طباعة

 توثيق النص

 

 

 

التشريع الإسلامي تشريع للعزة والكرامة

بقلم الشيخ محمد الخضراوي

المدرس في كلية الدين  الدعوة وأصول بالجامعة الإسلامية

 

 

قضت الفطرة ألا ينهض الفرد وحده بشئون نفسه ومتطلبات حياته، فهو مدني بطبعه محتاج إلى معاونة بني جنسه، في إدراك مآربه، وتكميل أسباب حياته مما تقصر عنه يده، ولا تتسع له مداركه، ولا تحتمله قواه، وبهذا كانت الحياة الإنسانية حياة جماعة، يسد كل  فرد منها ثغرة في بناء المجتمع الذي يعيش ويحيا فيه لتنتظم من مجهودات الجميع عيشة هنيئة راضية.

وقد جبلت النفوس على الأثرة وأشربت حب الذات، فكل امرئ ينبغي أن يستوفي كل حوائجه، ويحرز أكبر نصيب من طيبات الحياة ولذاتها ولو على حساب الآخرين.

والناس متباينون ميولا، ومختلفون في النزاعات بحكم عوامل البيئة والوراثة فلو ترك الناس وشأنهم في مناحي الحياة يستبد كل برأيه ويتبع شهواته، لتعارضت الميول، وتشعبت بهم سبل الحياة، وعميت عليهم وجهة الحق والخير، وساروا في جنبات مظلمة، لايلوي فرد على فرد، ولا تعطف جماعة على جماعة، فتكون الحياة والحالة هذه حياة بهيمية مضطربة ناقصة لا هناء فيها ولا استقرار، حياة شيطانية متمردة، يموت فيها الحق ويحيا الباطل، وتنعدم المساواة فيما تجب فيه المساواة، فلا عدل إلا ما كان وسيلة إلى نفع ذاتي، ولا خير إلا فيما وافق الهوى، وفي هذا انتقاض على الفطرة، التي ربطت الناس في مضمار الحياة، وقطع لوشائج الإنسانية التي أحكم الله صنعها مذ خلق الله الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا (49:13) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

وقد طبع الله الجماعة البشرية منذ القدم على الشعور بحاجتها إلى ما يلم شعثها، ويرفه عليها حياتها. وقد جرت سنة الله في خلقه منذ عمرت بهم الأرض أن يشرع لهم الشرائع عند مسيس الحاجة إليها، ويبعث فيهم رسلا من أنفسهم يقيمون معالم الحق والخير (4:165) {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}

وقد غشيت العالم قبل الإسلام سحابة كثيفة من الشرك، وانحدر الناس إلى الأعماق، وحل المنكر محل المعروف، وقبض أهل الرذيلة على ناصية الأمم حتى نفر الناس من مقامهم على هذه الفوضى، وأحسوا بالحاجة إلى رسول ينقذهم من ظلمات الجهل، وينتشلهم من مهاوي الرذيلة، ويسمو بهم إلى مراقي العز والكرامة والفضيلة، فكانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اختاره لتبليغ الرسالة بعد أن بلغت الإنسانية من التطور ونضوج الفكر حدا لائقا، واستعدت النفوس لكامل الهداية، فبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا.

وقد كان من تمام نعمة الله على عباده، ومن مظاهر حكمته في خلقه بعد أن تخطى العقل البشري دور الطفولة، وتهيأ الفكر للتدرج في مراقي الحياة، أن تكون الشريعة الإسلامية التي يختم بها شرائعه شريعة محكمة الأساس، وطيدة البنيان، كاملة النظام، سامية الأغراض، وافية بحاجات الأفراد والجماعات، عادلة من غير إفراط، وسهلة بلا تفريط أبدية، صالحة لكل زمان ومكان، محببة إلى النفوس، كاشفة عن نواحي الخير، فلا غرور إن كانت شريعة العزة والكرامة.

ويكفينا في تعرف أسرار تلك الشريعة الغراء أن البحث في تعاليمها يرشدنا بلا شك، ومن غير جهد إلى أنها أتت بما لم تأت به الشرائع السابقة من أحكام متسعة لكل ما تتطلبه الحياة الكريمة من سماحة وكرامة وعزة دعت إلى احترام العقول، وإلى التفكير في الكون وأسراره (87:20،17) {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

 وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، (3:190) {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ}، (6:12) {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ} الآية، (6:98،97،96،95) {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}، (6:103،102) {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (45:13،12،6،5،4،3) {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}. {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

وفي النظم الاجتماعية دعا إلى المساواة بين الناس، وألا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وحفظ لكل نصيبه من الحرية راغبا في الحياة المهذبة المشبعة بروح الاعتداد بالنفس مع مراعاة حرمة الآخرين وحقوقهم.

