طباعة

 توثيق النص

 

 

 

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب

لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

 المدرس بالجامعة

 

 

سورة "قد أفلح المؤمنون"

 

قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ}: لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من رجوع الضمير إلى الرب والضمير بصيغة الجمع والرب جلّ وعلا واحد.

والجواب من ثلاثة أوجه:

الأول: وهو أظهرها أن الواو لتعظيم المخاطب وهو الله تعالى كما في قول الشاعر.

ألا فارحمـوني يا إلـه محمـد

   فإن لم أكن أهلاً فأنت لـه أهـل

وقول الآخر:

وإن شئت حرمت النساء سواكم

    وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً   

الوجه الثاني: إن قوله ربّ استغاثة به تعالى وقوله ارجعون خطاب للملائكة  ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير عن ابن جريح قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا؟ فيقول إلى دار الهموم والأحزان؟ فيقول بل قدموني إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك فيقول: رب ارجعون"

الوجه الثالث: وهو قول المازني أنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه قال: رب ارجعني  ارجعني ارجعني. ولا يخلو هذا القول عندي من بُعدٍ والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} هذه الآية الكريمة تدل على أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، وأنهم لا يتساءلون يوم القيامة؛ وقد جاءت آيات أُخر تدل على ثبوت الأنساب بينهم كقوله {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} الآية... وآيات أُخر تدل على أنهم يتساءلون كقوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}.

والجواب عن الأول: أن المراد بنفي الأنساب انقطاع فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا من العواطف والنفع والصلات والتفاخر بالآباء لا نفي حقيقتها.

والجواب عن الثاني من ثلاثة أوجه:

الأول: أن نفي السؤال بعد النفخة الأولى وقبل الثانية وإثباته بعدهما معاً.

الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباته فيما عدا ذلك. وهو عن السدى من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

الثالث: أن السؤال المنفى سؤال خاص وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق لقنوطهم من الإعطاء ولو كان المسؤول أباً أو ابناً أو أمًّا أو زوجة. ذكر هذه الأوجه الثلاثة أيضاً صاحب الإتقان.

قوله تعالى: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ}. هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يزعمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا إلاّ يوماً أو بعض يوم وقد جاءت آيات أُخر يفهم منها خلاف ذلك كقوله تعالى:{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْراً} وقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ}._ والجواب عن هذا بما دل عليه القرآن؛ وذلك أن بعضهم يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وبعضهم يقول: لبثنا ساعة، وبعضهم يقول: لبثنا عشرا. ووجه دلالة القرآن على هذا أنه بَيَّن أن أقواهم إدراكاً وأرجحهم عقلاً وأمثلهم طريقة هو من يقول أن مدة لبثهم يوماً وذلك قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْماً} فدل ذلك على اختلاف أقوالهم في مدة لبثهم والعلم عند الله.

 

سورة النور

 

قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

هذه الآية الكريمة تدل على تحريم نكاح الزواني والزناة على الإعفاء والعفائف ويدل لذلك قوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} ...الآية، وقوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} الآية وقد جاءت آيات أُخر تدل بعمومها على خلاف ذلك؛ كقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} الآية وقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}.

والجواب على هذا مختلف فيه اختلافاً مَبْنِياً على الاختلاف في حكم تزوج العفيف للزانية أو العفيفة للزاني؛ فمن يقول (هو حرام) يقول: هذه الآية مخصصة لعموم وأنكحوا الأيامى منكم وعموم وأحل لكم ما وراء ذلكم.

والذين يقولون بـ(عدم المنع) وهم الأكثر أجابوا بأجوبة:

منها أنها منسوخة بقوله: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ}، واقتصر صاحب الإتقان على النسخ، وممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب والشافعي.

ومنها أن النكاح في هذه الآية: (الوطء) وعليه فالمراد بالآية أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلاّ زانية مثله أو مشركة لا ترى حرمة الزنا.

ومنها أن هذا خاص؛ لأنه كان في نسوة بغايا كان الرجل يتزوج إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا؛ لأن ذلك هو سبب نزول الآية. فزعم بعضهم أنها مختصة بذلك السبب بدليل قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ}... الآية، وقوله: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى}... الآية، وهذا أضعفها والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات}.

