|
|
|
|
دفع إيهام الاضطراب |
|
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي |
|
|
المدرس بالجامعة |
|
|
|
|
سورة
لقمان
|
|
|
قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}. هذه الآية الكريمة تدل على الأمر ببر الوالدين الكافرين وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك وهي قوله تعالى: { لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} الآية. ثم نص على دخول الآباء في هذا بقوله: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُم}. |
|
|
والذي يظهر لي والله
تعالى أعلم أنه لا معارضة بين الآيتين. ووجه الجمع بينهما أن المصاحبة بالمعروف
أعم من الموادة لأن الإنسان يمكنه إسداء المعروف لمن يوده ومن لا يوده والنهي عن
الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم فكأن الله حذَّر من الموادة المشعرة بالمحبة
والموالاة بالباطن لجميع الكفار يدخل في ذلك الآباء وغيرهم وأمر الإنسان بأن لا يفعل لوالديه إلا
المعروف وفعل المعروف لا يستلزم المودة لأن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال
الجوارح. ومما يدل لذلك إذنه صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر الصديق أن
تصل أمها وهي كافرة وقال بعض العلماء أن قصتها سبب لنزول قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الآية.. |
|
|
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا
يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} الآية. |
|
|
هذه الآية تدل بظاهرها
على أن يوم القيامة لا ينفع فيه والد ولده وقد جاءت آية أخرى تدل على رفع درجات
الأولاد بسبب صلاح آبائهم حتى يكونوا في درجة الآباء مع أن عملهم أي الأولاد لم
يبلغهم تلك الدرجة إقرارا لعيون الآباء بوجود الأبناء معهم في منازلهم من الجنة
وذلك نفع لهم وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}
الآية.. |
|
|
ووجه الجمع أُشير إليه بالقيد الذي في هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} وعين فيها النفع بأنه إلحاقهم بهم في درجاتهم بقيد الإيمان فهي أخص من الآية الأخرى والأخص لا يعارض الأعم. وعلى قول من فسر الآية بأن معنى قوله: {لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} لا يقضي عنه حقا لزمه ولا يدفع عنه عذابا حق عليه، فلا إشكال في الآية. وسيأتي لهذا زيادة إيضاح في سورة النجم في الكلام على: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} الآية إن شاء الله تعالى. |
|
سورة السجدة
|
|
|
قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ
بِكُمْ...}. الآية |
|
|
أسند في هذه الآية الكريمة التَوَفِّي إلى ملك واحد وأسند في آيات أخر إلى جماعة من الملائكة كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَة} وقوله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ...} الآية وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو...} وأسنده في آية أخرى إلى نفسه جل وعلا وهي قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا...} |
|
|
والجواب عن هذا ظاهر
وهو أن إسناده التَّوَفِّي إلى نفسه لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض روح أحد إلا
بإذنه ومشيئته تعالى:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ
تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} وأسنده لملك
الموت لأنه هو المأمور بقبض الأرواح وأسنده للملائكة لأن ملك الموت له أعوان من
الملائكة تحت رئاسته يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت
والعلم عند الله تعالى. |
|
سورة الأحزاب |
|
|
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} لا منافاة بينه وبين
قوله في آخر الآية {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيراً ...} بصيغة
الجمع لدخول الأمة تحت الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قدوتهم كما
تقدم بيانه مستوفى في سورة الروم. |
|
|
قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي
جَوْفِهِ}. هذه الآية الكريمة تدل
بفحوى خطابها أنه لم يجعل لامرأة من قلبين في جوفها وقد جاءت آية أخرى يوهم
ظاهرها خلاف ذلك وهي قوله تعالى في حفصة وعائشة: {إِنْ
تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا...} الآية فقد
جمع القلوب لهاتين المرأتين. |
|
|
والجواب عن هذا من
وجهين: أحدهما: أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزآه جاز في ذلك المضاف الذي
هو شيئان الجمع والتثنية والإفراد وأفصحها الجمع فالإفراد فالتثنية على الأصح
سواء كانت الإضافة لفظا أو معنى. فاللفظ مثاله: شويت رؤوس الكبشين أو رأسهما أو
رأسهما أو رأسيهما والمعنى قطعت الكبشين رؤوسا وقطعت منهما الرؤوس فإن فرق
المثنى فالمختار الإفراد نحو: {عَلَى لِسَانِ
دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} وإن كان الاثنان المضافان منفصلين
عن المثنى المضاف إليه أي كان غير جزأيه فالقياس الجمع وفاقا للفقراء وفي
الحديث: "ما أخرجكما من بيوتكما إذا أويتما إلى
مضاجعكما...". و"هذه فلانة وفلانة يسألانك عن إنفاقهما على
أزواجهما ألهما فيه أجر". و"لقي عليا وحمزة فضرباه بأسيافهما".
