طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ندوة الطلبة

النجاح والرسوب ونقاش بينهما

بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري

الطالب بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة

 

 

هممت ذات مساء بكتابة كلمة عن النجاح والرسوب _ وفيما كنت أشرع في الكتابة لمحت اثنين قادمين، ولما كانت هيئتهما متسمة بصفة الغرابة بالنسبة لي، أوقفت الخيال ب((جماح النظر والتحديق)) إليهما، وبالخصوص كأنهما قاصدان إليّ دون بقية الأنام.

أحدهما طويل القامة، ضخم البنية، مفتول العضلات كأنما هو بقية من قوم عاد‍‍!!

والآخر وما أدراك ما هو :رجل في منزلة بين المنزلتين.. كما تقول المعتزلة!!

ليس فيه ما يلفت النظر إلا أنه يظهر للرائي بادئ الأمر أنه من قوم لماّ يخلقوا، وإنما خلقتهم ((شاغرة _ كما في لغة الوظائف_ إذ ما سبق للتاريخ أن تبرع بوصفهم، إلا في ألف ليلة وليلة وهو بعد مصدر هام لإثبات تواريخ هؤلاء !!!

فلما قربا مني انحنى العملاق العاديّ _ نسبة إلى عاد _ انحناء تشبه انحناءة طائرة البوينج عندما تستعد لمصافحة الأرض .. ليصل أذن رفيقه الذي لا أعلم من صفته سوى أنه من قوم ما زالوا في كتمان الغيب.. ليقول له: أهو هذا؟ وقد قالها فيما أحسب بصوت أخفض من صوت القلب حينما يتناجى مع المخ. . ولكنه مع ذلك ما كانت قولته في أذني إلاّ صوت مكبّر في أصفى ما يكون!

لا لأن سمعي لا كالأسماع، بل لأن صوت ذلك العملاق لا كالأصوات فرد المجهول الغيبي: هو، هو، ..

ولم أفهمها منه إلا بإشمامه لشفتيه، ولم أدرِ من أين للخبيث بالتجويد؟!

فسلما، فرددت، فرحبت، فجلسا.. ولما كان من عادتي أن لا أسأل القادم عن دوافع قدومه إلاّ إذا بدأ هو بطوع من نفسه في الحديث عن أسباب مجيئه تريثت، ريثما قدمت لهما شرابا، وما أن أتى العملاق على نصيبه منه حتى رأيته متهيئا للحديث فقلت: خيرا؟

وهنا انبرى زميله فقال: جئنا إليك نختصم. . نطلب فتواك لاقراك!

فقلت: هما لكما إذا شئتما، فثنى العملاق عطفه ليقول: حسنا ولكن أرنا منهما ما جئنا لأجله لنرى أيطمعنا الخير بالحسنى، أما إذا انعكست الآية، فلا هذا ولا ذاك. . وهنا أدركت أن هذا ((عملاق)) من فئة ذات مزاج ((ساخن)). .

فقلت: هيه! ما وراءكما؟

قالا معا: المسألة أنّ . . وهنا قطعت عليهما الحديث قبل إتمامه،، وقلت: على رسلكما، أحدكما فالآخر. .

وهنا قال المباين للعملاق: ذلك خير الحسنين.

فأذن لصاحبه العملاق بالحديث، فبدأ كأنما هو سيل جارف. . قائلا:

اسمي ((النجاح)) بن فلان الفوقيّ وصديقي هذا اسمه ((الرسوب بن مرسوب التحتيّ. . ولما كان فضلي أظهر ونوري أبهر، وخيري أوقع، وأجدر، حاول هذا الطفيليّ مشاركتي في سيما الخير بحكم ما بيننا من التلازم كالذي بين المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، والعدل والإسلام، فحاول التطفل إلى خيري، وبزّي حقي، فلما أبى إلا اللجاج والخصام. . دُلِلنا عليك لتحكم بيننا بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما.

