طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أضواء من التفسير

للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة

 

 

قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ . وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ. إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ. وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}.

 

المناسبة:

لما ذكر أنه أهلك قبل قريش قروناً كثيرة لما كذبوا رسلهم، وهدد قريشاً وتوعدهم سرد هنا على سبيل الاستئناف بعض هؤلاء الهالكين، تقريراً لمضمون ما قبله وزيادة في تخويف الكفار وتهديدهم.

 

القراءة:

قرئ  "فواق" بفتح الفاء وبضمها.

 

المفردات:

"عاد" قوم هود وكانوا يسكنون الأحقاف جنوبي الجزيرة العربية. "الأوتاد" جمع وتد بكسر التاء وفتحها؛ وهو: ما رز في الأرض أو الحائط من خشب. "ثمود" قوم صالح وكانوا يسكنون الحجر. "قوم لوط" أهل سادوم وعامورة من دائرة الأردن. "الأيكة" الغيضة وهي الأشجار الملتفة المجتمعة. وهم قوم شعيب عليه السلام وكانوا يسكنون قرية مدين. "إن" بمعنى ما. "فحق" فثبت ووجب. "عقاب" الأصل عقابي أي عذابي. "ينظر" ينتظر. "هؤلاء" الإشارة لأهل مكة. "صيحة" أصل الصيحة الصوت بأقصى الطاقة والمراد هنا النفخة الثانية. "فواق" بفتح الفاء وضمها قيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع كقوله تعالى: {لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} وقيل من فواق يعني: من رجوع، من أفاق المريض: إذا رجع إلى صحته، وأفاقت الناقة تفيق إفاقة: إذا رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة: اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين. وقال الفراء: فواق بالفتح: الأفاقة والاستراحة كالجواب من أجاب، وأما المضموم فاسم لا مصدر. والمشهور الأول أنها بمعنى واحد. "قطنا" أي نصيبنا؛ فالقط: الحظ والنصيب كما قال الفراء. وأصل القط: القطعة من الشيء من قطَّه إذا قطعه، ويطلق على الصحيفة بالجائزة؛ لأنها قطعة من القرطاس ومنه قول الشاعر:

ولا الملك النعمان يوم لقيته  

بنعمته يعطي القطوط ويطلق

 

التراكيب:

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} استئناف مقرر لمضمون ما قبله، وتأنيث قوم باعتبار معناه وهو: أنهم أمة وطائفة وجماعة، وقوله: {ذُو الأَْوْتَادِ} أي صاحب الأوتاد. قيل: المراد أنه اتخذ أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يريد تعذيبه، وقيل معناه: ذو الملك الثابت، شبَّهَ ثبوت الملك بثبوت البيت المطنب بأوتاده ومنه قول الأفوه العوذي:

والبيت لا يبتن إلاّ على عمـد

ولا عماد إذا لم ترس أوتـاد

وكما قال الأسود بن يعفر:

ولقد غنوا  فيها بأنعم عيشـة

في ظل ملك ثابت  الأوتـاد

وقال ابن مسعود وابن عباس في رواية عطية: الأوتاد: الجنود يقوون ملكه كما يقوي الوتد الشيء. وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الأحْزَابُ} الظاهر أن الإشارة فيه راجعة إلى أقرب مذكور وهم قوم نوح ومن عطف عليهم، وفيه تفخيم لشأنهم، وإعلاء لهم على من تحزب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: هؤلاء الأقوياء لما كذبوا الرسل عوقبوا، وأنتم كذبتم كتكذيبهم مع أنكم أضعف منهم. ويجوز أن يكون( أولئك) مبتدأ والأحزاب خبره، والجملة بدل من الطوائف المذكورة. ويجوز أن تكون (أولئك) مبتدأ والخبر إن كل إلاّ كذب الرسل مع حذف العائد والتقدير أي: كلهم أو كل منهم والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها. وقوله: {إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ} يجوز أن تكون الجملة خبراً كما مرّ ويجوز أن تكون استئنافية لتقرير تكذيبهم على أبلغ وجه، وتمهيد ما عقب به، و(كل) مبتدأ و(إلاّ) استثناء مفرغ، وجملة (كذب) الخبر؛ أي: ما كل واحد منهم محكوماً عليه بحكم أو مخبراً عنه بخبر إلاّ بأنه كذب الرسل، لأن الرسل يصدق بعضهم بعضاً وكلهم متفقون على الحق، فتكذيب كل واحد منهم تكذيب لهم جميعاً، ويجوز أن يكون من مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي القسمة آحاداً، وعليه فالمعنى ما كل واحد منهم محكوماً عليه بحكم أو مخبراً عنه بخبر إلا بأنه كذب رسوله. والحصر -هنا- عل سبيل المبالغة؛ كأن سائر أوصافهم  بالنظر إلى ما أثبت لهم بمنزلة العدم، فيدل على أنهم غالون في التكذيب. ويدل على ذلك أيضاً تكرير

 التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، وتنويع تكريره بالجملة الفعلية ألا وهي كذبت وبالاسمية الاستئنافية ثانياً؛ وهي: إن كل إلا كذب الرسل، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التخصيص والتأكيد، فكل هذا يفيد أنواعاً من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العذاب وأبلغه ولذلك رتب عليه قوله تعالى: {فَحَقَّ عِقَابِ} وقد وقع عليهم عقاب الله تعالى الذي أوجبته جناياتهم مع تنويع أصناف العقوبات فأغرق قوم نوح بالطوفان، وغشى فرعون وقومه من اليم ما غشيهم، وأهلكت عاد بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة.

 وقوله تعالى: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاء} شروع في بيان عقاب كفار مكة بعد بيان عقاب أضرابهم من الأحزاب، فالمشار إليه بهؤلاء أهل مكة، والإشارة به لتحقير شأنهم وتهوين أمرهم، وقوله تعالى: {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} (ما) نافية ولها خبر مقدم و(من) حرف جرّ جيء به لاستغراق النفي، و(فواق) مبتدأ والجملة في محل نصب صفة لصيحة.

وقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} استئناف لبيان استهزائهم بالوعيد، وسخريتهم من التهديد، ولتقرير مضمون ما تقدم من وصف استكبارهم وعنادهم.

 

المعنى الإجمالي:

ليس تكذيب قريش لك غريباً في بابه، فريداً من نوعه، ولست أول من كذبه قومه، لقد جحدت أمة نوح عليه السلام رسالته، ومن بعدها عاد كذبوا هوداً، وثمود كذبوا صالحاً، وفرعون الجبار الشديد الأذى كذب موسى، وأهل سادوم وعمورة من دائرة الأردن كذبوا لوطاً، وأصحاب الغيضة أهل مدين كذبوا شعيباً، أولئك المتحزبون المتعصبون حقاً، ما وصفوا بغير تكذيب رسلهم وجحد رسالات ربهم، فأنزلت بهم عقابي، وأحللت عليهم غضبي، وهم أشد من أهل مكة قوة، وأكثر منهم جمعاً، فأغرقت قوم نوح بالطوفان، ودمرت فرعون غرقاً في اليم، وأرسلت على عاد ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، وأخذت ثمود صاعقة العذاب الهون، وجعلت عالي أرض سادوم وعمورة سافلها، وأرسلت عليهم حجارة من طين، وأخذ أصحاب يوم الأيكة عذاب يوم الظلة.

وما أنتم يا أهل مكة بخير من هؤلاء  وليس لكم براءة من الزبر، وما تنظرون إلا نفخة القيامة، تؤمنون لديها، وتحاسبون عندها، وتعاقبون فيها، العقاب الشديد الذي لا يخطر لكم على بال، ولا يمر منكم على خيال.

ولقد سخر هؤلاء الفجرة من هذا الوعيد الشديد، واستهزءوا بهذا التهديد، وقالوا: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-             تسلية النبي صلى الله عليه وسلم.

2-             كانت الأمم السابقة أقوى من أهل مكة.

3-             طغيان فرعون وشدة إيذائه للمؤمنين.

4-             أن تحزب السابقين هو التحزب.

5-             أخص صفات الكفار التكذيب.

6-             عقاب المكذبين في العاجلة.

7-             الإشارة بعدم استئصال أهل مكة.

8-             سهولة إحياء الموتى.

9-             الوعيد الشديد لأهل مكة.

10-         سخريتهم واستهزاؤهم بالوعيد.

قال تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالأشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}.

 

المناسبة:

لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة استخفاف أهل مكة بالوعيد وما تلفظوا به من قول ينم عن خبث طوية، مع تهديدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل كما روي في بعض روايات أسباب النزول، أمر الله نبيه في هذه الآية بالصبر على أذاهم.

 

القراءة:

والجمهور {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} بنصبها، وقرئ برفعهما.