واعلم أن الضمائر الراجعة إلى هذا المضاف يجوز فيها الجمع نظرا إلى اللفظ
والتثنية نظرا إلى المعنى فمن الأول قوله: |
|
|
فإن لها فيما دهيت به أسا |
خليلي لا تهلك نفوسكما أساً |
|
|
ومن الثاني قوله: |
|
إذا
منكما الأبطال يغشاهما الذعر |
قلوبكما
يغشاهما الأمن عادة |
|
الثاني هو ما ذهب إليه
مالك بن أنس رحمه الله تعالى من أن أقل الجمع اثنان. ونظيره قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَة...} أي أخوان
فصاعدا. |
|
|
قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم} هذه الآية
الكريمة تدل بدلالة الالتزام على أنه صلى الله عليه وسلم أب لهم لأن أمومة
أزواجه لهم تستلزم أبوَّته صلى الله عليه وسلم لهم وهذا المدلول عليه بدلالة
الالتزام مصرح به في قراءة أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه لأنه يقرأها: (وأزواجه
أمهاتهم وهو أب لهم) وهذه القراءة مروية أيضا عن ابن عباس وقد جاءت آية أخرى
تصرح بخلاف هذا المدلول عليه بدلالة الالتزام والقراءة الشاذة وهي قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}.
الآية..والجواب ظاهر وهو أن الأبوَّة المثبتة دينية والأبوة المنفية طينية وبهذا
يرتفع الإشكال في قوله: {وَأَزْوَاجُهُ
أُمَّهَاتُهُم} مع قوله: {وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}. إذ
يقال كيف يلزم الإنسان أن يسأل أمه من وراء حجاب؟. والجواب ما ذكرناه الآن فهنَّ
أمهات في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام لا في الخلوة بهنَّ ولا في حرمة
بناتهنَّ ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى. |
|
|
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك} الآية. يظهر تعارضه
مع قوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ
بَعْدُ} الآية. والجواب أن قوله: {لا
يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} منسوخ بقوله: {إِنَّا
أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك} وقد قدمنا في سورة البقرة أنه أحد
الموضعين اللّذين في المصحف ناسخهما قبل منسوخهما لتقدمه في ترتيب المصحف مع
تأخره في النزول على القول بذلك. وقيل أن الآية الناسخة لها هي قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ}. الآية. وقال
بعض العلماء هي محكمة وعليه فالمعنى {لا يَحِلُّ
لَكَ النِّسَاءُ} أي من بعد النساء التي أحلهن الله لك في قوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك} الآية.
فتكون آية {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ}
محرمة ما لم يدخل في آية {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَك} كالكتابيات والمشركات والبدويات على القول بذلك فيهن
وبنات العم والعمات وبنات الخال والخالات اللاتي لم يهاجرن معه على القول بذلك
فيهن أيضاً والقول بعدم النسخ قال به أُبَيّ بن كعب ومجاهد في رواية عنه وعكرمة
والضحاك في رواية وأبو رزين في رواية عنه وأبو صالح والحسن وقتادة في رواية
والسدي وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره واختار عدم النسخ ابن جرير وأبو حيان.
