طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

قصص لا تنسى

الهارب بدينه

بقلم: الشيخ محمد المجذوب

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
 

 

كان تاجر حبوب متوسطة الحجم في مدينة (غوستوار) جنوب يوغوسلافية، وقد عرف بالاستقامة بين عملائه وزبائنه، وبلغ نشاطه في عمله هذا حدا يتجاوز رأس ماله، إذ لم يكتف بتصريف ما يرده من نتاج الزراعة المحلي، بل مد عمله إلى خارج يوغوسلافية، وبخاصة أستورية النمسوية، إذ كثيرا ما كان يستورد من هناك أنواع الحبوب التي تعوز فلاحي منطقته ولا سيما بعض أصناف الذرة الناجحة..

وقد أعانته في ذلك مواهبه النفاذة، فهو شاب حاد الذكاء كثير الفطنة، لم يكد يخفق في عمل أو صفقة قط..

يضاف إلى ذلك التزامه الحدود الشرعية في معاملته، بحيث يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة، فلا يسمح لقرش بالتسلل إلى ماله إلا إذا استوثق من طهارته وبعده عن الشبهة، وقد ورث هذا المسلك من بيته الذي كان شديد الحرص على الأخلاق الإسلامية، وتحقيق  شعائر الإسلام اليومية في حياة أفراده جميعا نساء ورجالا وأطفالا، ومن هنا بات موضع الثقة لدى الكثيرين من جيرانه ومعارفه، مما دفع بعضهم إلى إيداعه ما يزيد عن حاجته من مال للمتاجرة به على أساس النفع المشترك…

وعلى الرغم من كثرة هذه المشاغل التي تستهلك معظم أوقات عبد الله هذا لم يكن خالي الذهن من أحداث عصره، وبخاصة ما يتصل منها بأحوال المسلمين، ليس في يوغوسلافية وحدها بل في سائر بلاد البلقان ومنطق الخلافة، التي أصبحت محاطة بالخطر من كل جانب منذ كتبت الهزيمة على الجبهة الألمانية وحلفائها في أولى الحربين العالميتين التي أوشكت أن تلتهم الأخضر واليابس من حياة الناس، وكان من حظ مسلمي يوغوسلافية وجيرانهم أن يكونوا أكثر أعضاء الجسم الإسلامي إحساسا بتلك المخاطر، إذ بدأت  العصبيات الصليبية تتحرك في مواجهتهم، مزودة بكل أحقاد الماضي التي تصور لأصحابها أن هؤلاء المسلمين ليسوا سوى بقية غزاة احتلوا أرضهم واستولوا على أهلهم بتحويلهم عن النصرانية إلى الإسلام !… ولا ريب أنها مقدمات رهيبة لمحن لا طاقة للمسلمين بالرد عليها أو الخلاص من شرها، إذا استمرت الأحداث في طريقها المشهود… وكل الدلائل قائمة

على أنها مستمرة دون عائق!…وكثيرا ما تتداعى في خيال عبد الله صور المآسي التي طالعته أثناء قراءته تاريخ المسلمين، فيتذكر الديار التي أخرجوا منها، والمذابح التي سيقوا إليها، والاكتساح الهائل الذي تعرض له دينهم تحت مطارق الصليبية، التي اقتلعت آثار سبعة قرون من حضور الإسلام في الأندلس وصقلية ومالطة و… فلا يزيده ذلك إلا خوفا من المستقبل، واستيقانا من قرب الجائحة التي تهدد وجود الإسلام في كل هذه الأقطار الواقعة بين ذراعي الوحش الصليبي…

ومما يضاعف هواجسه وآلامه ما يلمسه من طلائع الضعف النفسي الذي بدأ يجتاح معنويات المسلمين في أعقاب الهزيمة التي ألمت بدولة الخلافة، إذ جرف تيار الفوضى الكثير من شبابهم، فشاركوا غيرهم من الطوائف في التحلل من الالتزامات الخلقية، وانصرفوا عن مسلك آبائهم في تحقيق شعائر الإسلام من صلاة وصيام وآداب، كان لها فيما مضى الأثر الأكبر في صيانة الشخصية الإسلامية من الانهيار والذوبان…

ولم يكن ذلك شعوره وحده، بل كان هو القدر المشترك بين أفراد الطبقة المحافظة والواعية من قومه، لا يكاد أحدهم يجتمع بالآخرين حتى يطارحه الحديث حول هذا الواقع الذي يشغل بالهم جميعا، دون أن يعرفوا مخرجا منه..

