمين وما زالت هذه
الإرساليات تمارس نشاطها حتى الآن في بعض الدول بأساليب شتى، منها المستشفيات
العديدة في البلاد التي تمارس فيها التبشير. |
|||
|
ومنها المدارس التي
أنشأتها زاعمة أنها للعلم والتهذيب وهي لصبغ أبناء المسلمين بصيغة الحادية،
وإبعادهم عن فهم الإسلام وتعالميه، وإخراج جيل بعيد عن الإسلام عقيدة وروحا
وشعورا. |
|||
|
ومنها البعثات
التعليمية التي تختار من بين المعروفين بميولهم الإلحادية. هذه لمحات سريعة عن
خطر الإرساليات التبشيرية والمستشفيات التبشيرية، والمدارس الأجنبية التي تغزو
المسلمين في أفريقية، وما زالت تمارس نشاطها في الكثير من البلاد، وكل من يقوم
بجولة في ربوع أفريقية يرى بوضوح هذه السياسة التبشيرية، ويلمس حاجة المسلمين
إلى المعونات الأدبية والمالية، وقد أفاض في بيان ذلك فضيلة الأستاذ محمد
العبودي أمين عام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كتابه القيم (في
أفريقية الخضراء) واستطلع أحوال المسلمين، وناقش قضاياهم واحتياجاتهم في التوجيه
الديني، والدفاع عن الإسلام، وذكر الكثير من الأمور التي تعوق نشاط المسلمين
وتقدمهم بأسلوب قيم سهل جذاب. |
|||
|
وأخطر شيء في هذا الغزو
الصليبي إنما هو الاستعمار الثقافي أو الغزو الفكري الذي يحطم العقيدة والأخلاق،
ويمحو شخصية الفرد والأسرة والمجتمع فيصبح الفرد منتميا للإسلام بالاسم فحسب،
وتتعرض الأسرة لعوامل التحلل والتفكك ويفقد المجتمع أهم مقوماته كمجتمع مسلم
ينتمي إلى الإسلام ويهتدي بهداه، ويصبح المجتمع مسلما اسما فقط بعد أن تلاشت منه
مبادئ الإسلام وأركانه وأخلاقه وآدابه وعاداته وتقاليده، ومما يتوسل به
الاستعمار إلى هذه الأهداف دور الخيالة (السينما) والإذاعة والصحافة، وأجهزة
الإعلام عامة، فيشجع عرض الروايات الخليعة الفاجرة، وترسل الإذاعة الأغاني التي
تنافي الفضيلة والحياة، وتسير الصحافة الخليعة في هذا التيار المنحرف. |
|||
|
ولقد تحدث الكثير من
الكتاب المصلحين وقادة الرأي الإسلامي عن خطر هذه التيارات المنحلة التي هي من
آثار الاستعمار والطغيان، وأوضحوا للعالم الإسلامي خطورتها على المجتمع
الإسلامي. |
|||
|
ومن المقالات القيمة
التي نشرت بهذا الصدد مقال بعنوان: الغزو الفكري لفضيلة الأستاذ ممدوح فخري
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بدأ
المقال بالحديث عن كارثة سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية، وأن
هذه الدولة كانت تمثل مظهرا كريما من مظاهر الوحدة الإسلامية، وأن السبب الأساسي
في سقوطها الدسائس اليهودية والمؤامرات الصليبية، ثم تحدث عن فكرة فصل الدين عن
الدولة، وعن فكرة القوميات والعصبيات الجاهلية، وفكرة الوطنية وفكرة العلمانية،
وعن شعارات المدنية والحضارة والتقدم، وعن الحركة النسائية وفكرة تحرير المرأة
ثم عن برامج التعليم، ثم يختم مقالة القيم بالحديث عن تنظيم هذه القوى الغازية
والاهتمام بمراكز القوة من أجل استمرار الغزو الفكري، وأنهم يتوصلون إلى ذلك
باحتلال مراكز الجيش من أجل حماية الأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام. 10-هو ص
21(راجع العدد الأول – السنة الثانية –– رجب سنة 1389هـ- مجلة الجامعة
الإسلامية). |
|||
|
من هذه المقدمة يظهر
لنا في وضوح جانب من الحرب الاستعمارية الصليبية الفكرية ضد المسلمين، بيد أن
أخطرها وأعنفها إنما يتمثل في السيطرة على التعليم والتحكم في مناهجه، وتوجيهها
وجهة تحقق أهداف المستعمر وتنفيذ أعراضه ومراميه.. |
|||
|
سبق أن قلنا أن
جلادستون وقف في مجلس العموم البريطاني، وأعلن عن السياسة الاستعمارية التي هي
امتداد للحروب الصليبية، وأنه لا قرار للإنجليز في مصر ما دام القرآن موجودا في
أيدي المصريين، ومعنى هذا أنه أعلن الحرب على القرآن وعلى الإسلام، لكي يتم
تمزيق الوحدة الإسلامية، ويسهل توزيع الدول الإسلامية غنائم على المشتركين في