|
|
|
والذي يظهر لنا أن
القول بالنسخ أرجح وليس المرجح لذلك عندنا أنه قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم
منهم علي وابن عباس وأنس وغيرهم ولكن المرجح له عندنا أنه قول أعلم الناس
بالمسألة أعني أزواجه صلى الله عليه وسلم لأن حليَّة غيرهن من الضرات وعدمها لا
يوجد من هو أشد اهتماما بهما منهن فهن صواحبات القصة وقد تقرر في علم الأصول أن
صاحب القصة يقدم على غيره ولعل هناك تفريق بين ما إذا كان صاحب القصة راويا وبين
كونه مستنبطا كقصة فاطمة بنت قيس في إسقاط النفقة والسكنى فالحجة معها والحديث
يؤيدها ومع ذلك فعمر يرد قولها. ولذلك قدم العلماء رواية ميمونة وأبي رافع أنه
صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال على رواية ابن عباس المتفق عليها أنه تزوجها
محرما لأن ميمونة صاحبة القصة وأبا رافع سفير فيها فإذا علمت ذلك فاعلم أن ممن
قال بالنسخ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "ما مات صلى الله عليه
وسلم حتى أحل الله له النساء". وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت:
"لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا
ذات محرم". أما عائشة فقد روى عنها
ذلك الإمام أحمد والترمذي وصححه النسائي في سننيهما والحاكم وصححه وأبو داود في
ناسخه وابن المنذر وغيرهم. وأما أم سلمة فقد رواه عنها ابن أبي حاتم كما نقله
عنه ابن كثير وغيره ويشهد لذلك ما رواه جماعة عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وجويرية رضي الله عنهما بعد نزول {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء}. قال الألوسي في
تفسيره أن ذلك أخرجه عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والعلم عند
الله تعالى. |
|
|
سورة سبأ |
|
|
قوله تعالى:{ وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ}. هذه الآية الكريمة على كلتا القراءتين قراءة ضم الياء مع فتح الزاي مبنيا للمفعول مع رفع {الْكَفُورُ} على أنه نائب فاعل وقراءة {نُجَازِي} بضم النون وكسر الزاي مبنياًًًًً للفاعل مع نصب {الْكَفُورَ} على أنه مفعول به تدل على خصوص الجزاء بالمبالغين بالكفر. وقد جاءت آيات أخر تدل على عموم الجزاء كقوله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} الآية. |
|
|
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: |
|
|
الأول: أن المعنى ما نجازي هذا الجزاء الشديد المستأصل إلا
المبالغ في الكفران. |
|
|
الثاني: أن ما يفعل بغير الكافر من الجزاء ليس عقابا في الحقيقة
لأنه تطهير وتمحيص. |
|
|
الثالث: أنه لا يجازى جميع الأعمال مع المناقشة التامة إلا الكافر
ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من
نوقش الحساب فقد هلك". وأنه لما سألت عائشة رضي الله عنها عن قوله
تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً
وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} قال لها ذلك العرض. و بيَّن
لها أن من نوقش الحساب لابد أن يهلك. |
|
|
قوله تعالى:{قُلْ مَا
سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ}
الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أنه صلى الله
عليه وسلم لا يسأل أمته أجرا على تبليغ ما جاءهم به من خير الدنيا
والآخرة. ونظيرها قوله تعالى: {قُلْ مَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}.
وقوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ
مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} في سورة الطور والقلم. وقوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ
شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} وقوله: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا
ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}. وعدم طلب الأجرة على التبليغ هو شأن الرسل
كلِّهم عليهم صلوات الله وسلامه كما قال تعالى: {اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} وقال تعالى
في سورة الشعراء: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} في قصة
نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وقال في سورة هود عن
نوح: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ
آمَنُوا} الآية. وقال فيها أيضا عن هود: {يَا
قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي}
الآية. وقد جاء في آية أخرى ما يوهم خلاف ذلك وهي قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى}. |
|
|
اعلم أولا أن في قوله تعالى: {إِلا
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أربعة أقوال. |
|
|
الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة
وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره
أن معنى الآية {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي إلا أن تودوني في
قرابتي التي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذي الناس كما تمنعون كل
من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم. وكان صلى الله عليه وسلم له في كل بطن من قريش
رحم فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد لأن كل أحد يوده
أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرا على
التبليغ لأنه لم يؤمن وإذا كان لا يسأل أجرا إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا
