طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب

لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – المدرس بالجامعة

 

 

سورة الأعلى

 

قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ينسى من القرآن ما شاء الله أن ينساه – وقد جاءت آيات كثيرة تدل على حفظ القرآن من الضياع كقوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

والجواب أن القرآن وإن كان محفوظا من الضياع فإن بعضه ينسخ بعضا وإنساء الله نبيه بعض القرآن في حكم النسخ فإذا أنساه آية فكأنه نسخها ولا بد أن يأتي بخير منها أو مثلها. كما صرح به تعالى في قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}. وأشار هنا لعلمه بحكمة النسخ بقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}. هذه الآية الكريمة يفهم منها أن التذكير لا يطلب إلا عند مظنة نفعه بدليل أَنْ الشرطية. وقد جاء آيات كثيرة تدل على الأمر بالتذكير مطلقا كقوله: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} وقوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. وأجيب عن هذا بأجوبة كثيرة منها أن في الكلام حذفا أي إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} أي والبرد وهو قول الفراء والنحاس والجرجاني وغيرهم. ومنها أنها بمعنى (إذ) وإتيان (إن) بمعنى (إذ) مذهب الكوفيين خلافا للبصريين. وجعل منه الكوفيون قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" وقول الفرزدق:

جهارا ولم تغضب لقتل بن حازم

أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا

وأجاب البصريون عن آيات إن كنتم مؤمنين بأن فيها معنى الشرط جيء به للتهييج وعن آية إن شاء الله والحديث بأنهما تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل وعن البيت بجوابين:

أنه من إقامة السبب مقام المسبب والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بحز أذني قتيبة إذ الافتخار بذلك يكون سببا للغضب ومسببا عن الحز.

أحدهما:

أتغضب أن تبين في المستقبل أن أذني قتيبة حزتا.

الثاني:

ومنها أن معنى {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} الإرشاد إلى التذكير بالأهم أي ذكر بالمهم الذي فيه النفع دون ما لا نفع فيه. فيكون المعنى ذكر الكفار مثلا بالأصول التي هي التوحيد، لا بالفروع لأنها لا تنفع دون الأصول وذكر المؤمن التارك لفرض مثلا بذلك الفرض المتروك لا بالعقائد ونحو ذلك لأنه أنفع.

ومنها أن {إِنْ} بمعنى (قد) وهو قول قطرب.

ومنها أنها صيغة شرط أريد بها ذم الكفار واستبعاد تذكرهم كما قال الشاعر:

ولكن لا حياة لمن تنادي

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ومنها غير ذلك.

والذي يظهر لمقيد هذه الحروف عفا الله عنه بقاء الآية الكريمة على ظاهرها وأنه صلى الله عليه وسلم بعد أن يكرر الذكرى تكراير تقوم به حجة الله على خلقه مأمور بالتذكير عند ظن الفائدة أما إذا علم عدم الفائدة فلا يؤمر بشيء هو عالم أنه لا فائدة فيه لأن العاقل لا يسعى إلى ما لا فائدة فيه وقد قال الشاعر:

   لشيء بعيد نفعه الدهر ساعيا

لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن

وهذا ظاهر ولكن الخفاء في تحقيق المناط. وإيضاحه أن يقال: بأي وجه يتيقن عدم إفادة الذكرى حتى يباح تركها. وبيان ذلك أنه تارة يعلمه بإعلام الله له به كما وقع في أبي لهب حيث قال تعالى فيه: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ} الآية.فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار بعد تكرار التذكير لهما تكرار تقوم عليهما به الحجة فلا يلزم النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك أن يذكرهما بشيء لقوله تعالى في هذه الآية: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}. وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال بحيث يبلغ على أكمل وجه ويأتي بالمعجزات الواضحة فيعلم أن بعض الأشخاص عالم بصحة ثبوته وأنه مُصرّ على الكفر عنادا ولجاجا فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له دائما بعد أن تكرر عليه تكريرا تلزمه به الحجة. وحاصل إيضاح هذا الجواب أن الذكرى تشتمل على ثلاث حكم:

خروج فاعلها من عهدة الأمر بها.

الأولى:

رجاء النفع لمن يوعظ بها وبين الله تعالى هاتين الحكمتين بقوله تعالى: {قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وبيّن الأولى منها بقوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ}. وقوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} ونحوها من الآيات. وبين الثانية بقوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.

الثانية:

إقامة الحجة على الخلق وبينها الله تعالى بقوله: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}. وبقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} الآية. فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا كرر الذكرى حصلت الأولى والثالثة فإن كان في الثانية طمع استمر على التذكير وإلا لم يكلف بالدوام والعلم عند الله تعالى.

