|
|
|
|
المسؤولية في الإسلام |
|
|
مسؤولية الرجل |
|
|
للشيخ عبد الله قادري |
|
|
|
|
|
كانت الحلقات السابقة من هذا البحث تتحدث عن المسؤوليات المتعلقة بالحاكم
والمحكوم، وقد ضربنا لذلك أمثلة بأربع مسؤوليات هي: |
|
|
مسؤولية الإمام، ومسؤولية التعليم، ومسؤولية الإعلام ومسؤولية جند
المسلمين، وهي كافية للتنبيه على المسؤوليات الحكومية الأخرى، كالقضاء والإدارة
وغيرهما. |
|
|
أما في هذه الحلقة وما يليها فيدور الكلام حول المسؤوليات المتعلقة
بأشخاص بأعيانهم لأشخاص بأعيانهم. |
|
1- حقوق
الوالدين
|
|
وقبل الكلام
على حقوق الوالدين أحب أن أنبه على جوانب سؤال قد يعن للقارئ، وهو: كيف يكون
الوالدان من رعية الولد مع أن العكس هو الصحيح حسب الظاهر؟
|
|
|
والجواب أنه لا غرابة
في ذلك فإن الوالد قد يكون كبير السن عاجزا لا يقدر على القيام بمصالح نفسه
فيقوم ولده بها، فيكون بذلك راعيا والوالد مرعيا، وقد يكون الولد متعلما عنده مؤهلات
لتولي بعض المناصب الهامة في الدولة كالخلافة والإمارة والقضاء وأشباههما وليس
كذلك الوالد فيكون الأب من جملة الرعية التي يتولى الولد أمرها. |
|
|
وعلى أي حال فإن
للوالدين على ولديهما حقوقا عظيمة اعتنت بها نصوص الشريعة الإسلامية من كتاب
وسنة وقرنت حقوقهما بحقوق الله في القرآن الكريم لأهميتها كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} |
|
|
سبب الاعتناء بحقوق
الوالدين: |
|
|
ولعل السبب في عناية
الإسلام بحقوق الوالدين من الأمرين التاليين: |
|
|
1- أنهما السبب المحسوس
المباشر في وجود الولد، ومن كان سببا في وجودك فحقه عظيم ولذا نرى القرآن يجمع
بين حق الله وحقهما كما مضى ولما كان الله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات وهو
مصدر وجود المخلوق كان حقه مقدما على حق كل أحد. |
|
|
2- ما يعانيانه من
المشقات على ولدهما من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم ومن تربية وإنفاق وتنظيف
وتمريض وإشفاق من قبلهما معا، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى ذلك كما قال تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}
الآية من سورة لقمان. |
|
|
وقال تعالى في سورة
الإسراء بعد أن أمر الولد بالإحسان إليهما ونهاه عن أدنى ما يمكن أن يصدر عنه من
عقوق لهما: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيراً} |
|
|
وبالتأمل في الآيات
القرآنية يظهر أن الوالدين يشتركان في تربية الولد الدينية والعقلية والجسمية،
وإن كان ببعض هذه الأمور، ولكن الأم تختص بتحمل مشاق لا يشاركها فيها الأب
كالحمل والوضع والإرضاع. كما قال تعالى في الآية المتقدمة: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي
عَامَيْنِ} ومن هنا كان حق الأم
أكد على الولد من حق الأب، وقد أوضحت ذلك السنة الصحيحة تما الإيضاح، فقد سأل
بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال
أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك. |
|
|
شرك الوالدين لا يسقط
حقهما |
|
|
ومن عدل الشريعة
الإسلامية الغراء أنها تعطي صاحب الحق حقه ولو كان مشركا يدعو إلى الشرك ولا
يجيز إسقاط حقه بسبب شركه، كما قال تعالى في سورة المائدة على وجه العموم: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. ولذلك أمر الله
الولد أن يقوم بحق والديه من الإحسان إليهما والبر بهما والإنفاق عليهما
