|
|
المسئولية بين الفرد
والمجتمع
|
بقلم الشيخ: محمد أبو فرحة المدرس في الجامعة
|
|
|
|
المجتمع
الإسلامي في نظر الإسلام: وحدة واحدة لا تتجزأ، ولا يجوز أن تترك ليصيبها العطب
أو الفساد، ولا أن يهمل جزء منها ليصاب بالعطب أو
الفساد، ولا سبيل إلى صيانتها
إلا بأن يقوم كل فرد بعمله، حاكما أو محكوما، وأن يكون مخلصا في عمله مضحيا
للجماعة التي ينتمي إليها، بشيء من راحته ووقته، وبجزء من ماله وجهده، برضا نفس،
وسماحة قلب، حتى يظل الترابط والتماسك قائما، ويبقى التراحم والتواد بين الأفراد
موجودا، فإن الأفراد هم اللبنات التي يتكون منها المجتمع، والخلايا التي ينتج عن
تماسكها هذا الكائن الحي المسمى بالأمة. |
|
وطالما
كانت الخلايا سليمة تؤدي وظائفها ظل
المجتمع سليما معافى، يفيض على خلاياه الصحة والقوة، ويدفع عنها كل خطر خارجي،
ويعوضها عن كل نقص داخلي. |
|
نعم
لا بد وأن يشعر الفرد بأنه ابن بار لمجتمعه، وعضو نشيط في أمته يسعد بسعادتها،
وينفعل بأحاسيسها، وينغصه تأخرها عن غيرها، والمجتمع يحرسه ويحافظ عليه، محافظة
الأب الرحيم والأم الرءوم على وليدها. |
|
فإذا
ما استيقظ ضمير الفرد نحو أمته بالحب والإخلاص والتضحية، واستيقظت الأمة تحمي
أفرادها، كان ذلك المجتمع في كنف الله، مستظلا برعايته "مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر
الأعضاء بالسهر والحمى ". |
|
وأمة
هذا شأنها يتنزل عليها نصر الله، من
سماء الله ، على يد ملائكة الله وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. |
|
لقد
جعل الله الفرد مسئولا شخصيا عن حراسة نفسه، عن الإضرار بأمته، ومسئولا عن حراسة
الأمة في بيئته مسئولا عن عمله وإتقانه، والأمانة فيه، مسئولا عن محاربة الجرائم
الظاهرة والخفية وعن محاربة الاتجاهات الخبيثة التي تضر الأمة في حاضرها أو
تؤذيها في مستقبلها، مسئولا عن كل ذلك مهما يلاقي في سبيله من مشقة ومتعبة، لأن
الله جعله جنديا، ميّزه بالعقل وطالبه بالمحافظة على منطقته. |
|
فإذا
قام الفرد بواجبه على هذا النحو، ولم يجد تقديرا أو جزاءا من مجتمعه فلا يخشى
بأسا ولا فواتا، فإنه إذا لم ينصفه أهل الأرض، فسوف لا يضيعه رب السماء، وإن
عدالة الله أكرم من أن تضيع جزاء المعروف بين الله والناس، بل كلما تحمل الفرد
شدة في جهاده ومشقة في إصلاح أمته، أعظم الله له الأجر، وكلما قل عدد المجاهدين
ارتفعت درجاتهم، وزاد ثوابهم. |
|
إن
الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر هؤلاء الذين
يضيئون لغيرهم وسط الظلام السابغ، ويؤدون واجبهم في دوامة التحلل وشمول
الفساد، ويتمسكون بالفضيلة ويعملون بها، وقد انصرف الناس عنها ويدعون إليها،
وسهام السخرية تصوب إليهم من كل جانب، يبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدار
ثوابهم فيقول "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد ". رواه
الطبراني عن أبي هريرة. |
|
وإذا
كان الفرد مسئولا عن مجتمعه الذي يعيش فيه، وعن أمته التي ينتسب إليها بمقدار ما
أعطاه الله من ميزات وما منحه من عطايا وبمقدار ماله من تأثير مادي أو أدبي،
فإنه كذلك مسئول عن نفسه ووقايتها من الآثام الخاصة والعامة ومسئول عن مملكته
الصغيرة التي استرعاه الله إياها "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم
ضيع "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته "
... الخ متفق عليه. |
|
بل
كذلك كل فرد مسئول عن جاره إذا أحاطت به ضائقة أو حدثت له كارثة حتى لا يكون
جرثومة شر على المجتمع إذا لم يجد العون منه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم"
رواه الطبراني. |
|
أما
إذا أهمل الفرد في واجباته هذه كلها أو بعضها في نظير أمل تافه قد يصل إليه وقد
لا يصل أو في نظير ثمن بخس، ألا فليعلم أن ما حصل عليه مهما اعتبرته ظواهر
القانون حقا وملكا، إلا أنه في موازين العدل الإلهي سحت اغتصبه، وظلم انتهبه، لا
يبارك الله له في ذرية أنفق عليها، وهو مردود عليه إن تصدق به وسيحمله على عاتقه
