طباعة

 توثيق النص

 

 

 

تاريخ المدارس الوقفية في المدينة النبوية

طارق بن عبد الله الحجار الأستاذ المشارك في كلية الدعوة في الجامعة

 

مقدّمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الخلق وخير من أوقف نبي الرحمة محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم السلام . يقول ربنا تبارك وتعالى : {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(البقرة/ 261)

رسول الرحمة الرؤوف الرحيم ويؤكد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل إلاّ الطيب فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل  "[1] .

من خلال هذا التوجيه المبارك اندفع المسلمون في عهده  صلى الله عليه وسلم  ومن بعدهم إلى مثل هذا العمل الفاضل فقد جاء عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي  صلى الله عليه وسلم  يستأمره فيها فقال يا رسول الله: " أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به ". قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث  "[2].

فمن أهمية الوقف في الإسلام، أنه نوع من أنواع الترابط والتكافل الاجتماعي وربط السلف بالخلف وخدمة طلاب العلم والعلماء وإعمار المساجد والبر بين أبناء المسلمين، فمن خلال التوجيهات القرآنية والأحاديث النبوية قام المسلمون فدفعوا أكارم وأنفس أموالهم لله تعالى ثم لأبناء المسلمين ولقد استفاد العالم الإسلامي ومازال في ظل هذه الصدقات الجارية لبناء المساجد ودور العلم والمكتبات والأربطة والمدارس الوقفية في معظم دول العالم الإسلامي .فحدود البحث في تاريخ المدارس الوقفية المنقرضة في المدينة النبوية من القرن السادس إلى ما قبل عام  1340ﻫ  .

ويهدف الباحث من دراسته إلى إبراز مكانة الوقف في التربية والتعليم في ظل تطبيق تشريع الدين الإسلامي الحنيف، وإلى التأكيد على أهمية مثل هذه المشاريع الحيوية التنموية بغية الاستمرار عليها حتى تستمر الروابط بين المسلمين وذلك من خلال مسح تاريخي شامل للمدارس الوقفية المنقرضة في المدينة المنورة سيدة المدن والأنموذج في الاستفادة من هذا النظام الإسلامي في الوقف  .

والمنهج المناسب الذي طبق هو المنهج التاريخي الوصفي الذي يعطي صورة واضحة عن مدى حجم الأوقاف التعليمية التي انقرضت في مدينة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  .

 

الدراسات السابقة :

تعددت الدراسات حول الوقف وأهميته وفوائده في المجتمع المسلم، إلاّ أن الباحث لم يتمكن من الاطلاع على دراسات ذات صلة مباشرة بموضوع دراسته الحالية . لكنه استفاد بدون شك من مجمل الدراسات التي عرضت للوقف أو لمست جانباً ممّا له علاقة بالمدارس الوقفية بدور الوقف في العملية التعليمية  .ومن أهمها بحوث الندوتين اللتين عقدتهما وزارة الشؤون الإسلامية بالمدينة المنورة ومكة المكرمة عامي 1419 و 1420ﻫ، حيث كان عنوان الأولى: المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية ، والثانية:  مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية   .

وسيعرض الباحث في الجزء التالي بعض الدراسات التي استفاد منها باختصار .

- دراسة الدكتور محمد بن عبدالرحمن الحصين التي كانت بعنوان : دور الوقف في تأسيس المدارس والأربطة والمحافظة عليها في المدينة المنورة قد عنيت الدراسة بجانب العمارة والتخطيط، كما عنيت بذكر الجانب التاريخي لبعض المدارس الوقفية بالمدينة المنورة، وقد استفاد الباحث في تحديد بعض أسماء المدارس الوقفية في المدينة المنورة  .

- دور الوقف في العملية التعليمية لعبد الله بن عبد العزيز المعيلي المقدم لندوة مكة المكرمة، الذي تحدث عن المجالات التعليمية التي شملها الوقف في العصور السابقة ومنها الوقف على المدارس، وقد ذكر الباحث عدداً منها مثل المدرسة الصالحية بمصر والظاهرية بدمشق والسعودية ببغداد ثم انتقل لبيان حال الوقف على المكتبات حيث ساهمت أموال الواقفين من تنمية تلك المكتبات وتزويدها بما تحتاجها ويحتاجه طلاب العلم المرتادون لها، مما كان له كبير الأثر في نشر العلم والتعليم . ومكن من تلك المكتبات ما هو كائن في مدن الشام والعراق والقاهرة إضافة إلى ما عرف منها في مكة المكرمة والمدينة المنورة .ولم يهمل الباحث الحديث عن الأوقاف المخصصة للمعلمين والمتعلمين . والجيد في هذه الدراسة ما تضمنته من تصور مقترح وآلية مناسبة لتفعيل دور الوقف في العملية التعليمية  .

