طباعة

 توثيق النص

 

 

 

قول فلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية

الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف

 

 

المقدمة

إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد:

فإن الله عز وجل قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويهدي إلى صراط مستقيم.

وقد تنكبت البشرية طريق الهداية ووقعت في الغواية واستشرى فيها الفساد في نواحي كثيرة من مناحي حياتها، وكان من أكثر انحرافاتها خطراً وأعظمها جرماً انحرافهم في الله عز وجل، فقد ضل البشر عن ربهم ضلالاً بعيداً وجهلوه جهلاً شديداً أورثهم كثيراً من الضلالات والانحرافات.

وكان من أعظم مصادر ضلال البشر اعتمادهم على نظرهم القاصر وقياسهم الغائب على الشاهد، وقولهم على الله عز وجل بلا علم.

 وكان من حاملي لواء الضلالة في العالم الفلاسفة وروادهم في ذلك الضلال المتقدمون منهم وهم فلاسفة اليونان، الذين برزوا على الناس بدعوى النظر العقلي، والتدقيق في الأمور ،والمسائل المتعلقة بالإنسـان، ثم لم يكتفوا بذلك، حتى جادلوا في الله عز وجل بغير علم، ولم يكن ظاهراً أمـام أعينهم إلا الإنسان والمخلوقات المحيطة بهم، فقاسوا ما غاب عنهم على ما يشاهدونه، فكان ذلك من أعظم أخطائهم وغلطاتهم، ثم ما لم تسعفهم به عقولهم ونظرهم استلفوه واستلهموه من عقائد مجتمعهم، وما تربوا عليه في الأصل من الوثنيات والضلالات، فنتج عن ذلك كله مقولات في الله تبارك وتعالى هي من أفسد المقالات وأقبحها، وأكثرها بعداً عن العقل السليم، إلا أنها مع ذلك راجت على كثير من بني البشر لما لبست ثوب العلم والنظر العقلي.

ويبدو - والله أعلم - أنها راجت بفعل وسوسة الشيطان، وقابلية كثير من الناس لذلك، لما فيها من إرضاء غرور الإنسان وإعجابه بنفسه وذكائه، فيرى أنه توصل إلى علم مغيب عنه بحسن نظره وقوة ذكائه، فيتيه بذلك كبراً وغطرسة، ويجتهد في الدفاع عن قناعته الشخصية، التي هي أشبه بالزبد الذي لا يشفي ولا يروي.

فتأثر بتلك المقولات الفاسدة كثير من أتباع الأديان، فقد دخلت على اليهود وتأثروا بها كثيراً، وأثرت في معرفتهم لربهم وعبادتهم له عز وجل، كما دخلت بشكل أكبر على النصارى، حتى آل أمر الديانة النصرانية إلى مزيج فلسفي وثني، ضاعت معه معالم التوحيد والنور.

وكما هو معلوم، فإن كلا من الديانتين السابقتين قد انطفأ نورها واستحكمت الضلالة على أهلها، بما حرفوا وضيعوا من وحي الله وشرعه، إلا أن الله تعالى الرحيم الكريم لم يترك البشر ألعوبة بيد أهل الضلالة يلقنونهم الغواية تلو الغواية، وإنما أرسل من لطفه وكرمه نبيه الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم إلى بني البشر كافة، وأنزل معه الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ويتعرفوا على ربهم تبارك وتعالى المعرفة الصحيحة، التي تنير قلوبهم، وتشرح صدورهم وتزيح عنهم غشاوة الجهل والضلالة، وترفع عنهم إصرهم والأغلال التي غلهم بها الشيطان وحزبه من الفلاسفـة، وأضرابهم من الأحبـار والرهبان.

