طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإيمان نصر

للشيخ أحمد مختار البزرة

 
 

عندما تكتسح الأرض موجة الإلحاد مجترئة على الله بما أعطى من عناصر القوة وأسبابها، لا يسع المؤمن إلا أن يجابه الموجة العاتية بصلابة الإيمان وثبات العلم، فإن القوة في هذا العصر لا تستكمل إلا بعميق العلم وبعيده ونحن بها مأمورون لحفظ  الديار وحمل الأمانة وحماية الإيمان في الأرض:

 

إذا استنهض الصور أهل الحضر

فهبــوا ولبوا  النداء زمر

وفجرت الأرض أرحــامها

وألقـت بما ضمنتها العصر

وجاشت بحــار تزجي بحارا

من الخــلق مهرعة في ذعر

كما دفع السيـل مستعـليا

إلى خفضة طاميا مسبطر[1]

وجاء الزمـان بأشتــاته

فلاقـى أوائـــله بالأخر

وأخرج من كهفـه ما تظل

له النفس من عجــب تنبهر

لقد حسر الوهم عن مثله

وزاغ الخيال كليــل البصر

فيا روعة السر في جعبـة الـد

هر أغفى فلما تجــلى بهر

لقد وصل البعث ما قطع الـ

ردى من سلاسل صلب البشر

وجاؤوا على موعد كم تمارى

به المنكرون فلجــوا فجر

أزال الغشاوة عن أعـين

تفاداه بالنظـر المنــكسر

وقد حدق الغيب في وجههم

فيا خزية جـللت مـن كفر

ومن يجعل الأرض فوق السماء

تحـجب عـن قلبه كل سر

إذا حطــم المرء وجدانه

بفاس الجحود هوى واندثر

متى أغلق اللحد لم يبق ركز

يظـل صـدى بعده يدكر

يجيء ويمضي ولا يشهر الكو

ن منه ضــياء يزين السير

غدا بأكـل الترب جثمانه

ويفني سوى الصالحات الغرر

حياة إذا لم تفض بالجميـل

وبالخير كانت هبــاء نثر

إذا رمت يوم المعاد النجـاة

فلا تنس زادك قبـل السفر

ومهما تراخت حبال المنون

فأنت على موعـد مستقر

تباكرك الشمس مختــالة

ويرخي عليك الظلام الستر

وأنت على الدرب إما الورود

جنيت وإمــا جنيت الإبر

فراشك في القبر ذلك الحصاد

وذخرك في الوزن هذا القدر [2]

فعمرك أما ادكــرت ابتلاء

فإما الجنــان وإمـا سقر

فإن كنت تخشى مساس الجحيم

غدا فاعتنق مله كالقمـر

فوحد وكبر وقـل : لا إله

سوى الخالق البارئ المقتدر

وشق عن النفس ثوب القنوط

ولا تخـش لله أن تنتـصر

وسـارع فنـاد إلى المأثرات

وخل الخنـوع لقلب الحذر

وفض عن العلم أختــامه

وســابق بميدانه الناس طر

وغص في البحار وطر في الفضاء

ليعلم إنك القـوي الخطر [3]

وصابر فلا تغلبنـك الصعاب

فإمــا غـلبت فإنك حر

هو الكون يهوي الجريء الغيور

ويرفــض كل ذليل دحر

ويفتـح للخـــلق أبوابه

يطالعــ أسراره المبتدر [4]

تعــوذت بالله من أمــة

ترامــت قواهـا سماء وبر

وسال لديها اليبـاب كنـوزا

خـزائن تجبي نضارا نضر

أثارت من الأرض ما خبأ الله

- م- فيها لكل طلوب صبر

وراح بها شغف في العــلو

إلى النجم تسأله : ما الخبر ؟

وقد ركبوا اللهب المستشيط

إلى قــمر قبلهم لم يزر

وجابوا الفضاء كجوب الخيال

من الليل أرجاء قفر هجر

تراءت لهـم معجزات الإله

وآلاؤه باهرات كـــبر

هو الكون ..يا لصنع القدير5

رحيب المجـال بعيد المقر

يظـل له اللب في روعـة

ويكبو حسـيرا لديه النظر

كواكب جابت بحار الفضاء

به ترتعي سـربها ما ذعر

حباها الإله رحاب السلام

ولم يعتل الظهـر منها أشر

إذا حيت الأرض في سيرها

تناوحها بالدمـوع الغزر

وتأسي لها أن علاها كفور

ينغصـها بالمآسي الكثـر

يعب من الخير ما قد أفاض

بها الله ثم الجـحود بطـر

ينــكس راياتها المشرقات

بنـور الإله ويدعو النكر

وما مــؤمن عنـده آمن

ولا مسلم القلب إلا سخر

كأن من المنــكرات العظا

م قولك : ربي الوجود فطر

أغـرك أن فتــق الله سرا

لديك عن الخلق قبل أسـر

وما ذا من العلم في جعبة الكو

ن نلت ؟ لقد نلت ما قد نذر

ومن يمتح البحر مهما استزاد

فما نقص البحر بعض القطر

فدع عنك هذا الغرور الغشوم

وانصـت إلى الله في كل سر

تعاظمت لما مـلكت القوى

من النــار والمعدن المنصهر

وركبت منها العجيب الرهيب

بعقـل حبـاك الإله المبر

فيا كرم الله كم يعظم الفضل

-م- منه ويغوي الجحود المصر

أئن أمـر الله آفــاقه   :

