|
|
||||||
شعر أهل الحديث
|
||||||
|
تابع لما أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم |
||||||
|
بقلم
الأستاذ عبد العزيز القارئ |
||||||
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
|
||||||
|
|
||||||
|
روى القاضي ابن العربي بسنده عن طريق زكريا بن يحيى قال:
"ثنا عمر بن زحر بن حصن عن حميد بن منهب قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة
يقول: "هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة مُنْصَرَفَهُ من
تبوك فسمعت العباس قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. قال: "قل لا يفضض الله فاك". فقال العباس: |
||||||
|
مستودع حيث يخصف الورق |
|
من قبلها طبت في الظلال وفي |
||||
|
أنت ولا مضغة ولا علــق |
|
ثم هبطت البلاد لا بشــر |
||||
|
ـجم نسراً وأهله الغرق |
|
بل نطفة تركب السفين وقد ألـ |
||||
|
إذا مضى عالم بدا طبق |
|
تنقل من صالب إلى رحم |
||||
|
خندف علياء تحتها النطق |
|
حتى استوى بيتك المهيمن من |
||||
|
ض وضاءت بنورك الأفق |
|
وأنت لما بعثت أشرقت الأر |
||||
|
ر وسبل الرشاد نخترق |
|
فنحن في ذلك الضياء وفي النو |
||||
|
فقال له النبي:"لا يفضض الله فاك.."[1] |
||||||
|
ومنه ما روى الترمذي
وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن
رواحة يمشي بين يديه يقول: |
||||||
|
اليوم نضربكم على تنزيله |
|
خلوا بني الكفار عن سبيله |
||||
|
ويذهل الخليل عن خليله |
|
ضرباً يزيل الهام عن مقيله |
||||
|
وفي رواية: |
||||||
|
قد أنزل الرحمن في تنزيله |
|
خلوا بني الكفار عن سبيله |
||||
|
يا رب إني مؤمن بقيله |
|
في صحف تتلى على رسوله |
||||
|
اليوم نضربكم على تأويله |
|
إني رأيت الحق في قبوله |
||||
|
ويذهل الخليل عن خليله |
|
ضرباً يزيل الهام عن مقيله |
||||
|
وفي رواية البزار: |
||||||
|
بأن خير القتل في سبيله |
|
قد أنزل الرحمن في تنزيله |
||||
|
فقال
عمر: "يا ابن رواحة؟ في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟" |
||||||
|
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خلِّ
عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نضح النبل"[2] |
||||||
|
ومنه ما أخرج ابن سعد[3]
عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: "لما كان يوم فتح مكة كان
عبد الله بن أم مكتوم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الصفا والمروة
وهو يقول: |
||||||
|
أرض بها أهلي وعوّادي |
|
يا حبذا مكة من وادي |
||||
|
أرض بها ترسخ أوتادي |
|
أرض بها أمشي بلا هادي |
||||
|
ومما ذكره ابن سيد
الناس عن ابن إسحاق في سبب فتح مكة قال: "لما تظاهر بنو بكر وقريش على
خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق
خرج عمرو بن سالم الخزاعي، قال ابن سعد:"في أربعين راكباً حتى قدم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان ذلك ما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو جالس في
المسجد بين ظهراني الناس فقال: |
||||||
|
حلف أبينا وأبيه الأتلدا |
|
يا رب إني ناشد محمداً |
||||
|
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا |
|
قد كنتم ولدا وكنا والدا |
||||
|
وادع عباد الله يأتوك مددا |
|
فانصر هداك الله نصراً أعتدا |
||||
|
إن سيم خسفاً وجهه تربدا |
|
فيهم رسول الله قد تجردا |
||||
|
إن قريشاً أخلفوك الموعدا |
|
في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مزبدا |
||||
|
وجعلوا لي في كداء رصدا |
|
