طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من تاريخ الدعوة السلفية

الشيخ عبد الحميد بن باديس

قائد الحركة الإصلاحية في الجزائر

الحلقة الثانية

بقلم الشيخ محمد شريف الزيبق المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

 

 

أدرك ابن باديس رحمه الله ما آلت إليه بلاده تحت وطأة القوانين الفرنسية المخصوصة الاستثنائية التي تحرم المواطنين الجزائريين من كافة الحريات، من الكتابة والاجتماع والسفر والانتقال من بلد إلى بلد داخل الجزائر نفسها، فلا يسافر أحد منهم إلا بإذن من الشرطة الفرنسية، يبين فيه الجهة التي يقصدها والمدة التي يمكنه التغيب فيها عن قريته أو مدينته، وعليه أن يتوجه لمركز الشرطة بمجرد وصوله، وكانت السلطات الاستعمارية الفرنسية تحرم على الجزائريين مطالعة الكتب وافتتاح المدارس، محاولة بذلك القضاء على الكيان الجزائري بالعمل على إفقار الأهالي وتركهم فريسة الجهل.

وقامت في الوقت ذاته بفتح بعض المدارس الفرنسية، وشجعت المبشرين على بذل كل ما يستطيعون لتنصير الجزائريين، ولم تترك لهم من الحرية إلا أن يموتوا جوعا كما يقول المستشرق المنصف جوستاف لوبون[1].

وكان الجنرال بيجو أحد القواد الفرنسيين المستعمرين يجمع اليتامى من أطفال الجزائر ويأتي بهم إلى الكردينال (لافيجري) ويقول له: حاول أن تجعل هؤلاء الأطفال مسيحيين، وإذا فعلت ذلك فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار، وكان لافيجري يقول: علينا ان نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور الإنجيل .. تلك هي رسالتنا.

وقد حرصت فرنسا على تشييد الكنائس الضخمة في كثير من المدن الجزائرية، وحولت بعض المساجد إلى كنائس أو دمرتها.

ولكن آمال المستعمرين خابت، فقد قام الكردينال لافيجري بتربية نحو أربعة آلاف طفل من أيتام الجزائريين على المسيحية، ووضعهم في محيط قطع فيه جميع علاقاتهم مع المسلمين، ولكنهم عندما بلغوا سن الرشد عادوا إلى الإسلام دين آبائهم إلا النادر منهم[2].

في هذه الظروف القاسية وفي أشد أدوار محنة الجزائر بالاستعمار، ظهر عبد الحميد بن باديس فقاد أعظم نهضة إسلامية إصلاحية، وسدد الله عز وجل خطاه فكان قائد الشعب الجزائري المسلم إلى التحرر من الجهل والخرافة والاستعمار.

 

نشأة ابن باديس:

ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في غرة ربيع الثاني سنة 1308 بمدينة قسنطينة كبرى المدائن في شرق الجزائر، من أسرة معروفة بالعلم والفضل وسعة الجاه، ويتصل نسبه بالمعز بن باديس الصنهاجي مؤسس دولة صنهاجة التي خلفت دولة الأغالبة في القيروان، وكان عبد الحميد الابن البكر لوالديه، فعنيا بتربيته وتثقيفه على يد أفاضل المربين، وحفظ القرآن الكريم وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولفت أنظار مؤدبيه، وخاصة الشيخ محمد المداسي الذي طلب إليه أن يؤم المصلين في صلاة التراويح خلال شهر رمضان في الجامع الكبير بقسنطينة.

وكان أبرز أساتذته في هذا الدور الشيخ حمدان الونيسي الذي تلقى عليه العربية وعلوم الشريعة بجامع سيدي محمد النجار، وقد أخذ عليه شيخه الونيسي عهدا ألا يعمل موظفا في الحكومة.

وفي عام 1323 ارتحل ابن باديس إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة، وكان من أبرز شيوخه في الزيتونة الشيخ محمد النخلي والشيخ محمد الطاهر عاشور، وبعد عامين من الدراسة كلف التدريس في الزيتونة فكان مع طلبه العلم يقوم بالتدريس على حسب العادة فيها، حتى نال شهادة التطويع( العالمية) من جامع الزيتونة.

 

رحلته إلى المشرق:

وفي عام 1330 عزم على الرحلة إلى بلاد الحجاز لأدار فريضة الحج، وفي المدينة المنورة لقي شيخه حمدان الونيسي الذي كان قد هاجر إليها، وقد ألقى بعض الدروس في المسجد النبوي، والتقى بأحد علماء الهند الشيخ حسين أحمد وتلقى عليه بعض العلوم، وكان الشيخ الونيسي قد طلب من ابن باديس الإقامة معه بالمدينة، ولكن الشيخ حسين أحمد أشار عليه بالعودة إلى الجزائر والقيام بنشر العلم في ربوعها، وممن التقى بهم في المدينة الشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري الذي تبادل معه البحث في أحوال الجزائر وحاجتها إلى الإصلاح، وقد أصبح فيما بعد زميلا له في عمله في جمعية العلماء الجزائريين.

وبعد أن أمضى ابن باديس نحو عامين في الحجاز توجه نحو بلاد الشام، فزار بيت المقدس ودمشق وغيرهما من المدن الشامية، وقفل راجعا إلى الجزائر مارا بالقاهرة حيث التقى فيها بالشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية وهو من العلماء المصلحين وتلقى عليه وأجازه.

