|
|
ملاحظات متجول
|
|
بقلم الشيخ عبد المهيمن أبو السمح |
|
|
|
منذ ثلثي قرن من الزمن قدمت من أمريكا امرأة
أمريكية لتقيم في مدينة كبيرة في بلد عربي إسلامي، وكان هدفها من الإقامة فيها
لغرضين، أحدهما ظاهري والآخر باطني، فأما الأول فهو رعاية الأيتام الذين لا عائل
لهم، وقد استطاعت أن تقنع أثرياء المدينة فأمدوها بالمال علاوة على المدد المادي
الذي يصل إليها من أمريكا، فأنشأت ملجأ تؤوي إليه من لا عائل له من الأيتام
وزادت المعونة الأمريكية والمساعدات المحلية من أثرياء البلدة فاتسع الملجأ وزاد
عدد اللاجئين إليه ثم أخذت تدربهم على الصناعات المختلفة حسب هواية كل لاجئ،
وأهمها السجاد والتطعيم بسن الفيل وهذا هو الغرض الظاهري لمهمتها لتصل به إلى
مهمتها الحقيقية (التبشير). |
|
وهدفها الخاص ورسالتها المعينة التي ظهرت أخيرا وهو
تعليم اللاجئين مبادئ الدين المسيحي، وتلقينهم دروسا في التبشير ليكونوا دعاة
رسالتها في المجتمعات التي يعيشون فيها، وهكذا أظهرت في بادئ الأمر العطف
والرحمة والإنسانية فاستدرت عطف
الوطنيين حتى تمكنت، ثم أظهرت غرضها الثاني، وكان غرضها الأول إنسانيا بحتا وكان
ظاهرا للعيان مما شجع الأثرياء وغير الأثرياء على مساعدتها للنهوض برسالتها على
أنها إنسانية وأما الغرض الثاني (الحقيقي) التبشير بالدين المسيحي ونشر تعاليمه
في الأوساط المختلفة فقد تحقق بعد إتمام الغرض الإنساني الظاهري، وبعد أن تم لها
تحقيق الهدفين من هجرتها، كانت تقوم بتزويج أبنائها لبناتها الذين تربوا في
رعايتها وتحت كنفها منذ ما يبلغ كل منهما سنا معينة ولا تتركهما بعد الزواج بل
تيسر لهما عملا يرزقان منه وتمدهما بالمساعدة المالية اللازمة على أن ترد هذه
المساعدات على أقساط شهرية إلى إدارة الملجأ، وإيمانا من هؤلاء برسالة الملجأ،
ووفاء لأمهم التي ربتهم وشملتهم بعنايتها يقومون بتسديد الأقساط الشهرية
بمواعيدها وعن طيب خاطر، ومن تلقاء أنفسهم بل ومنهم من كان يتبرع للملجأ بعد
السداد، وهكذا استطاعت هذه الأمريكية أن تنشأ لها دولة داخل الدولة تأتمر بأمرها
وتنفذ تعاليمها وتنشر رسالتها بل وتنقلها من جهة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، واستطاعت
أن تنشر دينها بطريقة سلمية منظمة،ثم توفيت وتركت رسالتها أمانة في عنق أبنائها
الروحانيين. |
|
ولا زال الملجأ قائما يؤدي رسالتها التي رسمتها له
هذه الأمريكية التي جاهدت في سبيل عقيدتها وهاجرت في سبيل نشر دينها وتكوين
أجيال من المبشرين لدينها تبشيرا عمليا عميق الجذور عريض الاتساع هذه لمحة عن
هذه الأمريكية التي جاءت من بلادها لتبشر بدين منسوخ في بلاد دينها الرسمي
الإسلام، نهضت برسالتها ومكنت لها لإقناع أثرياء تلك المدينة الذين أمدوها
بالمال والمساعدات فضلا عن المساعدات الأمريكية. |
|
هذه امرأة أمريكية آمنت بدينها ووهبت حياتها لتحقيق
رسالتها التي تعتقد صحتها وتؤمن بخيرها وتركت بعدها ثروة بشرية جادة مجاهدة في
نشر رسالتها التي ركزت لها كل إمكانياتها وجهودها ووقتها ومالها وشبابها وحسن
