طباعة

 توثيق النص

 

 

 

صلاة الليل برمضان

للشيخ محمد الطاهر النيفر

الأستاذ في كلية الشريعة وأصول الدين بتونس

 

 

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل أكثر من إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره كما صرحت به عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن ذلك. ففي البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن سعيد العقبري أبي مسلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت:

"ما كان رسول صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي". وفي رواية مسروق رضي الله عنه أنه سألها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر". وروى الفجاج والنسائي وابن ماجة عن طريق إبراهيم بن الأسود عن عائشة أيضاً أنه كان يصلي بالليل تسع ركعات وفي رواية أخرى عنها من طريق هشام بن عروة أنها ثلاث عشرة ركعة.

والذي نجزم به للتوفيق بين هاته الروايات عنها أنها أدخلت ركعتي الفجر كما أخبرت بقولها ثلاث عشرة ركعة. ويرشد لهذا ما صرح به في رواية القاسم عنها من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صلاته بالليل عشر ركعات ثم يوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة.

وأما ما روي عنها من سبع وتسع فالجمع بينه وبين الروايات الأخرى أن ذلك كان في حالة كِبَرِهِ، وقد اختلفت الروايات من غير طريق عائشة ولا نرى في ذلك فائدة تذكر.

فالمقطوع به أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل حسب ما نقل عن عائشة وهي أعرف الناس به كانت إحدى عشرة ركعة داخل في ذلك الوتر، ثم يأتي بركعتي الفجر بعد ذلك وأما مقدار ما يجمعه بتسليمة واحدة فاختلفت الروايات في ذلك أيضاً ففي رواية  كان يسلم من كل اثنتين وفي رواية عائشة المتقدمة من كل أربع، وهناك روايات أخرى والمهم أنه كان لا يصليها في فور واحد بل ينام بعد كل تسليمة. ولا يعيد الوضوء عندما يقوم للمرة الموالية وكان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة والركوع والسجود أخذاً من قول عائشة السالف ( فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ).

وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل برمضان من ذلك قوله: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. إلا أنه لم يأمر بعزيمة في ذلك كما نقله ابن حبيب في النوادر وإنما كان الصحابة يقومون على الصفة التي رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بها ولم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم لها الناس فقد روى الأفقسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فصلى بالناس ثلاث ليال ولم يخرج في الرابعة، وتفصيل هذا في حديث البخاري الذي رواه في باب فصل من قام رمضان فقد روى عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل وصلى بالمسجد فصلى الناس بصلاته فأصبح الناس يتحدثون فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس يتحدثون فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. واختلف العلماء في تفسير (خشيت أن تفرض عليكم) وأظهر الوجوه ما ذكره العيني من أنه جرت العادة أن ما واظب عليه من القرب يفرض على أمته أو أن يقال إنه يخاف صلى الله عليه وسلم أن يظن أحد من أمته بعد انتقاله للرفيق الأعلى فرضية ذلك.

ويؤخذ من هذا أن الجمع في النوافل مشروع، كما يؤخذ من هذا أن النافلة تكون بالمسجد. وروى عن ابن القاسم أنه قال أحب إليّ أن يُتَنَفل نهاراً بالمسجد وليلاً بالبيت لاشتغاله في النهار، ولذا لو فقد ذلك كان بالبيت. ونقل عنه أيضاً أحب إليّ أن يتنفل الغريب بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ببيته. قال ابن رشد لأن الغريب لا يعرف وغيره يعرف وعمل السر أفضل.

وفي رواية أخرى عنه أكره سجود النفل بالمسجد خوف الشهرة. ومشهور مذهب المالكية أن الجماعة لا تطلب في النفل لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يتخذ الإنسان بيته كالقبر لا يغشاه إلا وقت النوم ويستثني من ذلك رمضان فقد اتفق الفقهاء على استحباب الجمع إلا ما كان مظنة للرياء وكلامنا في غير السنن كالعيدين وأما هي فتسن الجماعة فيها.

واستمر الصحابة على ما كانوا عليه قبل أن يخرج لهم النبي صلى الله عليه وسلم فكان منهم من يقوم بالمسجد ومنهم من يقوم بالبيت وكانوا يطيلون القراءة اقتداء بالرسول الأعظم حتى قال بعضهم كنا نقرأ في الركعة بالمئين أي من الآيات.

ويظهر أن هذا هو مأخذ الفقهاء في القول باستحباب القراءة بجميع القرآن لإمام التراويح في كامل الشهر واستمر عملهم بذلك بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في خلافة أبي بكر وردح من خلافة عمر قدره بعضهم بنحو السنتين وبعد ذلك رأى عمر أن يجمع الناس في نفل رمضان أي التراويح لما أُمِن فرضية ذلك. ففي صحيح البخاري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمة البدعة هاته، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.