فأنار الله بالوحي المنزل أرجاء الدنيا، وأظهر للناس المقولة الحقة في الله تبارك وتعالى، فتعرفوا على ربهم من خلال ما أنزل في كتابه، وما بينه ودعا إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، فتحولت معرفتهم بربهم وحقوقه جل وعلا من رب فقير لا حول له ولا طول ولا قدرة ولا إرادة ولا حق له ولا جزاء عنده لمطيع ولا عقوبة لعاص، إنما هو تعالى عن قولهم معطل غاية التعطيل مجحود خلقه، ومكفورة نعمته، ومعزوة إلى غيره من العقول والنفوس والأوثان والأصنام، مشكور غيره من المربوبين والمخلوقين من البشر والأصنام ـ فتحولت معرفة الناس من تلك المعرفة التي أملاها عليهم الفلاسفة، ومن أخذ بقولهم إلى أن الله تبارك وتعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ذو الجلال والإكرام، ذو الجبروت والملكوت، حي لا يموت، قيوم لا ينام، الخالق الباري المصور السميع البصير العليم الحكيم، ذو العزة والانتقام، وذو الرحمة والإنعام، لا يخفى عليه من شؤون عباده شيء، ويدبر أمورهم ويتصرف فيهم، لا يشاؤون إلا ما شاءه لهم، ولا ينالون إلا ما قضاه لهم، وهو الغني ذو الرحمة، فما من نعمة إلا هو مصدرها، وهو رازقها والمنعم بها، وما من بلية إلا هو وحده القادر على رفعها ودفعها، له العبادة وحده، وله الشكر وحده دون من سواه، وهو المتفضل على من أطاعه بجنة عرضها السماوات والأرض يوم القيامة رحمة وفضلاً، وهو المنتقم ممن عصاه في نار وقودها الناس والحجارة عدلا.

فأشرقت الأرض بهذا العلم وهذا النور وهذه المعرفة، وثاب من شاء الله هدايته من الناس إلى ربهم، يعبدونه ويشكرونه، بعد أن عرفوه المعرفـة الصحيحة، وآمنوا به الإيمان الصحيح، وخلعوا عنهم ضلالات الجاهليـة وسخافاتها، واستمر هذا الحال بأمة الإسلام دهراً، إلى أن دب إليهم الداء الدوي، والشر المستطير، ألا وهو الإعراض عن الوحي، والإعجاب بالآراء والأهواء، فإذا بالطريق مطروق، والبضاعة موجودة، ألا وهي مقولات الفلاسفة، فتلقفها من المسلمين رديء الحظ، سيء النظر، ممن جهل ربه، وجهل دينه على تفاوت بينهم في مقدار الأخذ منها، فمنهم من استبدل الخبيث بالطيب، فأقصى وحي الله عز وجل، وأخذ بزبالة الأذهان، وحثالة المقولات، وجعلها أصلاً، ولم يقم لغيرها من وحي الله ونوره وزناً، وهؤلاء هم من يسمون (فلاسفة المسلمين) ويدخل فيهم الباطنيون وفلاسفة الصوفية أصحاب وحدة الوجود.

ومن المسلمين من أخذ بشيء من الفلسفة وترك شيئاً، فكان ما أخذه شر أقواله، وأخبث مقولاته، وهدم بـه ما قابله من نور الله ووحيـه، وهؤلاء هم (المتكلمون) من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، الذين أقاموا معرفتهم بالله عز وجل على قواعد فلسفية، مما ظنوا أنه لا يتعارض مع وحي الله وشرعه، وراحوا يحاولون التلفيق بين الوحي المنزل، وشرعة الفلاسفة وأنى يلتقيان:

 شتان بين مشرق ومغرب

ذهبت مشرقة وذهبت مغرباً

فصاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إلا أنهم أسعد حالاً من سابقيهم، بما عندهم من الوحي والشرع.

ولا شك أن أسعد الجميع حالاً من جعل شرع الله ووحيه هو إمامه وقائده وملهمه ومعلمه وموجهه، وهم سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن التزم بنهجهم وطريقهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ممن لم يرد عن الله بديلا، ولا عن شرعه تحويلا، وقد أيقن هؤلاء أن النور والحق والنجاح والفلاح في شرع الله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} النساء (122) {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} النساء(87) وأن ما عداه إنما هو وسواس الشياطين، ليس له نصيب ولا حظ من العلم والحق.