هدم صرح الخلافة الإسلامية ثم جاء (دنلوب) إلى مصر موجها لمدارس الحكومة، فسار
على أهداف (جلادستون) وظل يناوئ وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم، ومفتاح عزهم
وسيادتهم. |
|||
|
إن القرآن هو سبب سيادة
المسلمين وعزتهم ومجدهم، والاستعمار يريدهم دويلات مفككة ضعيفة، بل يريد لها
المحو والفناء إن استطاع، فبعد أن حطم مركز الخلافة الإسلامية كر على الأمم
الإسلامية ينشر فيها الفساد العام في كل نواحي الحياة: في السياسة والثقافة
والقانون والأخلاق والاقتصاد والدفاع. |
|||
|
لقد كتب الاستعمار صفحة
سوداء من الخسة والنذالة والاستبداد والعدوان والإجرام الوحشي، ويوم يكتب تاريخ
الاستعمار في أفريقية وآسيا سيسجل على المستعمرين أفظع ما عرفته الإنسانية من
إجرام. |
|||
|
جاء دنلوب إلى مصر
موجها لمدارس الحكومة، منفذا لسياسة الاستعمار العدوانية، ولننقل إلى حضراتكم
مقتطفات من محاضرة للدكتور محمد البهي بعنوان: مستوى الكفاية الفنية للتعليم في
مصر، يقول فضيلته: |
|||
|
الإسلام واللغة العربية
عاملان مقومان لشخصية الشعب العربي والشعب المصري على السواء، اتجه الغرب
المستعمر في مصر إلى إضعاف اللغة العربية والإسلام، ونفذ إلى ذلك عن طريق
التربية والتعليم، فقد عمد أولا إلى إخلاء مناهج التعليم في الابتدائي والثانوي
إذ ذاك من الدين الإسلامي فضلا عن التعليم العالي، ثم جعل لغة التعليم هي اللغة
الإنجليزية عدا دروس اللغة العربية، وهذه هي الخطوة الثانية. |
|||
|
وأضاف إلى هاتين
التقليل من دروس اللغة العربية في مناهج التعليم. ثم يقول فضيلته: |
|||
|
والاستعمار في مصر كشف
في سياسته الاستعمارية للتعليم المصري عن هذا الهدف، فلورد كرومر، ينص في كتابه
(مصر الحديثة) على الصلة بين أضعاف اللغة العربية وخلخلة الإسلام في نفوس
المصريين وبين استقرار الاحتلال البريطاني والتقدم المدني في التعليم في مصر
الذي يساعد على التعاون بين الشرق والغرب، فكلما ضعف مستوى اللغة العربية وتخلخل
الإسلام سنحت الفرصة لثبات الاحتلال من جانب، وللتقدم المدني من جانب آخر، الأمر
الذي يجعل الشعب يقبل على الاتصال بالغرب على أنه سيد وموجه، وأصبحت السياسة
التعليمية في عهد الاستعمار ترتكز على دعامتين: |
|||
|
الدعامة الأولى: إضعاف الأزهر بعزله
عن الحياة التعليمية العامة. |
|||
|
الدعامة الثانية: رعاية التقدم المدني
في التعليم، وهذا التقدم يرتكز بدوره على إبعاد الثقافة الإسلامية إبعادا تاما
عن مناهج التعليم وعلى تشويه تاريخ العرب والمسلمين وفي الوقت نفسه إحلال تاريخ
أوروبا والشعوب الأوروبية محل التاريخ العربي ولإسلامي. |
|||
|
ثم يورد هنا مقترحات
المستر (بول اشميد) في كتابه (الإسلام قوة الغد) وتتلخص في أن يتضامن الغرب
المسيحي شعوبا وحكومات، ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر
الحديث، ولكن في أسلوب نافذ وحاسم، ويثني على سياسة البريطانيين في مصر بالنسبة
للجانب التعليمي، ولكنه يأخذ عليهم أن الأزهر لم يزل بابه مفتوحا لأبناء مصر
والوافدين عليه من أبناء العالم الإسلامي ويناشد البريطانيين أن يفعلوا بالأزهر
كما فعل الفرنسيون بجامعة الزيتونة في تونس، وبالقيروان في الجزائر، وتثني على
موسوليني في منعه طلاب ليبيا من الالتحاق بالأزهر في مصر بإنشائه في الحبشة
معهدا إسلاميا يلتحق به أبناء المستعمرات الإيطالية في أفريقية له مظهر الأزهر
وجوهر التعليم فيه إيطالي النزعة، وهي نزعة الاستعمار الغربي القائم على تفكيك
الشخصية الإسلامية... ثم ترك الاستعمار تلاميذه يوجهون القيادة التربوية. |
|||
|
هذه لمحات خاطفة ومرور
عابر، وصورة سريعة عن جانب من
تاريخ الاستعمار في المجال التربوي بمصر في فترة من الزمن انقضت إلى غير رجعة،
وكان الحال في المستعمرات الفرنسية والإيطالية والهولندية وغيرها أسوأ حالا،
فالاستعمار هو الاستعمار في كل زمان ومكان.. وشاءت إرادة الله أن يكون مصرع