- كما إن اطلاع الباحث على دراسة الدكتور/صالح بن سلمان الوهيبي، بعنوان: دور الوقف في دعم المؤسسات والوسائل التعليمية المقدم للندوة السالفة الذكر، أفاده في زيادة معرفته بمزايا الوقف على المؤسسات التعليمية ودوره في دعمها وزيادة فاعليتها في أداء واجباتها بالشكل الذي يحقق أهدافها . وقد خصص الباحث جزءاً من دراسته لإيضاح دور الوقف في توفير المباني التعليمية والوسائل التعليمية، حيث نادى بتخصيص جزء من ريع الوقف للاهتمام بهما وتمويل احتياجاتهما لأنهما من الجوانب الهامة في العملية التعليمية .

- ومن دراسات ندوة: مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية دراسة سليمان بن صالح الطفيل وعنوانها: الوقف كمصدر اقتصادي لتنمية المجتمعات الإسلامية، الذي حدد هدف بحثه بابراز اسهام الوقف في دعم الاقتصاد وتنمية المجتمعات الإسلامية، ومن أهم النتائج التي توصل إليها الباحث حاجة المجتمعات الإسلامية إلى إعادة الاعتبار الاقتصادي للوقف في عملية التنمية، وألاّ يقتصر الاستثمار في رأس المال فحسب، وإنما يتسع ليشمل الاستثمار في رأس المال البشري الذي يفيد أفراد المجتمع . كما يشمل الاستثمار في رأس المال الاجتماعي اللازم لمساندة التنمية ودفع مسيرتها  .

- ومن البحوث والدراسات التي تناولت جانب الافادة من البحث العلمي في خدمة الوقف، دراسة الدكتور ناصر بن سعد الرشيد الأستاذ بجامعة الملك سعود الذي أوضح في دراسته تسخير البحث العلمي في خدمة الأوقاف وتطويرها المقدمة لندوة مكة المكرمة، حيث أورد أسماء عدد من المدارس التي أوقف عليها كم كبير من الأموال والعقارات، وذكر أن منها مدرسة فيما وراء النهر كانت تسع ثلاثة آلاف طالب، ينفق على الدراسة فيها من أموال موقوفة لهذا الغرض .  

    وعلى كل فإن إفادة الباحث من ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية كان مجملاً وبشكل عام إذ لم تتضمن أبحاث تلك الندوة موضوع الدراسة بشكل مباشر، بل إن الجهد المتواضع الذي بذله الباحث في تقصي الدراسات السابقة حول موضوعه أبرز عدم توفر دراسات تتصل به  .

والباحث يسأل الله العظيم أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه، وما أصبت فمن الله وما أخطأت فمن نفسي.وفيما يلي عرض عن الوقف في الإسلام وأثره في المجتمع المسلم ثم عرض تاريخي وصفي للمدارس الوقفية في المدينة المنورة منذ القرن السادس الهجري وحتى سنة  1340ﻫ   .

 

الفصل الأول: الوقف في الإسلام 

أولاً- معنى الوقف لغة واصطلاحاً:

أ - المعنى اللغوي: الحبس يقال : "وقف الأرض للمساكين وقفاً، أي حبسها"[3].

ب- في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد معنى الوقف تبعاً لاختلافهم من حيث الشروط والأركان :

1-  المذهب الحنفي: حبس العين على حكم ملك الله والتصدق بالمنفعة[4]  .

2- المذهب الشافعي: تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، ويصرف في جهة خير تقرباً إلى الله تعالى[5]  .

3- المذهب الحنبلي:  تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة[6]  .