وفي هـذه الدراسة سنذكر قول الفلاسفة في التوحيد، ونبين بطلانـه بما يفتح الله عز وجل به من أوجه بطلان تلك المقالات، وإن كان يغني عن بيان بطلان الباطل سماعه، وذلك لأن مقالة الفلاسفة هي الأصل لسائر أقوال أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.

كما سنلقي قبل ذلك الضوء على مذهب السلف في التوحيد، حتى يتبين مقدار الفرق بين المقالتين، وما تضفيه مقالة الفلاسفـة على النفس من الظلمة والحرج، وما تكتسي به النفوس من النور والبهاء والراحة بتعرفها على ما جاء عن الله عز وجل وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم من توحيد الله تبارك وتعالى.

وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وفصلين:

الفصل الأول: تعريف موجز بمذهب السلف في التوحيد.

وفيه تمهيد ومبحث واحد في: بيان أنوع التوحيد الواجب لله عز وجل عند السلف

الفصل الثاني: قول الفلاسفة في التوحيد وفيه تمهيد ومبحثان:

أما التمهيد: ففيه تعريف الفلسفة والفلاسفة

المبحث الأول: قول ملاحدة الفلاسفة وبيان بطلانه.

المبحث الثاني: قول المؤلهة من الفلاسفة، وبيان بطلانه.

المطلب الأول: قولهم في وجود الله تعالى وصفاته، وبيان بطلانه.

المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون، وبيان بطلانه.

خاتمة: وفيها أهم النتائج .

 

الفصل الأول: تعريف موجز بمذهب السلف في التوحيد

تمهيد:

قبل أن نشرع في بيان عقيدة السلف في التوحيد يجدر بنا أن نعرف بمفردات مهمة:

أولاً - السلف:

السلف لغة: جمع سالف. وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل[1].

والسلف اصطلاحاً: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من أئمة الدين وأعلام الهدى، بخلاف من رمي ببدعة من الخوارج أو الشيعة أو الجهمية أو المعتزلة ونحوهم[2].

ثانياً - التوحيد:

التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد توحيداً، فهو موحد والواحد والأحد يدور معناه على الانفراد[3].

والتوحيد اصطلاحاً: هو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته واحد في ألوهيته وعبادته وحده لا شريك له.

فهذا التعريف يتضمن الإقرار والإيمان بأن الله واحد فرد من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعيه النصارى - تعالى الله عن ذلك.

وهو واحد في ربوبيته، لا خالق معه ولا متصرف ولا مدبر لشيء في هذا الكون غيره، إنما الكون كله خلقاً وتدبيراً وتصرفاً بيده سبحانه.

وواحد في أسمائه وصفاته لا مثيل له سبحانه.

وواحد سبحانه في عبادته لا شريك لـه في العبادة لا أولياء ولا وسطاء، وإنما العبادة له وحده لا شريك له.

ونشير هنا إلى أن السلف رحمهم الله لهم منهج واضح في الاستدلال على التوحيد وسائر مسائل العقيدة وتقريرها، ويمكن استخلاص هذا المنهج من كلام الآجري[4] رحمه الله؛ حيث قال في كتابه الشريعة: "باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله عنهم وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة رضي الله عنهم "[5].

ومثله قال شيخ الإسلام ابن تيمية[6] رحمه الله: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة"[7].

ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد"[8].

ومن خلال ذلك نستطيع أن نستخلص أن منهج السلف في الاستدلال على التوحيد يقوم على أربع قواعد هي:

1- الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها.

2- اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

3- عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء.

4- الحذر من البدع وأهلها.

فهذه القواعد هي عمدتهم في تقرير كل ما يتعلق بتوحيد الله تعالى، بل وجميع مسائل العقيدة والأمور الشرعية, وكل من نظر في كتبهم المصنفة في هذا الباب فإنه يجد الالتزام الواضح بهذه القواعد وتطبيقها في جليل المسائل ودقيقها.

