|
|
|||
النادي
عند العرب
|
|||
|
لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني |
|||
|
المستشار في رابطة العالم الإسلامي بمكة |
|||
|
|
|||
|
|
|||
|
تقول العرب: النادي والندوة
والنديِّ والمنتدى وتريد: مجتمع القوم وأهل المجلس فيقع على المجلس وأهله ومنه
الآية الكريمة: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ
مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّا}؟ ومنه الحديث النبوي في قصة أم زرع
قريب البيت من النادي. واجعلني في الندِيّ الأعلى. أي: اجعلني مع الملأ الأعلى
من الملائكة. |
|||
|
ويجمع النادي على أندية وأنداء
ومنه: حديث أبي سعيد: "كنا أنداء فخرج علينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم". يريد كنا قوماً مجتمعين. |
|||
|
وتقول: نادى الرجل: جالسه في
النادي. وتنادوا: تجالسوا في النادي. وندوت القوم: جمعتهم في النادي. وندوت
وانتديت: حضرت النادي. وما يندوهم النادي أي: ما يسمعهم من كثرتهم. ومنه قول بشر
بن أبي حازم: |
|||
|
وما يندوهم النادي ولكن |
بكل مـحلة منهم فئـآم
|
||
|
والعرب عرفت النادي وبنت له
قصراً كانت تجتمع فيه لشؤونها الداخلية والخارجية وللمشورة في أمورها، ويحضره
ذوو الرأي والفكر فيهم. |
|||
|
بنى النادي وأقامه للعرب قصي بن
كلاب الجد الرابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتهر في التاريخ باسم دار
الندوة، فكانت قريش تجتمع فيها للرأي والمشورة، فما تنكح امرأة ولا يتزوج رجل
وما يتشاورن في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواءً لحرب قوم من غيرهم إلا في دار
الندوة. وفيها كانت قريش تقضي جميع أمورها، والعرب تبع لقريش في كل شيء. ولتكون
دار الندوة قريبة من الناس بنيت بلصق الكعبة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة. |
|||
|
ولم تكن قريش تسمح بدخول دار
الندوة إلا للرجال الناضجين عقلاً وتجربة أبناء الأربعين عاماً، إلا بنو قصي
فكانوا يدخلونها كباراً وصغاراً. |
|||
|
وفي حياة قصي كان أمر دار
الندوة بيده حلاً وربطاً، بيده جمع قريش وتوجيهها في الندوة للتشاور والتناظر وعقد
أمر وإبرام حرب أو سلام، كانت العرب تدين لقصي دينونة الناس للزعيم والحاكم ومن
أجل ذلك قال عنه شاعرهم: |
|||
قصي لعمري كان يدعى مجمّعاً
|
به جمع الله القبائل من فهـر
|
||
|
ثم صيّر قصي دار الندوة بعده
لولده عبد الدار وصيرها عبد الدار لولده عبد مناف وصيّرها عبد مناف لولده هاشم
ثم صيّرها هاشم لولديه: عمير وعامر. وبقي أمرها بيد سلالة عامر إلى أن ابتاعها
معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم من ابن الرهين العبدري سليل عامر بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. |
|||
|
فحوَّلها معاوية بعد تجديد
بنائها إلى منزل ينزل فيه إذا حج ثم بقيت منزلاً بعده للملوك بني أمية إذا حجوا. |
|||
|
وقد اقتطع من قصر دار الندوة بعد أن حول منزلاً للملوك بعض جهاته وضُم
إلى المسجد الحرام في الزيادة التي زادها فيه عبد الملك بن مروان وولداه الوليد
وسليمان الأمويون. |
|||
|
وفي أيام الدولة العباسية ضَم
جهاتٍ أخرى من قصر دار الندوة أبو جعفر المنصور العباسي إلى المسجد الحرام كذلك. |
|||
|
واكتفى
بنو العباس بالباقي من دار الندوة فاتخذوه منزلاً ينزلون فيه إذا حجوا كما فعل
بنو أمية قبلهم، فنزله منهم أبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور والمهدي
