|
|
|
رحلة أدبية في ثنايا
الأحلام
|
|
|
بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري |
|
|
الطالب بالسنة الثالثة بكلية الدعوة وأصول الدين في
الجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
|
كنت في ليلة من ليالي الصيف
أقرأ كتاباً من كتب الأدب القديم، فكلما وفد النوم علي رددته بفصل من فصول
الكتاب الممتعة، حتى استسلمت في النهاية لسلطان النوم، والكتاب على صدري وهنا
ذهبت في رحلة مع الأحلام، وكانت رحلة أدبية ممتعة، لم يذهب بصفائها إلا قصر
الليل الذي تعود القصر في مثل هذه المناسبات .. |
|
|
وكان بدء الرحلة المنامية أن
ذهبت برفقة صفيّ لي تعودت وإياه عدم المفارقة. ذهبت برفقته إلى شيخ من شيوخ
الأدب القدامى، وكان زميلي على سابق معرفة به، وكان بدء الرحلة: أن قصدناه
فوجدناه جالساً في دكة جميلة بمنزله، فتأملته فإذا هو طويل القامة، واسع الجبهة
كأن عينيه من بروزهما قد ملّتا موضعهما من جبهته الواسعة مع طول السنين فبرزتا
لشم النسيم .. عليه وقار العلماء، وفطنة الحكماء، يقول عن نفسه: إنه أمضى من
سنين عمره ثمانين عاماً ولكن حواسه السليمة كلها تقريباً من سطوات الأيام لا تدل
على ذلك. |
|
|
والبسمة لا تفارق محياه رغم
جحوظ عينيه وبروزهما .. رحب بنا وأدنى مجلسنا وفوراً قام زميلي بتقديمي له
وتعريفه بي وزعم له أنني من هواة الأدب قديمه وحديثه .. وهنا تبسم بسمة الساخر
الذي يمنعه كرمه وحفاوته من الجهر بالسخرية والازدراء .. ولاحظت بادئ ذي بدء أن
ثمة وحشة قائمة بيننا وبينه بعامل السن. ولم نستطع مبادئته الحديث، فكأنه وجس ما
هجس – كما يقول الحريري – وبخفة روح منه بالغة وبسمة مشرقة استنار منها محياه،
وكأنه مصباح منير اتجه إلينا بكليته وجعل يلاطفنا بكلمات أرق من النسيم العليل. |
|
|
وكان أن سأل زميلي عن صلتي به
فكان جوابه له: |
|
|
أن نفترق نسباً يؤلف بيننـا |
أدب أقمناه
مقام الوالـد
|
|
أو نفترق فالوصل منا عذب |
مائة تحدر من غمام
واحد |
|
وهنا أدركنا سرور الشيخ بوجودنا
عنده من خلال أسطر البشر التي قرأناها على جبينه الناصع .. |
|
|
وقال: اعلموا أن الأدب لا يعترف
بشيء اسمه "سن" وإنكم على ما ترون من كبر سني لربما كنت أشب منكما
نفساً ..؟ |
|
|
وكانت كلماته هذه قد أزالت
بيننا وبينه كل حواجز التحفظ وقلت له: |
|
|
ولكن نفراً ممن ينتمون إلى
الأدب في زماننا قسموا الأدباء إلى قسمين: |
|
|
أ – أدباء شيوخ. |
|
|
ب – أدباء شبان. |
|
|
وهنا اعتدل في جلسته وقال:
اعلموا بنيّ أن هذا التقسيم غير علمي، ومبني على مغالطة لا تليق بمن ينتسب إلى
هذه النسبة الشريفة "الأدب". قلنا: كيف؟ قال: إن الأدب منحة إلهية
يمنحها من عباده أولي النفوس الشفاقة، والذوق السليم والحس المرهف، والنفس
العطوفة التي تتأثر بكل شيء. ترى الجمال فتصفه وصف الشاكر وترى الجرح فتأسوه بيد
الرحمة .. الأديب مصباح مضيء بالليل، هو جميل في نفسه بما فيه من الضياء الساطع،
وفتيلته المحترقة: قلبه؛ لأنه يعيش لغيره قبل نفسه .. وشاعر بالنهار بمشاكل جيله
فيضع لها الحلول المناسبة من واقع تجربته الذاتية .. هؤلاء هم الأدباء سواء
كانوا شيوخاً أربوا على المائة أم شباناً لا يزالون في عمر الزهور والرياحين..