قال الجوهري وأوزاع من الناس معناه: جماعة قلل، قال الخطابي: ولا واحدة من لفظه وهذا الاجتهاد من عمر يمكن أن يكون مأخذه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي الثلاث التي خرج فيها لما فيه من النشاط كما قاله ابن التين، ويستفاد من قوله ثم خرجت معه ليلة أخرى أن عمر كان لا يواظب عليها بالمسجد، ومذهب مالك أن صلاة التراويح يندب أداؤها بالبيت بشروط ثلاثة: ألا تعطل المساجد، وألا يخاف عدم النشاط، وألا يكون آفاقيا بالحرم وإلا فأداؤها بالمسجد أفضل وثبت أن مالكاً كان يصليها بالمسجد ثم عدل عن ذلك فرجع لصلاتها بالبيت وأخذ بعضهم من عمله هذا أن له قولين في الموضوع ويدل لمذهب مالك الذي رجع إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وهذا أخذ به أبو يوسف والشافعي أيضاً.

وقال الليث لو قام الناس في البيوت وعطلوا المساجد منه ( أي التراويح ) أجبروا على الخروج لأن قيام رمضان من الأمور التي لا ينبغي تركها.

وقريب من هذا ما نقل عن الطحاوي من قوله بوجوبها على الكفاية وقال ابن بطال بالسنية لأن عمر أخذها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتركها منه عليه السلام كان لخوف الافتراض وللشافعية في ذلك خلاف لا نطيل به وقيل جمع عمر الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وفي رواية أخرى جمع النساء على سليمان بن أبي جثمة ولعل ذلك تكرر من عمر.

واختلف في عدد الركعات التي جمع الناس عليها عمر وفي الموطأ أنها إحدى عشرة ركعة وروى هذا من وجوه أخرى. وروي عن زيد أن عمر جمع الناس على إحدى وعشرين ركعة يقومون بالمئين وينصرفون في بزوغ الشمس([1]) وفي رواية أخرى عنه ثلاث وعشرون ركعة ولا خلاف في الواقع بين هاتين الروايتين كما هو ظاهر.

ورأيت لبعض المحققين كلاماً يحصل به الجمع بين الروايتين المذكورين قال رحمه الله: دخل عمر المسجد فوجد الناس يصلون أفذاذاً فجمع الرجال على أبي بن كعب والنساء على تميم الداري وأمرهما أن يصلى بالناس إحدى عشرة ركعة بالوتر وكانوا يطيلون القراءة فثقل ذلك على الناس فخفف عمر رضي الله عنه في القراءة، وزاد في عدد الركعات، فبلغت ثلاثاً وعشرين بالوتر فكان يقرأ بالبقرة في ثمان ركعات وربما قرءوا بها في اثنتي عشرة ركعة.

هذا وقد اختار ما جرى عليه العمل في زمان عمر بعد التخفيف مالك وأبو حنيفة وأحمد واستمر عليه عمل المسلمين وتناقلوه خلفاً عن سلف إلى يومنا هذا. ولم يخالف ذلك إلا في زمان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقد أمر بجعلها ستا وثلاثين ركعة يضاف فيها ثلاثة للوتر، وذلك لما رأى الناس يطيلون القراءة وهو موجب للضرر والسآمة فأمرهم بتقصير القراءة وتعويض ذلك بالزيادة في عدد الركعات واختار هذا مالك في رواية المدونة ولنا بحث في هذا الموضوع يحسن التعرض إليه وهو أن الحديث المذكور عن عائشة يحسن أن يكون دليلاً لأبي حنيفة الذي يرى أن نافلة الليل الأفضل فيها أن تكون بأربع من غير فصل بسلام، كما تكون حجة للحنفية الذين يرون أن الوتر ثلاثة ركعات بتسليمة واحدة، قالوا لأن الظاهر من قول عائشة رضي الله عنها ( صلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن الخ .. ) ثم صلى ثلاثاً الخ .. إنها متصلة من غير فصل بثلاث، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل ثم قال ابن بطال بعد هذا وفي ذلك أيضاً رد على مالك رضي الله عنه.

ويظهر أن هذا الحديث لا يقوم حجة على مالك لا في المسألة الأولى ولا في الثانية لأن مسلماً رواه عن عائشة رضي الله عنها عن طريق يحي ابن يحي بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة، وروى مسلم أيضاً عن عائشة من طريق حرملة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعوها الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة، ولا شك أن روايات الحديث يفسر بعضها بعضاً فرواية البخاري فيها إجمال؛ لأنه قال: يصلي أربعة ثم يصلي ثلاثاً يحتمل أنها من غير فصل ويحتمل أنها مع الفصل، ولا نسلم أنه أظهر من الأول لأنا نقول أن عائشة إنما خصصت الأربع والثلاث بالذكر لأنه هو المقدار الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام بعد أدائه.

وإذا كان الحديث مجملاً فيتعين حمله على المبين كما هي القاعدة وليس في ذلك دليل لغير مالك ولا حجة عليه ويبقى حديث مسلم المذكور دليلاً لمالك فيما ذهب إليه. ومما يشهد له ما روي عن عمر من قوله: صلاة الليل مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة الحديث. ولابن رشد في بداية المجتهد كلام حسن جميل ينبغي مراجعته.

 

 



([1]) المشهور "الفجر" مكان الشمس انظر رواية الموطأ عن السائب بن يزيد رقم 248 "المجلة".