والهادي والرشيد. |
|||
|
وفي أيام الرشيد أهملت دار
الندوة فلم ينزلها ملك ولا خليفة واعتيض عنها بغيرها فتصدعت وخربت. |
|||
|
وفي أيام
المعتضد بن الناصر العباسي أمر بهدم الباقي من دار الندوة وبناها مسجداً موصولاً
بالمسجد الحرام وبنى لها في جوار الحرم اثني عشر باباً فاختلطت بالحرم وأصبحت
قسماً منه وفرغ من بنائها في ثلاث سنين فصلى الناس فيها واتسعوا بها وتم ذلك سنة
306هـ. |
|||
|
ومكان
دار الندوة من الحرم الوجه الشامي من الكعبة المشرفة ويقال: أن القسم الذي كان
يصلي فيه الإمام الحنفي. |
|||
|
قص ذلك
وحكاه الأزرقي والخزاعي وابن إسحاق وابن هشام والسهيلي والخشني والفاكهي والحنفي والفاسي وغيرهم في كتبهم في
السيرة النبوية وتاريخ مكة المكرمة. |
|||
|
والنادي
عند العرب ورثه المسجد حين جاء الله بمحمد والإسلام وأكرم الله بهما العرب
والناس، فورث محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي صلوات
الله وسلامه عليه وآله: من جده قصي فضم وظائفه للمسجد وأصبح بذلك النادي جزءاً
من المسجد وبعضاً منه في مهماته وأعماله. |
|||
|
فقام
المسجد في الإسلام مقام دار الندوة واستغنى عنها به ودخلت فيه دخول الخلية في
الجسم ودخول الفرع في الأصل فكان المسجد في الإسلام مسجداً للصلاة رُكعاً
وسجوداً وللعبادة ذكراً وتلاوة واعتكافاً، وجامعاً لاجتماع الناس والخطابة فيهم
كل جمعة، وعندما يحزبهم أمر. وجامعة للكبار لإلقاء العلوم وتلقيها، ومدرسة
للصغار للقراءة والكتابة، ونادياً لتناشد الأشعار والأدب والحديث والمذاكرة،
ومحكمة للقضاء والفتوى، ومعتقلاً للأسرى والخاطئين، وداراً للوفود، وملجأ
للفقراء، ومطعماً للمساكين، ودار سكنى ومنامة لمن لا أهل له، ومستشفى، وداراً
لعقد الزواج، ومصنعاً للسلاح، وبيت مال للمسلمين، ولقسمته بينهم ومآرب أخرى. |
|||
|
المسجد معبد لله وبيت من بيوته للصلاة والعبادة.
ومن هذه الوظيفة الرئيسية اتخذ اسمه: مسجداً {فِي
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ
فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}
{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ}. |
|||
|
والمسجد جامع يجمع الناس
للصلوات كل يوم وللخطابة كل جمعة وعندما يحزب الناس أمر هام؛ ومن هذه الوظيفة
الرئيسية الثانية اتخذ اسمه الجامع والمسجد الجامع. وكان عليه السلام إذا أراد
جمع الناس لما يهمه ويهمهم من أعمالهم أمر منادياً ينادي: الصلاة جامعة فيجتمعون
في المسجد لصلاة نهارية غالباً، فإذا انتهت الصلاة صعد المنبر عليه السلام
وخطبهم بما يريد آمراً أو ناهياً أو مرشداً أو موجهاً. |
|||
|
والمسجد جامعة للكبار لإلقاء
العلوم وتلقيها، فمنها تخرج علماء الصحابة: عمر وعلي وابن عمر وابن العباس وابن
مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأمثالهم رضي الله عنهم. |
|||
|
ومنها تخرج علماء التابعين:
سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وعطاء وعمرة بنت عبد الرحمن
وأمثالهم رحمهم الله. |
|||
|
ومن
جامعة المسجد تخرج الأئمة المجتهدون: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث
والأوزاعي وابن المبارك وابن جبير والسفيانان: الثوري وابن عيينة والحمادان: ابن
زيد وابن سلمة وأمثالهم رحمهم الله. |
|||
|
ومن جامعة المسجد تخرج علماء
العالم الإسلامي خلفاً بعد سلف في جميع العلوم شرعية ولغوية، دينية ودنيوية،