انظر إليه تجده يرافق الإنسان في كل أدوار حياته منظما له عامة شؤونه ليكوِّن من الأفراد الناشئين على نهجه جماعة ناضجة تمثل الإنسانية الكاملة، ثم يعرج بعد عنايته بالفرد إلى الروابط الاجتماعية وما يكون بين المرء وأخيه من صلات النسب أو التعامل أو القومية، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأثبت حكمها وحاطها بسياج من النظام المحكم.. فهاهو ذا يعلِّم الإنسان كيف يتصل بربه عن طريق العبادات المشروعة على أوجه رسمها له، ويتقيه حيثما كان، وينيب إليه في سره وجهره، وكيف يراقب نفسه في دخيلة نفسه، فلا يضطغن على أحد، ولا يعتزم شرا يأتي به، ولا يتبع ظنا يهجس به خياله ويعلمه كيف يشعر بواجبه ويحرص على حقه، ويحثه على أن يبتغي فيما أتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا (28:77) {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك} الآية.

ثم ينتقل بالمرء إلى الحياة المنزلية، فيرسم له كيف يستبيح المرأة بالعقد المشروع والصداق المستحق، ويبين لكل من الزوجين ماله وما عليه نحو الآخر، وما يتعلق بالصلة بينهما من الإخلاص والمحبة، والوفاء والمودة، وكيف تكون العشرة بالمعروف، وما يترتب على التضامن الزوجي نحو الأبناء من تربية وصيانة ورعاية فيشبون ويترعرعون في ظل الهناء والسعادة.

ويحوط الأسرة بما يحفظ عليها كيانها وكرامتها، فيضع نظام الحجاب والاستئذان في دخول البيت، ويمنع اختلاط غير المحارم ومن في حكمهم ليظل رباط الزوجية وثيقا، وجوّها صافيا مما يكدره، أو يتسرب إليه من ظنون (27إلى24:31) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

وكما وضح طريق الاجتماع رسم طريق الفراق بينهما حينما يستبد النزاع، ويستحكم الخلاف، وتكون حياتهما معا مثار خلاف وشقاق، ومدعاة لتعدي حدود الله (2:230،229) {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

ثم يخطو بعد ذلك بالزوجين إلى ما وراء حدود هذه العشرة في الحياة أو بعد الممات، فيثبت حق كل واحد منهما في مال الآخر من نفقة للزوجة أو سكنى أو ميراث لأحدهما (64:7،6،1) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}، {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}، (4:12) {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} الآية.

كما نظم العلاقة بين الأب وابنه وبين الأبناء بعضهم مع بعض (17:24،23) {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً

 وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} وقوله صلى الله عليه وسلم: "حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده"  وما يتصل بهذا كله مما يعرف بالأحوال الشخصية.

ويتدرج مع المرء فيضع له طريق التعامل السليم مع الآخرين مبينا وسائل الكسب المشروع وطريق الحصول على المال بالبيع والشراء أو الإجارة أو القرض أو الإحياء "من أحيا أرضا ميتة فهي له" وما إلى ذلك مما ينتظم في باب المعاملات، أو ما يسمى في العرف بالقانون المدني، والقانون التجاري.

ويتعهد هذه التعاليم بالحراسة فيقيم سلطان القضاء لفصل الخصومات بين الناس، ويعتد بالشهادات والإقرارات، وما يكون لأحد المتداعيين أو لهما من الحجة والبرهان لتستقر الأمور في نصابها الصحيح، ويسود العدل والإنصاف، فلا تسلط ولا طغيان، ويدعم كل ذلك بإرشاداته، فيعلمهم أن من غش المسلمين ليس منهم، وأن الدين النصيحة، وأن من رأى منكرا فليغيره ما استطاع، لئلا يكونوا مثل بني إسرائيل من أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، قال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا". وقال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وقال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلِّطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم" وقال: "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

ويطلب إليهم الوفاء بالعقود، وأن يحترموا ما بينهم من شروط (4:1) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} الآية، وقال:(6:152) {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما".

وينهاهم عن التقرب إلى الحكام بالرشا ليتمكنوا من الحصول على غير حقهم، قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي" ويحذرهم الكذب والخيانة والخلف والخداع لئلا يكونوا من المنافقين، قال صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان".