الاستعمار على أيدي رجال الأزهر، كما كان مصرعه في البلاد الأخرى على أيدي
العلماء الذين يجاهدون في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ويخشونه ولا يخشون أحدا
إلا الله، فنصرهم الله، {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. |
|||
|
من النصوص السابقة نرى
في وضوح كيف بنى التعليم المدني، وكيف أسس وكيف غذى بتوجيهات معادية للإسلام. |
|||
|
إنه نبات خبيث سام أسس
على غير تقوى من الله، وغذى بأفكار الحادية مارقة، أسس على غير تقوى فلا يصح لنا
أن نقوم فيه، ولا أن تتعلم فيه، وهذا هو السبب في أن الكثير من المسلمين في
الشعوب الإسلامية كانوا يمتنعون عن إرسال أبنائهم إلى المدارس المصطبغة بهذه
الصبغة في الأيام الماضية. |
|||
|
وعلى الرغم المحاولات
التي بذلت في هذا الموضوع من أجل التقريب بين التعليم المدني وبين الصيغة
الدينية وذلك بإدخال بعض المذكرات والمختصرات في العلوم الدينية والعربية هل
وصلنا إلى الهدف الذي ننشده من التربية الإسلامية هل وجدنا جيلا صالحا؟ هل رأينا
شبابا قويا في إيمانه وعقيدته، قويا في أخلاقه وسلوكه، قويا في رأيه وعمله في
الحياة من أجل الإسلام والمسلمين؟ هل رأينا شبابا يهتدي بنور القرآن وهدي الرسول
الأمين صلى الله عليه وسلم ويقتدي بالسلف الصالح رضوان الله عليه؟ |
|||
|
إن الحكم على التعليم
المدني إنما يكون بحسب النتيجة والمشاهدة، وقديما قيل: إنما تعرف الشجرة بثمرها. |
|||
|
وسنضع الآن الثمرة على
بساط البحث والمشاهدة، ولنشترك جميعا في رؤيتها بالمنظار المكبر. |
|||
|
إننا الآن أمام مرحلتين
من أجل بناء المجد الإسلامي، وإعادة تكوين الأمة الإسلامية الخالدة ذات التاريخ
المجيد، المرحلة الأولى مرحلة التطهير والتصفية من آثار الاستعمار عامة،
والمرحلة الثانية مرحلة البناء الجديد على أساس من الكتاب والسنة وعمل الصحابة
رضوان الله عليهم على أساس من التقوى وحسن الصلة بالله على أساس من القوة العامة
قوة الإيمان، وقوة العمل، قوة العلم، وقوة الاختراع والابتكار. |
|||
|
فالمسلم يرى الكون كله
مجالا للعمل لما يرضى الله تبارك وتعالى، فهو خليفة الله في أرضه، فلا بد أن
يمسك مقاليد الخلافة بعزم، يأخذ الكتاب بقوة، حتى يصدق عليه قول الله تبارك
وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ
بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}. |
|||
|
المرحلة الأولى وهي
مرحلة التصفية والتطهير من آثار الاستعمار عامة وفي مناهج التعليم خاصة. |
|||
|
لقد خلف الاستعمار تركة
خبيثة في كثير من المجالات وأهمها: |
|||
|
الناحية التشريعية
والقضائية. |
أولا: |
||
|
الناحية النسائية وبعدها
عن الدين، وعدم تمسكها بالآداب الإسلامية. |
ثانيا: |
||
|
بعد الشباب عن التمسك
بالأخلاق الكريمة. |
ثالثا: |
||
|
أجهزة الإعلام. |
رابعا: |
||
|
تشويه الثقافة
الإسلامية. |
خامسا: |
||
|
ثنائية التعليم،
وتمزيقه، وعدم وحدته. |
سادسا: |
||
|
وسنحاول بفضل الله
وكرمه وتوفيقه ومعونته والهامة أن نمر على بعض هذه العناصر مرور الحكيم اللبيب،
ينظر ويعتبر، ويعالج في حكمة وأناة وصبر وأن نمر على بعضها مر الكرام اكتفاء
بالإشارة عن طول العبارة، وفي عبقرية السادة القراء والحمد لله ما يغني عن
الإطالة. |
|||
|
الناحية الأولى: وهي
الناحية التشريعية، والقضائية: |
|||
|
لقد أنزل الله سبحانه
وتعالى القرآن هداية ونورا لكل ما يسعد الإنسان في دنياه وأخراه. |
|||
|
ومن ثمار هذه الهداية
الربانية الهداية في الأحكام، ولقد سعدت الأمة الإسلامية في عصورها الزاهية
المباركة بنعمة العمل بكتاب الله سبحانه وتعالى، فعرف الناس نعمة الهدوء والأمن
والاستقرار، وعاشوا في ظلال حياة وارفة الظلال طيبة الثمار الحياة السعيدة،
الحياة الحقة الهادئة الطيبة المباركة، وصدق الله سبحانه وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}. |