4- المذهب المالكي: جعل منفعة مملوك ولو بأجرة، أو غلقه لمستحقه بصيغة مدة ما يراه المحبس[7]  

ثانياً-  مشروعيته :

وقد دل على مشروعيته كل من:

1- القرآن الكريم: ورد في كتاب الله تعالى نصوص تحث وتدفع أتباعه على البذل والإنفاق وفعل الخيرات . والوقف إلاّ جزء من أعمال البر وفعل الخير قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}(آل عمران/92) .

ويقول جل من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ}(البقرة/67) .

2 - السنة النبوية : جاء في كتب السنة أحاديث متعددة تدل على مشروعية الوقف، فقد ورد عنه  صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاث إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "[8] .

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم : "وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظم ثوابه"[9] .

3- الإجماع : أجمع العلماء على مشروعيته، قال الرفاعي: "اشتهر إنفاق الصحابة على الوقف قولاً وفعلاً "[10]. كما قال الترمذي في حديث عمر رضي الله عنه الذي مرّ ذكره في المقدمة: "هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم وغيرهم، ولا نعلم بين المتقدمين منهم على ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرض وغير ذلك "[11] .

ثالثاً - الحكمة من مشروعيته :

الحكم في العبادات كثيرة ومنها على سبيل المثال :

1- الحكمة من الوضوء: قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}(المائدة/6) .

2- الحكمة من الصلاة: قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}(العنكبوت/45) . 

3- الحكمة من الصيام:قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة/183) .

وتكاليف الشريعة الإسلامية ترجع إلى حفظ مقاصدها في العبادة، والمقاصد ثلاثة أقسام :

1- ضرورية : فالضرورة معناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا .

2- حاجية: والحاجيات معناها أنها يفتقر إليها من حيث التوسع، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج، والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب  .

3- تحسينية: وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، والوقف لا شك أنه من التحسينات والوقف من هذا الجانب يتميز عن بقية الصدقات والهبات بأمرين :

الأول: الاستمرارية:

1- استمرارية الأجر والثواب وهذا هو المقصود من الوقف من جهة الواقف.

2- استمرارية الانتفاع به في أوجه الخير والبر، وعدم انقطاع ذلك بانتقال الملكية وهذا هو المقصود من الوقف من جهة انتفاع المسلمين به  .

الثاني: الاستقلالية : 

تعرضت الأمة الإسلامية في ماضيها إلى بعض الشدائد والمحن أدت إلى وقوع بعضها تحت سيطرة الأعداء، فكان الوقف الشرعي هو السبيل إلى استمرار الأعمال الخيرية واستقلالها حيث استمرت المناشط الدعوية والتعليمية والإغاثية والإنفاق على المدارس والمساجد والأربطة والمكتبات .

كما أن للوقف فوائد من الواقع الملموس والمشاهد أنه يؤدي إلى تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة الإسلامية، وفيه تحقيق لمصالح الأمة وذلك بتوفير احتياجاتهم ودعم تطورهم ورقيهم . كما أنه ربط الخلف بالسلف كما في قوله جل من قائل: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ. . .}(الآية الحشر/10) .

وفيه بقاء للمال وتكفير للذنوب وغير ذلك من المصالح الإنسانية .

رابعاً- أركانه وشروطه :

1- أركان الوقف :

هناك اختلاف في أركان الوقف بين الفقهاء وخلاصة القول الذي أميل إليه هو ما قاله النووي:" إن أركان الوقف أربعة: الواقف والموقوف والموقوف عليه والصيغة "[12].

وأما الألفاظ التي ينعقد بها الوقف، فقد قسمها الفقهاء إلى قسمين :

أ -  الألفاظ الصريحة:

وهي التي يدل عليها الوقف بدون قرينة لاستعمالها في هذا المعنى وهي الوقف والحبس والتسبيل  .

ب -  الألفاظ الكنائية :

وهي التي تحتمل معنى الوقف وغيره كلفظ الصدقة، والنذر فلا ينعقد بها الوقف إلاّ إذا اقترن بها ما يفيد معناه مثل  تصدقت صدقة موقوفة أو محبسة أو سبلة على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث[13]. 

2-  شروط الوقف : وهي شروط تتعلق بأركان الوقف كما يلي:

أ -  شروط الواقف:

يشترط في الواقف: العقل- البلوغ - الحرية -  الاختيار - ألاّ يكون محجوزاً عليه لسفه وفلس

ب -  الموقوف :

يشترط في الموقوف ما يلي: أن يكون معلوماً أن يكون ملكاً للواقف أن يكون في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها دائماً مع بقاء عينها  .