 

عودته إلى الجزائر:

وحين عاد إلى الجزائر عام 1332 أقام في مسقط رأسه قسنطينة، وكان قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره، فشرع في وضع خطة العمل في ذلك الجو المظلم من الاستعمار الغاشم الذي كان يفرض أسطورة الجزائر الفرنسية، وفي الوقت الذي نجح فيه الفرنسيون في اصطياد بعض الناس من محترفي السياسة الجزائريين قام ابن باديس بالعمل الهادئ لمحاصرة فرنسا في عزم ولين، من غير أن يلفت الأنظار أو يثير العقبات، فبدأ بإعداد جيل صالح ينهض بالجزائر نهضة إسلامية عربية، وشرع بالتدريس في الجامع الكبير بقسنطينة، ولكن الحكومة الفرنسية منعته من التعليم فيه بسعي المفتي في ذلك العهد الشيخ المولود ابن الموهوب، فسعى أبوه لدى الحكومة الفرنسية وكان ذا جاه عندها فسمحت لولده عبد الحميد بن باديس بالتدريس في الجامع الأخضر بقسنطينة.

 

بدؤه بالتعليم:

يقول ابن باديس: لما قفلنا من الحجاز وحللنا بقسنطينة عام 1332 وعزمنا على القيام بالتدريس، أدخلنا في برنامجنا دروسا لتعليم اللغة العربية وآدابها، والتفسير والحديث والأصول ومبادئ التاريخ والجغرافية والحساب وغيرها، ورأينا لزوم تقسيم المتعلمين إلى طبقات، واخترنا للطبقة الصغرى منهم بعض الكتب الابتدائية التي وضعتها وزارة المعارف المصرية، وأحدثنا تغييرا في أسلوب التعليم، وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي، وتحبيب الناس في فهم القرآن، وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية، والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين، ومؤلفات المعاصرين[3].

وكانت دروس ابن باديس تبدأ بعد صلاة الفجر، وتستمر طيلة النهار، لا يقطعها إلا فترة ساعة بعد صلاة الظهر يتناول فيها غداءه ويعود إلى عمله في تعليم الصغار حتى صلاة العصر، وبعد العصر يقوم بتعليم الشباب إلى المغرب، وبين العشاءين يقوم بالتدريس للكهول والشيوخ حيث تستمر دروسه إلى نحو منتصف الليل.

وفي دروسه للعامة كان يحرص على العبارات الفصيحة السهلة، وعن طريق التدريس والوعظ استطاع ابن باديس أن ينشر الفصحى بين العوام، وأن يرتفع بهم إلى إجادة اللغة العربية رغم أمية أكثرهم، وعن هذا الطريق استطاع المحافظة على اللغة العربية عند كثير من أبناء الجزائر، وكانت فرنسا تحارب اللغة العربية بكل وسيلة وتحل محلها لغتها الفرنسية.

وقد امتد نشاط ابن باديس إلى المدن الجزائرية الأخرى فكانت له دروس في مدينة الجزائر العاصمة، وفي مدينتي وهران وتلمسان إذ كان يسافر إلى هذه المدن كل أسبوع على بعد الشقة وطول المسافة فيلقي فيها دروسه في التفسير.

وقد أثمرت جهود ابن باديس فلم يأت عام 1340 حتى كان تلاميذه يتجاوزون الألف، وقد كفاه الله شر الاستعمار، وكان له من وجود والده درع وقاية من بطش فرنسا التي لا تصبر على أقل من هذه الحركات، وكان لوالده مقام محترم عند حكومة الجزائر، فسكتت عن الابن احتراما لشخصية والده كما يقول الشيخ البشير الإبراهيمي.

 

طريقته في التربية:

يمكن أن نتعرف على أسلوبه في التربية والتعليم من قوله: لن يصلح المسلمون إلا إذا صلح علماؤهم، لأنهم بمثابة القلب للأمة، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه، في مادته وصورته، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثت معلما " رواه مسلم.

فهو لا يسير على طريقة معاصريه من العلماء الذين كانوا يعكفون على كتب المتأخرين من المتون والمختصرات وخاصة في الفروع الفقهية مبتوتة عن أدلتها الشرعية، وكان يرى أن المسلمين لم يضعفوا إلا عندما فرقوا بين العلم والعمل، فكثرت البدع والضلالات، وجاءت الفرق الباطنية فعملت على أن تدخل في العقائد الإسلامية كثيرا من الضلالات عن طريق المتصوفة الذين فصلوا بين علوم الظاهر والباطن، مع أن الخلق القويم لابدّ أن يكون نتيجة تطابق الباطن مع الظاهر، ويقول ابن باديس: العلم قبل العمل، ومن دخل العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال، كما يقول: إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة تفكر وتدير.. إننا نربي والحمد لله تلامذتنا على القرآن، ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها.

ويوصي ابن باديس طلاب العلم بالاطلاع على مدارك المذاهب حتى ينشئوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذاهب الضيقة.

 

 



[1] حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 181 .

[2] المرجع السابق ص 187 .

[3] آثار ابن باديس ج 2 ص 27 نقلا عن مجلة المنقد التي كان يصدرها ابن باديس.