|||
|
ثم جاءت عصور الضعف،
وجاء تلاميذ المدارس الاستعمارية، جاءوا حاكمين وموجهين، فأبعدوا الناس عن كتاب
الله وعن نور الله وعن هداية الله، واستعاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من
صنع البشر وتركوا قوانين السماء المعصومة عن الخطأ ، أعرضوا عن هدي الله وعن
نوره، فماذا كانت النتيجة؟! لقد كثرت حوادث السرقة وتعددت جرائم السلب والنهي،
واجترأ اللصوص على القتل من أجل المال ومن أجل السرقة. |
|||
|
والصحافة خير شاهد على
ما نقول ففي كل يوم تحمل لنا الصحافة مأساة دامية من أجل سرقة الأموال وكم رأينا
من ضحايا يسيل دمها على الأرض يسجل حجة الله على القائمين بالتشريع، الذين كانوا
سببا في سلب نعمة الأمن والهدوء والطمأنينة التي هي في ظلال هداية القرآن
الكريم، وتشريعات الله، نور الله الخالد، الموصل إلى السعادة الحقة في الدنيا
والآخرة. |
|||
|
أعرض أصحاب القوانين
الوضعية عن هدي الله ونوره، لأنهم أغرموا بثقافات أجنبية، بعيدة عن الإسلام وعن
نور الإيمان، تثقفوا بثقافات نبتت في بيئات الحادية كافرة، إنما هي نتاج عقول
طالما كرعت من الخمر وتغذت بلحم الخنزير، وعبدت الصليب. |
|||
|
على أن هذه القوانين
الوضعية أضلت أهلها، وكانت سببا في شقائهم ثم أنها في تغير وتبدل مستمرين،
فالقوانين الوضعية والمبادئ الشيوعية هما السبب المباشر في شقاء العالم وحيرته
وضلاله، وأدنى مقارنة بين الأمن في البلاد السعودية، وفي أرقى بلاد العالم حضارة
نجد الفارق عنيفا، أنه فرق ما بين السماء والأرض، فهنا الأمن والأمان والهدوء
والطمأنينة الطيبة المباركة، أنها في ظلال هداية القرآن الكريم كتاب الباري جل
وعلا، ونحن إذ نتحدث في هذه الموضوعات إنما نتحدث على مستوى عالمي، لا نقصد دولة
بعينها، ولا قطراً بذاته، وإنما نقصد كل دولة سبق أن ابتليت بمحن الاستعمار،
وكان الاستعمار فيها موجها، وترك تلاميذا له هم أشد خطرا منه، إنما نتحدث بروح
علمية نشرح ونوجه ونعالج، ونسأل الله الهداية والتوفيق والرشاد. |
|||
|
العنصر الثاني من الانحرافات انحراف
المرأة. |
|||
|
لقد رسم القرآن طريقا
لسعادة المرأة، وصانها من التردي في مهاوي الرذيلة رسم لها طريق الحجاب، وأوصى
بها خيرا، وأمر بمعاملتها بالمعروف والرفق بها والرحمة والشفقة، ولين الجانب في
معاملتها. |
|||
|
والمصطفى صلى الله عليه
وسلم ضرب أعلى مثل قولا وعملا في سلوكه مع أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن ومن
أحاديثه الطيبة المباركة صلوات الله عليه وسلامه: "خيركم
خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". |
|||
|
ويعلنها المبعوث رحمة
للعالمين صلى الله عليه وسلم صريحة واضحة قوية مجلجلة تسير مع الزمن، وقد سجلت
في سجل الخلود يعلن الوصية بالنساء في حجة الوداع في خطبته المباركة التي هي
أعظم قانون يسير عليه البشر، يقول الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في نسائكم أخذتموهن بأمانة الله"
وهل هناك شيء أعظم من الأمانة، الأمانة في أدق صورها وأكملها، وأجملها وأسماها؟
ولكن المرأة للأسف الشديد تحاول أن تهرب من سياج عزها ومجدها وشرفها وكرامتها،
تحاول أن تفر إلى تقاليد الغرب التي جعلت من المرأة سلعة للجمال الرخيص المدنس،
لقد أصبحت المرأة في الغرب أفعى سامة وحية رقطاء ناعمة الملمس، وفي لسعها
وإغوائها وإغرائها السم المهلك والتردي والفساد. |
|||
|
ما أسعد المرأة في ظل
الإسلام، وما أسعد الإنسان بالمرأة الصالحة التقية النقية، وما أسعد المجتمع
بالنساء المؤمنات الفاضلات اللاتي يوجهن النشء إلى الآداب الإسلامية المباركة،
ويربين الجيل على الفضيلة ومكارم الأخلاق، لأنهن مصدر خير ومنبع فضل، ومشرق نور
وهداية. |
|||
|
أعددت شعبا
طيب الأعراق |
الأم مدرسة إذا أعددتها |
||
|
والإسلام غني بالمثل
العليا للسيدات المسلمات اللاتي تربين على مأدبة القرآن ونشأن في ظلال الإسلام،