مدينة وعسكرية، ومكاتب الدنيا شاهدة على إمامتهم للعالم في كل علم وفن بما فيها
من عشرات الآلاف من الكتب لا يزال أكثرها لم تره آلات المطابع، ولم يستفد
بعجائبه وغرائبه ونوادره ناس هذا العصر. |
|||
|
والمسجد مدرسة للصغار لتعلم
القراءة والكتابة ومبادئ العلوم وحفظ القرآن الكريم، وكانت مساجد المسلمين في
المشرق والمغرب يتخذ جانب منها مدرسة ولا يزال هذا في المغرب الأقصى إلى الآن،
وفي قُراه وبَواديه يقال للمدرسة جامع وللجامع مدرسة كأن المسجد والمدرسة كلمتان
مترادفتان. |
|||
|
قال ابن حزم وغيره: والتعلم في
المسجد للصبيان وغيرهم مباح وفي الحديث النبوي عند أحمد في المسند وابن ماجة في
السنن: "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو
ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله". |
|||
|
قال
الشوكاني: في هذا الحديث الإرشاد إلى أن التعليم والتعلم في المسجد أفضل من سائر
الأمكنة. |
|||
|
وكان لرسول الله صلى الله عليه
وسلم حلقة في المسجد. ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي واقد الليثي: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ أقبل
ثلاثة نفر فأقبل اثنان وذهب واحد: فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها
وأما الآخر فجلس خلفهم فقال عليه السلام: ألا أخبركم عن الثلاثة: أما أحدهم فأوى
إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض
فأعرض الله عنه". |
|||
|
ونقل ابن بطال: الإجماع على أنه
يستحب عقد حلق العلم في المساجد. |
|||
|
والمسجد
نادٍ لتناشد الأشعار والأدب ودار للندوة والمذاكرة وقد تنصب فيه المنابر لذلك. |
|||
|
ففي صحيح الحاكم وسنن الترمذي
عن عائشة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينصب لحسان منبراً في المسجد فيقوم
عليه يهجو الكفار. |
|||
|
وعند البخاري ومسلم: مرّ عمر بن
الخطاب في المسجد وحسان بن ثابت ينشد فلحظ إليه عمر فقال حسان: كنت أنشد فيه
وفيه من هو خير منك – يعني رسول الله – ثم التفت إلى أبي هريرة وقال: أنشُدُك
بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يقول: "أجب
عني، اللهم أيده بروح القدس. قال: نعم". |
|||
|
وقد مدح
كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد بقصيدته الشهيرة التي
مطلعها: |
|||
|
بانت سعاد فقلبي اليوم متبـول |
متيم إثرهـا لم يفـد مكبـول
|
||
|
وما سعاد غداة البين إذ رحـلوا |
إلا أغن غضيض الطرف مكحول |
||
|
نجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت |
كأنه مُنهـل بالـراح معـلول |
||
|
هيفاء مقبـلة عجـزاء مدبـرة |
لا يشتكي قصر منـها ولا طول
|
||
|
إلى أن تخلص لمدح النبي عليه
الصلاة والسلام فقال: |
|||
|
إن الرسول لسيف يستضـاء به |
مهنـد من سيوف الله
مسلـول
|
||
|
وعند أحمد في المسند والترمذي
في السنن عن جابر بن سمرة شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة مرة
في المسجد وأصحابه يتذاكرون ويتناشدون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم
معهم. |
|||
|
والمسجد محكمة للحاكم وللفصل
بين الخصوم وإنهاء نزاعهم. |
|||
|
في صحيح
البخاري: تقاضى كعب بن مالك ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد فارتفعت
أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى
كشف سجف حجرته فنادى: يا كعب. قال: لبيك يا
رسول الله فقال: ضع من دَينك هذا وأومأ إليه أي: الشطر.