يقابل به مولاه يوم القيامة ليحاكم أمام محكمة العدل الإلهية أمام علام الغيوب {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ
دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "… ولا
يكسب عبد مالا حراما فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا
يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيء، ولكن
يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" رواه أحمد. |
|
لا
ينفع المقصر في حق أمته، الممالئ للأعداء في حق شعبه، ومستقبل بلاده، المتغاضي
عن الفساد يستشري ضرره بين أفراد مجتمعه ولن ينجيه من عذاب الله شفاعة شفيع ولا
قرابة قريب فإن الإسلام قد كلف الجميع بالعمل وسد الطريق أمام من يعيشون على عمل
الأجداد أو على الآمال الكاذبة من غير عمل جاد "من
أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم. |
|
كما
أنه لا حجة لفرد مهما صغرت قيمته في إهمال أو خيانة، بحجة أن الدعاة للحق وأن
العاملين به قلة قليلة، تذهب أصواتهم بددا، وسط هذا الضجيج الموحش، كما تذهب
الصرخات المنبعثة من جب عميق، وسط صحراء شاسعة تلفها الأعاصير الهوجاء. |
|
فليصور
كل إنسان نفسه مسمارًا صغيرا أو (صامولة) صغيرة في وابور كبير أو في باخرة ضخمة،
وقد خرج عن مكانه، أو توقف عن أداء واجبه. |
|
ألا
ترى أن القطار قد يحترق وأن الباخرة قد تغرق، ثم ألست معي في أن خيانة فرد أو
إهماله قد يكون رأس عود الثقاب، صغير الحجم لكنه فاحش الضرر؟ |
|
إن
حساب الإنسان بين يدي مولاه، لن يكون قاصرا على ما ظهر من قوله ولا على ما بدا
من فعله فقط، لا بل لابد من مراعاة الباعث على القول والعمل، ولا بد من اعتبار
الدوافع المستترة في طيات النفس وكوامن الفؤاد {وَإِنْ
تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} "إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فلا تسع إلى نعمة تعقبها نقمة ولا
تتهافت على لذة تعقبها حسرة. |
|
قد
يؤثر الفرد أن يعتزل الناس، وأن يتركهم
على ما هم عليه، وأن ينكر الصلة بينه وبينهم، ظانا بذلك أنه أخلى مسئوليته، وأن
عليه نفسه لا يضره من ضل!!! كلا، إن الدين يكره هؤلاء، حتى ولو كان اعتزالهم
للعبادة، لأنهم يضعون أنفسهم في نقط استراتيجية لوساوس الشيطان يقول الرسول صلى
الله عليه وسلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر
على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". |
|
ويقول:
" ... يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار"
ويقول: " ... وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". |
|
هذا
من ناحية الفرد، أما من ناحية المجتمع فهو الذي يحمي الفرد، ويحنو عليه ويدافع
عنه، ويعز الفرد بإعزازه، ويقوى بقوته، ويعالجه إن مرض، ويساعده إن افتقر،
ويرعاه طفلا، ويرحمه شيخا، ويتضامن معه شابا، وما أكرم هذه التوجيهات النبوية
الكريمة، وهي تستل الضغينة من نفوس المحتاجين،
وتضيء جوانب الكون لتسلط أضواءها على مناطق الضرر، التي تتوالد فيها
أفكار السوء ومذاهب الهدم، وينبعث منها ما يهز المجتمعات ويشيع فيها روح التمرد
على خير القيم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيما
أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع إلا برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى"
رواه أحمد. |
|
وما
أجمل تعاليم الإسلام، وعمر بن الخطاب يطبقها وهو أعدى الأعداء لليهود إذ يفرض
ليهودي مسن من بيت مال المسلمين ما يكفيه، لأنه وجده فقيرا مسنا يتوكأ على عصا،
وهكذا الإسلام يفرض للأفراد الفقراء والمحتاجين حقا في مال الأغنياء {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
حق تحارب من أجله الأمة، وتوجه قواتها الضاربة، إلى من منع هذا الحق أو وقف في
سبيله، فهو ركن من أركان الإسلام وإذا لم يكف هذا المفروض حاجة المحتاجين، زاده
الإمام بما يكفيهم "إن الله فرض على أغنياء
المسلمين بقدر الذي يسع فقراءهم". رواه الطبراني في الأوسط، وإذا لم
تتسع أموال الزكاة للوفاء بالمطلوب، فعلى الدولة من خزانة بيت المال إعالة
المحتاجين والعاجزين يقول الرسول صلوات الله عليه "...