وفي مقدمتهن السيدة الفاضلة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، التي حباها الله
عقلا راجحا، وحكمة بالغة، فسعدت برسول الله وسعد بها الصادق الأمين صلوات الله
وسلامه عليه. |
|||
|
والفضل والمنة لله جل
جلاله الذي أنزل الكتاب نورا وهداية يرسم للبشرية طريق السعادة في الدنيا
والآخرة، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا
آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ}. |
|||
|
العصر الثالث: بعد الشباب عن التمسك
بالأخلاق الكريمة في كثير من الدول فمن المسلم به أن سلوك الشباب يرجع إلى
أمرين: |
|||
|
أ- البيئة التي يعيش
فيها. |
|||
|
ب- والثقافة التي ينهل
منها، ويغذى روحه بها. |
|||
|
فإذا ما صلحت البيئة،
وصفت الثقافة التي ينهل منها كان هناك شباب طاهر تسعد به الأمة الإسلامية. |
|||
|
العنصر الرابع: أجهزة الإعلام. |
|||
|
رسالة أجهزة الإعلام
رسالة توجيه، فإن وجهت إلى الخير كان الخير سائدا، وإن وجهت إلى الشر أصبح الشر
مستطيرا، وحينما ننظر إلى أجهزة الإعلام في غالب الدول نرى طابع الانحراف يغلب
على مناهجها، ونرى تلاميذ المدرسة الاستعمارية يحاولون السيطرة على هذه الأجهزة
الهامة. |
|||
|
إذن فهذه الأجهزة
الإعلامية تحتاج إلى تطهير على أيدي علماء عرفوا سعة الاطلاع واليقظة لدسائس
الغرب الصليبي المستعمر الماكر الخبيث. |
|||
|
والعنصر الخامس: تشويه الثقافة
الإسلامية. |
|||
|
فقد حدث على مرحلتين: |
|||
|
المرحلة الأولى: يوم أن
ترجمت ثقافة اليونانيين وهي ثقافة مجوسية الحادية وفلسفات ضالة، وما كان أغنى
المسلمين عن الفلسفة في عصورها القديمة وعن فلسفات سقراط وأرسطو وأفلاطون
وأبيقور وارستيب والفلاسفة أنفسهم لم يتفقوا على رأي ترجمت هذه الفلسفات فانهال
على المسلمين صراع جدلي عنيف، ونشأت فرق كلامية وعكف فريق على هذه الدراسات،
وتشعبت بمرور الزمن، وارتفعت نارها ولهيبها وانشغل بها المسلمون عن كتاب الله..
لقد كان المسلمون في عصورهم الأولى ينهلون من ينابيع صافية. فيها شفاء للناس،
كانوا ينهلون من مصادر معصومة عن الخطأ، من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وكتاب الله نور، ورسول الله هو السراج المنير، وحديثه تفسير
وشرح وبيان لنور الحق تبارك وتعالى، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل
كريمة، مثل عليا للعمل بالكتاب والسنة. |
|||
|
والمرحلة الثانية من
العدوان على الثقافة الإسلامية يوم أن جاء المستعمرون، ويوم أن جاء المستشرقون.
مكن العبث بالتراث الإسلامي، ونشر الآراء الإلحادية المارقة، وبث الشبهات
والضلالات بين أبناء الجامعات الشرقية، ودسوا كثيرا من الكذب والزور والبهتان في
التاريخ الإسلامي وفي السيرة النبوية المطهرة، وكان لهم أذناب من كبار رجال
السياسة والأدب والفلسفة هذا هو الطابع العام لأغلب المستشرقين إذ كانوا عملاء
لدى وزارت الخارجية للدول المستعمرة. |
|||
|
على أن البعض منهم قد
خلت نفسه من التعصب والحقد والكراهية فقدم خدمات علمية، على أنه يجب قراءتها
بحذر، فهذا هو كتاب المنجد في اللغة لم يخل من التعبيرات الصليبية. |
|||
|
العنصر السادس في مرحلة
التصفية والتطهير هو الحديث عن ثنائية التعليم وتمزيقه وعدم وحدته. |
|||
|
ولقد ظهر من النصوص
السابقة أن المستعمر هو الذي أنشأ التعليم المدني وخطط له ووجهه بحسب أغراضه
وأهدافه ومراميه التي تنحصر في أمرين: الحرب على الإسلام، والحرب على اللغة
العربية وفي الوقت نفسه يعمل على إضعاف التعليم الديني، ويعمل على عزل المتعلمين
تعليما دينيا عن الحياة وعن القيادات أيا كانت، على هذا الأساس قام التعليم
المدني، ومن ثم تظهر لنا في وضوح الأمور التالية، وهي أمور تنذر بأخطر العواقب
وقد برزت بنتيجتها المحزنة في كثير من البلاد الشرقية، وعلى الغيورين على
الإسلام أن يبادروا إلى دراستها على نطاق واسع ومعالجتها، والله المستعان.. أهم