ومصاحبتهما بالمعروف مع بقائهما على الشرك، ولا يجوز له أن يعصيهما إلا إذا
أمراه بمعصية الله تعالى، فلا طاعة لهما عليه في ذلك، لأن المقصود من طاعتهما
الحصول على ثواب الله، وطاعتهما في المعصية يترتب عليها عكس ذلك وهو العقاب. |
|
|
والقاعدة العامة ألا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد أوضحت الآيات القرآنية ذلك إيضاحا تاما. قال
تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ
حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
|
|
|
وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي
وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} |
|
|
وقد روى مسلم في صحيحه
أن هاتين الآيتين من سورة لقمان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص عندما حلفت أمه
وكانت مشركة ألا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بدينه، وقالت له: زعمت أن
الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. فمكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد
فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنز الله عز وجل في
القرآن هذه الآية الكريمة: {وَوَصَّيْنَا
الإِنْسَانَ} |
|
|
وانظر تفسير ابن كثير ،
ج 3 ص 405-445 ، وقد دلت السنة أن حق الوالدين أكد على ولدهما من الجهاد – إذا
كان تطوعا – ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل
إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال:"أحي
والداك؟" قال: نعم. قال:"ففيهما
فجاهد". كما أن قصة جريج وهي في الصحيحين أيضا تدل على أن إجابة
الولد المصلى – تطوعا – أمه إذا دعته واجبة عليه مراجع إن شئت كتاب اللؤلؤ
والمرجان ج 3 ص 241-242 والأحاديث في ذلك كثيرة أكتفي منهما بما مضى وبالحديث
التالي الدال على أن عقوقهما من أكبر الكبائر. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر – ثلاثا – ؟ قالوا: بلى،
قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور"
. ويلاحظ أن القرآن ذكر حقوقهما الواجبة مع حقوق الله والسنة قرنت بين عصيانهما
وعصيان الله، وكفى بذلك دلالة على وجوب البر والإحسان إليهما. |
|
|
2- حقوق الأولاد. |
|
|
الأولاد اليوم أطفال
ومرؤوسون، وغدا آباء كبار ورؤساء، وقد جرت سنة الله أن يسلم كل جيل أبناءه من
يده قيادة عجلة الدنيا، وفي مدة لا تزيد عن مائة سنة في الغالب يرحل جيل ويخلفه
آخر، وقد أراد الله تعالى من البشرية الإصلاح في الأرض لا الإفساد، أراد الإصلاح
الشامل الذي يتناول الدنيا والدين، من قام بما أراد الله منه نال حظه الوافر في
الدنيا من راحة واطمئنان وتمكين وثناء حسن في حياته وبعد مماته، وفي الآخرة من
رضى الله وثوابه الذي يضاعفه له جزاء ما قدم من إصلاح، ومن فعل خلاف ذلك فعمل
الفساد وفتح أبوابا وسهلا موصلة إليه فعليه وزر ما عمله هو وما عمله غيره من
الفساد اقتداء به. وكانت عاقبته شر عاقبة عاجلا بما ينال في الدنيا من قلق
واضطراب وسوء معاملة بينه وبين الناس، وذكر سيئ في حياته وبعد مماته ، وآجلا بما
أعده الله له من عقاب أليم جزاء
ما اكتسب من فساد وإفساد، وأحسن الناس من خلف بعده أعمالا صالحة يستفيد منها
المسلمون كما مضى في الحديث الصحيح "إذا مات
الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع
به" وأسوأ الناس من كانت أعماله شرا، وخلف بعده آثارا سيئة، فيها
ضرر على المسلمين في مصالحهم العامة أو الخاصة، ومثل هذا كمثل من قال فيه