وهبط عبد الله…من القطار إلى أرض المحطة التي انتهى إليها من أستورية، وأخذ سبيله إلى سوق الحبوب، التي ألفت قدماه دخولها كلما وفد إلى هذا البلد، ولم يصرفه عن الحانوت الذي يقصد إليه ما في رأسه من تلك الأفكار التي لا تكاد تفارقه لحظة..

واستقبله عميله الأستوري بما عوده من حفاوة وإكرام، وأراد الزيادة في تكرمته فهمس في أذن العامل الذي لم يغب إلا قليل حتى أتاه بما أراد له صاحبه من شراب رائق الصفرة، شهي البرودة، بارز الرغوة..

وقال الخواجه الأستوري وهو يشير إلى الكأس الأنيقة: هذا خير ما تلطف به حرارة الجو يا صديقي… ورد عبد الله: حقا إن الجو حار.. ولكن لا أستطيع أن أتناول من الشراب ما لم أعتده.. فما هذا؟ .. قال الخواجه: إنه كأس من الجعة.. الجعة الصحية المستخرجة من الشعير..

الجعة!.. ولكن هذه خمر.. وهي علينا نحن المسلمين حرام..

وتدفقت هذه العبارة من لسان عبد الله في لهجة الاعتزاز والتصميم دون أن يتعمد ذلك، وكأنها محاولة لإثبات التمييز الذي يحتفظ به كمسلم.. ولا يستطيع مفارقته مهما تختلف الظروف..

وضحك الخواجه الاستوري ثم أجاب: قد كنت أحسب الأمور قد تغيرت عندكم.. ولكن ..لا بأس.. كل شيء سيتغير شئنا أو أبينا.. والتفت إلى العامل يأمره أن يأتيه بكأس من عصير الفاكهة المبرّد..

وانسربت من عبد الله نظرة إلى ما فوق رأس التاجر النمساوي.. فإذا عيناه مشدودتان إلى قِمَطرٍ من الحرير قد عُلق بأناقة في صدر المكتب، وبدا كأن فيه كتابا عزيزا على صاحبه، وتفاعلت في صدره الإشكالات فلم يتمالك أن سأله في أدب كثير: وما هذا الذي أراه فوق رأسك؟..

ومع ابتسامة معبرة أجاب: إنه المصحف.. المصحف الشريف..

-المصحف!.. أطلق هذه الكلمة يرمق صاحبه بعينيه السوداوين المهيبتين المشحونتين عجَباً.. وقد تشنجت أعصاب جبهته العريضة حاملة أشتات التعابير..

-أجل.. المصحف الشريف.. وهل يُستغرب ذلك؟

-طبعا.. لأنه كتاب المسلمين، وما أظنك تعرف منه شيئا.. أو تستفيد منه بشيء!.

فخفض التاجر النمسوي بصره قليلا ثم قال : هو كما قلت يا صديقي.. لكني مع ذلك حريص عليه..

ولم يجد عبد الله في الجواب ما يقنعه فقال: ألا ترى أني أحق منك به؟..

فلو بعتنيه لكنت لك من الشاكرين..

وفي غير تردد أجاب: ليس هو كيسا من الذرة فأبيعكه يا صديقي.. إن له في نفسي لذكريات لا أريد نسيانها، وهي سبب حرصي عليه.

وكأن عبد الله قد وجد في هذا الكلام ما أثار فضوله لمعرفة ما وراءه، فألح على صاحبه أن يوضح ما أبهم..