هذه الأمور ما يلي: |
|||
|
تقسيم التعليم امتداد
للحروب الصليبية المقنعة التي تهدف إلى إضعاف الدين الإسلامي رويداً رويداً. |
أولا: |
||
|
تقسيم التعليم تطبيق
عملي لمبدأ فصل الدين عن الدولة وتنفيذ لمبدأ (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)
فالدين في عرف هؤلاء لا يصلح لقيادة الدولة، والمتدينون لا يصلحون لتولي الوظائف
العملية، فينبغي حصرهم في صوامعهم للرهبنة. |
ثانيا: |
||
|
تقسيم التعليم تطبيق
لمبدأ العلمانية. |
ثالثا: |
||
|
تقسيم العلوم معول هدام
في صرح وحدة الأمة. |
رابعاً: |
||
|
تقسيم التعليم وكر خبيث
من أوكار الإلحاد والتحلل والزندقة والمروق من الدين. |
خامسا: |
||
|
تقسيم التعليم حرب على
الثقافة الإسلامية. |
سادسا: |
||
|
تقسيم التعليم يسبب
انزواء التعليم الديني. |
سابعا: |
||
|
تقسيم التعليم خرج جيلا
ضعيفا متهافتا غير أمين على مقدسات الإسلام. |
ثامنا: |
||
|
تقسيم التعليم حرب على
القرآن الكريم. |
تاسعا: |
||
|
ولقد تحدث في هذا
الموضوع فضيلة الأستاذ الألباني المدرس بالمعهد العلمي في محاضراته القيمة
بعنوان: (هذا القرآن العظيم – وما يكيد له الكائدون). |
|||
|
تحدث عن فضل القرآن، ثم
بين موقف المستعمرين من كتاب الله بأسلوب واقعي مأخوذ من الأحداث التي وقعت،
نقتطف منه العبارات الآتية: |
|||
|
قال فضيلته: ما دخل
الكفار بلدا إسلاميا إلا صرفوا القرآن عن حياة الناس في الحكم والقضاء وفي
التوجيه والتربية والثقافة والتعليم وجاءوا بقوانينهم الكفرية بديل كتاب الله،
وجاءوا بأخلاقهم الخاصة وفلسفاتهم المادية، ثم يقول فضيلة: وجاءوا بالعلوم
الدنيوية والتي هي وسيلة إلى فهم الإسلام فوجهوا إليها وحدها جهود الطلاب
والإباء فنبتت أجيال، أبصارهم إلى التراب، وقلوبهم في التراب، نبتت أجيال ما
وجدت رائحة الإيمان، ولا ذاقت حلاوة القرآن، ثم سلمهم الكفار حكم بلادهم سلمهم
مقاليد التربية والتعليم فإذا هم يقررون مختلف العلوم ويصرفون أنظارهم عن القرآن
وعلومه. |
|||
|
وهنا نتساءل: ما هو
موقف حماة الدين من رواسب الاستعمار؟ |
|||
|
ما هو موقف العلماء
الإجلاء في بلاد الإسلام عامة؟ |
|||
|
ما هو موقف ملوك ورؤساء
العالم الإسلامي من مختلفات عصور الضعيف والانحلال وطغيان القوى الباغية
الكافرة؟ |
|||
|
والجواب واضح.. |
|||
|
فالعلماء عليهم أن
يبلغوا وأن يوضحوا، عليهم أن يتعاونوا ويتحدوا، وأن يقوموا بنشاط هائل في
المنظمات الإسلامية، وفي أجهزة الإعلام عامة، وفي نشر الرسائل، وفي كل ميدان
يتأتى فيه التبليغ، وهذا واجب العلماء الذين يريدون الله والدار الآخرة. |
|||
|
وأما واجب الملوك
والرؤساء فهو واجب التنفيذ والعمل بما يقوله العلماء فهم أمناء على الحكم، وإن
الله سائلهم عما استرعاهم، وأن السعادة الحقة إنما هي في النجاة يوم لقاء الله
تعالى. |
|||
|
واجب العلماء: |
|||
|
أن ينادوا بوحدة
التعليم على أساس من كتاب الله ونوره وهداه، واجب العلماء أن يعلنوا للناس أن
ثنائية التعليم مرض سرطاني خبيث في قلب وحدة الأمة الإسلامية، قام على أساس (فرق
سد) فلا بد من العودة إلى كتاب الله، وإن الإسلام هو الذي يبني الدولة، وإن
القرآن هو الذي يربي الرجال، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. |
|||
|
إن العلاج يقتضي منا أن
نعيد التخطيط لمناهج التعليم من جديد، وأن نعيدها إسلامية صافية مشرقة نيرة
واضحة وضوح الشمس. مشرقة إشراقة الضحى. جميلة جمال الزهر، صافية صفاء السلسبيل،
مشرقة بنور الله وهدى رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم. |
|||
|
إن العلاج يتطلب وضع
نظام تربوي جديد، يهدف إلى تكوين الشباب المسلم القوي في دينه، القوي في خلقه،
القوي في علمه وتخصصه في علمه بالحياة وما يجري فيها، وكيف يملك زمام الاختراع
والابتكار والكشف والعمل والصنع. |
|||
|
إن الإسلام دين العلم
