طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإسلام والحياة

منهج القرآن في تحرير العقل والفكر

بقلم أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر

 

 

نزل القرآن بين العرب وباللغة العربية الفصحى، وكان العرب عند نزول القرآن مختلفين في عقائدهم وبمعتقداتهم اختلافا كبيرا، فمنهم المشركون عبدة الأصنام، ومنهم من كان يعتنق النصرانية أو اليهودية، ومنهم الأحناف الذين ترجع عقيدتهم إلى ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومن هؤلاء وأولئك من كان يتطلع إلى دين جديد، ونبي جديد، ولكنهم لا يدرون من أي قبيلة سيكون ذلك النبي، وبأي دين سيأتي، غير أن رأيا عاما كان منتشرا بينهم بقرب مقدم النبي الذي تحدثت عنه الكتب السماوية وملأ خبره أرض الجزيرة العربية.

ولقد حدثنا القرآن عن هذه الأنماط المختلفة من العرب ذوي العقائد المتباينة وخاطبهم جميعا، وعلى الرغم من وجود هذه المعتقدات والآراء إلا أن التاريخ لم يثبت أن هذه المعتقدات والآراء كانت تقوم على منهج عقلي أو فلسفي واضح، ولم يتح للعرب أن يبلوروا هذه المعتقدات في فلسفة فكرية ذات قواعد واضحة محددة، بل كانت قاعدتهم الفكرية هي {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون} وهذه القاعدة من شأنها أن تحجر على الفكر النظر والبحث والتأمل، وبالتالي توقف النمو العقلي الذي يعين على الوصول إلى الحقائق المتصلة بالكون والحياة.

ولهذا كانت مهمة القرآن هي العمل على إبطال هذه القاعدة وغرس ما من شأنه أن يدعو إلى استعمال العقل والتدبر والتأمل، حتى تزول تلك الحجب الكثيفة التي تحول بين العقل والرؤيا الصحيحة للأشياء، وليخلق أمة جديدة تعلي من شأن العقل، وتستخدمه في مختلف شئونها، وتفتح أمامه آفاقا غير محدودة لاستكناة حقائق الوجود، وأقام الإسلام منهجه في تحرير العقل والفكر على ثلاث دعائم هامة:

 

الدعامة الأولى:

تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته على حرية الفكر واستغلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله ويستقيم تفكيره، وتكتمل له شخصيته وإنسانيته، فإن كمال العقل واستقامة التفكير واستقلال الإرادة، هي أساس صحة العقائد واستقامة التدين ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل الذي يجب أن يتجنب، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردىء وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله".

وقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى فجعل البرهان أساس الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة، وبين أن كل اعتقاد أو عمل لا يقوم على دلائل الحق فهو مردود على صاحبه، وأنذر الذين يجادلون في الله وآياته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ}.

وكشف عن خلال القادة الدينيين الذين انحرفوا عن العهود والمواثيق المأخوذة عليهم، وافتروا على الله الكذب، وانتحلوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، إرضاء لأهوائهم وإشباعا لشهواتهم، وتلبيسا على الناس في دينهم كما في قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}، {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}، {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

ودعاهم إلى كلمة الحق التي يستجيب لها كل ذي قلب سليم وعقل رشيد، والتي لم يختلف فيها نبي مرسل ولا كتاب منزل كما قال تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

وطالب كل ذي عقل بالنظر في عوالم السموات والأرض وما فيها من الدلائل الواضحة على وحدانية الله تعالى في ألوهيته وربوبيته كما في قوله تعالى {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}، {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}، {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}.

واستنهض العقول ووجه الأفهام وأيقظ الحواس ونبّه المشاعر بالتعقيب على بيان الآيات الكونية والتشريعية بمثل قوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}، {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}.

وبشر الذين يستمعون القول فينظرون فيه نظر الناقد البصير ويتبعون منه ما يدل على الحق ويهدي إلى الرشد كما قال تعالى {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ}.

