|
|
|
الوجه
الحقيقي للإسلام |
|
للطالب
عبد الله عثمان الكوكي |
|
|
|
هذا كتاب
صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته المائة والخمسين ولكنه عظيم الفائدة، بالغ الأهمية،
وحجة قوية تدحض مزاعم خصوم الإسلام الناعقين في الفراغ الجاهلين لمبادئه الرائعة
التي تسمو بالإنسانية إلى أسمى الدرجات. |
|
ومؤلف هذا
الكتيب النفيس هو الدكتور صلاح الدين كشريد الشهير، الذي جند قلمه الفرنسي
الرائع منذ سنوات طوال لخدمة الإسلام، فكان خير داعية إلى الإسلام وخير مفند
لأباطيل وأكاذيب أعداء الحق وعبيد اللذة والمادة، فقد نشرت له الصحف التونسية
والأجنبية الكثير من مقالاته البناءة الداعية إلى الله، وهو المشرف على القسم
الفرنسي بمجلة جوهر الإسلام التونسية لصاحبها فضيلة الشيخ الحبيب المستاوي
الداعية الإسلامي الكبير والشاعر البارع. |
|
والكتاب
مجموعة بحوث قيمة في غاية العمق والجدال الرصين والدعوة إلى سبيل الله تعالى
بالحكمة والموعظة الحسنة. وقد تم طبعها سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف بمطبعة
(النجاح) بتونس العاصمة. |
|
ولقد توقع
المؤلف أن يوجه له القارئ سؤالا عن غرضه من الكتابة بلسان غير لسانه العربي
فأجابه بقوله (جوابي بسيط ذلك لأني أتوجه بكتابتي إلى قوم تواقين لكل ما هو
جديد، قوم حسب رأيي فيهم أنهم يتصفون بعدم الاهتمام والعدول عن كل شيء يألفونه،
وهذا يحز في نفسي، إذ هم لم يحاولوا أن يحاجوا الشعوب الأخرى بما عندهم من حق تلك الشعوب التي أمكنني
التعرف عليها والتوصل إلى الوقوف على أخطائها المؤدية لا محالة إلى التدهور وسوء
المصير للعالم بأسره. وتلك هي
عاقبة الأمور ثم قال إننا
نعلم كلنا: أنه لا يكرم نبي في قريته، غير أنه على الأقل أوجه بحوثي هذه إلى كل
من يتمتع بصبر وقدرة على متابعة خطابي حتى نهايته، ثم لا يحاول نقض الحق إلا بما
هو أحق منه وأن لا ينظر إلى الأمور إلا نظرة علمية وواقعية ثبتت صحتها وقبلتها
الفطرة |
|
فتعال أيها
القارئ الكريم نبحث معه هذه الفصول البالغ عددها سبعة عشر فصلا هي: العلم
وتحديات الطبيعة، مولد الدين، تاريخ الديانات، محمد نبي ورسول من الله، القرآن،
الإسلام والرق، تعدد الزوجات، الشريعة الإسلامية، قواعد الإسلام الخمس، الصلاة،
الصدقة العادلة أو الزكاة، صوم رمضان، الحج إلى بيت الله الحرام، المحظورات في
الإسلام، الخمر والمخدرات، الجهاد في سبيل الله، موقف الإسلام من الرأسمالية.