مبحث في أنواع التوحيد الواجب لله عز وجل عند السلف

التوحيد هو رأس دعوة الرسل وغاية جهادهم وتبليغهم من لدن آدم عليه السلام إلى آخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله عز وجل {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}النحل(36).

وقال عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}الأنبياء(25).

وقد ذكر الله عز وجل عن سائر أنبيائه دعوتهم إلى التوحيد والتركيز عليه فهو البداية وهو الغاية.

وهذا التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء عليهم السلام وحققوه في أنفسهم وطلبوا من الناس تحقيقه هو توحيد الله بالعبادة، وهو وإن كان أحد أنواع التوحيد كما سيتبين إلا أنه أهمها وأعظمها ،والإقرار به متضمن للإقرار بما سواه والانحراف عنه هو ديدن بني آدم من المشركين والكفار، لهذا كان الاعتناء به والبداءة بتحقيقه أولاً قبل أي مطلب آخر هو منهج الأنبياء عليهم السلام.

وكما هو ظاهر فإن من أقر لله عز وجل بالألوهية وعبده دون غيره، فإن ذلك متضمن للإقرار له بالأسماء والصفات والربوبية كما سنبين.

وقد خلف الصالحون من كل أمة أنبياء الله عز وجل في الاستقامة على منهجهم ودينهم وطريقتهم، وخلف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في الإقرار لله بالتوحيد.

وهذا التوحيد على مذهب السلف ثلاثة أنواع هي: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية.

 

أولاً: توحيد الربوبية:

معناه، الإقرار بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لشؤون هذا الكون، والمتصرف فيه وحده، ليس له في ذلك ظهير ولا معين ولا شريك ولا مثيل.

ويصرح السلف بأن هذا النوع من التوحيد أدلته أكثر من أن تحصى أو تستقصى. ومن أهم هذه الأدلة وأظهرها: الفطرة.

والمراد بالفطرة لغة: الخلقة [9].

أما المراد بها هنا فهو: أن الله تعالى قد خلق البشر عموماً على الإقرار بربوبيته تعالى وتوحيده، ومن المعلوم أن الله جل وعلا قد فطر الناس على أشياء كثيرة عديدة، ومن ضمن ما فطرهم عليه الاقرار لله بالربوبية. وهذا هو الذي يفسر اتفاق البشر على الإقرار لله بالربوبية، ولم يخالف في ذلك إلا شواذ من البشر من الملاحدة، مثل فرعون ومن كان على شاكلته[10].

ويستدلون لهذا الدليل بأدلة عديدة، منها:

 قوله عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف(172).

وأخرج الإمام أحمد[11] بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعـاً: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني بعرفة ـ فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين "[12].

وكذلك حديث أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء "[13].

وحديث عياض بن حمار المجاشعي  رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا..."[14] الحديث.

فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق.

ولا شك أن ذلك من رحمة الله تعالى بخلقه ولطفه بهم، إذ غرس فيهم الإقرار بربوبيته، ولذلك فوائد عظيمة، من أهمها: أن عبادة الله تعالى لا تتم إلا بالإقرار بربوبية الله.

ومن المعلوم أن أعظم حقوق الله على عباده وواجباتهم نحوه هـو عبادته تعالى. فإذا كان دليل استحقاقها، وهو الربوبية حاضر في النفس مسلم به من العبد، سهل انقياده لهذا الأمر، وهو العبادة.

كما يستدل السلف على ربوبية الله عز وجل بما بثه جل وعلا في الكون من الآيات الظاهرة الباهرة القاهرة، التي تدل على ربوبيته دلالة واضحة صريحة، لا يغفل عنها أو يجحدها إلا أعمى البصر والبصيرة.