فقال: لو لم تسألني ذلك لذكرته لك، إن هذا المصحف هو الشيء الوحيد الذي بقي لنا من آثار جدي الذي كان أستوريا مسلما، وقد ورثه عنه والدي الذي نسي دين أبيه واعتنق النصرانية، وعليها أنشأنا..فأنا أحتفظ به إذن أثرا تاريخيا يربط بين ماضي أسرتنا وحاضرها.. أليست هذه بذكريات عزيزة تستحق الاحترام أيها الصديق!؟.. وهل مثل هذا الأثر مما يصح أن يباع أو يهدى!!..

وأحس عبد الله باحتباس لسانه، فلم يستطع أن يجيب بنعم أو لا.. لأنه شغل عن ذلك كله بما أثارت كلمات الرجل من خوالج في أعماقه لا يستطيع لها تحديدا.. وفي غمرة من الأسى الممتزج بالخوف وجد نفسه يتمتم في نفسه: إذن فأنا مرشح تماما لمثل هذا المصير!..

وأخذ حانوت عبد الله يتعرّى من محتوياته يوما فيوما، حتى أوشك أن يفقر من كل السلع التي اعتاد أن يحتويها.. وقد بدأ هذا الانقلاب فيه منذ عودته من أستورية إذ جعل يبيع الشيء ثم لا يأتي له ببديل.. وشرع في تصفية حسابه مع شركائه وزبائنه دون أن يخبر أحد بما يريد .. إلا أنه لم يستطع كتمان نواياه عن أخيه، وعن بعض الشيوخ الذين تلقى عليهم بعض ما يعلمه من أمور دينه، إذ دعاهم إلى بيته ذات يوم بُعَيد صلاة العشاء، ثم أطلعهم على السر الذي أقلق باله وزلزل أعصابه وشحن صدره بالخوف على بنيه.. وأعلن لهم تصميمه على الهجرة إلى استامبول حيث ينقطع لطلب العلم على علمائها حتى يقضي الله أمره فيه.. ولم يجد من مستشاريه أية معارضة، فهم لا يقلون عنه قلقا، وقد زادتهم قصة مصحف الأستوري تشاؤما من المستقبل، وتمنوا لو أنهم يستطيعون مرافقته في هذه الهجرة!..

وما هي إلا أيام حتى غادر عبد الله مسقط رأسه متجها بالقطار إلى دولة الخلافة المهزوزة، ثم لم يستقر له مقام حتى انتهى إلى البلد الذي أراده.. وفي استامبول استأجر غرفة متواضعة في حي قديم، ومضى يتفقد حلقات العلماء في مختلف جوامعها، حتى اطمأن قلبه إلى عدد من هؤلاء، فلزم حلقاتهم، يقضي بعض يومه على مدرّس الفقه، وبعضه على مدرس الحديث، وبعد العصر على أحد المقرئين المجوّدين للقرآن.. ولم يغفل أمر معيشته فالتحق بأحد مصانع التسوية يستأنف فيه ما سبق أن تعلمه في بلده قبل أن يمارس عمل التجارة، ولكنه لا يهب له وقته إلا ما يكفي لسد حاجته، كيلا يضطر إلى إنفاق ما في يده، فيصبح كلا على الناس، وذلك ما لا يتفق مع أخلاقه التي شب عليها.. وبدافع من نشاطه الذهني المتوقد أبدا كان كثير التتبع لأحداث البلاد، وملاحظة التطورات التي تمر بها دولة الخلافة في أعقاب الهزيمة.. ولعل أشد ما كان يؤلمه منها ذلك الاتجاه المعادي للإسلام، الذي تمثله عناصر المتفرنجين من الشباب العثماني مدفوعة –كما يقول شيوخه- بالأيدي الخفية التي تختبئ في أوساط الدولة –اليهود المتظاهرين بالإسلام- !.. وكانت الأحداث تتابع على عجل وبصورة لا تدع مجالا لأية معارضة، كأنما وراءها تخطيط شيطاني قصد به شل كل حركة إسلامية قبل بروزها إلى ميدان المواجهة.. حتى الاعتداءات الوحشية، التي قام بها متعصبة اليونان على العزل الآمنين في سالونيك وأخواتها، لم تكن في نظر هؤلاء الشيوخ إلا حلقة من سلسلة المؤامرة الكبرى على الإسلام نفسه، دفعتهم إليها الأيدي الخفية نفسها، ثم دفعت مصطفى كمال للرد عليهم –بعد تربص- لتوهم المسلمين أن هؤلاء وحدهم هم المنقذون الحقيقيون للشعب العثماني، وبذلك يؤمِّنون لأنفسهم الممر المنشود لتحطيم الخلافة وما تقوم عليه من بقايا الصرح الإسلامي!..