ج -  الموقوف عليه :

يشترط في الجهة الموقوف عليها ما يلي: أن يكون الموقوف عليه جهة بر أن يكون الجهة الموقوف عليها غير منقطعة  أن لا يعود الوقف على الواقف وفيه أقوال مختلفة، ذكرها الشيرازي [14]، ولموضوع الوقف من الجانب الفقهي مداخل وأبواب كثيرة لم يتطرق إليها الباحث لأنها من الأمور الخاصة بالفقهاء. بل اكتفى بأخذ ما يتناسب مع بحثه  .

من خلال ما تقدم وقفنا على المعنى اللغوي والاصطلاحي للوقف ومشروعيته والحكمة منه ثم أركانه وشروطه والفصل التالي من الدراسة يتناول أثر الوقف في المجتمع المسلم وذلك بعرض موجز للوقف قبل الإسلام ثم بعد ظهور الدين الإسلامي من خلال سرد بعض النماذج الوقفية  .

 

الفصل الثاني: أثر الوقف في المجتمع المسلم 

أولاً-  الوقف عند غير المسلمين :

لقد عرفت البشرية قبل الإسلام شيئاً عن الوقف، وقد ورد أن الوقف قد عرف عند الفراعنة في مصر إذ ذكر بعض المؤرخين أنه قد عثر على صورة وثيقة تبين أن والداً وهب ولده الأكبر أعياناً وأمره بصرف غلالها على إخوانه على أن تكون تلك الأعيان غير قابلة للتصرف فيها[15] .

كما عرف الرومان الوقف إذ ينسب لجستنيان إمبراطور الرومان أنه قال: "إن الأشياء المقدسة كالمعابد، والنذور، والهدايا، ومما يخصص لإقامة الشعائر الدينية لا تجوز أن تباع أو ترهن، ولا يجوز أن يمتلكها أحد"[16].

أما في العصر المتأخر فقد انتشر عند الألمان فكرة الوقف: على المعابد والكنائس، وحسب الإحصاءات التي نشرت فإن مدخرات الكنيسة في ألمانيا وميزانيتها في ازدياد، بل أنها تمثل أرقاماً عالية . فالأصل في الوقف عندهم أنه لا يباع ولا يوهب ولا تورث عينه وليس للمستحق فيه سوى المنفعة التي يتلقاها حسب ترتيب درجته في الاستحقاق[17] .

شهدت فرنسا انتشاراً في الأوقاف على دور العبادة والملاجئ والمدارس والمستشفيات حتى أنها شملت في القرن السادس عشر  في عهد لويس الثاني عشر  حوالي ثلث مساحة فرنسا .وعند قيام الثورة الفرنسية اعتبرت تلك الأوقاف ضمن أموال الدولة . إلى أن صدر قانون النظام الخيري الذي وفق بين فكرة الوقف الخيري وبين المصلحة العامة . ونتيجة لذلك فقد مكّنها من غزو معظم دول العالم بنشر معتقداتها وأنشطتها التبشيرية[18] .

الوقف عند الأمريكيين يتبع النظام الأمريكي نوعاً من التصرفات المالية يسمى The Trust   وهو عبارة عن: "إقامة أمانة خاصة بمال معين تلزم الذي يجوز هذا المال بعدة التزامات تهدف إلى استغلاله لفائدة طرق أخرى"[19] .

وقد أسهم مثل هذا الوقف بكثير من الأعمال ذات المصلحة العامة، ممثلاً في استغلال التبرعات واستثمارها لصالح الجهة المستفيدة التي لا يشترط أن تعين باسمها، بل يكفي أن تحدد بأوصافها: الفقراء، طلبة كلية معينة أو اليتامى وغير ذلك  .

هذا عرض موجز للأوقاف عند غير المسلمين قبل الإسلام وما بعده أما الوقف عند المسلمين وأهميته في المجتمع المسلم كما يلي :

ثانياً- تطور نشأة الوقف في الإسلام وانتشاره في الوقت الحاضر:

تطور الأوقاف لدى المسلمين في صورة لا نظير لها في أمم الأرض، فقد شهدت نمواً كبيراً إلى أن باتت ذات أثر رئيسي في كفاية ذوي الحاجات، وتنوعت مجالاتها، فلم تدع فئة من المجتمع تفتقر إلى العون إلاّ وشملتها بالعناية، يستوي في ذلك الأيتام والفقراء والمساكين والأرامل والمرضى والعجزة والمسنون والمعاقون وطلبة العلم وعابرو السبيل وغيرهم  .