وذم الغافلين ونعى عليهم غفلتهم وإعراضهم عن دلائل الآيات الكونية التي يشاهدونها في كل لحظة وهم عنها غافلون، وتطالعهم بدلائلها في كل آونة وهم عنها معرضون كما في قوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}.

وعاب على أسرى التقليد إعراضهم عن الحق الذي جاءت به أنبياء الله ورسله، وجمودهم على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم، وارتكابهم الفواحش باسم الدين، تعصبا للجمود والتبعية العمياء كما قال عز وجل {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

ويبين لهم عاقبة التبعية العمياء ومدى جنايتها عليهم كما قال تعالى {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}.

فالتقليد الأعمى من شر ما تبتلى به الأفراد والجماعات لأنه يميت مواهب الفكر والنظر ويوجب جمودها وركودها، ولا يميز بين الحق والباطل ولا بين الصواب والخطأ، ولا يفرق بين التقليد في الخير والتقليد في الشر، ويحمل أهله على الإعراض عن الحق ومعاداة أهله، والوقوف في طريق الإصلاح والمصلحين، والجمود على العقائد والمذاهب الموروثة والتعصب الجماعي لحمايتها، لأن قيام العقائد والمذاهب على أساس الوراثة وتقليد الآباء والأجداد يضفي عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها، وتصرفهم عن التفكير في صحتها أو بطلانها، ومعارضة كل إصلاح جديد يخالفها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقائق في آيات كثيرة في شأن معاداة الأمم الماضية لدعوة رسلهم {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}، وقال في شأن معاداة قريش للدعوة الإسلامية {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أجعل أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.

وهكذا يفعل التقليد الأعمى وتقديس المعتقدات القائمة على الوراثة، فهؤلاء كانوا يعرفون الرسول حق المعرفة، ويعلمون صدقه وأمانته حق العلم، ولكن التعصب الجماعي القائم على التقليد الأعمى وتقديس ما وجدوا عليه آباءهم حملهم على أن يعجبوا من دعوته ويتنكروا لها، ويقولوا فيه وفي دعوته ما حكاه القرآن عنهم، ولو أنهم حرروا أنفسهم من سيطرة التقليد الأعمى والتعصب الجماعي، ورجعوا إلى تحكيم عقولهم وضمائرهم وسلكوا الطريق التي أرشدهم إليها القرآن في قوله {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ولو خلا كل واحد منهم بمن يعرف فيه سداد الرأي واستقامة التفكير واستطلع رأيه واستكشف ما في قرارة نفسه، أو خلا بنفسه واستوحى عقله واستفتى قلبه لزالت عنهم تلك الغشاوة التي عقدها التعصب الأعمى على القلوب والأبصار ولعرفوا أن صاحبهم صلوات الله وسلامه عليه ليس به ما يفترون، وإنما هو رسول من الله صادق أمين، ونذير لهم بين يدي عذاب شديد.

وهذه الحقيقة التي قررناها وهي أن قيام المذاهب والعقائد على أساس الوراثة والتقليد الأعمى يضفي عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها وتصرفهم عن التفكير في فسادها وبطلانها، وتحملهم على التعصب الجماعي لحمايتها من كل دعوة تخالفها أو تنتقص من قداستها، هي السر في تمسك الأمم والطوائف بالمذاهب الموروثة وجمودهم عليها وإن كانت لا تستند إلى نظر صحيح، ولا تقوم على أساس من الحق، وقصارى ما تعتمد عليه هو التقليد الأعمى القائم على التبعية العمياء وتقديس مواريث الآباء والأجداد‍.

ولهذا قرر الإسلام حق الإنسان في حرية الفكر واستقلال الإرادة، وفتح له طريق التحرر الفكري والاستقلال الإرادي، وبوأه المنزلة اللائقة بإنسانيته وكرامته، وعرفه أن الله تعالى لم يخلقه عبدا يقاد كما تقاد الأنعام، ولا جعل لمخلوق حق السيطرة على عقله وفكره، وإنما خلقه حرا مالكا لقيادة نفسه، وعبدا خالصا لربه، يفكر بعقله ويسترشد بمواهبه ويعمل باختياره وإرادته، ويهتدي بنور العلم في اختياره وعمله، لا يظهر العبودية إلا لخالقه ولا يدين في عقائده وسلوكه إلا بدين الحجة والبرهان.