وسرعان ما تحققت مخاوف هؤلاء العلماء.. فإذا الكماليون يهاجمون أعضاء المجلس الوطني، الذي أبوا عقده إلا في أنقرة بعيدا عن سلطة الخلافة، فينشرون عليه سحابة رهيبة من الهول والرعب، ويكرهون كل معارض لهم على السكوت أو الاختفاء ثم لم تلبث الخلافة أن تصدعت أركانها وانتهى أمرها إلى الغاية التي أرادها أعداء الإسلام من الإنجليز واليهود والملاحدة.. ثم جاء دور القتلة لتصفية أعدائهم بكل الوسائل الممكنة، حتى خلا لهم الجو، وراحوا يقوضون كل ما تركه السلف المجاهد من آثار العظمة، ليستبدلوا به كل ما من شأنه تقطيع أوصال المسلمين، وإخراج الشعب التركي من حظيرة الدين.

وكانت قمة الكارثة تلك المذبحة الوحشية التي أنزلتها قوى الإلحاد في علماء الإسلام، يوم فرضت عليهم ارتداء القبعة وحلق اللحى، وألزمت المرأة المسلمة أن تنخلع من كيانها الإسلامي بقوة الحديد والنار… فاعتبرت تلكؤهم في تنفيذ أوامرهم الشيطانية تمردا على سلطانها، فشنقت العديد منهم على أبواب بيوتهم، لتقضي على كل تفكير في الاعتراض أو الإنكار!..

وهناك أدرك الفتى المقدوني[1] أن استامبول لم تعد مقرا صالحا لمثله، وألا بد له من استئناف الهجرة إلى سواها من أرض الله.. وهكذا قُدِّر عليه أن يغادرها بعد خمس سنوات ذاق فيها المفارقات الكثيرة من الخوف والأمن، وشهد خلالها نهاية الدولة التي حمت الإسلام وقاومت مئات الملايين من أعدائه، وطوال خمسة قرون، فلم تزل ثابتة صامدة، حتى سلطت عليها هذه العصائب من أبنائها فنسفت قواعدها خلال هذه السنوات القليلة!..

 لم يتردد عبد الله طويلا في اختيار مهجره الجديد، إذ لم ير أقرب إلى أفكاره من مصر بلد الأزهر الشريف، والملاذ الأخير الذي يتطلع إليه المسلمون ويستمدون من أشعته، فيتقدم إليهم بذلك تعويضا ولو رمزيا عن فقدانهم للخلافة التي استمرت تمثل وحدة العالم الإسلامي طوال ثلاثة عشر قرنا ونيفا…

وكما فعل استامبول من قبل اتخذ لنفسه مسكنا متواضعا على مقربة من الجامع الأزهر، ولبث ما يقارب العام يتردد على حلقات الدروس يغذي معلوماته في التفسير والحديث، ويروض سمعه ولسانه على النطق العربي.. ولكنه سرعان ما ضاق صدرا بمهجره الثاني إذ لاحظ أنه لم يكد يتنقل من جو الحياة الشاذة في ظل الكماليين، لأن المعركة نفسها قد امتدت إلى الأزهر وما حوله، وإلى الصحف المصرية المختلفة المتضاربة، حتى أن العدوان الكمالي على الخلافة قد وجد في هذه الأوساط أنصارا من أصحاب العمائم، يؤيدونه ويباركونه ويدافعون عنه، ويؤلفون في تسفيه الخلافة الشهيدة الكتب والمقالات.. محاولين إقناع قراءهم بأنها لم تكن قط مصدر خير للمسلمين، بل لم تكن إلا مبعث الشقاق وملتقى الفتن والمحن عليهم أجمعين.