ونقضوا ميثاقك المؤكدا |
||||
|
وهم أذل وأقل عددا |
|
وزعموا أن لست أدعوا أحدا |
||||
|
وقتلونا ركّعاً وسجّدا |
|
هم بيّتونا بالوتير هجّدا |
||||
|
يقول: "قتلنا وقد أسلمنا. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم".[4]
وسار بجيوشه ففتح مكة. |
||||||
|
وذكر هذا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه
البزار ورجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو وحديثه حسن"[5]. |
||||||
|
ومما أخرجه ابن سيد الناس بسنده من طريق أبي عمرو بن طارق
قال: "سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: "لما أسرنا رسول الله صلى
الله عيه وسلم يوم حنين يوم هوازن وذهب يفرق السبي والشاء أتيته وأنشأت أقول: |
||||||
فإنك المرء
نرجوه وننتظر
|
|
أمنن علينا
رسول الله في كرم
|
||||
مشتت شملها
في دهرها غير
|
|
أمنن على
بيضة قد عاقها قدر
|
||||
على قلوبهمُ
الغمّاد والغمر
|
|
أبقت لنا
الدهر هتافاً على حزن
|
||||
يا أرجح الناس
حلماً حين يُختبر
|
|
إن لم
تداركهمُ نعماء تنشرها
|
||||
إذ فوك
تملؤها من مخضها الدّرر
|
|
أمنن على
نسوة كنت ترضعها
|
||||
وإذ يزينك
ما تأتي وما تذر
|
|
إذ أنت طفل
صغير كنت ترضعها
|
||||
واستبق منا
فإنا معشر زهر
|
|
لا تجعلنا
كمن شالت نعامته
|
||||
وعندنا بعد
هذا اليوم مدخر
|
|
إنّا لنشكر
للنعماء إذ كفرت
|
||||
من أمهاتك
إن العفو مشتهر
|
|
فألبس العفو
من قد كنت ترضعه
|
||||
عند الهياج
إذا ما استوقد الشرر
|
|
يا خير من
مرجت كمت الجياد به
|
||||
هذي البرية
إذ تعفو وتنتصر
|
|
إنا نؤمل
عفواً منك تلبسه
|
||||
يوم القيامة
إذ يهدي لك الظفر
|
|
فاعفو عفا
الله عما أنت راهبه
|
||||
|
قال فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: "ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"، وقالت
قريش : "ما كان لنا فهو لله ولرسوله". وقالت الأنصار: "ما كان
لنا فهو لله ولرسوله". قال الطبراني:"لا يروى عن زهير بن صرد بهذا
التمام إلا بهذا الإسناد تفرد به عبيد الله بن رماحس"[6]. |
||||||
|
قلت: وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد[7]
عن عبد الله بن عمرو وقال: "رواه الطبراني وفيه ابن اسحق مدلس ولكنه ثقة
وبقية رجاله ثقات..". وذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه عن ابن اسحق قال: "حدثني
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي رواية يونس بن بكير عنه.." |
||||||
|
|
||||||
|
نظراته صلى الله عليه وسلم في الشعر ونقده له: |
||||||
|
في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: |
||||||
|
ألا كل شيء ما خلا الله باطل[8] |
||||||
|
وهذا شطر بيت للبيد وهو ابن ربيعة العامري صاحب المعلقة. ذكر صاحب الشعر
والشعراء هذا البيت في قصيدة للبيد كما يلي: |
||||||
|
وكل نعيم لا محالة زائل |
|
ألا كل شيء ما خلا الله باطل |
||||
|
قضى عمراً والمرء ما عاش آمل |
|
إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه |
||||
|
ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل |
|
حبائله
مبثوثة بسبيله
|
||||
|
ألما يعظك الدهر أمك هابل |
|
فقولا له إن كان يقسم أمره |
||||
|
لعلك تهديك القرون الأوائل |
|
فإن أنت لم تصدق نفسك
فانتسب |
||||
|
ودون معد فلتزعك العواذل |
|
فإن لم تجد من دون عدنان والداً |
||||
|
إذا كشفت عند الإله المحاصل[9] |
|
وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه |
||||
|
وهذا الذي سبق من النبي صلى الله عليه وسلم إشادة بهذا الشطر من البيت