الشاعر: |
|
|
رحلت بخزية وتركت عارا |
وكنت إذا حللت بدار قوم
|
|
إذا عرفنا ما تقدم
عرفنا أهمية حقوق الأولاد على الآباء، وهي كثيرة وخلاصتها السعي في جلب ما
ينفعهم ودفع ما يضرهم عاجلا وآجلا، وحقوقهم في الحقيقة ليست حقوقا شخصية فحسب بل
إنها فوق كونها نافعة لأشخاصهم نافعة للمجتمع كله. |
|
|
واذكر من حقوق الأولاد
على الآباء ما يلي على سبيل المثال: |
|
|
1- العناية بتربيتهم
الجسمانية وقت الطفولة من غذاء منظم مفيد، ونظافة وعلاج عند الحاجة، ونحو ذلك
مما يساعد على نمو أجسامهم وسلامتها، وقوة أعضائهم، فإن قوة الجسم مطلوبة مع
غيرها من القوى المعنوية، كقوة العقل، وقد مدح الله تعالى طالوت عندما خصه
بالقيادة بصفتين عظيمتين، احداهما قوة الجسم والثانية كثيرة العلم، فقال: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}
والمؤمن القوي الجسم الذي يقدر على القيام بأعمال مفيدة نافعة له ولإخوانه
المؤمنين خير من ضعيف الجسم الذي لا يقدر على ذلك وقد مضى ما يدل على هذا المعنى
في الحديث الصحيح الذي فيه: "المؤمن القوي خير
وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ". |
|
|
2- العناية بتنشئتهم على الأخلاق
الفاضلة في وقت الصغر، فإن الأمور التي يطبع عليها الصغير قلما يفارقها في كبره،
فيجب أن يمرن على الصدق والوفاء وعلى الشجاعة والكرم، وإكرام الضيف والجار والشفقة
على الضعيف والاعتماد على النفس في جلب المعاش وغير ذلك من الصفات الحميدة، كما
ينفر من أضداد تلك الصفات وأشباهها، ولا يتأتى هذا الأمر إلا إذا توفرت هذه
الصفات الحميدة في الآباء وغيرهم من أهل البيت. فإن الطفل يكتسب من أهل البيت
صفاتهم التي يراهم يلازمونها، حسنة كانت أم سيئة، فيجب أن يكون الكبار قدوة
للصغار في أعمال الخير. |
|
|
3- العناية بتنمية
مواهبهم العقلية بالتدريج، بحيث لا يحملون ما لا يطيقون ولا يهملون مطلقا، بل
يبدأ معهم بتمارين مناسبة لعقولهم، وخير ما أرى أن تنمى به عقولهم في المرحلة
الأولى تعريفهم بأن ما يشاهدون من هذا الكون من إنسان وحيوان وشمس وقمر ونجوم
وسماء وأشجار كلها من مخلوقات الله، حتى ينشأوا على معرفة ربهم وأنه المتصرف في
هذا الكون ليحتفظ لهم بفطرتهم التي فطرهم الله عليها. |
|
|
4- ملاحظتهم في أداء
الشعائر التعبدية كالصلاة وما يتصل بها من وضوء ونحوه، والوقت الذي يؤمر فيه
الصبي بالصلاة هو السابعة من عمره، وهو بطبيعته سيحاول تقليد أبيه وأمه في
صلاتهما ووضوئهما قبل ذلك، وسيرى الناس مع أبيه في المسجد يصلون باستمرار،
فيرتسم في نفسه أن هذا أمر لا بد منه، فإذا بلغ العاشرة من عمره، وأمر بالصلاة
ولم يصل، عندئذ يؤدب بالضرب حتى يصلي، وهذا العمل يعتبر حفاظا من الشريعة على
الطفل، وتمرينا له على الطاعة قبل أن يبلغ السن التي يكون مكلفا فيها تكليفة
إيجاب، وهو احتياط عظيم جدا، فإن الطفل إذا بدئ بتمرينه على الطاعة، قبل سن
الرشد بأربع سنوات أو خمس لا يأتي وقت تكليفه إلا وهو يعمل ما كلف به عن طواعية
واختيار، ولا يفوت شيئا مما يجب عليه، بخلاف ما إذا ترك دون تمرين حتى يصل إلى
سن البلوغ فإنه سيتردد في فعل الواجب، وسيفوت بعضه في أول الأمر حتى يمرن مدة من
الزمن كافية، وهذا من محاسن التربية الإسلامية التي لا توازيها أي تربية يكون
مصدرها سوى الإسلام. |
|
|
5- العناية بتعليمهم
قراءة القرآن، وإذا تيسر تحفيظهم إياه فلا ينبغي أن يفرط في ذلك، وإذا لم يتيسر