|
|
وفي فصل
العلم وتحديات الطبيعة بين لنا المؤلف عجز الإنسان عن إدراك كنه جميع الأشياء
وكيف أن الإنسانية في القرن العشرين تجاوزت اعتبار أهمية العلوم بالنسبة لكل شيء
وهي حقيقة رائعة تمنعنا مهما كانت درجة معرفتنا أن نقول في شيء ما، يجب أن يقع
هكذا. ولكن يجب أن نقول لهذا الشيء أنه وقع هكذا، وكما قال سقراط رغم عقليته
الجبارة وكان يحتضر: "أعرف أنني لا أعلم شيئا" ذلك لأنه يعرف أن عقل
الإنسان متعطش دوما إلى المعرفة وتواق إلى الذي هو أكثر حقيقة وعلما، فقوانين
المادة وأكبر النظريات الحسابية والفزيائية تتقدم باطراد، وكل نظرية جديدة تهدم
التي سبقتها ثم تنهدم هي بدورها. ومثال ذلك أن أقيسة الأشعة غير ثابتة وأسماؤها
تتغير دائما، ولم تثبت حتى الآن، وهذا تسببه طبعا اكتشاف نظريات حديثة تظهر لنا
حقائق أخرى أكثر جدية وفاعلية.. وإذن فما هي المادة؟ أو ما هي الطبيعة، وما
حالاتها في واقع العالم، ثم ما هو موقف عالم فذ مثلا من علماء القرون الوسطى
إزاء مذياع أو حتى كشاف كهربائي بسيط مما هو معروف في زمننا هذا؟ لا شك أن هذا
العالم سينسب هذه الصناعة إلى السحر أو الأمور الخارقة للعادة، وكذلك نحن أيضا
فمهما تكن قدراتنا العقلية فهي عاجزة عن استيعاب ما يفوقها نظريا، لأن النظريات
العلمية تساير واقع حضارتنا وقدرة عقولنا، فهي تشبه الحذاء تتسع اليوم حسب
طاقتنا وتضيق غدا عند تقدمنا حضريا، وعند تطور النظريات العلمية، لذلك لا يمكننا
أن نعتمد على العلم في اثبات حقائق راسخة. وهذا ليس غريبا ولكن الغريب أن نزعم
أنه يمكننا تفسير كل الأشياء أو ترك بعضها على حدة باعتبارها غير محسوسة، ثم
نقول إنها الطبيعة، خوفاً من أن نقول إنها من صنع الله تعالى!. ثم إنه إذا كانت
القاعدة الصحيحة أن اثنين مع اثنين يساويان أربعة، وأنه ليس هناك دخان من غير
نار فما نقول في مسألة تناسق هذا الكون ؟ وماذا نقول في الشمس والقمر والليل
والنهار؟ ثم لماذا الكواكب في نظام محكم عجيب؟ أليس من السخف أن نقول إنها
الطبيعة؟!.. إننا نعلم أن كل نظام لا بد له من منظم، فكيف لا نعلم أن الله منظم
هذا المدار الشمسي؟ هذا الذي لا يفوق حبة خردل ملقاة في محيط واسع، ولكن كفر
الإنسان وما أجهله!.. إنه يحب أن يكون إلهه في متناول يده حتى يمكنه التحكم فيه،
وكما قال المؤلف في فصل مولد الدين: "ما كان ذنب إبراهيم الخليل عليه
السلام سوى أنه صرح بالحقيقة التي صدمت العقول فكان أن ألقاه قومه في النار،
كذلك نحن في هذا القرن فإننا نفتش عن غير الله، ذلك لأن الله لا تدركه الأبصار
ولا يشاركه أحد في ملكه، ونحن منذ بدء الخليقة نحاول اخضاع جميع الأمور في سبيل
أهوائنا ولكن هيهات أن يحصل ذلك أبدا!". |
|
وأما القرآن
الكريم فهو ليس مجرد كتاب يقرأ من حين لآخر للتسلية، ولكنه دستور يحمل بين طياته
مقررات تهم المرء وعلاقته مع خالقه. وتهم أخص خصوصياته، فهو يعلمنا حتى كيفية
الأكل وكيفية الاغتسال ويعطينا الحلول الناجعة لكل المشاكل التي تعترضنا، ثم هو
ينظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وينبه على حسن معاملة حتى الحيوان وبما أن
القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية فإنه حوى الصيغة النهائية التي يجب أن يسير
عليها العالم بأسره، ولم يسمح