وعلى الرغم من أن الحق لم يعدم أنصاره بإزاء أولئك المضلين، إذ كان على أرس الفريق المؤمن أبطال ذوو علم ومنطق وإخلاص، يردون الكذب بالصدق، ويقذفون بالحق على الباطل، على الرغم من كل ذلك فقد آذى قلب هذا الهارب بدينه أن يرى في بلد الأزهر من تدفعه القحة إلى حد الوقوف بجانب قتلة الإسلام، الذين لا تزال مخالبهم تقطر من دمائه!.. ولم يلبث إلا ريثما تيسر له السفر إلى البيت الحرام لأداء فريضة الحج.. ومن ثم إلى طيبة المباركة لزيارة مسجدها الحبيب.. وما أسرع أن أنس بالمقام إذ احتواه شعور غريب بروح من حياة جديدة لا يعرف كيف يعبر عنه ولا يستطيع تحديد مصادره.. فقد كان يخيل إليه أن لكل ذرة من هذا التراب الذي يطؤه في ذلك البلد إيحاء خاصا، ولكل هبة من نسيمه، حتى المحمّل بالغبار في الكثير من الأحيان، لذة بهيجة.

وكان للمسجد النبوي سلطانه العميق على مشاعره، فلا يكاد يفارقه إلا لضرورة قاهرة.. وقلما يستطيع التغلب على دموعه كلما وجد نفسه في تلك الروضة المباركة، وعلى مقربة من الضريح الذي نزله أحب البشر إلى قلبه.. ولم يلبث أن صار واحدا من طلاب العلم الوافدين مثله من أنحاء العالم على تلك الحلقات التي أحس بملء جوارحه أنها لا تقدم إليه المعرفة وحدها بل المعاني الروحية التي لم يحس بمثلها قط قبل اندماجه في هذه الحلقات..

وذات يوم بينما هو خارج من صلاة الجمعة يخوض غمار البشر الصادرين مثله من ذلك المورد العزيز، لاحظ توقف الكثيرين منهم في رحبة باب السلام، وقد اتجهوا إلى نقطة معينة من وسطها، وأطل الناس من بيوتهم المجاورة يحدقون إليها.. فلم يتمالك أن يتقدم ليتطلع الخبر.. وإذا هناك كوكبة من الجند يتوسطهم رجل مربوط العينين، وقد وقف إلى جانبه قاضي المدينة يتلو القرار الذي أصدرته المحكمة الشرعية على السارق بقطع كفه، تنفيذا لحدود الله! ولم ير الحاج عبد الله هناك ضرورة للبقاء من أجل مشاهدة التنفيذ، فمضى في طريقه يكاد يطير من نشوة السعادة، وهو يردد: إذن فالإسلام هو الذي يحكم الناس هنا!.. وإذن فهنا المقام.. وهنا المستقر إن شاء الله!..

وخلا الحاج في حجرته المغفية تحت مستوى سطح الأرض، يفكر في واقعه وأهله ويتركز ذهنه بوجه أخص على والدته العجوز التي بات أشد ما يكون لهفة إليها، على الرغم من يقينه التام بأن أخاه لن يغفل برها أبدا، فيطغى حنينه إليها على حنينه إلى زوجه وأطفاله الذين أودعهم رعاية الله وحده، وإن يكن قد زودهم بما يؤمن لهم حاجتهم إلى سنوات أخرى، ويستقر عزمه على استقدامهم إلى المدينة مهما كلفه ذلك من جهد ومال، ويكتب إلى والدته يصف لها حياته وآماله، ويستحثها لحزم أمرها على الحضور إلى بلد الرسول، وقد فوض إليها أن تتصرف ببيته وأثاثه فتبيع كل شيء، وتحضر مع أحفادها وأمهم إليه.. وينتظر الجواب في أرق وقلق، ولكن الجواب لم يحمل إليه ما يريد، بل ما تريده أمه وآله من حضوره هو إليهم!..