حفظ الجميع فما تيسر منه، مع تفهيمهم أن هذا القرآن كلام الله الذي نزله على
رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المطلوب من تعلمه وقراءته وحفظه وتعليمه هو العمل
بأوامره واجتناب نواهيه، وأن يكون هو الدستور والمرجع الذي يحتكم إليه، وإنه هو
الحق وما خالفه هو الباطل لا يجوز العمل به، حتى يكون القرآن معظما في نفوسهم
ومنهجهم وإمامهم في اعتقادهم وسلوكهم وشريعتهم ونظامهم فإن شباب المسلمين لم يتركوا
تعاليم دينهم ولم يبتعدوا عنها إلا بعد أن ذهب تعظيم هذا الكتاب من نفوسهم إذ
هجروه إلى غيره من الكتب التي يشكك أغلبها في أحكامه العادلة وأخباره الصادقة،
كما يجب أن يوجهوا بعد كتاب الله إلى سنة رسوله الصحيحة، وأن يختار لهم في صغرهم
بعض الأحاديث التي تشتمل على الأخلاق الحسنة والدعوة إليها والتنفير من أضدادها
حتى ينشأوا محبين للخير متصفين به كارهين للشر مبتعدين عنه. |
|
|
6- وعند ما يبلغون السن
التي يحصل معها الفهم الكافي يجب أن يعلموا الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من
حلال وحرام وما يتصل بهما، مع الاستعانة بتفاسير القرآن الكريم وشروح السنة
المعتمدة، وكتب الأئمة الفضلاء دون أن يؤمروا بالتعصب لأي مذهب معين، بل ينبغي
أن يبث فيهم روح الاجتهاد والبحث عن الأحكام من مصادرها الأصيلة، ويجب أن يعرفوا
فضل أئمة الإسلام – كالأئمة الأربعة وغيرهم – واحترامهم وأن يكون موقفهم من
أولئك الأئمة موقف المنصف الذي ينزل كل شخص منزلته اللائقة به، دون إفراط أو
غلو، كما يفعل المتعصبون لبعض الأئمة، حيث يصرح الكثير منهم أنهم لا يأخذون
الأحكام من كتاب ولا سنة، بل يأخذون الأحكام من أقوال إمامهم المعين، ولو خالفت
صريح القرآن وصحيح السنة، فإن في هذا غلوا يخشى على صاحبه الفتنة، ودون تفريط في
حق أولئك الأئمة رحمهم الله تعالى، كما يفعل بعض المتطرفين الذين يذمونهم ،
ويستدلون عليهم بالآيات التي تذم الخلاف والتفرق، كقوله تعالى في سورة الأنعام:
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الآية وهذا الاستدلال غير صحيح
بالنسبة بالأئمة رحمهم الله، فإنهم لم يقصدوا الخلاف، وإنما اجتهدوا في فهم نصوص
الكتاب والسنة، وكل منهم عمل لما بلغه اجتهاده وهو الواجب عليه، فإن أصاب فله
أجران وإن أخطأ فله أجر، كما ثبت ذلك في السنة. والأئمة أنفسهم حذروا أتباعهم من
أخذ آرائهم بدون دليل فما ذنبهم بعد هذا؟ |
|
|
والذي يجب على طالب
العلم، أن يعرف حقهم، وأنهم خدموا الإسلام خدمة عظيمة وأن أغلب آرائهم صواب
وخطأهم قليل، وأن الواجب أن يأخذ طالب العلم ما قام عليه الدليل في أي مذهب كان،
فإن الله تعالى لم يتعبدنا بالتسليم لقول أي أحد غير رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فإنه يجب التسليم له لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وما عداه
فهو محل أخذ ورد، وما اختلف فيه وجب رده إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم، فإنه لا حاكم غيرهما في أمور الدين. هذا هو الواجب مع احترام الأئمة
والاطلاع على أقوالهم واستدلالهم، لأن لهم باعا طويلا في فهم الوحيين. ولشيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة في هذا الموضوع لا ينبغي لطالب العلم أن
يغفل عن مطالعتها تسمى: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام). وينبغي أن يسبق حث
الطالب على الاجتهاد والبحث عن الأدلة وطرق الاستدلال تزويده بثروة كافية من
