|
|
قصص عن الطرق
الأولية للعلاج النفسي عند العرب
|
للدكتور أحمد
محمد سليمان
|
|
|
|
دعي الرازي الطبيب
العظيم ليعالج الأمير منصور الذي كان يشكو من أمراض روماتيزمية في مفاصله أعجزت
كل من عاده من الأطباء ولما وصل إلى بخارى جرب طرقا عديدة لعلاج الأمير دون أن
ينجح. وقال له آخر الأمر: "سأجرب في غد طريقة جديدة، ولكنها ستكلفك خير
حصان وخير بغل في حظيرتك". |
|
ووافق الأمير ووضع
الحيوانين تحت تصرفه. وفي اليوم التالي ذهب الرازي بالأمير إلى حمام ساخن خارج
المدينة، وربط الحصان والبغل خارجه بعد أن أسرجهما وألجمهما. ثم دخل الحجرة
الساخنة وحده مع مريضه الذي وضعه تحت الدش الساخن عدة مرات وسقاه جرعة كان قد
أعدها له عندما يجيء الوقت الذي تنضج الأخلاط في مفاصله. |
|
ثم خرج ولبس ثيابه،
ودخل ثانية وفي يده سكين، ووقف برهة يشتم الأمير قائلا: "لقد أمرت أن أقيد
وأن ألقى في القارب، متآمرا بذلك على حياتي، وإن لم أقتلك عقابا لك على هذا فليس
اسمي محمد بن زكريا، فغضب الأمير غضبا شديدا وثارت ثائرته وهب واقفا على قدميه
مدفوعا بالغضب من جهة والخوف من جهة أخرى". فأسرع الرازي بالفرار من الحمام
وقصد إلى حيث كان غلامه ينتظره في الخارج مع الحصان والبغل، وركب حصانه وانطلق
به راكضا بأقصى سرعة، ولم يتوقف في هربه حتى عبر نهر أوكسس ووصل إلى مرو، ومن
هناك كتب إلى الأمير : |
|
" أطال الله حياة الملك. لقد بذلت في علاجك أقصى ما لدي من
قدرة وفقا لما تقتضيه مهنتي. ولكن نظرا لنقص الحرارة عندك كانت مدة العلاج ستطول
إلى حد بعيد، لهذا عدلت عن العلاج الطويل إلى العلاج النفساني، ولما تعرضت
الأخلاط الفاسدة للحرارة في الحمام الساخن إلى الحد الكافي، أثرتك عامدا حتى
أزيد حرارتك الطبيعة، وبذلك اكتسبت من القوة ما يكفي لإذابة الأخلاط التي كانت
قد لانت". |
|
وخفَّت حدة غضب الأمير.
وسره أن رأى صحته عادت إليه وأصبح قادرا على الحركة. |
|
والقصة الثانية: لمريضة من أهل بيت
الملك، كانت منحنية وهي تعد المائدة وأحست فجأة (بورم روماتزمي في المفاصل) فلما
أردت أن تعتدل وجدت نفسها عاجزة عن ذلك. واستدعي طبيب الملك وأمر بأن يداويها،
ولما لم يجد في متناوله أدوية، لجأ إلى (تدبير نفساني) فأزال أولا خمارها، ثم
نطاق ثوبها مستجداً بشعور الخجل الذي (بعث فيها وهجا من الحرارة) أذاب الأخلاط
الروماتزمية فوقفت منتصبة القامة وقد شفيت تماما. |
|
والقصة الثالثة: قدم ابن سينا متخفيا
إلى جرجان على ساحل بحر قزوين وهو يحاول الهرب من السلطان محمود الغزنوي، وكان
أحد أقارب حاكم جرجان طريح الفراش بداء أعيا جميع الأطباء المحليين. ودعي ابن
سينا لعيادته وإبداء رأيه، وبعد أن فحص المريض طلب معاونة شخص عليم بكل نواحي