يسأل أجرا كقول النابغة: |
|
|
بهن فلول من قراع الكتائب |
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم |
|
ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم وهذا القول هو الصحيح في الآية واختاره ابن جرير وعليه فلا إشكال. |
|
|
الثاني: أن معنى الآية {إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي لا تؤذوا
قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب
وعلي بن الحسن وعليه فلا إشكال أيضا لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم
وأحرى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وفي الحديث: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا
أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وقال صلى الله
عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه". والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدا. وإذا كان نفس الدين يوجب
هذا بين المسلمين تبين أنه غير عوض عن التبليغ وقال بعض العلماء: الاستثناء
منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال. فمعناه على القول الأول لا أسألكم عليه
أجرا لكن أذكركم قرابتي فيكم وعلى الثاني لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني
فيهم. |
|
|
الثالث: وبه قال الحسن: {إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي ألا
تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه إلا بالطاعة والعمل الصالح وعليه فلا إشكال لأن
التقرب إلى الله ليس أجر على التبليغ. |
|
|
الرابع: {إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي ألا تتوددوا إلى
قراباتكم وتصلوا أرحامكم.ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن القاسم وعليه
فلا إشكال لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجرا على التبليغ فقد علمت الصحيح في تفسير
الآية وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال. وأما القول بأن قوله تعالى : {إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} منسوخ بقوله
تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ
لَكُمْ} فهو ضعيف والعلم
عند الله تعالى. |
|
|
سورة فاطر |
|
|
قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ} الضمير في قوله: {عُمُرِهِ} يظهر رجوعه إلى المعمَّر فيشكل معنى
الآية لأن المعمَّر والمنقوص من عمره ضدان فيظهر تنافي الضمير ومفسره. |
|
|
الجواب: أن المراد
بالعمَّر هنا جنس المعمَّر الذي هو مطلق الشخص فيصدق بالذي لم ينقص من عمره
وبالذي نقص من عمره فصار المعنى: لا يزاد في عمر شخص ولا ينقص من عمر شخص إلا في
كتاب الله وهذه المسألة هي المعروفة عند العلماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه
أي نصف درهم آخر. |
|
|
قال ابن كثير في
تفسيره: "الضمير عائد على الجنس لا على العين لأن طويل العمر في الكتاب وفي
علم الله لا ينقص من عمره إنما عاد الضمير على الجنس" .انتهى منه. |
|
|
قوله تعالى: {وَمَكْرَ السَّيِّئ} يدل على أن المكر هنا شيء
غير السيئ أضيف إلى السيئ للزوم المغايرة بين المضاف والمضاف إليه. وقوله تعالى:
{وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا
بِأَهْلِهِ} يدل على أن المراد بالمكر هنا هو السيئ بعينه لا شيء آخر
فالتنافي بين التركيب الإضافي والتركيب التقييدي ظاهر. والذي يظهر والله تعالى
أعلم أن التحقيق جواز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلفت الألفاظ لأن المغايرة بين
الألفاظ ربما كفت في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه كما جزم به ابن جرير في
تفسيره في غير هذا الموضع ويشير إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: |
|
|
حتما وإلا أتبع الذي
ردف |
وإن يكونا مفردين فأضف |
|
|
وأما قوله: |
|
معنى وأوِّل مُوِهماً
إذا ورد |
ولا يضاف اسم لما به
اتحد |
|
فالذي يظهر فيه بعد
البحث أنه لا حاجة إلى تأويله مع كثرته في القرآن واللغة العربية فالظاهر أنه
أسلوب من أساليب العربية بدليل كثرة وروده كقولنا هنا: {وَمَكْرَ السَّيِّئ} والمكر هو السيئ بدليل
قوله: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ}
الآية. وكقوله: {وَالدَّارُ الآخِرَةُ}
والدار هي الآخرة وكقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} والشهر
هو رمضان على التحقيق. وكقوله: {مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ} والحبل هو الوريد ونظيره من كلام العرب قول عنترة في
معلقته: |
|
|
بالسيف عن حامي الحقيقة
معلم |
ومشك سابغة هتكت فروجها |
|
فأصل المشك بالكسر السير الذي تشد به الدرع ولكن عنترة هنا
أراد به نفس الدرع وأضافه إليها كما هو واضح من كلامه لأن الحكم بهتك الفروج
واقع على الدرع لا على السير الذي تشد به كما جزم به بعض المحققين وهو ظاهر
خلافا لظاهر كلام صاحب تاج العروس فإنه أورد بيت عنترة شاهدا لأن المشك السير
الذي تشد به الدرع بل المشك في بيت عنترة هذا على التحقيق هو السابغة وأضيف
إليها على ما ذكرنا.وقول امرئ القيس: |
|
|
غذاؤها نمير الماء غير المحلل |
كبكر المقاناة البياض بصفرة |
|
فالبكر هي المقاناة على التحقيق وأما على ما ذهب إليه ابن
مالك فالجواب تأويل المضاف بأن المراد به مسمى المضاف إليه. |
|