هذه الآية الكريمة نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- مما رميت به، وذلك يؤيد ما قاله عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم من أن معناها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء؛ أي فلو كانت عائشة -رضي الله عنها- غير طيبة لما جعلها الله زوجة لأطيب الطيبين صلوات الله وسلامه وعلى هذا فالآية الكريمة يظهر تعارضها مع قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} إلى قوله {مَعَ الدَّاخِلِينَ}، وقوله أيضاً {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْن}...الآية؛ إذ الآية الأولى دلت على خبث الزوجتين الكافرتين مع أن زوجيهما من أطيب الطيبين وهما: نوح ولوط -عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام-، والآية الثانية دلت على طيب امرأة فرعون مع خبث زوجها.

والجواب أن في معنى الآية وجهين للعلماء:

الأول: -وبه قال ابن عباس وروى عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك، كما نقله عنهم ابن كثير واختاره ابن جرير- أن معناها الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول؛ أي فما نسبة أهل النفاق إلى عائشة من كلام خبيث هم أوْلى به وهي أوْلى بالبراءة والنَّزاهة منهم؛ ولذا قال تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون} وعلى هذا الوجه فلا تعارض أصلاً بين الآيات.

الوجه الثاني: هو ما قدمنا عن عبد الرحمن بن زيد، وعليه فالإشكال ظاهر بين الآيات. والذي يظهر لمقيده -عفا الله عنه- أن قوله الخبيثاث للخبيثين  إلى آخره على هذا القول من العام المخصوص بدليل امرأة نوح ولوط وامرأة فرعون وعليه فالغالب تقييض كل من الطيبات والطيبين والخبيثات والخبيثين لجنسه وشكله الملائم له في الخبث أو الطيب مع أنه تعالى ربما قيض خبيثة لطيب كامرأة نوح ولوط أو طيبة لخبيث كامرأة فرعون لحكمة بالغة كما دل عليه قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} وقوله {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا} مع قوله {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} فدل ذلك على أن تقييض الخبيثة للطيب أو الطيبة للخبيث فيه حكمة لا يعقلها إلا العلماء؛ وهي: في تقييض الخبيثة للطيب أن يُبَيِّن للناس أن القرابة من الصالحين لا تنفع الإنسان وإنما ينفعه عمله ألا ترى أن أعظم ما يدافع عنه الإنسان زوجته وأكرم الخلق على الله رسله فدخول امرأة نوح وامرأة لوط النار كما قال تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}. فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن الاغترار بالقرابة من الصالحين والإعلام بأن الإنسان إنما ينفعه عمله ليس {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}... الآية كما أن دخول امرأة فرعون الجنة يعلم منه الإنسان إذا دعته الضرورة لمخالطة الكفار من غير اختياره وأحسن عمله وصبر على القيام بدينه أنه يدخل الجنة ولا يضره خبث الذين يخالطهم ويعاشرهم فالخبيث خبيث وإن خالط الصالحين كامرأة نوح ولوط والطيب طيب وإن خالط الأشرار كامرأة فرعون، ولكن مخالطة الأشرار لا تجوز اختياراً كما دلت عليه أدلة أخر.

قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا} لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من أن الضمير في قوله جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء؛ لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل، ومعلوم أن الصفة الإضافية لا تتقوم إلا بين متضائفين فلا تدرك إلا بادراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء ومفعول به واقع عليه المجيء وقوله تعالى {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا} يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: {جَاءَهُ} والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية؛ قال: فإن قال قائل: وكيف قيل {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا} فإن لم يكن السراب شيئاً فعلام دخلت الهاء  في قوله {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ ؟.} قيل إنه شيء يُرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفاً من بعيد والهباء، فإذا قرب منه دق وصار كالهواء وقد يحتمل أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه انتهى منه بلفظه.

والوجه الأول أظهر عندي وعنده بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه الخ...

قوله تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ}. هذه الآية الكريمة تدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- له الإذن لمن شاء وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} الآية يوهم خلاف ذلك.

والجواب الظاهر وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- له الإذن لمن شاء من أصحابه الذين كانوا معه على أمر جامع كصلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك كما بينه تعالى بقوله: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُم}. وأما الإذن في خصوص التخلف عن الجهاد فهو الذي بَيَّن اللهُ لرسوله أن الأوْلى فيه ألا يبادر بالإذن حتى يتبين له الصادق في عذره من الكاذب وذلك في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}. فظهر أن لا منافاة بين الآيات والعلم عند الله.

 

سورة الفرقان

 

قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}.