لاحتوائه على هذا المعنى الموجز العظيم وسكوته صلى الله عليه وسلم عن الشطر
الآخر كان عدم رضا به وهو قوله:
"وكل نعيم لا محالة زائل" |
||||||
|
فإن العموم هنا ليس مقبولاً ولذلك فقد انتقد عثمان بن مظعون
رضي الله عنه هذا الشطر لما أنشد لبيد القصيدة فلما قال: "وكل نعيم لامحالة
زائل" قال: "كذبت إلا الجنة". ذكره ابن حجر في الإصابة وابن هشام[10]. |
||||||
|
ومن نقده صلى الله عليه وسلم لمعاني الشعر استدراكه على
النابغة الجعدي لما قال: |
||||||
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً
|
||||||
|
فقال له: "أين المظهر يا أبا ليلى"،
وفي رواية أنه غضب صلى الله عليه وسلم وذلك أن ظاهر البيت فيه مبالغة عظيمة فإنه
لا يرجى اعتلاء فوق السماء لمخلوق فهو معنى مردود.. لو لا ذكاء الشاعر رضي الله
عنه وسرعة بديهته وتأويله لمراده بأنه الجنة. |
||||||
|
ومن هذا الباب أيضاً إعجابه صلى الله عليه وسلم بقول الأعشى
المازني: |
||||||
وهن شر غالب لمن غلب
|
||||||
|
فجعل يكرر هذا الشطر.. |
||||||
|
وذلك أنه معنى واقع محسوس يصدقه كل سامع، وأول ما يصدقه
واقعة الشاعر نفسه فطابقت هذه الكلمة حاله مطابقة جيدة. |
||||||
|
ومنه أيضاً دعاؤه للنابغة لما أنشد قوله: |
||||||
|
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا |
|
ولا خير في حلم إذا لم يكن له |
||||
|
حليم إذا أورد الأمر أصدرا |
|
ولا خير في جهل إذا لم يكن له |
||||
|
قال: "أحسنت لا يفضض الله
فاك"، على حين أنه صلى الله عليه وسلم استنكر قبل ذلك بقليل أبياتاً
من القصيدة كما سبق، فذلك منه صلى الله عليه وسلم دقة في النظر في الشعر
والتفريق بين معانيه وعباراته وتحريض في نفس الوقت للشعراء أن يحرصوا على اختيار
المعاني الجيِّدة السامية الصادقة في شعرهم، وأن يحترسوا من التورط في المعاني
المردودة الفاسدة أو المبالغات القبيحة.. ومواقفه صلى الله عليه وسلم كلها من
الشعر والشعراء تدل على تذوقه لمعانيه وفهمه العميق لمراميه، فهو يقبل بعضاً
ويرد بعضاً ويؤثر فيه الشعر حتى يشفعه ويرق لصاحبه ويقبل عليه، بل ويكافئه كما
فعل بكعب بن زهير.. |
||||||
|
هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم يدرك بنظره الثاقب مدى خطورة
دَوْر الشعر وأهميته في ميدان دعوته ورسالته فالعرب أمة شاعرة تعظم الشعر. |
||||||
|
ولذلك اتخذ صلى الله عليه وسلم الشعر سلاحاً يرد به خطر
الحرب الكلامية التي أعلنها عليه شعراء قريش وفطاحل البيان فيها. فكان من شعرائه
الذين ينافحون عنه حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي لا يخفى بلاؤه في هذه الحرب
على أحد وكيف كانت أبياته تقض مضجع القريشيين.. وقد سبق في هذا البحث أن عبد
الله بن الزبعرى لما هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران قال فيه
حسان: |
||||||
|
نجران في عيش أجذ لئيم |
|
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه |
||||
|
فما كاد هذا البيت يبلغ ابن الزبعرى رضي الله عنه حتى فعل
فعله بنفسه فجاء يسعى إلى رسول الله ويعتذر له عما سلف ثم أسلم... |
||||||
|
ومنهم كذلك كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة رضي الله
عنهما.. |
||||||
|
قال عبد الله: "بينما أنا أجتاز في المسجد ورسول الله
في ناس من أصحابه إذ قال القوم: "يا عبد الله بن رواحة". فظننت أن
رسول الله يدعوني فجئت، فقال: "اجلس يا عبد الله
بن رواحة كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول؟"؛ فقلت: "أنظر ثم
أقول". قال: "عليك بالمشركين".