تصرفها من وراء ذلك ما أحوج الدين الحقيقي الذي نسخ ما قبله من الأديان إلى مثل
هذه المرأة المجاهدة، ما أحوج دين الله الحق إلى رجال ونساء يخلصون إخلاص تلك
المرأة _ تتوفر فيهم ما توفر فيها من الإخلاص والمثابرة والثبات لنشر تعاليم
الدين السمح في أواسط إفريقية وآسيا وأوروبا وأمريكا. ما أحوج العالم إلى معرفة
أصول الدين الإسلامي. |
|
لقد شاهدنا نماذج حية من المسلمين الذين جاءوا من
مشارق الأرض ومغاربها ليحجوا إلى بيت الله الحرام وزيارة مدينة الرسول عليه
الصلاة والسلام، شاهدنا هذه النماذج فأنبأتنا عن جهلها المطبق بأبسط قواعد
الإسلام ودلت على أن هؤلاء المسلمين في حاجة ماسة وحاجة ملحة جدا إلى من يفقهم في
الدين ويبصرهم بأمر دينهم ودنياهم أنها عناصر طيبة وخامات مؤمنة وتهفوا نفوسهم
إلى الإسلام في أي مكان. |
|
أيها الأخ القارئ لا أريد أن أطيل عليك، ولكن اقرأ
إن شئت في الكتاب الأخضر ص82 قصة طريفة أذكر لك منها كلمات ذلك السنغالي التي
ألقاها في أحد مساجد لبنان في يوم جمعة بين المسلمين ومما قال: |
|
"يا
إخواننا العرب إننا نرجوكم أن تكونوا أنتم قادتنا لأنكم لو لم تكونوا أشرف أمة
لما اختاركم الله لحمل رسالته ونشر دعوته، وإنه ليشرفنا أن تقبلونا جنودا مخلصين
نسير وراء قيادتكم مؤمنين ونتعلم لغتكم صادقين ونتلوا قرآنكم مصلين ونسجد لربنا
وربكم طائعين وعابدين". أكتفي بهذه الكلمات من غير تعليق، والكتاب كله تجب
قراءته. |
|
فإذا تركناهم على ما هم فيه فسيتلقفهم المبشرون
الذين أتقنوا هذه المهنة كما قرأت عن الأمريكية فيحولونهم من مسلمين إلى الأديان
الأخرى ويتخذون منهم تكأة يتكئون عليها وقاعدة ينشرون منها ويجعلونهم أعداء لنا
بعد أن كانوا إخوانا لنا في الدين والعقيدة ثم استطرد المتجول ليلقى التبعة على
علماء المسلمين في جميع الأقطار فقال: إن علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها
منعزلون انعزالا تاما عن هذه البقاع ويعيشون في معزل عن العالم وقد ارتضوا من
حياتهم أن يصلوا في اليوم خمس أوقات وأن يصوموا رمضان وأن يؤدوا باقي ما اقترض
الله وكفى، ولكن دين الله يتطلب من هؤلاء العلماء أن يجاهروا في سبيل الدعوة _
لا هذه الأمريكية _ لإنقاذ العالم من بيداء الجهالة وضلال الكفر. |
|
إن دين الله وتعاليم الشرع الشريف والقرآن الكريم،
وإن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكفيها من العلماء شقشقة اللسان ولكنها
تتطلب علماء عاملين بما يعلمون ومجاهدين بأموالهم وأنفسهم ومضحين بكل مرتخص وغال
حتى يضمنوا لأنفسهم حياة سعيدة في جناة عدن {إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} الآية... |
|
إن الدين في حاجة إلى قول باللسان يصدقه القلب
والوجدان، فيتفاعل القول مع العمل ويتبلور في رجل مؤمن ومسلم عامل، وهذا عند
الله خير من جيش عرمرم من المسلمين بل من العلماء الذين يقولون ما لا يفعلون و{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}
إن الجهل الذي يسود العالم والكفر الذي يعيش فيه أغلب دول العالم مرجعه إخلاد