هذه الآية الكريمة تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار؛ لأن المقيل: القيلولة أو مكانها؛ وهي: الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وابن جبير؛ لدلالة هذه الآية على ذلك كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ورد في حديث انتهى منه مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة في قوله تعالى: {إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} والظاهر في الجواب أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك وقوله تعالى:{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} يدل بمفهومه أيضاً على أنه يسير على المؤمنين غير عسير كما دل عليه قوله تعالى : {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} وقال ابن جرير: حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن سعيداً الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وأنهم يتقلبون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس وذلك قوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، ومن المعلوم أن السرور يقصر به الزمن، والكروب والهموم سبب لطوله كما قال أبو سفيان بن الحارث يرثي النبي صلى الله عليه وسلم:

أرقت فبات ليلي لا يزول

 وليل أخي المصيبة فيه طول

وقال الآخر:

فقصارهن مع الهموم طويـلـة

وطـوالهـن مع السـرور قصـار    

ولقد أجاد من قال:

ليلي وليلي نفى نومي اختلافهما

في الطول والطول، طوبى لي لو اعتدلا

يجود بالطول ليلي كلما بـخلت

بالطول ليلي وإن جادت بـه بـخلا

 

ومثل هذا كثير في كلام العرب جداً. وأما على قول من فسر المقيل بأنه المأوى والمنزل كقتادة رحمه الله فلا تعارض بين الآيتين أصلاً؛ لأن المعنى على هذا القول أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مأوى ومنزلاً والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا}... الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أنهم يجزون غرفة واحدة وقد جاءت آيات أُخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} وكقوله: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}. والجواب:

 - أن الغرفة هنا بمعنى الغرف كما تقدم مستوفي بشواهده في الكلام على قوله تعالى:             {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُن}... الآية.

 - وقيل إن المراد بالغرفة: الدرجة العليا في الجنة وعليه فلا إشكال.

 - وقيل الغرفة الجنة سميت غرفة لارتفاعها.

 
سورة الشعراء
 

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}. هذه الآية تدل على أن قوم نوح كذبوا جماعة من المرسلين؛ بدليل صيغة الجمع في قوله المرسلين، ثم بين ذلك بما يدل على خلاف ذلك وأنهم إنما كذبوا رسولاً واحداً وهو نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بقوله: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ}... إلى قوله {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ}.

والجواب عن هذا: أن الرسل -عليهم صلوات الله وسلامه- لما كانت دعوتهم واحدة وهي: (لا إله إلا الله) صار مكذب واحد منهم مكذباً لجميعهم؛ كما يدل لذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقوله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. وقد بين تعالى أن مكذب بعضهم مكذب للجميع بقوله: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً}.

ويأتي مثل هذا الإشكال والجواب في قوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} إلى أخره. وقوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِح}.

وكذلك في قصة لوط، وشعيب على الجميع وعلى نبينا الصلاة والسلام.

 
سورة النمل
 

قوله تعالى أخباراً عن بلقيس: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}، يدل على تعدد رسلها إلى سليمان وقوله: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَان} بإفراد فاعل جاء، وقوله تعالى أخباراً عن سليمان أنه قال: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ} الآية يدل على أن الرسول واحد.

والظاهر في الجواب: هو ما ذكره غير واحد من أن الرسل جماعة وعليهم رئيس منهم فالجمع نظراً إلى الكل والإفراد نظراً إلى الرئيس؛ لأن من معه تبع له والعلم عند الله تعالى

وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا} الآية. هذه الآية يدل ظاهرها على أن الحشر خاص بهؤلاء الأفواج المكذبة، وقوله -بعد هذا بقليل-: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}. يدل على أن الحشر عام كما صرحت به الآيات القرآنية عن كثرة.

والجواب عن هذا: هو ما بينه الألوسي في تفسيره من أن قوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} يراد به الحشر العام، وقوله {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجا} أي بعد الحشر العام يجمع الله المكذبين للرسل من كل أمة لأجل التوبيخ المنصوص عليه بقوله: {قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، فالمراد بالفوج من كل أمة: الفوج المكذب للرسل يحشر للتوبيخ حشراً خاصاً فلا ينافي حشر الكل لفصل القضاء. وهذا الوجه أحسن من تخصيص الفوج بالرؤساء كما ذهب إليه بعضهم.

قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب} الآية. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الجبال يظنها الرائي ساكنة وهي تسير، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الجبال راسية، والراسي هو: (الثابت في محل) كقوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}. وقوله: {وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} وقوله: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ}. وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}.