علوم اللغة العربية وعلوم الآلات الشرعية كأصول الفقه والتفسير والحديث وغيرها
حتى يكون له استعداد للبحث وفهم مراد الله من النص ومراد رسوله صلى الله عليه
وسلم. أما قليل الفهم والعلم الذي لا يتمكن من ذلك فليس له ترجيح قول على قول
لعدم أهليته، وإنما عليه أن يسأل العلماء والمجتهدين عن حكم الله تعالى، ويعمل
بذلك، وما يفعله كثير من الجهال الذين لا أهلية عندهم لفهم ولا علم من إصدار
الأحكام من تحليل وتحريم أمر لا يجوز ويجب أن يؤخذ على أيديهم، لأن التحليل
والتحريم ليس من وظيفتهم، وإنما هو من وظيفة العلماء الفاهمين الذين لهم اطلاع
واسع على نصوص الشريعة وعلومها، فلا يحلون إلا ما أحله الله، ولا يحرمون إلا ما
حرمه الله، وقد نهى الله الجهال عن الحكم على شيء بأنه حلال أو حرام بدون علم
كما قال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا
يُفْلِحُونَ} وقال: {وَلا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} |
|
|
7- ومن أهم الأمور التي
يجب أن يعتني بها الآباء اختيار المدارس التي عرفت بالعناية بعلوم الدين
والتربية الإسلامية، لا سيما في المراحل الأولى والثانية والثالثة من مراحل
التعليم فإن في ذلك إعانة للوالد على الحصول على مراده من تربية ولده، ومن
المؤسف أن كثيرا من الآباء لا يهمه إلا أن يحمل ولده شهادة في المستقبل يتسلم
بها وظيفة راقية سواء أبقى له شيء من دينه أم لا، فيرميه في أي مدرسة دون أن
يعرف وجهة مديرها ومدرسيها وما يهدفون إليه، وهذا أمر خطير، وذنب عظيم يتحمله
الوالد، حيث يلقى بولده في صغره في أحضان قوم قد يكون همهم الوحيد التشكيك في
الدين وإفساد اللأب بإخراجهم عن تعاليم دينهم ، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة} |
|
|
ورزق الله تعالى مكتوب
لا تأتي به شهادة ولا يمنعه عدمها، وإذا أراد الوالد أن يتخصص ولده في علم من
العلوم فلا مانع من ذلك بعد أ ن يؤمن عليه بمعرفة دينه والعمل به، وكذلك يجب أن
يختار لولده معلما يلازمه يكون قدوة له تتوفر فيه أسباب الفلاح بحيث يكون متقيا
ورعا محافظا على شعائر الدين، متحليا بالأخلاق الفاضلة، من إخلاص وصدق وأمانة
وكرم وشجاعة ومثابرة على البحث والتحقيق العلمي، فإن اختيار مثل هذا المدرس
الصالح لملازمة ولده يساعده مساعدة عظيمة على تربيته الصالحة، لأن المرء بقرينه
كما قيل، والجليس الصالح من أعظم الأسباب لصلاح جليسه، كما أن الجليس السيئ من
أكبر الأسباب لفساد جليسه وكما يجب أن يختار له ملازما صالحا يجب أن يحول بينه
وبين وملازمة الأشرار من مدرسين وطلاب وغيرهم لئلا يكتسب من صفاتهم الخبيثة
فيصبح مثلهم، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن الذي يصاحب أهل الشر فيضلونه عن
سبيل الله يندم يوم القيامة على ما فعل، ويتمنى أن لا يكون فعل ذلك، كما يتمنى
أن يكون قد صاحب من يهديه إلى طريق الخير قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي
اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} الفرقان، وذكر تعالى أن
رؤساء الضلال والاضلال يتبرأون يوم القيامة من أتباعهم، وأن أتباعهم يتمنون لو
يعودون إلى الحياة الدنيا فيتبرأون من أولئك الرؤساء كما تبرأوا منهم، قال
تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ
الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ
الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا
مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا
هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقد
أوضح النبي صلى الله عليه وسلم حسن مجالسة الصالحين وقبح مجالسة الفاسدين أتم
إيضاح بمثالين، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "مثل جليس الصلاح والسوء كحامل
المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد
منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة" |
|
|
فاحذروا أيها الآباء
على أولادكم من مجالسة الأشرار وحافظوا علهم بمجالسة أهل الخير، والموضوع في
حقيقته عام لكل مسلم يجب أن يصحب الأخيار ويبتعد عن الأشرار، وإنما ذكرت ذلك هنا
لأن الأولاد أكثر استجابة لأي مبدأ من الكبار، والكلام هنا في شأنهم. |
|
|
قد يقال إن وجود المعلم
الذي تتوفر فيه تلك الصفات نادر، وأغلب المعلمين لا يوجد فيهم إلا بعضها ومنهم
من يتصف بأضدادها فهل تعني أن نمنع أولادنا دخول المدارس؟ |
|
|
والجواب: لا، لم أرد
ذلك، وإنما أردت المعلم الذي ينبغي أن يلازمه الطالب، في أغلب أوقاته، سواء كان
من مدرسيه في المدرسة أو من غيرهم والمهم صلاحه. |
|
|
8- وينبغي أن يهتم الوالد بتعليم ابنه بعض الحرف التي تكون
سببا لطرق كسبه كالتجارة والصناعة والزراعة وغيرهما، حتى يكون معتمدا في كسبه
وانفاقه على ربه ثم على عمل يده، ولا يكون عالة على المجتمع يتكفف الناس، ولنا
في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام أسوة حسنة فقد كان بعضهم نجارا، كما صنع
نوح عليه السلام السفينة التي كانت السبب المحسوس في نجاته ونجاة قومه، وكان
زكريا عليه السلام نجارا كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وكان داود عليه السلام يصنع الدروع كما قال تعالى عنه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا
دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا
لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا
صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ولقد فضل
الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل أن يجمع الحطب ويحمله على ظهره ويبيعه وينفق
على نفسه ليستغني عن الناس ويتصدق منه، فضل له ذلك على تكفف الناس وسؤالهم ، ففي
الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره
فيتصدق منه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه"
|
|
|
والأحاديث الصحيحة في ذم السؤال كثيرة جدا، فيجب أن يحث
الوالد ولده على الشهامة والمروءة وعزة النفس والابتعاد عن الأمور، التي تجعله
ذليلا أمام الناس. |
|
|
9- ومما ينبغي التنبه له أنه يجمل بالأب أن يوجه ولده إلى
تفهم مشاكل المجتمع التي تعترضهم سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو اقتصادية أو
غيرها، والبحث عن الحلول المناسبة حتى يكون عضوا عاملا يهمه ما يهم مجتمعه، ولا
يقف متفرجا على ما يحدث من المشاكل، فإن الذي يقف من مشاكل أمته هذا الموقف
يعتبر بمنزلة العضو المقطوع من الجسد. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على
تعاون المسلمين فيما بينهم وجعلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى . وقال: "المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. |
|
|
ومن هنا وجب على المعلمين أن يتعاونوا مع الآباء في توجيه
الأولاد، لأن كثيرا من الآباء ليسوا أهلا للتوجيه في كثير مما مضى. |
|