البلاد ومدنها. وكان هذا الشخص يذكر أسماءها بينما كان ابن سينا واضعا أصبعه على
نبض المريض. فلاحظ عند ذكر بلدة معينة خفقة في نبض المريض. فقال: "أنا الآن
في حاجة إلى شخص يعرف كل أحياء هذه البلدة وشوارعها وبيوتها". |
|
ولاحظ عند ذكر اسم
ساكنة من منزل بعينه مزيدا من الخفقان وحينئذ قال ابن سينا "لقد انتهيت،
فالصبي يحب فتاة اسمهما كذا تقطن في منزل كذا في شارع كذا في بلدة كذا زواجه
بالفتاة هو دواء المريض". فعقد له عليها في ساعة موافقة اختارها ابن سينا،
وهكذا تم علاج المريض. |
|
وهذا يدل على سرعة شفاء
المريض إذا ما تحققت له أمنيته بأن يجمعه مع محبوبه برباط يقره الدين، ومن هذا
يتبين أيضا خضوع الطبيعة البشرية للتخيلات الذهنية. |
|
والقصة الرابعة: أصيب أمير من أمراء
أسرة بويه بالملانخوليا وخيل إليه أنه بقرة. وكان الأمير يخور كل يوم كما تفعل
البقرة فتضيق لذلك صدور كل من حوله وكان يصيح "اذبحوني واصنعوا من لحمي
طبقا شهيا من اليخنى" وظلت الحال تسوء حتى امتنع عن الأكل بتاتا، بينما
الأطباء عاجزون عن أن يفيدوه بشيء، وأخيرا أمكن إقناع ابن سينا أن يتولى الحالة
وقد وافق رغم ضغط المشاغل العامة والخاصة والسياسية والعلمية والأدبية. وكان أول
ما صنع أن أرسل للمريض رسالة طلب إليه فيها أن يفرح لأن الجزار قادم لذبحه وقيل
أن المريض سر لذلك. وبعد فترة من الوقت دخل ابن سيناء حجرة المريض وبيده سكين
وقال "أين البقرة حتى أذبحها؟" فخار المريض خوار البقرة ليدله على
مكانه. فألقي بأمر ابن سينا على الأرض موثوق اليدين والرجلين. ثم تقدم ابن سينا
فجس جسمه كله ثم قال: "إنه نحيف جدا ولا يصلح للذبح يجب أن يسمن".
فقدموا إليه غذاء مناسبا فأقبل عليه يأكل منه بشهية فعادت إليه قوته تدريجيا
وتخلص من وهمه، وبريء من علته تماما. |
|
والقصة الخامسة: تروي كيف أن المنافسة
بين طبيبين من أطباء البلاط بلغت أخيرا حدا جعلهما يتحدى أحدهما الآخر إلى
مبارزة أو امتحان بالسم، ويقضي الاتفاق بأن يتناول كل منهما سما أعده خصمه، ثم
عليه أن يحاول أن يبطل مفعوله بدواء مضاد مناسب. وأعد الأول جرعة من السم يبلغ
من شدتها أن تذيب الحجارة السوداء، فشرب منافسه الكأس ثم تناول في الحال جرعة
مضادة أبطلت مفعوله. |
|
وجاء دوره، فالتقط زهرة
من الحديقة، وقرأ عليها رقية وأمر خصمه بشمها: فلما فعل سقط ميتا في الحال،
والسبب هو الخوف فحسب. وهنا استعمل الإيحاء لا للإبراء بل للإهلاك. |
|
والقصة رواها الشاعر
نظامي في كتابه (مخزن الأسرار) حيث يقول ما ترجمته: |
|
وبهذه الوردة التي
أعطاها له قارئ الرقى تغلب الخوف على العدو فأسلم الروح فذلك بالترياق طرد السم
من جسمه بينما مات هذا بالخوف بسبب ورودة. |