قال: لقد فعلت يا رسول الله. قال لابن أبي حدرد: قم
فاقضه. |
|||
|
وفي
الصحيحين: وقع الحكم بالتلاعن في المسجد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. |
|||
|
وقضى عمر بن الخطاب في المسجد. |
|||
|
وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان
في المسجد. |
|||
|
وقال مالك: جلوس القاضي في
المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به. |
|||
|
وقال ابن حزم: والحكم في المسجد
والخصام جائز. |
|||
|
ولسنوات خلت كانت جميع مساجد
المغرب الجامعة فيها غرفة تسمى: مقصورة القاضي فيها يحكم ويفصل بين الناس وفيها
يترافع إليه الخصوم. |
|||
|
أجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة
من أصحاب مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه
الناس لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. |
|||
|
والمسجد
معتقل للأسرى والخاطئين. في الصحيح بعث -صلى الله عليه وآله وسلم- خيلاً قبل نجد
فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أُثال فربطوه بسارية من سواري المسجد
وكان يمر به ثلاثة أيام في كل يوم يقول له: ما عندك يا ثمامة فيجيب: إن تقتل
تقتل ذا دم وإن تطلق تمنن على شاكر فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل
ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله. |
|||
|
وأبو لبابة بن عبد المنذر
الأنصاري ربط نفسه في عمود من المسجد النبوي تأديباً لنفسه حين استشارته بنو
قريظة وهم محاصرون من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في أن يستسلموا فأشار
بيده إلى حلقه: وأنه الذبح. وقال حين ربط نفسه: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله
عليّ مما صنعت. فقال عنه عليه السلام:" لو جاءني
لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بمطلقه من مكانه حتى يتوب الله
عليه". |
|||
|
وبعد ست ليال من ربط نفسه في سارية المسجد نزل قوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً
صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ}. |
|||
|
فبشرته أم المؤمنين أم سلمة
بذلك سحراً بعد الأذن النبوي وحاول ناس أن يفكوا رباطه فقال: لا. حتى يطلقني
رسول الله بيده. فلما مر عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام خارجاً إلى صلاة
الصبح أطلقه. |
|||
|
والمسجد
دار للوفود ومثابة لهم مسلمين وغير مسلمين. |
|||
|
قدم على رسول الله صلوات الله
وسلامه عليه وآله وهو بمكة نحو من عشرين نصرانياً من الحبشة وقيل: من نجران،
فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول
الكعبة، فدعاهم رسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الله عز وجل، وتلا عليهم
القرآن ففاضت أعينهم من الدمع واستجابوا إلى الله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه
ما كان يوصف لهم في الإنجيل من أمره. |
|||
|
وفيهم نزل قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ
آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ
مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا
سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. |
|||
|
وأنزل
عليه السلام وفد ثقيف في المسجد. |
|||
|
وعند البخاري عن أنس بن مالك:
قدم رهط من عكل على النبي صلوات الله عليه وآله فكانوا في صفة المسجد النبوي. |
|||
|
والمسجد دار ضيافة ففيه أضاف عليه الصلاة والسلام وفد ثقيف وعشيرة عكل
كما مر آنفاً. |
|||
|
والمسجد ملجأ للفقراء فكانوا
يسكنون الصفة من المسجد النبوي، والصفة موضع مظلل في المسجد كانت تأوي إليه
المساكين. |
|||
|
وعند البخاري عن أبي هريرة رضي
الله عنه رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء
قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه
بيده كراهية أن تُرى عورته. |
|||
|
والمسجد