ولم أكن أعددت شيئاً لذلك فقلت: |
||||||
|
متى كنتم مطاريق أو دانت لكم مضر |
|
فخبروني أثمان العباء متى |
||||
|
فنظرت الكراهية في وجه رسول الله أن جعلت قومه أثمان العباء
فنظرت ثم قلت: |
||||||
|
على البرية فضلاً ما له غِيرُ |
|
يا هاشم الخير إن الله فضلكم |
||||
|
فراسة خالفتهم في الذي نظروا |
|
إني تفرَّست فيك الخير أعرفه |
||||
|
في جل أمرك ما آووا ولا نصروا |
|
ولو
سألْتَ أو استنصرت بعضَهم
|
||||
|
تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا |
|
فثبت الله ما آتاك من حسن |
||||
|
قال: "وأنت فثبتك الله يا
ابن رواحة"[11]. |
||||||
|
قلت: وهذا الذي وقع فيه ابن رواحة في البيت الأول قد احترس
منه حسان وهو أذكى في الشعر وأطول باعاً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "والله
لأسُلنّك منهم كما تسلُّ الشعرة من العجين".. وقد فعل..إلا أن ابن رواحة
رضي الله عنه أحسن استدراك خطئه فأزال ما كان وقع في نفس النبي صلى الله عليه
وسلم من كراهية لما قال. |
||||||
|
|
||||||
|
ما نسب من الشعر إلى الخلفاء الراشدين: |
||||||
|
ذكر أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني في كتابه عن الشعر
طرفاً من هذا النوع وأفرد له باباً.. وجاء بشعر للخلفاء الأربعة يحتاج إلى النظر
في ثبوته فإن ابن رشيق ليس ممن يؤخذ عنه مثل ذلك. |
||||||
|
أما خليفة رسول أبو بكر الصديق رضي الله عنه فنسب إليه
الأبيات الآتية وذكرها أيضاً ابن هشام في كلامه عن سرية عبيدة بن الحارث وهي أول
راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر رضي الله عنه حسب زعم
الراوي قال هذه القصيدة في هذه الغزوة.. وأشار إليها ابن عبد البر في الاستيعاب
كما سيأتي قال ابن هشام: "قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر رضي الله عنه في
غزوة عبيدة بن الحارث: |
||||||
|
أرقت أو أمر في العشيرة
حادث |
|
أمن طيف سلمى بالبطاح
الدمائث |
||||
|
عن الكفر تذكير ولا بعث
باعث |
|
ترى من لؤي فرقة لا
يصدها |
||||
|
عليه وقالوا لست فينا
بماكث |
|
رسول أتاهم صادق
فتكذبوا |
||||
|
وهرُّوا هرير المحجرات
اللواهث |
|
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا
|
||||
|
وترك التقى شيء لهم غير
كارث |
|
فكم قد منينا فيهم
بقرابة |
||||
|
فما طيبات الحل مثل
الخبائث |
|
فإن يرجعوا عن كفرهم
وعقوقهم |
||||
|
فليس عذاب الله عنهم
بلابث |
|
وإن يركبوا طغيانهم
وضلالهم |
||||
|
لنا العز منها في
الفروع والأثائث |
|
ونحن أناس من ذؤابة
غالب |
||||
|
حراجيج تخدى في السريح
الرثائث |
|
فأولى بربِّ الراقصات
عشية |
||||
|
يردن حياض البئر ذات
البنائث |
|
كأدم ظباء حول مكة عكف |
||||
|
وليس إذا آليت قولاً
بحانث |
|
لئن لم يفيقوا عاجلاً
من ضلالهم |
||||
|
تحرم أطهار النساء
الطوامث |
|
لتبتدرنهم غارة ذات
مصدق |
||||
|
ولا ترأف الكفار رأف
ابن حارث |
|
تغادر قتلى تعصب الطير
حولهم |
||||
|
وكل كفور يبتغي الشر
باحث |
|
فأبلغ بني سهم لديك
رسالة |
||||
|
فأن من أعراضكم غير
شاعث |
|
فإن تشعثوا عرضي على
سوء رأيكم |
||||
|
قال:" فأجابه عبد الله بن الزبعرى السهمي فقال: |
||||||
|
بكيت بعين دمعها غير لابث |