     ووجه الجمع ظاهر وهو أن قوله {أَرْسَاهَا} ونحوه يعني في الدنيا، وقوله وهي تمر مر السحاب يعني في الآخرة بدليل قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَات} ثم عطف على ذلك قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ}... الآية. ومما يدل على ذلك النصوص القرآنية على أن سير الجبال في يوم القيامة كقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَة} وقوله: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}.

 
سورة القصص
 

قوله تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ}... الآية. الخطاب في قوله: {وَلَكَ} يدل على أن المخاطب واحد وفي قوله: {لا تَقْتُلُوهُ} يدل على أنه جماعة. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه.

الأول: أن صيغة الجمع للتعظيم.

الثاني: أنها تعني فرعون وأعوانه الذين هموا معه بقتل موسى فأفردت الضمير في قولها (لك)؛ لأن كونه قرة عين في زعمها يختص بفرعون دونهم وجمعته في قولها (لا تقتلوه)؛ لأنهم شركاء معه في الهمّ بقتله.

الثالث: أنها لما استعطفت فرعون على موسى التفت إلى المأمورين بقتل الصبيان قائلة لا تقتلوه معللة ذلك بقولها: {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}.

قوله تعالى: {فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا}. الآية. {لأهْلِهِ}: زوجته بدليل قوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} لأن المعروف أنه سار من عند شعيب بزوجته (ابنة شعيب)، أو غير شعيب على القول بذلك. وقوله: {امْكُثُوا} خطاب جماعة الذكور فما وجه خطاب المرأة بخطاب جماعة الذكور. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:

الأول: أن الإنسان يخاطب المرأة بخطابة الجماعة تعظيماً لها ونظيره قول الشاعر:

فإن شئت حرمت النساء سواكم

  وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً

الثاني: أن معها خادماً والعرب ربما خاطبت الاثنين خطاب الجماعة.

الثالث: أنه كان له مع زوجته ولدان له، اسم الأكبر منهما: (جيرشوم) واسم الأصغر (اليعازر). والجواب الأول ظاهر والثاني والثالث محتملان؛ لأنهما من الإسرائيليات والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} قد قدمنا أن وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أن الهدى المنفي عنه صلى الله عليه وسلم هو: منح التوفيق، والهدى المثبت له هو: إبانة الطريق.

 
سورة العنكبوت
 

قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ}  لا يعارضه قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} كما تقدم بيانه مستوفى في سورة النحل. (فأثقالهم): أوزار ضلالهم و(الأثقال التي معها) أوزار إضلالهم ولا ينقص ذلك شيئاً من أوزار أتباعهم الضالين.

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}. هذه الآية الكريمة تدل على أن النبوة والكتاب في خصوص ذرية إبراهيم، وقد ذكر في سورة الحديد ما يدل على اشتراك نوح معه في ذلك في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}.

والجواب: أن وجه الاقتصار على إبراهيم أن جميع الرسل بعده من ذريته وذكر نوح معه لأمرين:

 أحدهما : أن كل من كان من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح.

والثاني: أن بعض الأنبياء من ذرية نوح ولم يكن من ذرية إبراهيم؛ كهود وصالح ولوط ويونس على خلاف فيه، ولا ينافي ذلك الاقتصار على إبراهيم؛ لأن المراد من كان بعد إبراهيم لا من كان قبله أو في عصره كلوط عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.

 
سورة الروم
 

قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا}... الآية. هذا خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى: بعده{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} فقوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} الواقع على النبي -صلى الله عليه وسلم-  فتقرير المعنى: فاقم وجهك يا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- في حال كونكم منيبين إليه. وقد تقرر عند علماء العربية أن الحال إن لم تكن سببية لا بد أن تكون مطابقة لصاحبها إفراداً وثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً فما وجه الجمع بين هذه الحال وصاحبها؟ فالحال جمع وصاحبها مفرد.

والجواب أن الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يعمُّ حكمُه جميعَ الأمة؛ فالأمة تدخل تحت خطابه -صلى الله عليه وسلم- فتكون الحال من الجميع الداخل تحت خطابه -صلى الله عليه وسلم-. ونظير هذه الآية في دخول الأمة تحت الخطاب الخاص به -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} الآية. فقوله {طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} بعد يا أيها النبي دليل على دخول الأمة تحت لفظ النبي. وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}. وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه} ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} الآية. وقوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} ثم قال: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الآية. وقوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن} ثم قال: {وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ}. ودخول الأمة في الخطاب الخاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو مذهب الجمهور وعليه مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى خلافاً للشافعي رحمه الله.