الثالثة:

وإنما اخترنا بقاء الآية على ظاهرها مع أن أكثر المفسرين على صرفها عن ظاهرها المتبادر منها وأن معناها: فذكر مطلقا إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع لأننا نرى أنه لا يجوز صرف كتاب الله عن ظواهره المتبادر منه إلا لدليل يجب الرجوع له. وإلى بقاء هذه الآية على ظاهرها جنح ابن كثير حيث قال  في تفسيرها أي ذكر حيث تنفع التذكرة ومن هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه في غير أهله كما قال على رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال حدث الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله.

(تنبيه) هذا الإشكال الذي في هذه الآية إنما هو على قول من يقول باعتبار دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة وأما على قول من لا يعتبر مفهوم المخالفة شرطا كان أو غيره كأبي حنيفة فلا إشكال في الآية وكذلك لا إشكال فيها على قول من لا يعتبر مفهوم الشرط كالباقلاني فتكون الآية نصت على الأمر بالتذكير عند مظنة النفع وسكت عن حكمه عند عدم مظنة النفع فيطلب من دليل آخر فلا تعارض الآية الآيات الدالة على التذكير مطلقا.

 

سورة الغاشية

 

قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ} تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ}.

قوله تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} الآية. ظاهر هذه الآية أن الجنة فيها عين واحدة وقد جاءت آيات آخر تدل على خلاف ذلك كقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. والجواب هو ما تقدم في الجمع بين قوله:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} مع قوله فيها: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} الآية. فالمراد بالعين العيون كما تقدم نظيره في سورة البقرة وغيرها.

 

سورة الفجر

 

قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} يوهم أنه ملك واحد وقوله: {صَفّاً صَفّاً} يقتضي أنه غير ملك واحد بل صفوف من جماعات الملائكة.

والجواب: أن قوله تعالى: {والملك} معناه والملائكة ونظيره قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا}. وتقدم بيانه بشواهده العربية في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنّ} الآية.

 

سورة البلد

 

قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}. هذه الآية الكريمة يتبادر من ظاهرها أنه تعالى أخبر بأنه لا يقسم بهذا البلد الذي هو مكة المكرمة مع أنه تعالى أقسم به في قوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ}.

والجواب عن هذا من أوجه:

الأول: وعليه الجمهور: أن {لاَ} هنا صلة على عادة العرب فإنها ربما لفظت بلفظة (لا) من غير قصد معناها الأصل بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده لقوله: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلا تَتَّبِعَنِ} يعني أن تتبعني وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ} أي أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله في سورة ص {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ} الآية. وقوله: {لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} أي فوربك، وقوله: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} أي والسيئة، وقوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} على أحد القولين، وقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} على أحد القولين، وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا} على أحد الأقوال الماضية وكقول أبي النجم:

   لما رأين الشمط القفندرا

فما ألوم البيض ألا تسخرا

يعني أن تسخر وكقول الشاعر:

   وللهو داع دائب غير غافل

وتلحينني في اللهو أن لا أحبه

يعني أن أحبه و (لا) زائدة. وقول الآخر:

   نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله

أبى جوده لا البخل واستعجلت به

يعني أبى جوده البخل و (لا) زائدة على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير ولاسيما على رواية البخل بالجر لأن (لا) عليها مضاف بمعنى لفظة لا فليست زائدة على رواية الجر وقول امرئ القيس:

   لا يدعي القوم أني أفر

فلا وأبيك ابنة العامري

يعني وأبيك. وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد.

قول الشاعر:

وإلا طيبان أبو بكر ولا عمر

ما كان يرضى رسول الله دينهم 

يعني وعمر و (لا) صلة وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج:

   بافكه حتى رأى الصبح جشر

في بئر لاحور سرى وما شعر

فالحور الهلكة يعني في بئر هلكة و (لا) صلة قاله أبو عبيدة وغيره.

وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي:

   غاب تسـنمه ضرام مثقب

أفعنك لا برق كأن وميضه

ويروي أفمنك، وتشـيمه بدل أفعنك وتسمنه.

يعني أعنك برق و (لا) صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر:

   وكاد صميم القلب لا يتقطع

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة

يعني كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ:

   يضيعون الهجان مع المضيع

أعائش ما لقومك لا أراهم

فغلط منه لأن (لا) في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة ومقصودة أنها تنهاه عن حفظ ماله مع أن أهلها يحفظون ما لهم أي لا أرى قومك يضيعون مالهم وأنت تعاتبيني في حفظ مالي وما ذكره الفراء من أن لفظة (لا) لا تكون صلة إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد فهو أغلبه لا يصح على الإطلاق بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية على القول بأن (لا) فيها صلة وكبيت ساعدة الهذلي وما ذكره الزمخشري من زيادة (لا) في أول الكلام دون غيره فلا دليل عليه.