نماذج وقفية عبر العصور:

1-  العصر النبوي:

يُرْوَى أن أول وقف في الإسلام كان صدقة الرسول صلى الله عليه وسلم  التي تمثلت في أراضي مخيريق اليهودي، الذي أعلن قبل معركة أحد أنه إذا أصيب فإن أمواله - وكانت سبعة بساتين بالمدينة - لمحمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله وقتل مخيريق في غزوة أحد، فأصبحت أمواله في عامة صدقات الرسول صلى الله عليه وسلم فأوقفها صلى الله عليه وسلم[20]

2-  عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين :

    الرعيل الأول رضي الله عنهم هم أكثر ترسماً لخطوات الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعة لهديه . فقد حبس أبو بكر الصديق  رضي الله عنه رباعاً له بمكة المكرمة وأوقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأرض التي أصابها بخيبر كما تقدم  .

وأوقف عثمان بن عفان رضي الله عنه بئراً التي اشتراها وأوقفها للسقيا. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أوقف بستاناً على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل والقريب والبعيد في السلم والحرب . كما أوقف الزبير بن العوام رضي الله عنه دوره على بنيه لا تباع ولا تورث ولا توهب .كما أوقف معاذ بن جبل رضي الله عنه داره التي تسمى دار الأنصار .كما تبعهم سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبدالله بن الزبير وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم  .

وتوالت أوقاف الصحابة رضي الله عنهم، وسار على نهجهم المسلمون في كل زمان ومكان ينفقون أموالهم تقرباً لله تعالى راجين رحمته وغفرانه والجنة  .

3-  عهد الأمويين :

لقد أمر الخليفة هشام بن عبدالملك بإنشاء إدارة للأوقاف بمصر، وكانت الأوقاف التي خصصت منفعتها للفقراء والمساكين آنذاك بأيدي واقفيها فتسلمها منهم القاضي توبة بن نمر تولى الاشراف عليها.  ثم تطورت إدارة الأوقاف حتى شملت الأراضي الزراعية والجوانب والبساتين مما أدى إلى اتساع نطاق الأحباس وجهات التصدق[21] .

4-  عهد المماليك :

نتيجة لكثر الأوقاف والأحباس في العهد المملوكي اضطرت إلى إنشاء دواوين للأوقاف منها ديوان أحباس المساجد، ديوان الأوقاف الأهلية، ديوان أحباس الحرمين الشريفين وجهات البر الأخرى كما أنشأ الفاطميون ديواناً عاماً للأوقاف بمصر[22].

5-  عهد العثمانيين :

حين تولى العثمانيون الحكم في البلاد الإسلامية، اتسع نطاق الوقف فيها وذلك بسبب إقبال السلاطين، وولاة الأمور وأسرهم والمحسنين على الوقف ومن أجل تنظيم الأوقاف وضبط مصارفها، أقام العثمانيون إدارات خاصة بها، استمر العمل بها في معظم البلاد الإسلامية بعد انحسار الدولة العثمانية[23] . 

6-  الدولة السعودية :

بعدما أتم الله الحكم للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- رحمه الله - وبعدما وحد الدولة وأقام حدود الله وشرعه على العباد، ومن أوّل ما اهتم به هو القضاء والاهتمام بالحرمين الشريفين والأوقاف وكان ذلك حين أصدر مرسوماً ملكياً كريماً في 27/12/1354ﻫ يربط إدارات الأوقاف وفروعها بمدير عام مقره مكة المكرمة، وتلى ذلك تنظيمات كثيرة كلها ترمي إلى الإصلاح من وضع الأوقاف في البلاد حتى تتم الفائدة المنشودة[24] .

ما تقدم موجز عن تطور الوقف عبر العصور الإسلامية منذ العهد النبوي المبارك وإلى العهد السعودي الميمون. وفيما يلي عرض لأثر الوقف على متطلبات حياة المسلمين  .