 

المفردات:

{اصْبِرْ} احبس نفسك عن الجزع {دَاوُدَ} من مشاهير أنبياء بني إسرائيل وممن أوتوا الملك منهم. {الأيْدِ} مصدر آد الرجل يئيد وإياداً بكسر الهمزة إذا قوي واشتد ومنه قولهم: أيدك الله تأييداً. {أَوَّابٌ} رجاع يعني لمرضاة الله تعالى. {سَخَّرْنَا} أتبعنا.
{يُسَبِّحْنَ} ينزهن الله تعالى ويقدسنه بصوت يتمثل لداود عليه السلام فكان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح كما روي عن ابن عباس. {بِالْعَشِيِّ} قال الراغب: من زوال الشمس إلى الصباح. وقيل المراد هنا وقت العشاء الأولى يعني المغرب. {وَالأشْرَاقِ} وقت إضاءة الشمس وصفاء نورها، يقال: شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت وصفت. {مَحْشُورَةً} مجموعة إليه. {شَدَدْنَا} قوينا. {آتَيْنَاهُ} أعطيناه ومنحناه.
{الْحِكْمَةَ} النبوة وكمال العلم والإصابة في الأمور. {فَصْلَ الْخِطَابِ} البيان الشافي في كل قصد. وقيل: البينة على المدعي واليمين على من أنكر . وقيل: القضاء بين الناس بالحق وقيل كلمة أما بعد.

 

التراكيب:

قوله تعالى: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} تعليل لكونه ذا اليد، ودليل على أن المراد به القوة في الدين. وقوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ} استئناف مسوق لتعليل قوته في الدين، ويجوز أن يكون استئنافاً لبيان القصة أو التمهيد لها. وقوله: {مَعَهُ} متعلق  بسخرنا وجوز أن يتعلق بقوله يسبحن. وإنما قال: (معه) ولم يقل: (له) كما قال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ}؛ لأن تسخير الجبال له - عليه السلام- لم يكن بطريق تفويض التصرف الكلي فيها إليه كتسخير الريح لسليمان بل بطريق الإقتداء به والمشاركة في العبادة معه. وقوله {يُسَبِّحْنَ} في موضع نصب على الحال من الجبال، وقد وضع موضع مسبحات لإفادة الاستمرار التجددي وأنها يحصل منها التسبيح حالاً بعد حال. وقيل إن جملة يسبحن مستأنفة لبيان التسخير كأن سائلاً سأل: كيف كان تسخيرها ؟ فقيل يسبحن. وقوله {وَالطَّيْرَ} على قراءة النصب معطوفة على الجبال و {مَحْشُورَةً} حال من الطير والعامل سخرنا وإنما لم يؤت بالحال فعلاً مضارعاً كالحال السابقة أعني (يسبحن)؛ لأنه لم يُرد أنها تحشر شيئاً فشيئاً إذ حاشرها هو الله تعالى فحشرها جملة أدل على القدرة. وأما على قراءة الرفع فيهما فالطير مبتدأ ومحشوره خبره. وقوله: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} استئناف مقرر لمضمون ما قبله. وإنما وضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب هو التواب وهو الكثير في الرجوع إلى الله، ومن دأبه إدامة التسبيح والضمير في قوله: {لَهُ} قيل لله تعالى ومعناه: وكل من داود والجبال والطير لله تعالى كثير الرجوع مديم التسبيح. وقيل الضمير لداود؛ أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود أواب والأول أظهر. وقوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} مفيد أن الله تعالى جمع لداود عليه السلام بين كمال الفهم وكمال النطق.

 

المعنى الإجمالي:

لا تفزع يا محمد بسبب هذه المقالات المؤذية، ولا تجزع لما يتجدد من أمثالها، وتذكر قصة عبدنا الصالح التقي صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، لقد اتبعنا الجبال معه حال كونها تقدس الله تعالى بتقديسه وتجاوبه في تسبيحه، في طرفي نهاره، وكذلك أتبعنا الطير حال كونها مجموعة إليه، كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح، وقد قوينا سلطانه، وأعطيناه النبوة. ومنحناه كمال العلم، وتمام الفهم، وملكناه زمام الفصاحة.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-        الصبر على الأذى.

2-        التأسي بالصالحين.

3-        قوة داود في دينه ودنياه.

4-        كثرة رجوعه إلى الله.

5-        اتباع الجبال والطير له.

6-        كمال قدرة الله تعالى.

7-        تسبيح الجبال والطير بحمد ربها.

8-        قوة سلطان داود.

9-        نبوته وكمال علمه وثقوب فهمه.

10- فصاحته عليه السلام.