والقوة والخلق، في ظلال من الله الخالق جل وعلا، لقد اشتمل كتاب الله عز وجل على
إجلال العلم والعلماء، واشتمل على الحقائق الكونية، وتقدم العلم يكشف عن بعض ما
في القرآن من أسرار فالقرآن معجز في كل ناحية من نواحي العلم والمعرفة، بيد أن
العلم في الإسلام يتسم بطابع إلهي وتوجيه رباني. إن العلم في الإسلام يبحث في
الكون ويتعمق في دراسته على أنه أثر من آثار قدرة الله جل وعلا، لا يبحث في
العلم استقلالا فيؤدي بحثه إلى الإلحاد والكفر، كهؤلاء الذين يبحثون المسائل
العلمية باسم الطبيعة الحية. |
|||
|
الإسلام يبحث العلم
الكوني بطابع الرحمة والخلق والنفع العام، لا من أجل التدمير والإهلاك. |
|||
|
فلماذا ينعزل رجال
الدين في جانب آخر؟ |
|||
|
إن هذا الانعزال إنما
هو نتيجة لتوجيهات خاطئة. |
|||
|
إن بحوث علماء الإسلام
في العصور السابقة انتفع بها الغربيون في نهضتهم وفي أبحاثهم في الكيمياء
والرياضيات والفلك والطب والأخلاق ومعرفة البلدان. |
|||
|
فلماذا نتخلى عن هذا
المجد العظيم ونترك زمامه للمستعمرين وأذناب المستعمرين. |
|||
|
لماذا نترك لهم القيادة
ونجعلهم يتحكمون في الشعوب الإسلامية، لأنهم امتلكوا زمام القوة فغيروا وبدلوا
حتى في شريعة الله.. |
|||
|
ألم يقل الله سبحانه
وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ} القوة التي لا تقف عند حد. |
|||
|
قوة الإيمان. قوة
العلم. قوة العمل. قوة الكشف والاختراع الابتكار والسبق العلمي في كل مضمار. إني
استسمحكم أن أقدم لحضراتكم الطريقة التربوية الآتية: |
|||
|
ويسعدني أن أتقبل النقد
البناء الهادف.. ويسعدني أن أتقبل النصيحة من أجل سد الخلل، ورأب الصدع، ولم
الشمل، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.. |
|||
|
تتلخص هذه الطريقة في
وضع جوهر التربية إسلامية الأصلية في إطار حديث فنجمع بين صفاء الجوهر وجمال
العرض. |
|||
|
أولا: نبقى على مراحل
التعليم في وضعها الحالي: المرحلة الابتدائية – المرحلة المتوسطة – المرحلة
الثانوية – المرحلة الجامعية – مرحلة الأستاذية، ثم نأخذ جوهر التعليم والتربية
الإسلامية ونضعها في هذا الإطار، وتكون المواد والمناهج كالآتي: |
|||
|
المرحلة الابتدائية
مدتها ست سنوات تبدأ في السادسة أو الخامسة والهدف منها أولا حفظ القرآن جيدا،
وحفظ الأحاديث النبوية، ودراسة السيرة النبوية في صورة مبسطة، وضرورة من حياة
الصحابة رضوان الله عيهم، العبادات عمليا مع الشرح المبسط، غرس مكارم الأخلاق
والحديث عن أمهات الفضائل، تحسين وإجادة الخط، إجادة مادة الإملاء، بسائط مادة
الحساب، تضاف مواد أخرى تراها اللجان الفنية النقية المؤمنة بحيث لا تقلل من
الأهداف السامية السابقة ولا تعتدي على الوقت المخصص لها ولا يتسبب عنها إرهاق
عقلية الطفل، وتنبني هذه الطريقة على أساس من علم النفس والتربية إذ من المعلوم
أن الإنسان في حداثة سنة تقوى فيه ملكة الحفظ، وتثبت عنده الفضائل التي شب
عليها. |
|||
|
وينبغي أن تكون المدرسة
الابتدائية وسط حديقة مبسطة، فيها الزهور والثمار، وفيها أيضا بعض الطيور
الألفية، فيتذوق الطفل معاني الحياة الطيبة، وينشأ بين جمال الخلق وجمال الطبيعة
وينبغي أن يمرن الطفل على بعض الأعمال التي تناسب قوته وميوله من أجل أن ينشأ
عصاميا، ومن أجل أن ينشأ رجل الحياة والمستقبل. |
|||
|
المرحلة الإعدادية: |
|||
|
يتعلم فيها التلميذ
بسائط من المواد الهامة التي تراها اللجان الفنية مع العناية بدروس الدين واللغة
العربية. |
|||
|
المرحلة الثانوية: |
|||
|
وهي حلقة الاتصال بين
التعليم المتوسط وبين الجامعة، وتنبني المرحلة الثانوية على التخصص المبكر وهي
طريقة نهضت بها بعض الدول من كبوتها، وامتلكت بها زمام التقدم العلمي والصناعي. |
|||
|
أما المستشارون
الإنجليز وتلاميذهم فإنهم يتخمون هذه المرحلة بمناهج كاملة في مواد مختلفة
فيرهقون أعصاب التلاميذ، ويتخمون عقولهم بعلوم لا يحتاجون إليها في التعليم