وهناك حقيقتان قد يقع الخلط في فهمهما:

أما الحقيقة الأولى: فهي أن التقليد الذي ذمه الإسلام وشدد النكير على أهله، والذي سبق بيان مفاسده وآثاره السيئة في الأفراد والجماعات إنما هو التقليد الذي يقوم على التبعية العمياء، والجمود على القديم الموروث، وومحاربة كل جديد يخالفه، ولو كان ذلك الجديد أقوم طريقة وأهدى سبيلا.

وأما الحقيقة الثانية: فهي أن حرية الفكر التي جعلها الإسلام رائدا للتفكير الديني ونبراسا للعقول والأفهام في الاهتداء إلى معالم الحق هي الحرية التي تطلق العقول والأفهام من أغلال الحجر العقلي، والكبت الفكري، وتحررها من سيطرة التقليد والتبعية العمياء، وتجلي لها معالم الحقائق التي كانت محجوبة عنها، وتجعل قيادة التوجيه قيادة بناء وإصلاح وإرشاد، لا قيادة هدم وإفساد وتضليل، وتستمد مقوماتها العلمية من هدى الإسلام وتعالميه، ونضوج العقل واستقامة التفكير والاعتماد على قضايا الحق والمنطق، وتحكيم الحجة والبرهان، وتجري في فهم نصوص الكتاب والسنة والاستنباط منها، والاستدلال بها على قوانين النظر والاستدلال، وأوضاع اللغة العربية وخصائص دلالتها، إذ لو وكل الأمر في ذلك إلى الناس يفهمونها ويستنبطون منها كما يريدون ويشتهون لاختلت موازين الصواب والخطأ في الفهم والاستنباط وغابت الحقائق عن الأفهام في غمرة الأهواء.

الدعامة الثانية: تحرير الإنسان من أصفاد الجهل وظلمته، فإن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر ويطفئ نور القلوب ويعمي البصائر ويميت عناصر الحياة والقوة في الأمم، ويفسد على جماهير الناس مناهج الدين والتدين، وهو الذي يجعل النفوس مستعدة لقبول ما يحدث في الدين من خرافات وبدع، لأن أهل الأهواء والبدع الذين يظهرون بين الناس بمظهر القادة والزعماء الدينيين يجدون في الجهل بتعاليم الدين مجالا واسعا لنشر الخرافات والبدع باسم الدين، ويسارع أكثر الناس وبدافع الجهل والثقة العمياء إلى اعتناقها ويعملون بها على أنها من الدين وهم لا يعلمون أن الدين منها براء.

ولقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة دعامة تحرير الإنسان من الجهل عناية كبرى، فذم الجهل والجاهلين في مواطن كثيرة كما في قوله تعالى {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون} {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}.

وأنحى باللائمة على اللذين يتبعون الظنون والأوهام في عقائدهم وتدينهم كما في قوله تعالى {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.

وعظّم شان العلم وحث على طلبه كما في قوله {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}ن وقوله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده"[1] "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" [2].

ونوه بفضل الحكمة وما فيها من الخير الكثير كما في قوله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس"[3]، ورفع منزلة العلماء وجعلهم أهل خشيته وقرن شهادتهم بشهادته تعالى وشهادة ملائكته كما في قوله تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ}.

وجعلهم ينابيع العلم وموارد العرفان ورواد الحق ودلائل الهدى كما في قوله تعالى {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وخصهم بالتعقل والفهم في مقام ضرب الأمثال وبيان آيات الله الكونية كما في قوله تعالى {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ}.

وهكذا عرف المسلمون الأولون منزلة العلم وفضله وأدركوا مبلغ الحاجة إليه في دنياهم وبناء مجتمعاتهم ودعم سلطانهم، وأنه هو الذي يوضح لهم معالم السير على النهج القويم، ويفتح لهم آفاق الحياة العزيزة الكريمة ويكشف لهم عن أسرار العوالم الكونية ونواميسها، ويقيم لهم وسائل الحياة والقوة، ويبني لهم قواعد السيادة والمجد.