مطعم للمساكين كان يقصده المحسنون بالطعام والتمور ليأكل منها المحتاجون
والمعوزون. |
|||
|
ففي دلائل
النبوة لثابت الأندلسي: أن النبي صلوات الله وسلامه عليه أمر من كل حائط –بستان –
بقنو يعلق في المسجد. يعني للمساكين. وكان معاذ بن جبل المشرف على حفظها
وقسمتها. |
|||
|
والعذق عرجون النخلة بما فيه من
الشماريخ ويجمع على عذاق. |
|||
|
وفي سنن ابن ماجة عن عبد الله
بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في المسجد الخبز
واللحم. |
|||
|
والمسجد دار سكن ومنامة لمن لا
أهل له ولا مسكن. |
|||
|
لقد مر آنفاً أن أهل الصفة
يسكنون المسجد وينامون فيه وعند الشيخين: كانت في المسجد النبوي وليدة آمة سوداء
معتقة لها خباء في المسجد تسكن فيه. |
|||
|
وعند
البخاري والنسائي وأبي داود وأحمد عن عبد الله بن عمر كنا في زمن رسول الله
صلوات الله وسلامه عليه ننام في المسجد ونقيل فيه ونحن شباب. |
|||
|
قال
الحافظ: يباح المبيت في المسجد وضرب الخيمة فيه لمن لا مسكن له من المسلمين
رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة. |
|||
|
وقال
ابن حزم: والسكن والمبيت مباح في المسجد ما لم يضق على المصلين. |
|||
|
والمسجد
مستشفى ودار للتمريض. |
|||
|
وعند الشيخين: أن سعد بن معاذ
لما أصيب في غزوة الخندق جعله عليه الصلاة والسلام في خيمة لامرأة من أسلم يقال
لها: رفيدة في المسجد النبوي كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كان
ضيعة من المسلمين. |
|||
|
والمسجد فيه يعقد النكاح ويعلن
ويحضره الناس. |
|||
|
وفي سنن الترمذي: أعلنوا النكاح
في المسجد. واحتج أبو عمرو بن الصلاح بهذا الحديث وقال: يستحب عقد النكاح في
المسجد. |
|||
|
وفي المغرب الأقصى لا يزال
المسجد هو المكان المفضل إلى اليوم لعقد الزواج وإعلانه بدعوة الناس إليه في
المسجد. |
|||
|
والمسجد مصنع لصنع آلات الجهاد
وإصلاحها. |
|||
|
حكى النووي عن بعض شيوخه: أنه
لا بأس بعمل الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات
الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عملها. |
|||
|
والمسجد بيت مال للمسلمين
ولقسمته بينهم. |
|||
|
ففي صحيح البخاري:
أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين وكان مائة ألف فقال عليه
السلام: "أنشروه في المسجد وكان أكثر مال أتى به عليه السلام فقسمه على
الناس في المسجد". |
|||
|
وللمسجد
مآرب أخرى في الإسلام ومنها: اللهو المباح واللعب بما يعد تدريباً ومراناً على
الحرب والقتال. |
|||
|
فعند البخاري ومسلم عن عائشة أم
المؤمنين: جاء حبش يزفنون – يرقصون – في المسجد في يوم عيد فدعاني رسول الله
فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم بالحراب حتى كنت أنا التي انصرفت. |
|||
|
قال ابن حزم: واللعب والزفن
مباحان في المسجد. |
|||
|
وقال الحافظ: لعب الحبشة في
المسجد ليس لعباً مجرداً بل فيه تدريب للشجعان على مواقع الحروب والاستعداد
للعدو. |
|||
|
ذكر كل ذلك أمهات كتب السنة
صحاحاً وسنناً ومسانيد وبين ذلك شراحها ابن حزم والحافظ والنووي وغيرهم. |
|||
|
ومنذ عهد بعيد في تاريخ
الإسلام، منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى عصر المسلمين هذا، أخذ المسلمون: خلفاء
وملوكاً رؤساء وأمراء شعوباً وأفراداً أخذوا يقيمون مؤسسات تخفف العبء عن المسجد
وتحمل عنه ومعه الكثير من وظائفه. |
|||
|
فشيدوا المدارس والجامعات
والمحاكم والمعتقلات ودور الضيافة والملاجئ والمستشفيات والمصحات ومصانع السلاح
وبيوت المال. |
|||
|
ومن ذلك أقاموا النوادي
للمحاضرات والمسافرات وتوجيه الناس ولتناشد الأشعار وتبادل الآراء وإحياء التراث
وإشاعته والاستفادة منه، والاستجمام من عناء المكتب وصخب الشارع ودوامة المتجر
وهدير المصنع، ولقاء الناس زملاء وأصدقاء، والتعرف بالناس والتعارف بينهم،
ولمآرب أخرى من استراحة مجهد من دار أو مكتب أو متجر. |
|||