|
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث |
||||
|
وفيها يقول: |
||||||
|
فما أنت عن أعراض فهر بماكث |
|
فأبلغ أبا بكر لديك رسالة |
||||
|
قال ابن هشام: "وأكثر أهل العلم ينكر هذه القصيدة لابن
الزبعرى". وقال السهيلي: "ويشهد لصحة من أنكر أن تكون له - أي قصيدة
أبي بكر - ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت:
"كذب من أخبركم أن أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام". رواه محمد
البخاري عن أبي المتوكل عن عبد الرزاق". |
||||||
|
قلت: وهذا حديث صحيح وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب
أيضاً فقال: "روى سفيان بن حسين عن الزهري قال: "سألني عبد الملك بن
مروان فقال: "أرأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبي بكر". فقلت له: "إنه
لم يقلها، حدثني عروة عن عائشة أن أبا بكر لم يقل بيت شعر في الإسلام حتى مات".[12] |
||||||
|
قلت: رواية ابن عبد البر هذه وإن كان فيها سفيان وقد ضعفوه في الزهري
إلا أنه تابعه معمر كما سبق.. |
||||||
|
والحق يقال أنه لا ينبغي التردد في تكذيب نسبة هذه القصيدة
إلى أبي بكر وأنه قال شعراً في الإسلام حتى مات تصديقاً للصديقة رضي الله عنها
وهي أعلم بحال أبيها. وإن كان قال شعراً أو لم يقل. مع أنه لو قال شيئاً من
الشعر فلا أشك أنه لا يخفى عليها لما علم من حفظها للشعر وروايتها له. أخرج ابن
عبد البر في الاستيعاب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: "ما رأيت
أحداً أروى للشعر من عروة فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ قال: "وما
روايتي من رواية عائشة ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعراً". هذا مع
أن القصيدة نفسها تكاد تنطق بالتكذيب لما هو واضح عليها من الصناعة والتكلُّف
حتى إنني لأكاد أقول إن منتحلها وضع القاموس أمامه لو كان وجد في زمنه فنقب فيه
عن (الأثائث) و(الرثائث) و(البنائث) وغير ذلك من الكلمات الثقيلة. والقصيدة كلها
في ثقل هذه الكلمات ولو قارنت بينها وبين ما صحت نسبته من الشعر للصحابة لرأيت
بوناً شاسعاً فشعر الصحابة خفيف سلس رقيق لا تعمُّق فيه ولا تصنُّع ولا تكلُّّف…
في الغالب الكثير، لأنهم لا يشتغلون بالشعر صناعة وهواية إنما ينطقون به على
سجيَّتهم من غير تفرُّغ له.. اللهم إلا ما يكون من حسان رضي الله عنه فإنه شاعر
مشهور في الجاهلية والإسلام. |
||||||
|
وقد عجبت للشعبي فيما نقله عنه ابن عبد البر كيف يقول: "كان
أبو بكر شاعراً وكان عمر شاعراً وكان علي أشعر الثلاثة"[13]. |
||||||
|
أكان رحمه الله يرد كلام عائشة في أبيها أم لم يسمع هذا
الحديث منها ولم يبلغه عنها.. أم تراه فهم من كلام عائشة أنه كان شاعراً ولم يقل
بيت شعر بعد أن أسلم؟ قال ابن عبد البر: "وذكر الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق
قال: "قال أبو بكر رضي الله عنه في مسطح: |
||||||
من
الكلام ولم تتبع بها طمعا
|
|
يا
عوف ويحك هلا قلت عارفة
|
||||
|
ولم تكن قاطعاً يا عوف منقطعا |
|
وأدركتك حياء معشر أنف |
||||
|
ولا تقول ولو عاينته قذعا |
|
أما حزنت من الأقوام
إذا حسدوا |
||||
|
أمينة الجيب لم تعلم لها خضعا |
|
|||||