والمغالطة المبينة على تقسيمهم الذي ذكرت هي: أن هذا الأديب "الشيخ
.." يفكر تفكير الشيوخ المحالين على التقاعد .. وأفكارهم ينبغي لها أن تحال
على التقاعد أيضاً .! |
|
|
وهذا الأديب " الشاب
.." يفكر تفكير الشباب الناضج المتفتح على الحياة والمثقف ثقافة خاصة، وهذا
هو مفهوم المخالفة – كما يقول علماء الأصول -. |
|
|
وسألناه: ما رأيك في الأدب
الغربي، والمحاولات التي تستهدف صبغة الأدب "العربي" بالصبغة الغربية
..؟ فأجاب: الأدب في كل أمة من الأمم شيء ضروري يعد من مستلزمات الحياة
الإنسانية فلا يمكن لأية أمة من الأمم أن تستغني عنه إلا إذا أمكنها الاستغناء
عن الغداء. ذلك أن الطعام والشراب هما قِوام الأبدان، وهما الطاقة التي تبعث
الدفء والحركة في أجسام الناس، والأدب في نفس المستوى إلا أن مهمته أنبل وأسمى
لأنه غذاء "الروح" وتأتي أفضليته من جهة: أن باقي الكائنات الحية
تشارك بني الإنسان في الاستمتاع بالأطعمة والأشربة، وينفرد بنو الإنسان عنها
"بالأدب". |
|
|
أنا لا أنفي ما يجوزه العقل،
ولا أثبت شيئاً لم يثبت حتى الآن بالنقل .. والأدب الغربي أدب غربي لأهله
الأوروبيين يلامس وجدانهم، وبالتالي هو جزء لا يتجزأ من بيئتهم يتذوقونه
ويرتاحون له كما يرتاحون لموسيقاهم التي هي في آذان بعضنا: صواعق منذرة بالويل
والثبور وعظائم الأمور .. |
|
|
فكذلك الأدب العربي، أدب عربي
من صميم بيئة العرب وواقعهم ومثلهم العليا، وتقاليدهم المثلى. أما محاولة صبغ
الأدب العربي بصبغة غربية فهي محاولة فاشلة؛ لأنها مجرد معاينة العربي لنوع أدبي
من هذا القبيل فإن نفسه الصافية، وفطرته السليمة تنفر من ذلك غاية النفور فيكون
ذلك بمثابة وأد لهذه الفكرة وهي بعد في مهدها .. |
|
|
قلنا: إذن أنت تعارض التجديد
وهي سنة من السنن الكونية التي تتم عن طريق تلاقي الأفكار، واتصال الأمم بعضها
ببعض ؟ |
|
|
فقال: أنا لا أعارض التجديد في
أي شيء وخاصة في الأدب .. إنّ التجديد كما تفضّلتُما سنة من السنن الكونية التي
ترافق بني الإنسان في سيرهم الطويل، والتطور والتجديد يكونان في كل شيء: في
العمران، وفي المواصلات، وفي المعيشة، وفي وسائل الثقافة والترفيه إلى آخر ما
هنالك .. |
|
|
والأدب وصف وتعبير للأشياء
المذكورة .. فكيف تتطور هي ويبقى هو جامداً ؟. ولكن بالله عليكما أخبرني
وأصدقاني القول: |
|
|
هل الأدب العربي لا يتطور إلا
من خلال ترجمة الأدب الغربي بكلمات عربية ؟. هل هكذا طور العرب الأندلسيون
"الأدب" من خلال احتكاكهم بغيرهم من الأمم ؟. أم بكذلك تطور الأدب
العربي في العصر العباسي نتيجة للاحتكاك بالفرس وغيرهم من الشعوب ؟. أم بهكذا
طور الأوروبيون أنفسهم ثقافتهم في عصور تَخَلُفهم – من جراء التقائهم بالثقافة
العربية التي تعتبر أصولاً لكثير مما يتبجحون به علينا اليوم ؟. |
|
|
ولما وصل الشيخ من الحديث هذه
النقطة دخل علينا غلامه قائلاً: بالباب رجل قال لي: "قل لسيدك عمرو بن بحر
الجاحظ .." فلما سمعت اسم عمرو بن بحر ذهلت، قفلت لصاحبي: محدثنا الجاحظ ..
صاحب البيان والتبيين ..؟ قال: نعم !! |
|
|
وهنا أيقظني صوت المؤذن: حي على
الصلاة، حي على الفلاح فقمت بعد الصلاة طبعاً بتسجيل ما دار بيننا وبين الجاحظ.
وإلى اللقاء ... |
|