ألا فافتحي البـاب للمختبر

لعــل المعـاند اما ارتقى

فشام الروائع للذقن خر

وأجهش في عبرات اليقين   :

( تباركت من خالق مفتطر)

عتوت كأن قد سمكت السماء

وأنجمهـا الزاهيات الزهر

وغلفت قلبــك بالكبرياء

وطرفك في النكر طرف النمر

ومن قبل كان أبو الأنبياء الـ

ـخليل-إذا ساح-جم الفكر

يقلب في الـكون أنـظاره

ووجــدانه باليقين عمر

على الأرض ثمـة لا مرصد

لديه ولا طـائر بالشـرر

رأي النـاس في لجة غارقين

لبازغة عبدوا أو حجــر

فنـاداهم أين فضـل النهي

-ظلمتم- أليس الدليل أبر

تعالوا لنعبــد من لا يزال

له الحول والطول المستمر

ولما رأى النجـم أهوى بهم

إليــه وللبـدر لما بـدر

وللشمس بازغة كالعروس

- تطل من الأفق فيها خفر

وغابــوا جميعا فما بالهم

يسيرون في نهـج مستطـر

أما يملكون على عظمهم-

بقاء ثـوان على ما سـطر

فلله وجهي الذي خلق الكو

ن بدءا وأعطى لكل قدر

ويـا قوم لا تسفهوا بعدها

لقد حصحص الحق للمفتكر

مـتى أخـلص المرء وجدانه

لرب السماء راى واعتــبر

ولاحت له في كتاب الوجود

حقائق مسطــورة كالسـور

وليس بنـافعـه أن يرود

عباب الفضاء بقلب كــدر

فكم آيـة تبهـر المستريد

ولكن ناظــره قد سكر

تباركت ربي الحليم الغفور

بسطت من الفضل للخـلق ثر

مننت على العابدين الحديد

- م والسائل اللاهب المنفجر

لتـرفعهـا حجـة كالنهار

على منكر في عمــاه سدر

ألفنا السبـات ومن حولنا

يمورون كالمــارج المستعر

وكـل أبي إذا شــاقـه

من المجـد نور أعـد السهر

غدا يسـأل الله اما وقفنـا

يحاسبنا عن حصـاد العمر

علام رضيتـم لرايـاتكـم

بدار السباق بأن تنـدحر

ألستم رجـال الكتاب المبين

متى جاءه مخلص لم يبر

فإن خفت خزي العقاب الأليم

-م- قبل الفوات وقبل الحسر

فشق إلى النور درب الجهاد

وصح للعلا بالأباة الصبر

فمـا هتك المعتدين الغزاة

سوى مؤمن كالشهاب أعر

إذا رفــع الكفر أعلامه

ففي عصــب المؤمنين خور

ولو زأر الليــث في غيله

لولى لفيــف الذئاب الدبر

ولكنها غمــة في الفؤاد

أماتت حميــة من يسـتعر

وبات الملهـب في غيـظه

لخذلانه ساعدا قد بتــر

أنعطي الدنيـــة في أمرنا

ونصبر إذ ذم من يصطــبر

وتسحب من تحتنـا أرضنا

كما سلب الثوب عن ذي سكر

ونرقص والعار وسم الجبين

وأعداؤنا راصــدون غدر

وما كان في شيم الأولـين

إذا مسهم نائـب من صـغر

كأن لم يلدنا مثـنى الحروب

ولم يفتح الأرض فينا عــمر

ولكننا قد كرعنـــا الهوا

ن حتى نكرنا مجاج الظفــر

ولكن قومي وإن أسرفوا

لهم في المعالي قــديم الأثر

لعلي بهم بالعـدي يعصفون

كما تنزع الريح رأس الشجر

فتطهر من رجسـهم قدسنا

وتشدو مآذنهـــا في السحر

وترفـــل بالنصر مغترة

مرابعهــا والمقام الطهر

ومن عاش للثأر لم يغتمض

ولم يهدر الحق كان الظفر

 

 

 



[1]  مستعمل: ذو ارتفاع ومسبطر: ممتد.

[2]  الوزن : الحساب ، والقدر : المقدار

[3]  انك : مخففة

[4]  المبتدر : السابق