أهل الدين من المسلمين إلى الدعة والاكتفاء بتسميتهم مسلمين وعلماء. |
|
ما أحوج العلماء إلى توزيع الوعاظ وخريجي الجامعات
الإسلامية لكن على نمط تلك الأمريكية وهم كثيرون على دول العالم ليقضوا فيها
بقية حياتهم يجدون ويجاهدون بالطرق السهلة التي ضربت لنا فيها المثل الكبير هذه
الأمريكية التي خلد التاريخ صنيعها والتي لا يزال أهل تلك البلدة يذكرونها
ويشكرون لها جهودها إني أدعو العلماء من جميع الأقطار إلى تعليم دعاة يذهبون إلى
كل دولة بحيث يتعلمون لغة هذه الدول التي يبعثون إليها ليعيشوا فيها ويموتوا بها
بعد الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وبعد أداء رسالتهم فيحييهم الله في
الدار الآخرة مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. |
|
إذا فعل كل غيور على دينه من هؤلاء العلماء الدعاء
على نحو الطريقة التي سلكتها المرأة الأمريكية وحذوا حذوها فسيكون أثرهم في
هداية الخلق خلال ثلث قرن من الزمان أضعاف ما قامت به تلك الأمريكية وخلال ثلثي
قرن وذلك لسهولة تعاليم الإسلام السمح وقبول النفوس له (لأنه دين الفطرة) وإقبال
العقلاء عليه واطمئنانهم إليه ونتيجة لذلك سنطوي ثلاثة عشر قرنا مضت ونصل حاضرنا
ومستقبلنا السعيد بماضينا العتيق في صدر الإسلام في عهد الرسول الأعظم صلى الله
عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم وأرضاهم ووفقنا للعمل بشريعة
السماء ودين الله السمح الحنيف الذي نسخ ما قبله من الأديان وسنة خير الأنام
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. |
|
هيا يا رجال الدين الحنيف.. هيا إلى الجهاد في سبيل
الله . .هيا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. . هيا فبلغوا الرسالة
وأدوا الأمانة ولا ترضوا بالتي هي أدنى واسعوا إلى ذكر الله بالقول والعمل هيا
فهاجروا في سبيل الله فالحياة جهاد والجهاد سبيل المؤمنين وطريقتهم إلى الجنة
عرفها الله لهم. |
|
إني لأرجوا أن يحييني الله حتى أرى تطوير برامج
التعليم الديني بما يتفق ورسالة الدين الحنيف وما يتفق مع روح الجهاد التي أوصى
بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب لنا فيها المثل الأعلى في هجرته من مكة
إلى المدينة ثم عودته إليها منتصرا وفاتحا وهو يردد قول الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ
الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. |
|
لقد فتحت هذه الأمريكية أمام المسلمين آفاقا شتى
وضربت لنا المثل الرفيع في الجهاد والجلد والهجرة في سبيل العقيدة والدين فاللهم
ارزقنا الإخلاص لدينك ووفقنا للعمل بسنة رسولك صلى الله عليه وسلم واهدنا صراطك
المستقيم ووفق ولاة أمورنا للأخذ بناصر دينك الحنيف ووفق بين حكامنا ورؤساء
دولنا الإسلامية للإنفاق على ما فيه رفعة دينك وإنقاذ على ما فيه رفعة دينك
وانقاد البشرية من وهدة الجهل وضلال الكفر والعصيان إنك على ما تشاء قدير وصلى
الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. |