فاستغفرت الله وقلت للرسوب ما عندك؟

فأومأ بطرفه إلى ندّه ليقول له: أسمع جعجعة ولا أرى طحنا. . ما الخير الذي زعمته لنفسك؟

أما لك أن تنزل من سمائك إلى أرضي فيذهب كما ذهب هدير بعض الظالمين.

بماذا تفضلني؟ أبمعناك اللغوي أم بالاصطلاحي أم بكرة مُمرّغَةٍ في وَحلٍ كان بينهما؟ أم بقوتك وبدانتك التي أحسن وصفها حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه؟ أم بعقلك الذي أحسن تشبيهه[1] أم بوصف الباري لأشباهك ممن: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} فيالك من مغرور غرّة هُزالي ورقة حالي، فظن أنه كل شيء، وأنني كل لا شيء!!

 

أعد نظرا يا عبد قيس لَعلّما
.

 

أضاءت لك النار الحمار المقيّدا
.

 

وعندما أنشد ((الرسوب)) البيت، عيل صبر العملاق العاديّ، فعبس، وبسر، ثم أقبل وأدبر، فأشار بكفه فكأنما الأشجار المركبة فيه ((الأصابع)) لا تكفي إحداها للإشارة!! فقال لقد استنسر البُغات. .

ألمثلي تقول هذا يا راسب بن مرسوب؟!!

أنا الذي سُهر من أجلي وأعدّ الآباء أبناءهم في استحصالي فوالله ما استعاذت ((الأمُ)) على ابنها في دياجير الحوالك إلا منك، ولا سألت ربّها في السّحر لفلذة كبدها إلاّ إيّاي وما نِيلَتْ الرُتبُ إلاّ بين وفُصلت الفصول، وتُعوقد مع المعلمين في الأقطار النائية بباهظ الأجر إلا لأكون النتيجة في آخر العام. . ثم من علمك القول حتى تقول؟ ومن فرح بك حتى تفرح بنفسك؟..

فلما وصل ((النجاح)) إلى هذا القول التفت الرسوب إليه التفاتة الساخر بما سمع، ناظرا إليه نظرة من يؤمن بأن الحق بجانبه، وأنّ الخَطَلَ مع ندّه. فقال:

هذا قولك فما الشاهد عليه من التاريخ والواقع؟ هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت فلله نبرات صوت ما أسهل انسياب الضلال من ثقوبها. . إلى مسامع الأبرياء الذين لم يتعودوا إلا الحق وسماعه.

قُلتَ: إنهم فرحوا بك؟!

وهل كل فرح يُعتبر. . لكأنك من قوم قارون فَتُرشق بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}.

ومعنى هذا الفرح أنهم هضموا خمسة عشر كتابا إن لم تزد أقلها صفحات ما حوى المائتين في تسعة أشهر على الأكثر، ثلاثة أرباعها عطل. هنيئا لك ولهؤلاء العلماء. .

وإذا قربت الامتحانات، خفقت القلوب، ووجلت الأفئدة، وسُهر الليل، وضُيعت فريضة الفجر ولا تسمع إلا همسا، فلله ابن عبد الفتاح حين وصفك في عصمائيته التي يقول فيها: والظهر منكوس..[2].

قال الراوي: فرفع النجاح عقيرته ليقول ويرد، ولكني لماّ كنا غير أهل للحكم بين خصمين كهذين قطعت عليهما الحديث لأحيلهما على مليء، ومن أحيل إلى مليء احتال وفعلا أحلتهما إلى الأخ الفاضل الأستاذ الصديق عبد العزيز قارئ ليسمع من الخصمين ويحكم بينهما. فأخذ النجاح بتلابيب ((الرسوب)) إلى أن وصلا شارع الساحة[3] فقلت الحمد لله على هذه الراحة. .

 

 

 



[1] إشارة إلى قوله:جسم البغال وأحلام العصافير.

[2] الاشارة إلى قصيدة الاستاذ عبد العزيز عبد الفتاح قارئ عن الاختبار المنشورة في العدد الأول من مجلة الجامعة الإسلامية الغراء السنة الأولى.

[3] من شوارع المدينة المنورة_ وحيث يسكن الصديق المشار إليه.