وتتردد الرسائل بينه وبينهم دون جدوى، إذ لم يتزحزح أحدهم عن موقفه قط.. ولم ير أن يسترسل مع عواطفه فذهب إلى أحد شيوخه يستشيره في أمره، فكان الجواب أنه لا بد له من طاعة والدته والشخوص إليها بأسرع ما يمكنه، وإلا فهو أسير ذنب ورهين معصية.. وبإزاء ذلك لم يسعه إلا أن يقتلع نفسه من تربة المدينة الحبيبة، ليعود إلى البلد الذي ما كان يتوقع أن يعود إليه يوما ما..

واتخذ سبيله عن طريق العراق فالشام فتركية.. ولاحظ أثناء عبوره ما أكد له أن محنة الإسلام هي هي في كل مكان "الانحراف إلى الحياة الغربية، والانصراف عن جادة الوحي الذي –في اعتقاده- لا عاصم سواه من الانهيار، ولما وصل مسقط رأسه من الجنوب اليوغسلافي، كان مشحون الصدر بالنفرة من كل بلد إلا مدينة الرسول.. ولذلك وقف جهده –منذ حلوله بين أهله- على مفاوضة  والدته في أمر الهجرة، وجعل يزين لها النقلة إليها، والحياة فيها، والموت بين ذراعيها، حيث يتاح للمؤمن قبر كريم بجوار الصفوة الذين رباهم رسول الله على تعاليم السماء، فكانوا خير أمة أخرجت للناس..

وتتردد العجوز بين روابط الوطن ونوازع الإيمان.. حتى استحوذت عليها صورة البلد المفضّل، فأعلنت موافقتها، وبذلك انفسح الطريق للهجرة المنشودة.. وكان مشهدا مؤثرا عندما تزاحم ذوو قرابته يلحون عليه بمشاركتهم في هذه الرحلة، لأنهم –كما يعلنون- مثله متلهفون لجوار رسول الله، وخائفون على دينهم من السموم التي تجتاح من حولهم.. وكان أشد هذا المشهد تأثيرا منظر ذلك الشاب الذي غرق في دموعه وهو يستحلف القوم بالله ألا يدعوه وراءهم كالقمامة المنبوذة.. وراح يقسم بأغلظ الأيمان أنه تارك للخمر والمقامرة منذ الآن، وأنه لن يسيء إلى موطن الرسول بأي شذوذ عهدوه منه!..

ورق قلب الحاج عبد الله لذوي أرحامه فصمم على مشاطرتهم حظه، ورحم دموع ذلك الفتى الذي يغسل بها بواقي آثامه.. وما هي سوى أشهر معدودة حتى شرعوا يتسللون زرافات ووحدانا إلى موضع اتفقوا على التجمع فيه خارج يوغوسلافية، فلما استكملوا عدتهم خمس عشرة نفسا أخذوا سبيلهم بقيادة الرجل إلى مدينة جدة.. التي حطوا فيها رحالهم في الأول من ذي القعدة عام خمسة وخمسين بعد القرن الثالث عشر من الهجرة.. على أن الرجل الذي وضع لكل شيء حسابه في هذه المسيرة الطويلة، وجد نفسه فجأة تلقاء عقبات لم تعرض لتفكيره قط.. تلك هي الحدود الجديدة التي نصبتها التطورات التي أعقبت سقوط الخلافة بين ديار المسلمين، فمزقت الأمة أمما، وحالت بين أجزاء الأسرة الواحدة، التي توزعتها الأقطار، فلا سبيل إلى تلافيها إلا بعد اجتياز الأكداس من المصاعب، والأكثر من المتاعب، فبعد أن كان من حق المسلم التجول حيث شاء من عالم الإسلام دون ما حاجة إلى وثيقة سوى هويته الدينية، إذا هو اليوم تلقاء حواجز يحرم على المسلم تعديها إلا بجواز مرور!.. وجاءت أولى العقبات في صورة رسوم مالية تقتضيهم أن يدفعوا عشرة جنيهات عن كل فرد.. ثم مشكلة الإقامة التي لا سبيل إليها إلا بمعجزة من وراء المنظور!..