بتغيير أي بند من بنوده، ومزق غشاوة جهلنا، ووضح لنا أهمية المخلوقات في هذا
الوجود، ففيه بيان كيفية خلق الأرض والسماوات، وفيه حقائق عن القمر والشمس
والجبال، مع أن العلم لم يصل حتى الآن إلى اكتشاف جريان الشمس في الفضاء، إلا
أنه توصل إلى معرفة أن مدار الشمس كله يسبح في الفضاء، ولنتل قول الله تعالى من
سورة (يس): {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ
حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ}. |
|
وهكذا صدق
أعلم العالمين، وعجز عباده
العاصون، كما يذكر المؤلف شيئا هاما لم يقل العلم فيه كلمته الثابتة وهو مسألة
تعاقب الليل والنهار فيذكر لنا كلمة للعالم الذري التونسي الدكتور البشير التركي
جاءت في محاضرة له أمام علماء الذرة وهي أن تعاقب الليل والنهار ليس من جراء
اختفاء الشمس خلف الأرض فحسب لأن النور المنبثق من النجوم يمكنه أن يغمر الأرض
ويكون أشد ضياء ولكن بماذا نفسر هذه المعضلة ؟ إلا أن المهم هو أن المعارف
الجديدة التي كشف عنها العلم لم تدع مجالا للشك في وجود مدبر جبار وراء ظواهر
الطبيعة ألا وهو الخالق جل شأنه. |
|
وأما رد
المؤلف على المعارضين لتطبيق القانون الإسلامي فإنه صاغه في صورة احتجاج عليهم
لأنهم يستطيعون قطع عوض أو حتى جزء كامل من الإنسان للحد من سريان المرض في بقية
جسده، أو ربما لإجراء تجربة عليه دون اعتبار لقيمته، ثم هم لا يسمحون بالقصاص أو
الخلاص من عضو أفسد المجتمع ونخر هيكله!.. ولو طبق قانون رب العزة والجلال لما
تجرأ أحد على خلع عين غيره أو انتهك حرمات الناس، وعندنا المملكة العربية
السعودية وما يتمتع به أهلها من اطمئنان على ممتلكاتهم خير شاهد على نجاعة
القانون الإلهي، فمنذ قيام المغفور له عبد العزيز بن سعود ظهرت نتيجة الحكم
العادل، حتى أن الزائر لهذه البلاد اليوم يشاهد أروع ما في العالم .. يشاهد
الأمتعة الثمينة في المحطات والأمكنة العمومية للمسافرين من غير حراسة ولا يفقد
منها شيء، كما يشاهد دكاكين المجوهرات مفتوحة وقد توجه أصحابها إلى الصلاة
وتركوها وراءهم مطمئنين أنها لن ينقص منها ذرة.. واسمعوا هذه الواقعة: كان ذلك
سنة 1935 م عندما نزل جدى بميناء جدة وكان غرضه أداء فريضة الحج، وفجأة فقد
حزامه الذي به كامل ماله فاضطرب
اضطرابا شديدا، ولم يدر ماذا يفعل!.. ولكن نصحه أحد الحجاج المرافقين له بإبلاغ
الأمر إلى الشرطة فعمل بهذه النصيحة، وتوجه نحو مكة المكرمة، ولما وصلها جاءه آمر
الشرطة وسلمه حزامه وبداخله كل ماله. |
|
وفي مكة
المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما انتشر الصرافون على القرعة وقد وضعوا أمامهم
مختلف العملات من غير حاجز يحميها من اللصوص لأن أصحابها لا يخافون تفجير
المفرقعات مثلما يحدث في البلاد المتمدنة عند محاول الاستيلاء على أحد البنوك!.
|
|
وأما ما جاء
في الفصل الأخير الذي عنوانه موقف الإسلام من الرأسمالية والشيوعية فهو قوله: "إذا
كانت الرأسمالية كما يدل عليها اسمها هي كون السلطة بكاملها بأيدي الأغنياء
والمال مقسم بينهم على قاعدة أن المال يأتي بالمال، فإن إله هذا المجتمع لا يشبه
إلا العجل الذهبي إذ أن المجتمع فيه يخضع لأفاكين منحطين ولهم أفكار دنيئة، ذلك
لأنهم يعتبرون ما للفرد من رصيد في البنك ولأن المال لا تفوح منه رائحة عفنة.
