طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

أضواء من التفسير

لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

المدرس بكلية الشريعة

 

 

قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ, إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ, قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ. فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.

 

المناسبة:

بعد أن عرف بصاحب القصة ووصفه في الآيات السابقة وأثنى عليه ذكر القصة التي سبقت الآيات السابقة تمهيدا لها.

 

القراءة:

 قرئ {لا تُشْطِطْ} بضم التاء وكسر الطاء الأولى، وقرئ {تَشْطُطْ} بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقرئ {وَعَزَّنِي} – بتشديد الزاي. وقرئ {وعَازَّنِي} بألف بعد العين وتشديد الزاي. وقرء {لَيَبْغِي} بسكون الياء التي بعد الغين، وقرئ: {ليبغيَ} – بفتح الياء الأخيرة – وقرئ:{ليَبغِ} – بحذف الياء – وقرئ: {فَتَنَّاهُ} – بفتح الفاء والتاء وتشديد النون – وقرئ – بفتح الفاء والتاء والنون الخفيفة – وقرئ : {فتَّناه} – بتشديد التاء – وقرئ: {حُسْنَ} – بالنصب – وقرئ: {حُسْنُ}  وقرئ: بالرفع.

 

المفردات:

أتاك: جاءك. نبأ: خبر. الخصم: هو في الأصل مصدر خصم بمعنى خاصم وأصل المخاصمة على ما قال الراغب: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي بجانبه، ولذا يستعمل الخصم للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، والمراد هنا الجمع {تَسَوَّرُوا} يقال: تسور السور أو الحائط تسنمه وعلا ذروته والسور الجدار المرتفع. والمحراب: البيت المرتفع أو القصر الشامخ أو مكان العبادة، ويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر أنه سمي بذلك لأنه يحارب من أجله. وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبين الناس منها جهة القبلة فيقول المفسرون: أنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول، فزع: ذعر وفرق. خصمان: فريقان متخاصمان. بغى: تعدى وجار. فاحكم: فافصل. بالحق: بالعدل. ولا تشطط – بضم التاء – من اشطط يشطط اشطاطا إذا تجاوز الحد والمعنى: ولا تجر.

قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت إذا جرت. فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل، وأما من قرأ: تشطط – بفتح التاء وضم الطاء الأولى – فهو من شط بمعنى أشط.

كما قال أبو عبيدة: واهدنا: وأرشدنا. سواء الصراط: وسط الطريق والمراد طريق الحق ونهج العدل. أخي: أي في الدين أو في الصحبة أو في الشركة والخلطة. نعجة: شاة، وهي الأنثى من الضأن وبقر الوحش والمراد بها هنا أنثى الضان. أكفلنيها: أعطنيها وضمها إلي حتى أكفلها وأرعاها. وعزني: وغلبني. ومنه قول الشاعر:

تجاذبه وقد علق الجناح

قطاة عزها شرك فباتت

ومن قرأ وعازني، فالمعنى وغالبني. الخطاب: الكلام. ظلمك: تعدى عليك. بسؤال نعجتك إلى نعاجه: أي إضافة شاتك إلى شائه على سبيل السؤال. الخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم وما شيتهم. ليبغي: ليتعدى. وظن: وقام بنفسه ورجح في خاطره. فتناه: بلوناه واختبرناه وأوقعناه في الفتنة. فاستغفر: فطلب المغفرة. خر: هوى إلى الأرض. راكعا: أي ساجدا كما قال الشاعر:

وتاب إلى الله من كل ذنب

فخر على وجهه راكعا

وأناب: ورجع إلى ربه عز وجل. غفرنا: سترنا ومحونا. لزلفى: درجة عالية ومنزلة رفيعة. وحسن مآب: وجميل مرجع.

 

التراكيب:

قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ} الواو قيل للعطف على إنا سخرنا من قبيل عطف القصة على القصة وقيل على اذكر، ويجوز أن تكون للاستئناف فبعد أن أثنى على داود استأنف ذكر قصته. وهل للاستفهام المقصود به التشويق إلى ما بعده لكونه أمرا بديعا عجيبا غريبا وقوله: {إِذْ تَسَوَّرُوا} إذ ظرف لمحذوف تقديره نبأ تخاصم وتحاكم الخصم إذ تسوروا. قال أبو حيان وغيره: وليس ظرفا لأتاك لأن اتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود وليس ظرفا للنبأ لأن النبأ واقع في عهد داود لا في عهده صلى الله عليه وسلم وإن أريد بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصبا فتعين أن يكون ظرفا لمحذوف.

وقوله: {إِذْ دَخَلُوا} إذ بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا. والفاء في {فَفَزِعَ} للسببية. وقوله: {قَالُوا لا تَخَفْ} استئناف بياني نشأ عن سؤال مقدر مرتب على فزعه عليه السلام كأنه قيل: فماذا قال الخصم عند مشاهدتهم لفزعه؟ فقيل: قالوا: لا تخف. وقوله {خَصْمَانِ} يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله: {لا تَخَفْ} مبادرة بإخباره عليه السلام بما أتيا من أجله، ويحتمل أن يكون سألهم: ما شأنكم؟ فقالوا: خصمان. وخصمان خبر لمبتدأ محذوف أي نحن خصمان وجملة بغى بعضنا على بعض في موضع رفع صفة لخصمان، وقد ثنى هنا باعتبار الفوج والفريق، وجمع في قوله {قَالُوا} لملاحظة أفراد الفريقين.والفاء  في قوله {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا} فصيحة وقوله {وَلا تُشْطِطْ} تأكيد لمعنى الجملة قبله، وكذلك قوله: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}. وقوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي} استئناف لبيان ما فيه الخصومة. وقوله: {أَخِي} يجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان أو خبرا لأن. وقوله تعالى: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} جواب قسم محذوف جيء به لقصد المبالغة في إنكار فعل المدعى عليه وتهجين طمعه في نعجة ليس لصاحبها سواها مع أن له قطيعا من الغنم. والسؤال مصدر مضاف لمفعوله، وإنما عدي إلى نعاجه بإلى لأنه متضمن لمعنى الضم والإضافة وقوله: {لَيَبْغِي} بسكون الياء الأخيرة في محل رفع خبر إن واللام للتوكيد وأما على قراءة فتح الياء الأخيرة فقد خرجت على تقدير حذف النون الخفيفة وأصله ليبغين على حد قول طرفة بن العبد.