من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ" أخرجه
ابن سعد من حديث جابر. |
|
والمجتمع
والأفراد متضامنون في محاربة المنكرات، والضرب على أيدي العابثين بمقدسات الأمة،
ومحاربة المفسدين فيها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه أحمد، ويقول "... كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر
ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو
ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم" يشير الرسول
إلى بني إسرائيل رواه أبو داود عن ابن مسعود. |
|
وإذا
كانت الأمم كالأفراد، تمر في أطوار مختلفة حتى تصل إلى المستوى المقدر لها،
فتتعثر أحيانا، وتسير قدما إلى الأمام أحيانا، ولا شيء يضيع استقلالها، ويمحو
لذة النصر فيها أكثر من تشتيت أفكارها، وتنازع أفرادها، فيعيشون كالبهم السائمة،
في فدافد الأرض، وسط الوحوش الضارية، لا راعي يجمع شملهم، ولا مرعى يطيب لهم،
إذا علمنا هذه السنة الكونية فهمنا بعض أسرار قول الرسول "وليضربنّ الله قلوب بعضكم ببعض". |
|
وإذا
كان الإسلام يطلب من كل جماعة إسلامية أن تقوم بواجبها، حفظا عليها وحرصا على
استقلالها، فإنه يتشدد في الطلب، ويبالغ في الإنذار إلى كل أمة بدأت تهب من
غفلتها، لأن أي عطب يصيبها سيكون مصوبا إلى نحرها، ويصيب المجتمع الإسلامي كله،
فما الدولة إلا عضو من أعضائه. |
|
إن
الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه الأمة بركاب سفينة، تمخر عباب البحر فوق لججه
العاتية، فلا يجوز للركاب أن يتركوا عابثا يخرقها، ولو في ملكه الخاص مهما كان
حرا فيه، فإن أي حرية لابد أن تكون محدودة بإطار المصلحة العامة وإلا انقلبت
فوضى، ثم يأمر الرسول بمنع العابث من عبثه لينجو هو وينجو جميعا منه وإلا هلك الجميع، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خَاصَّةً} وهكذا عقوبة الله لمن سبقنا من الأمم، لم تكن لمن كان ظلمه
إيجابيا فقط، بل شملت الظالمين فعلا، ومن رضي بالظلم أو سكت عن مقاومته يقول
تبارك وتعالى {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا
بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. |
|
وإذا
كانت الأمة تعنى بالماضي وتوليه عنايتها، لأنه الأساس الذي لا غنى عنه في البناء
للحاضر والمستقبل، وعندنا والحمد لله جامعات تعنى بقديمنا كما أن هنا صفوة
ممتازة يعملون جاهدين على تصحيح عقائد المسلمين لئلا ترتكس الأمة، في ضلالات
البدع الدخيلة على الإسلام عن قصد أو جهل، وحتى لا تنحرف البقية الباقية، فتسير
في الطريق الذي سارت فيه الأمم قبلنا،
ولئلا تهوي في مهاوي المخطط المهيأ لجذب شباب المسلمين لمعاداة دينهم،
والمساعدة في هدمه. |
|
كما أن عندنا
والحمد لله نخبة صالحة تحيي التراث القديم، وتبعث الماضي المشرق بحفظها ودراستها
لكتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يتصل بهما من علوم
القرآن وعلوم السنة لتنحية الدخيل الخبيث، والإبقاء على الأصل الصحيح. |
|
هذه
الفئة قد أدت واجبها وقامت بمسئوليتها، وعلى من بيدهم شئون المسلمين وشئون
التعليم خاصة، أن يؤهلوا الشباب للنزول إلى معترك الحياة الجادة، يزاحمون
الأحياء وهو مسلحون بسلاح الإيمان الصحيح، ليسيروا على هدي السلف الصالح، الذين
انطلقوا من الجزيرة العربية، ولا علم لهم بفنون الرومان والفرس وعلومهم
وصناعتهم، فلما وطئت أقدامهم دولا أنارها الإسلام بفتحه، وأنقذها من ظلم الحكام
بعدله أخضعوا الحياة الجديدة لأحكام دينهم، ووجهوها توجيها يرضي ربهم، وأرجو أن
يُعلّم شبابنا كيف لا يغترون بمظاهر الغرب البراقة وكيف يأخذون بأحدث النظريات
العلمية الصحيحة في إطار الإسلام، ويطبقونها في بلادهم ولبلادهم بما يتفق وأحكام
الشريعة السمحة التي تنحي الضار المحرم وتبقي الحلال النافع. |
|
ولأمر
ما أقسم رب الكون، العليم بشؤون عباده أنه لا فلاح للإنسانية إلا إذا آمنت بربها
وعملت خيرا وتواصت بالحق وتواصت بالصبر في قوله تعالى: { وَالْعَصْرِ
إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. |