عرفوا كل هذا فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم على اختلاف أنواعها ولم يشغلهم عن طلبها ترف الحضارة ونعماؤها، ولا ثنت عزائمهم عنها بأساء الحياة وضراؤها، وبحثوا عنها في آيات الله التشريعية وآياته الكونية، وأقاموا لها في كل قطر إسلامي منارا عاليا، وحملوا مشاعلها إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم بل اتجهوا بها أيضا إلى علوم السابقين يدرسونها ويمحصونها ويأخذون عنها ويزيدون عليها، وما هداهم إليه البحث والنظر والاستدلال فاستخرجوها من زوايا الإهمال والنسيان، وأخذوا إبريزها بعد أن زادوه نقاء وصفاء، وردوا زائفها بعد أن بينوا زيفه وفساده، لأنهم كانوا يطلبون هذه العلوم طلب الناقد البصير، لا طلب التابع المقلد، واكتمل لهم من ملكات العلوم والفنون في جيل واحد، ما لم يكتمل لأمه من الأمم الناهضة في عدة أجيال.

وإن تعجب لهذه النهضة العلمية التي تخطت مراحل النهوض في الأمم فعجب أنهم قاموا بها على رغم الأحداث العاتية التي حملوا أعباءها، والحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها لأن الأحداث والخطوب وإن بلغت من العنف ما بلغت لا تستطيع أن تقف في طريق العقائد التي انطوت عليها القلوب، ولا أن تمنع العزائم القوية من الوصول إلى أغراضها وأهدافها.

وبهذه النهضة العلمية استطاعوا أن يعملوا عمل الأقوياء لدينهم ومجتمعهم، لأن العمل لبناء المجتمعات القوية في دينها ودنياها لا يصدر إلا عن إرادة قوية دافعة، والإرادة القوية الدافعة لا تنبثق إلا من العلم، فالأمة التي أفقدها الجهل قوة الإرادة وصدق العزيمة لا يمكن أن تعمل لدينها ولا لكيانها.

الدعامة الثالثة: تحرير الإنسان من طاعة الأهواء والانقياد الأعمى لوحيها، لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان في سلوكه والتوائه في نظره وتفكيره، وضلاله في عقائده وتدينه، فإن الهوى ما دخل في شأن من شئون الدين والدنيا إلا أفسده.

فعبّاد الأهواء لا تسلم لهم طوية ولا يستقيم لهم رأي، ولا تعتدل لديهم موازين الحكم ولا يخضعون لحق ليس في جانبهم.

ولهذا عُني الإسلام بالتحذير البالغ من اتباع الهوى والانقياد الأعمى للأشياء، فذم العاكفين على عبادة الأهواء والأغراض، ونعي عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إرضاء لأهوائهم كما في قوله تعالى {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ}، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}، {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

وهكذا طالبنا الإسلام بأن نطهر نفوسنا وسلوكنا من الأغراض الخفية، والأهواء الدفينة، ونحرر عقولنا وأفهامنا من الخضوع للجهل والانقياد الأعمى، وأن نجعل أهواءنا تبعا لحكم الله وشرعه.

وبهذا قام الإسلام بثورة تحريرية كبرى أطلق بها العقول من إسارها، ودفعها للتأمل في ملكوت السموات والأرض، ليكون الإيمان مبنيا على الفهم والاقتناع لا على القسر والإرهاب. 

 

 



[1] أما الجزء الأول من الحديث فرواه الشيخان وغيرهما وتمامه عندهما ((وإنما أنا قاسم والله يعطي)) هكذا لفظ البخاري في كتاب العلم، وأما قوله (( ويلهمه رشده )) فرواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية وحسنه ابن حجر، أما الذهبي فقال هو حديث منكر.

[2] متفق عليه واللفظ المذكور رواه الترمذي.

[3] متفق عليه ولفظ مسلم قريب مما ذكره إلا أنه قال (( ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها )) أخرجه في كتاب صلاة المسافرين.