ثم يعلمهم كيف يحسن الجار إلى جاره، ويعطف القريب على قريبه خاصة وعلى اليتامى والمساكين عامة قال تعالى(36:4): {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} الآية. وكيف يسير الحاكم مع المحكوم والرئيس مع المرؤوس، وكيف يكون الجميع إخوانا متآزرين متحابين، كي لا تتفرق كلمتهم، وتضعف شوكتهم، ويستهين بهم عدوهم، ويذهب سلطانهم أدراج الرياح. قال تعالى: (3:103) {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} الآية، وقال: (3:105) {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

ولم تغفل الشريعة الإسلامية علاقة المسلمين بغير المسلمين، بل نظمتها، ورسمت لنا على أي وجه يكون الاتصال بهم في الزواج، أو العشرة بالصحبة، أو الحكومة، وكيف نتقي صولة العدو منهم، ونعد العدة لدرء عادياتهم علينا ونحارب من يحاول العدوان على بيضة الإسلام، مع احترامنا لكل ما نعطيهم من عهد وميثاق على نحو يصون كرامة المسلمين.

ولما يعلمه الله سبحانه وتعالى من اختلاف طبائع الناس وتباين ميولهم وأهوائهم، فمنهم التقي الصالح والخيِّر الراشد الذي يقف عند حدود الشرع والأخلاق، يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه، يصدع بالحق ويأمر بالخير، وفيهم الفاجر الفاسق، والمستهتر المتمرد، الذي لا يثنيه عن الغي إلا أن يرى العذاب رأي العين، ويذوق مرارة الآلام الجسمانية، وضع زواجر وحدود مادية، يقوم بتنفيذها أولو الأمر من المسلمين، ليكف الأشرار عن طغيانهم، ويسلس قياد العصي منهم، فتمتنع أو تقل الجرائم والجنايات، وتظل حدود الله مصونة من العبث، ويتوفر للناس الأمن والطمأنينة على أنفسهم وأعراضهم، وأموالهم، ويسود النظام فيما بينهم، ويتفرغ كل بما نيط به من أعمال تساهم في عمارة الكون، ويسد فراغه في بناء المجتمع الإنساني بنفس آمنة مطمئنة، فقضى على الذين يقطعون الطرق، ويهددون الأمن ويحاربون الله ورسوله بأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو ينفوا من الأرض على النحو المبين في الفقه، وقطع يد السارق والسارقة، وجلد القاذف ثمانين وأهدر شهادته، والزانية والزاني مائة جلدة، إن كانا غير محصنين، ورجمهما إن كانا محصنين، واقتص من القاتل العامد جزاء وفاقا.

قال تعالى: (5:33) { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

وقال: (5:38) {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

وقال: (24:4،2) { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ورجم ماعزا والغامدية، وقد كان فيما يتلى "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم".

ولم يجعل للولاة مطلق التحكّم في الناس، بل قيّد سلطانهم، وحذّرهم أن يتعدوا حدود ما بيّن لهم الكتاب والسنة من الحق في ولاية الأمر، وتنفيذ ما عهد به إليهم، أو أذن لهم أن يقوموا به في حدود طاعة الله.

ولم يترك الناس وشأنهم في الأخذ بتلك الأحكام، بل رتب عليها من أنواع الجزاء ما يحملهم على الانقياد وأشعرهم بوعده ووعيده، وأنه من ورائهم محيط، وأنهم جميعا في قبضته، من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وأنه ليس بظلام للعبيد، قال تعالى: (41:46) {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وقال: (18:49) {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.

وفتح أبواب المغفرة أمام العاصين التائبين، فقال: (39:53) {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

وقال: (25:70،69،68) {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.

ذلك هو المنهج الواضح الذي رسمته الشريعة الإسلامية في كل ناحية من نواحي الحياة الفردية والاجتماعية فهي لم تدع في المرء عوجا إلا قومته، ولا في نظام الجماعة ثغرة إلا أحكمتها وذلك هو كل ما يتأتى للناس أن يتمنوه، أو يطمعوا فيه من إنصاف وإصلاح، وهل هناك سبيل للعمل الدنيوي خير مما رسم الله لعباده، وهو أعلم بحاجاتهم من أنفسهم، وأرحم بهم من أمهاتهم؟ وهل هناك مطمع يتعلق به الرجاء أعز مما أعده لعباده المتقين؟ ذلكم هو الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وتلك هي العزة والكرامة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.