وطالت حيرة القافلة، وطال انتظارها للفرج الذي لا تدري من أين سيطل وجهه.. وكاد ينقطع كل أمل من جهة الدوائر المختصة التي لا تستطيع تجاوز الأنظمة.. ووجد القوم بعض الاهتمام من مهاجرين على شاكلتهم، جربوا هذه العقبات من قبل وعرفوا الطريق إلى تذليلها وذات يوم جاء أحد هؤلاء البخاريين يشد على يد الحاج عبد الله قائلا "أبشر بالفرج"، وكاد قلب الحاج يطير فرحا بتأثير هذه الكلمة، وبلهفة سأله عما يعني، فقال الرجل: إن الملك عبد العزيز سيهبط جدة ظهر غد.. فما عليك إلا أن تحشد جماعتك على مدخل قصره، وتعد العريضة التي تشرح وضعكم وفراركم بدينكم.. وثق بأن كل عقبة ستزول بمجرد وصول العريضة إلى يديه، وتعرضكم لعينيه، ولم يجد الحاج عبد الله مسوغا للتردد بإزاء هذا الرأي الحكيم.. وفي الوقت المناسب زحف بقافلته إلى مدخل القصر الملكي، ثم ما هي إلا سويعات حتى وصل الركب، وتتقدمه سيارة الملك.. ولاحظ الحاج عبد الله نظر الملك وهو يجيله في القوم فاستبشر خيرا، وصح توقعه فإذا أحد المرافقين يعود إلى الباب ليستوضحهم عما يريدون، فلم ير ضرورة للكلام، وقدم إلى السائل العريضة التي أودعها كل ما يريد.. وما أسرع ما وافاهم الخبر، إذ لم يغب المرافق إلا مدى الطريق حتى عاد إليهم بالأمر الملكي الذي يمنحهم حق الإقامة ويعفيهم من كل كلفة مالية!..

وبدأت القافلة السعيدة حياتها الجديدة بالعمرة، ومن ثم اتجهت إلى مدينة الحبيب فاستأجرت سكنها المتواضع.. ولبثت بانتظار موسم الحج، حتى إذا أدوا مناسكهم عادوا إلى موطنهم الروحي يتدبرون أمرهم على أساس الإقامة الدائمة.

وكان عليهم أن يصبروا بعض الوقت على شظف العيش، فيجتزئوا باليسير الرخيص مما يقيم الأود وقد يسر الله لكل قادر منهم العمل الذي يكفه عن الحاجة.. وقيض لهم من يساعدهم في تلك المرحلة، من أمثالهم الذين سبقوهم إلى هذا المهجر، الذي إليه تهفو الأفئدة من أقاصي العالم الإسلامي وما هي إلا بضع سنوات حتى انفرج ضيقهم، ورد رزقهم، وجاءتهم رحمة الله بالهوية السعودية من حيث لم يكونوا يحتسبون!..

ويلج الحاج عبد الله بالأمس عتبة الثمانين.. وينتشر من حوله أقرباؤه وأبناؤه وأحفاده الذين طالما تطلع إليهم من وراء الغيب، فكانت أخيلتهم وخشيته على دينهم السبب الأكبر في هجراته، التي استقرت في هذا البلد المبارك منذ ما يقارب الأربعين من السنين..

لقد نجاه الله بفضله من جحيم الضلالات الهدامة، التي جرفت الكثرة من أجيال بلاده في ظل الشيوعية الدموية .. ولكن … هل استطاع مع ذلك أن يصون أبناءه أو بعضهم من سمومها حتى في مهبط الوحي !.. وهل استطاع أن يحفظ عليهم الدين الذي تحمل في سبيله كل ذلك البلاء المبين!..

ويتخيل أحيانا واقعه وماضيه فيتلو على نفسه في خشوع عميق قول الله عن لسان يوسف الصديق: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.

 

 

 



[1]  غوستوار من مقدونية.