فإن السماء وما فيها آية عظمى دالة على عظمة خالقها وموجدها، وما بين السماء والأرض من الكواكب آيات واضحات ظاهرات، وفي الأرض آيات لا تحصى ظاهرة في جبالها وسهولها وأنهارها ومياهها وبحارها وهوائها وأشجارها وما بث فيها من دابة، وفي نفس الإنسان من الآيات ما لا يمكن رده وجحده بل الأمر كما قيل:

 تدل على أنه واحد [15]

وفي كل شيء له آية

 فهذه الدلائل الواضحـة الظاهرة هي دالـة على الله عز وجل، لمن كان في نفسه شك أو تردد، وإلا فالواقع أن الإقرار بالربوبيـة عام فطري، كما قال الرسل عليهم السلام {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إبراهيم(10)[16].

لهذا لا حاجة لتكلف الأدلة، لأن الواضح لا يحتاج إلى توضيح، والظاهر لا يحتاج إلى استظهار وكما قيل:

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل[17]

وتكلف الأدلة في ذلك كما هو شأن الفلاسفة ومن سلك منهجهم من المتكلمين وغيرهم إنما يمكن أن يصح في الاستدلال على القضايا الخفية، أما الأمور الظاهرة الواضحة المتفق عليها لا يحتاج إثباتها إلى تكلف دليل أو برهان.

ولا شك أن من رحمة الله عز وجل ولطفه بعباده أن جعل أدلة وبراهين ربوبيته فطرية ظاهرة، يؤمن بها ويدركها أقل الناس حظاً من العلم والنظر، بل إن الأدلة لوضوحها وظهورها تضطر الإنسان اضطراراً إلى الإيمان بخالقها وموجدها رباً وخالقاً.

وهذا الإقرار والاضطرار مهم غاية الأهمية، بل هو من رحمة الله عز وجل بعبيده وخلقه، لأنه ينبني عليه عبادة الله عز وجل، التي هي الغاية من خلق الإنسان، وهو سبيل نجاته، إذ لا نجاة للعبد بدون إخلاص العبادة لـه عز وجل، فلهذا جعل الدليل على استحقاقه للعبادة وحده دون سواه كونه سبحانه هو الخالق الرازق المالك، المتصرف وحده دون سواه، وذلك كله من رحمة الله ولطفه بعباده.

لهذا كثر في القرآن ربط الألوهية بالربوبيـة، ووجوب عبادة الله وحده، استناداً على وحدانيته في ربوبيته جل وعلا ،ومن ذلك قولهعز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}البقرة(21-22).

وقال {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}الأنعام(102).

وقال جل وعلا {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} النمل(60).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ربوبية الله عز وجل، والتي أقام الله عز وجل بها الحجة على المشركين، الذين يقرون بربوبيته سبحانه، وينكرون وحدانيته في العبادة، ويعبدون معه سواه.

 

ثانياً: توحيد الأسماء والصفات:

هو اعتقاد أن الله تعالى لـه الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة، التي لا يماثله فيها أحد.

والسلف يلتزمون من ذلك بما ورد في الكتاب والسنة، فمن نظر في كتبهم المصنفة مثل كتاب (السنة) للإمام أحمد، و(خلق أفعال العباد) للبخاري[18]، و(الرد على بشر المريسي)[19] للدارمي[20] و(السنة) لابن أبي عاصم النبيل[21] و(السنة) للطبري، و(الشريعة) للآجري، و(الرؤية) للدارقطني[22] و(الرد على الجهمية) لابن منده[23] و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي[24]، و(النزول) و(الصفات)، و(الرد على الجهمية)، و(عقيدة أصحاب الحديث) للصابوني[25]، و(الحجة في بيان المحجة) لأبي القاسم التيمي الأصبهاني[26]، وغيرها كثير، يرى الناظر فيها أنهم أثبتوا كل ما ورد في كتاب الله عز وجل من صفاته وما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما رووا في تلك الكتب روايات عديدة عمن تقدمهم من الأئمة والعلماء تحدد موقفهم ومنهجهم في صفات الله عز وجل.

من ذلك: ما روي عن الإمام أحمد أنه قال في الأحاديث"إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا "، و"أنه يضع قدمه " وما أشبه ذلك: "نؤمن بهـا، ونصدق بهـا، ولا كيف ولا معنى[27]، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما قاله رسول الله