ثالثاً- الوقف وتنمية الحياة الاجتماعية في المجتمع المسلم :

لقد أسهم الوقف في المجتمعات الإسلامية في إنماء كثير من أمور حياتهم الاجتماعية والدينية والتعليمية . فقد أنشئت بأموال الواقفين مدارس ومعاهد متنوعة مجانية بل وتعطي مخصصات ومساعدات لأسر المتعلمين فيها وخصوصاً تعليم القرآن الكريم والحديث الشريف وعلوم الشريعة والعلوم المساندة وإقامة المستشفيات التي تعالج المرضى لوجه الله  .

كما عنى الواقفون بوقف الكتب للمكتبات العامة، والمكتبات المدرسية، وفي أروقة المساجد، التي أسهمت بحظ وافر في نشر العلم وبث المعرفة المنبثقة من الكتاب والسنة والعلوم الشرعية الأخرى بين مختلف طبقات أفراد الأمة كباراً وصغاراً ذكوراً وإناثاً وافدين ومقيمين . واتسعت المجالات وتعددت حتى شملت المجالات التالية :

1-  المجال الديني :

ويتمثل ذلك جلياً في إنشاء المساجد وتوسعتها وإضاءتها وفرشها والقائمين على نظافتها حتى أن هناك وقفاً اسمه وقف الكناسين للمسجد النبوي الشريف ناظره اليوم الشيخ عبدالفتاح بن أسعد حجار  .

والمساجد في الإسلام لها تاريخ عريق ومشرق وخصوصاً من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده ثم الدولة الأموية والعباسية والعثمانية حتى اليوم نرى الاهتمام بالحرم المكي والحرم المدني في عهد الدولة السعودية والتوسعة الرائعة الأخيرة ما هو إلاّ دليل على اهتمام أولياء أمور المسلمين ببيوت الله في أرضه وخلقه  .

ولو تتبعنا التاريخ الإسلامي للمساجد لوجدنا أن أول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قباء ثم المسجد النبوي الشريف ثم مساجد الكوفة والبصرة والمسجد الأموي ومسجد القيروان وابن طولون وكثير جداً من أمصار العالم الإسلامي[25] .

2- المجال التعليمي :

أ - الأربطة : كانت في بدايتها تستعمل للجند لحراسة الثغور في معظم الدول الإسلامية وبمرور الزمن ومع إقبال الناس على المرابطة، أضافت تلك الأربطة إلى وظيفتها الجهادية العسكرية وظيفة التدريس والتأليف من قبل العلماء والفقهاء المرابطين فيها، وقد حظيت باهتمام المسلمين فكثر الواقفون عليها . وخلال القرن الثالث والرابع الهجريين ازدهرت الأربطة بسبب ما وقف عليها أهل الخير من الإمداد. فقصدها طلاب العلم من كل صوب لطلب العلم ومما ساعد على ذلك وجود السكن والاعاشة 

ثم أخذ بعض العلماء والمشايخ والفقهاء يقيمون بها فوفد إليها من يتلقى عنهم العلم والفنون المختلفة بها . ولم تكن الربط خاصة بالرجال بل للنساء ففي عام 684 ﻫ، أنشئ رباط السيدة زينب في مصر[26] .

ب- الخوانق : كلمة فارسية الأصل بمعنى البيت وتبنى على هيئة مسجد بدون مئذنة، يحيط بها عدد من الغرف، مخصصة لاستقبال الفقراء وعابري السبيل لإقامتهم بها وقد رتب فيها العلماء والمشايخ دروساً في مختلف العلوم وخصوصاً القرآن والسنة والفقه الإسلامي  .

ج- الزوايا : أصغر حجماً من الخانقاه وتقام على الطرق والأماكن الخالية أو في أحد زوايا المسجد وكان هناك من يقف عليها وعلى مرتاديها من الفقراء وعابري السبيل، ويخصص لها مدرس لتدريس القرآن الكريم والعلوم الشرعية المختلفة

د- الخلوة : سميت بذلك لأن المعلم يخلو بطلابه. وكان يدرس بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وعلوم الشريعة المختلفة . ويكثر استخدامها في الدول الإسلامية في إفريقيا، وخاصة السودان الذي أنشئت فيها منذ القرن التاسع الهجري وما تزال قائمة حتى الآن[27] .