الوجه الثاني: أن {لا} نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله: {أقسم} إثبات مستأنف وهذا القول وإن قال به كثير من العلماء فليس بوجيه عندي لقوله تعالى في سورة القيامة {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} لأن قوله تعالى {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله أقسم والله تعالى أعلم.

الوجه الثالث : أنها حرف نفي أيضا ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية والمراد أنه لا يعظم بالقسم بل هو في نفسه عظيم أقسم به أولا وهذا القول ذكره صاحب الكشاف وصاحب روح المعاني ولا يخلو عندي من بعد.

الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء أشبعت فتحتها والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو فمثاله في الفتحة قول عبد يغوث ابن وقاص الحارثي:

   كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا

وتضحك مني شيخة عبشمية

فالأصل كأن لم تر ولكن الفتحة أشبعت - وقول الراجز:

   ولا ترضـاها ولا تملقي

إذا العجوز غضبت فطلق

فالأصل ترضها لأن الفعل مجزوم بلا الناهية - وقول عنترة في معلقته:

زيافة مثل الفنيق المكدم

ينباع من ذفري غضوب جسرة

فالأصل ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته فأشبع الفتحة فصار ينباع على الصحيح وقول الراجز:

   يا ناقتي ما جلت من مجـالي

قلت وقد خرت على الكلكال

فقوله الكلكال يعني الكلكل، وليس إشباع الفتحة في هذه الشواهد من ضرورة الشعر لتصريح علماء العربية بأن إشباع الحركة بحرف يناسبها أسلوب من أساليب اللغة العربية ولأنه مسموع في النثر كقولهم كلكال وخاتام وداناق يعنون كلكلا وخاتما ودانقا. ومثله في إشباع الضمة بالواو، وقولهم: برقوع ومعلوق يعنون برقعا ومعلقا. ومثال إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير:

بما لاقت لبون بني زياد

ألم يأتك والأنباء تنمى

فالأصل يأتك لمكان الجازم - وأنشد له الفراء:

أصبحت كالشـن البال

لا عهد لي بنيضـال

ومنه قول امرئ القيس:

على عجل مني أطأطئ شيمالي

كأني بفتحاء الجناحين لقوة

ويروى: صيود من العقبان طأطأن شيمالي. ويروى دفوف من العقبان الخ. ويروى شملال بدل شيمال وعليه فلا شاهد في البيت إلا أن رواية الياء مشورة. ومثال إشباع الضمة بالواو قول الشاعر:

من هجو زبان لم تهجو ولم تدع

هجوت زبان ثم جئت معتذرا

وقول الآخر:

يوم الفراق إلى إخواننا صور

الله أعلم أنا في تلفتنـا        

من حيثما ما سلكوا أدنوا فأنظور

وإنني حيثما يثني الهوى بصري

يعني فانظر، وقول الراجز :

فانهض فشـد المئزر المعقودا

لو أن عمرا عم أن يرقـودا

يعني يرقد، ويدل لهذا الوجه قراءة قنبل: (لأقسم بهذا البلد) بلام الابتداء وهو مروي عن البزي والحسن والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} يدل ظاهره على أن المسكين لاصق بالتراب ليس عنده شيء فهو أشد فقرا من مطلق الفقير كما ذهب إليه مالك وكثير من العلماء وقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ} الآية. يدل على خلاف ذلك لأنه سماهم مساكين مع أن لهم سفينة عاملة للإيجار.

والجواب عن هذا محتاج إليه على كلا القولين - أما على قول من قال إن المسكين من عنده مالا يكفيه كالشافعي فالذي يظهر لي أن الجواب أنه يقول: المسكين عند الإطلاق ينصرف إلى من عنده شيء لا يكفيه فإذا قيد بما يقتضي أنه لا شيء عنده فذلك يعلم من القيد الزائد لا من مطلق لفظ المسكين وعليه فالله في هذه الآية قيد المسكين بكونه ذا متربة فلو لم يقيده لانصرف إلى من عنده ما لا يكفيه فمدلول اللفظ حالة الإطلاق لا يعارض بمدلوله حالة التقيد وأما على قول من قال بأن المسكين أحوج من مطلق الفقير وأنه لا شيء عنده فيجاب عن آية الكهف بأجوبة منها: أن المراد بقوله مسكين أنهم قوم ضعاف لا يقدرون على مدافعة الظلمة ويزعمون أنهم عشرة خمسة منهم زمني، ومنها أن السفينة لم تكن ملكا لهم بل كانوا أجراء فيها أو أنها عارية واللام للاختصاص، ومنها أن اسم المساكين أطلق عليهم ترحما لضعفهم. والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه أن هذه الأجوبة لا دليل على شيء منها فليس فيها حجة يجب الرجوع إليها. وما احتج به بعضهم من قراءة علي رضى الله عنه لمساكين بتشديد السين جمع تصحيح لمساك بمعنى الملاح أو دابغ المسوك التي هي الجلود فلا يخفى سقوطه لضعف هذه القراءة وشذوذها. والذي يتبادر إلى ذهن المصنف أن مجموع الآيتين دل على أن لفظ المسكين مشكك تتفاوت أفراده فيصدق بمن عنده مالا يكفيه بدليل آية الكهف، ومن هو لاصق بالتراب لا شيء عنده بدليل آية البلد كاشتراك الشمس والسراج في النور مع تفاوتهما، واشتراك الثلج والعاج في البياض مع تفاوتهما. والمشكك إذا أطلق ولم يقيد بوصف الأشدية انصرف إلى مطلقه هذا ما ظهر والعلم عند الله تعالى. والفقير أيضا قد تطلقه العرب على من عنده بعض المال كقول مالك ومن شواهده قوال راعي نمير :