أما الرجل العادي النظيف الشريف الذي ليس له مال فإنهم يحقدون عليه وينظرون إليه
على أنه متخلف متهور إنسان غير مرغوب فيه، ولذ فإنه يمكن لهؤلاء الرأسماليين أن
يستغنوا ببيع الفضلات للأمم الضعيفة وبأخذ أموالهم عن طريق الربا، وأنه مهما يكن
الواحد منهم فإنه توهب له الجنسية والجنسيات العديدة ويرقى إلى أعلا مراتب
القومية، ويدخل أي مجموعة كانت كل ذلك لأجل أشباع نهمه وتحقيق أغراضه السافلة..
العدالة ومراكز الرآسة والصحافة وكل وسائل الإعلام بأيدي الأغنياء، فهذه
الرأسمالية، العدو الذي يمتص دم الناس وعرق الفقراء". |
|
ونتيجة لهذه
الحالة يتكون البغض والحقد بين طبقات المجتمع ويوجد أناس يرفعون من قيمة اليد
العاملة إلى درجة سيادتها على بقية الطبقات الأخرى، وتحطيم هذا النظام البرجوازي
ليعوض عنه بنظام غير عادل أيضا ألا وهو الشيوعية، التي تأخذ بزمام الأمور وتوجه
حربها ضد أي غني ولو كان ماله حلالا حصل عليه بعرق جبينه بدعوى التسوية بين
البشر!. وهي لا شك نظرة خاطئة لأن الناس لا يولدون متساوين، وإذا أردنا أن نسوي
بينهم فلنبدأ بخلقهم متساوين في القدرات العقلية والطاقات الجسدية، وهذا طلب
للمحال، ثم لنفرض أن هذه الاشتراكية جاءت على أساس حب العدالة للمجتمع، فهل يلزم
أن يكون الذي بيده السلطة مثالا لهذه العدالة؟ أو ليس امتياز العامل على غيره هو
امتياز طبقة على أخرى؟.. وهيمنة المطرقة والمنجل على الإنسان؟!.. وإذن فلا المال
ولا المعول يقدر قيمة هذا الإنسان لأنه يكون عبدا لهما، ويستمر العامل هكذا
ممتلئا بالمشاكل والبؤس لأن كلا من الرأسمالية والشيوعية استغلال طبقة لأخرى،
الأولى عمادها الثراء والثانية عمادها الذكاء، وهي أخطر من ا لأولى لأنها تطعمنا
السم ممزوجا بالعسل وهذه حقيقة
مزيفة لواقع الإنسان. |
|
فيا أيها
الإنسان تعال نتعاون لنتخلص من هذه العبودية غير العادلة تعال نوفق بين الأجناس
ولا نفرق بين الأبيض والأسود، ونعدل بينهم بإتاحة الفرصة لجميع الناس حتى يعمل
كل حسب طاقته ونتخلص من هذه السرقات الخفية التي تخنق الإِنسان. ولنمتثل لقول
الله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى
تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ} |
|
ذلك هو كتاب
الدكتور صلاح الدين كشريد الداعية الإسلامي الكبير وقد حاولت استعراض بعضه
للقارئ الكريم تنبيها إلى أن الإسلام في حاجة إلى دعاة بجميع لغات العالم وأننا
مقصرون في هذه الناحية فنسأل الله الإعانة على خدمة الحق ونصرة الإسلام. |