ضربك بالسيف قونس الفرس

اضرب عنك الهموم طارقها

يعني اضربن. ويكون الكلام حينئذ على تقدير قسم محذوف وهو وجوابه خبر لأن. وأما قراءة ليبغ فإنها بحذف الياء للتخفيف على حد قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ومنه قول الشاعر:

إذا ما خفت من أمر تبالا

محمد تفد نفسك كل نفس

وقوله: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} استثناء من الجنس والمستثنى منه بعضهم. وقوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}، الجملة اعتراضية، تذييلية للتأسف على قلة المؤمنين والتعجب من هذه القلة. وقليل خبر مقدم وما صلة لإفادة التعجب وهم مبتدأ مؤخر وإنما أفادت التعجب لأن الشيء إذا بولغ فيه بإبهامه كان مظنة للتعجب منه قيل: ما أقلهم.

وما في قوله: {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} هي الكافة وهي التي تهيئ إن وأخواتها للدخول على الأفعال فهي صلة والمعنى وظن داود أنا فتناه. والفاعل على قراءة تشديد النون هو الله تعالى، وعلى قراءة التخفيف هو الخصمان. والفاء في قوله: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} لإفادة مسارعته عليه السلام إلى التوبة وتعقيب الفتنة بالاستغفار، {رَاكِعاً} حال مقدرة. و{ذَلِكَ} مفعول غفرنا وقيل خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. والإشارة إلى ما فتن به. و{وَحُسْنَ مَآبٍ} على قراءة النصب بالعطف على اسم إن وبالرفع مبتدأ والخبر محذوف تقديره له.

 

المعنى الإجمالي:

وهل جاءك يا محمد خبر تخاصم وتحاكم المتخاصمين إذ تسنموا حائط قصر داود عليه ا لسلام وقت أن أرادوا الدخول عليه، لقد أخافه دخولهم على هذه الصورة الغريبة، فلما رأوه ذعر منهم طمأنوه بقولهم له: لا تخف أيها الملك: نحن فريقان متخاصمان تعدى بعضنا على بعض فافصل بيننا بالعدل ولا تجر في حكمك، وأرشدنا إلى طريق الحق ومنهج العدل. ثم تقدم إليه المظلوم وقال – مشيرا إلى من ظلمه – إن هذا شريكي له تسع وتسعون شاة ولي شاة واحدة فطلب مني أن يكفلها وقهرني في طلبه. فقال داود: لقد تجاوز حده، وتعدى عليك بسبب طلب ضم شاتك إلى شاءه، ثم وعظهم عليه السلام فقال: "وإن كثيرا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما أقلهم؟"

ولما خلا داود إلى نفسه أنبها على الفزع منهم ولامها على الخوف من الخلق، وقام بخاطره أنه فتن للفزع من ا لبشر فطلب من ربه المغفرة وسقط إلى الأرض ساجدا، فتجاوزنا عن فزعه، وإن لداود عندنا لدرجة رفيعة ومنزلة عالية وجميل مرجع.

هذا وقد ساق الله تعالى هذه القصة الكريمة لينبه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يفزع من كفار مكة الذين يتوعدونه ولا يخاف منهم ويقول له: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود التقي الصالح صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، الذي سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب لما فزع عند دخول الخصمين عليه وتسورهما المحراب ظن أنه فتن وأنه قصر في حق سيده العظيم فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فلا تفزع ولا تخف.

وقد ذكر جمهور المفسرين هنا قصة عجيبة غريبة نقلا عن اليهود لعنهم الله تعالى فقالوا إن داود كان في المحراب فوجد طائرا جميلا فمشى خلفه حتى صعد فوق المحراب فوجد امرأة أوريا تغتسل فأعجب بجمالها وأراد أن يضمها إليه فبعث زوجها أوريا إلى الحرب حتى قتل وأخذها لنفسه وكان له تسع وتسعون امرأة غيرها وليس لأوريا إلا هذه المرأة فقط فأرسل الله تعالى له ملكين في صورة متخاصمين وتسوروا المحراب على داود ففزع منهم فقالوا له: {لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إلى قوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} – وقصدوا بالنعاج النساء – فقال: أكفلنيها وعزني في الخاطب فقال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن رام ذلك ضربنا منه هذا وهذا وأشار إلى أنعه وأصل جبهته. فقال الملكان – وهما صاعدان إلى السماء – حكمت على نفسك، أنت تستحق أن يفعل بك ذلك، فأيقن أنه ابتلى بسبب امرأة أوريا واستغفر ربه وخر راكعا وأناب، وبكى بكاء مرا حتى خرج العشب من أثر دموعه وكان يسبح في سجوده الطويل المرير حتى تاب الله عليه.

وهذه ا لقصة لا أصل لها من الصحة بل هي مختلقة وباطلة لأنها لو صحت لجاز وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم السلام مع أنهم معصومون من ذلك، فضلا عن أنه لو نسب إلى رجل من العوام لتبرأ منه فكيف يحدث من نبي عظيم كداود عليه الصلاة والسلام؟.