وفق العيـال فلم يترك له سبد

أما الفقير الذي كانت حلوبته

فسماه فقيرا مع أن عنده حلوبة قدر عياله.

 

سورة الشمس

 

قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} يدل على أن الله هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب وقد جاءت آيات كثيرة تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته كقوله تعالى: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وقوله تعالى: {اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} ونحو ذلك. وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية. وأما القدرية: فضلوا بالتفريط حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالا عن غير تأثير لقدرة الله فيه. وأما الجبرية فضلوا بالإفراط حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به. وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية وأثبتوا أن الله خالق كل شيء فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى. فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى مع أن العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب. ولو فرضنا أن جبريا ناظر سنيا فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول إني لست مستقلا بعمل وإني لا بد أن تنفذ في مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي فأنا مجبور فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه؟ فإن السني يقول له كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك جعل لك سمعا تسمع به وبصراً تبصر به وعقلا تعقل به وأرسل لك رسولا وجعل لك اختيارا وقدرة ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق وهو ملكه المحض إن أعطاه ففضل وإن منعه فعدل كما أشار له تعالى بقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. بمعنى أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق فمن أعطيه ففضل ومن منعه فعدل. ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي؛ قال عبد الجبار سبحان من تنزه عن الفحشاء وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى وقضى على بالردى أتراه أحسن إلي أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء وإن كان له فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل فبهت عبد الجبار وقال الحاضرون والله ما لهذا جواب. وجاء أعرابي إلى عمرو ابن عبيد وقال له ادع الله لي أن يرد على حمارة لي سرقت مني فقال اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه فقال له الأعرابي: يا هذا كف عني من دعائك الخبيث إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد. وقد رفع الله إشكال هذه المسألة بقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} فأثبت للعبد مشيئة وصرح بأنه لا مشيئته للعبد إلا بمشيئة الله جل وعلا. فكل شيء صادر من قدرته ومشيئته جلا وعلا. وقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} وأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى فألهمها فجورها وتقواها أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر، فلا إشكال في الآية وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء. والعلم عند الله تعالى.

 

سورة الليل

 

قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}. يدل على أن الله التزم على نفسه الهدى للخلق مع أنه جاءت آيات كثيرة تدل على عدم هداه لبعض الناس كقوله: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. وقوله: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وقوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا} الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

والجواب هو ما تقدم من أن الهدى يستعمل في القرآن خاصا وعاما فالمثبت العام والمنفي الخاص ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم وأما على قول من قال أن معنى الآية إن الطريق الذي يدل علينا وعلى طاعتنا هو الهدى لا الضلال، وقول من قال أن معنى الآية إن من سلك طريق الهدى وصل إلى الله فلا إشكال في الآية أصلا.

 

سورة الضحى

 

قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى}. هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضالا قبل الوحي مع أن قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فطر على هذا الدين الحنيف ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه بل لم يزل باقيا على الفطرة حتى بعثه الله رسولا ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة.

والجواب أن معنى قوله: {ضَالاً فَهَدَى} أي غافلا عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل وإنما تعلم بالوحي فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك فمعنى الضلال على هذا القول الذهاب من العلم ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وقوله: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى}. وقوله:{قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ}.

وقول الشاعر:

   بدلا أراها في الضلال تهيم

وتظن سلمى أنني أبغي بها

ويدل لهذا قوله تعالى:{مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} لأن المراد بالإيمان شرائع دين الإسلام وقوله: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}. وقوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}. وقوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}. وقيل المراد بقوله ضالا. ذهابه وهو صغير في شعاب مكة وقيل ذهابه في سفره إلى الشام والقول الأول هو الصحيح والله تعالى أعلم ونسبة العلم إلى الله أسلم.