الجامعي، وسريعا ما ينساها التلميذ على أنه لم يأخذ المقدار الكافي ولم يتخصص في
العلوم التي تعده لأن يكون قويا في الجامعة، وكثيرا ما شكا أساتذة الجامعات
العلمية من ضعف المستوى الجامعي الناتج عن عدم الإعداد الفني في المرحلة
الثانوية، وهذا من عيوب الوضع الحالي، أما الطريقة الحديثة والنظرية التي ينادي
بها رجال التربية، فهي نظام التخصص المبكر. |
|||
|
أذكر هذه الطريقة جيدا
منذ كان فضيلة الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف والأزهر السابق بمصر يحاضرنا في
علوم التربية وعلم النفس بتخصص التدريس.. فقد كان حفظه الله يجتهد في أن يجعل
منا مفكرين لخدمة الإسلام في شتى المجالات. |
|||
|
تعتمد هذه الطريقة على
التخصص المبكر، فتقسم المدارس بحسب حاجة الوطن والبيئة، فمثلا: ثانوي طب، ثانوي
زراعة، ثانوي هندسة، ثانوي ميكانيكا، وتسترسل في الأقسام بحسب حاجة البيئة
وإمكانياتها. |
|||
|
فالمدرسة الثانوية للطب
تدرس علوم الدين واللغة، ومبادئ ومقدمات وعلوم تتصل اتصالا وثيقا بتخصصه في
الجامعة. |
|||
|
والمدرسة الثانوية
للزراعة تدرس علوم الدين واللغة، وعلوما تتصل بتخصصه في الجامعة. |
|||
|
وهكذا الثانوية في
الهندسة والطيران والملاحة وأبحاث البترول والمعادن إلى نهاية هذه الفروع، وبذلك
نضمن تخريج علماء في الناحية الدينية والمدنية، ونفهم هذه العلوم فهم عبادة وتفكير
في ظل تعاليم القرآن وهدي القرآن وتوجيهاته، ثم تكون المرحلة الجامعية متممة
للمرحلة الثانوية، وتتلاقى معها تلاقي الزهور اليانعة بالثمار الحلوة الشهية
وبذلك نقضي على ما نحن فيه الآن. |
|||
|
إن العلم اليوم يتعرض
لمحن عنيفة من أجراء المبادئ الهدامة من جراء تيارات الانحلال الخلقي، هذه
التيارات التي تسير بعنف نحو الفساد العام في كل ناحية من نواحي الحياة. |
|||
|
إن المدينة الانحلالية
أفسدت الأسر والجماعات، وأضلت الشباب فسرت موجة التقليد الفاجرة الماجنة، وإننا
نخشى على الشعوب الإسلامية من خطر تسرب موجات الانحلال الخلقي الذي يسري من
الدول الإلحادية الكافرة. |
|||
|
وإن العصمة من كل هذا
إنما هي في الرجوع إلى هداية القرآن، إلى نور الله الخالد. |
|||
|
إن القرآن الذي أصلح
جاهلية الأمس كفيل بإصلاح ما نحن فيه اليوم، إن القرآن الكريم الذي أضاء جزيرة
العرب، وحول شركها توحيدا، وكفرها إيمانا وظلمها عدلا وقسوتها رحمة، وغلظتها برا
وعطفا وخوفها أمنا، وجهلها علما – إن القرآن الكريم الذي جعل من كفار مكة أساتذة
للعالم يضرب بهم المثل في العدل والحكمة والسياسة وقيادة الجيوش، إن هذا الكتاب
المبارك، إن هذا النور الإلهي، إن هذا التوجيه السماوي كفيل بإصلاح أحوال العالم
وما فيه من مشاكل، إن العالم وما فيه من ظلام، إن العالم ما فيه من ظلام المبادئ
الهدامة، ظلام الانحلال الخلقي، وتيار الإباحية والإلحاد والمروق عن الدين وعن
هدى الله إن هذا الانحلال الخلقي الذي يسري تيار بقوة عنيفة، ويكاد يغزو غزوا
مروعا يغزو الأفراد والجماعات والشعوب، يغزو الأسرة ويبعدها عن الهدوء
والاستقرار والأدب الإلهي – إن هذا الظلام المنتشر في الحياة العصرية الحديثة
التي فسدت من جراء المبادئ الهدامة، والبعد عن نور الله تبارك وتعالى. |
|||
|
إننا حينما نسلط على
هذا الظلام الحالي نور الله تبارك تعالى، حينما نوجه نور الحق سبحانه وتعالى على
هذه الجاهلية الحديثة، وعلى هذه الأصنام الفكرية المجوسية التي تعبد وتقدس من
دون هداية الله وتشريعاته، نرجع إلى السعادة الوارفة الظلال الطيبة الثمار،
وتعود إلى رحمة الله المرسلة، ونسعد برحمة الله المهداة، ونهتدي بنور الله الذي
أنزله لهداية الناس، ونعرف الحياة السعيدة وننعم بنعمة الإسلام الكبرى، وصدق
الحق تبارك وتعالى إذ يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الأِسْلامَ دِيناً} صدق الله العظيم. |
|||
|
هذا وبالله التوفيق. |
|||