ﻫ- الكتاتيب الموقوفة : الكتاتيب هي المؤسسة التي تعنى بتعليم المبتدئين من الصبيان . والقرآن الكريم والقراءة والكتابة ومبادئ علوم الدين . ولما كان تعليم الأولاد يعد أمراً شرعياً وواجباً دينياً تقع مسؤولية القيام بع على عاتق الآباء  . 

تولي أولياء الأمور والمحسنون من المسلمين أمر إنشاء الكتاتيب والانفاق عليها وشارك في هذا الفضل المعلمون الذين كانوا يقومون بمهنة التدريس احتساباً، وخاصة في العهد الأول للإسلام  .

ثم انتشرت الكتاتيب العامة الموقوفة بعد ذلك عبر العصور حتى أصبح الكتَّاب في بلاد ما وراء النهر يضم الأطفال اليتامى والفقراء والمساكين حتى أصبح كتَّاب الضحاك بن مزاحم عام 105ﻫ يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف طفل . كما أصبحت بالشام كتاتيب موقوفة لتعليم أبناء المسلمين حول الجامع الأموي بدمشق . ثم تلا بعد ذلك الكتاتيب في مصر وفي عهد المماليك ثم الدولة العثمانية وخصوصاً الكتاتيب التي أقامتها في مكة المكرمة والمدينة المنورة [28]، حتى جاء عهد الملك عبدالعزيز فتم الاستغناء عنها بالمدارس النظامية المجانية  .

و- المدارس الوقفية : ظهرت المدارس نتيجة للنمو العلمي ومواكبة متطلبات العصر وبصفة عامة للوقوف أمام التيارات الفكرية والإلحادية والعقيدة المنحرفة  .

والمدارس عبارة عن مؤسسات تعليمية مستقلة اختير للتدريس فيها العلماء الأكفياء وطلابها متفرغون ووقفت لهم المصروفات والإعاشة والانفاق فضلاً عن الدراسة والعلاج .ومن ضمن أشهر المدارس :

1- المدرسة النظامية: التي أسسها الوزير نظام الملك عام 459ﻫ في بغداد .

2- المدرسة النوريةلتي أسسها نور الدين زنكي بالشام [29].

كما انتشرت المدارس الموقوفة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ويأتي الحديث عن المدارس الوقفية في المدينة النبوية في الفصل الثالث .

3- المجال الثقافي المكتبات : المكتبات وسيلة لنشر الثقافة والعلوم المختلفة، وقد عرفت المكتبات عبر العصور بأسماء عديدة مثل :

خزانة الكتب -بيت الحكمة - دار العلم - دار الكتب  -  دور الحكمة وبعضها كان في المساجد والمدارس والمستشفيات[30] . فالمكتبات انتشرت في الأمصار المختلفة وخصوصاً في العراق والشام ومصر.

4- المجال الصحي البيمارستانات :

كلمة فارسية معناها المستشفى وهي أماكن للعلاج ودراسة الطب للمسلمين . ولقد كانت خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم  في غزوة أحد والخندق أول مكان لعلاج المصابين وكانت رفيدة رضي الله عنها قائمة بخدمة المصابين ومن بينهم سعد بن معاذ  رضي الله عنه  .

    ثم توالى انتشار مثل هذه المستشفيات عبر العصور الإسلامية . من بداية عهد الوليد بن عبدالملك عام 88 ﻫ حتى عصرنا الحاضر[31] .

5- المجال الاجتماعي : قد نشط الوقف في الإسلام حتى سد حاجة المجتمع الاجتماعية التي تحتاج إليها مختلف فئات المجتمع ومن هذه :

أ - وقف لختان الأولاد اليتامى  .

ب- وقف لرعاية الغرباء  .

ج - الأوقاف لتزويج الفقيرات والمكفوفين والمعوزين  .

د - وقف للقرض بدون فائدة  .

ﻫ -  وقف السبل والآبار  .

    فالوقف في الإسلام أسهم في تقديم الخدمات التي تحتاجها المجتمعات الإسلامية وقد اجتهد المسلمون في تلمس الاحتياجات وسد الثغرات في الحياة الاجتماعية في المجتمعات المسلمة  .

للوقف في الإسلام مكانة في التنمية والتطوير، كما يمتاز بالشمولية والحكمة والتوازن . فالإسلام وضع أصولاً وقواعد رئيسية لتنظيم الحياة الاقتصادية بين الأفراد والجماعات، وهي أصول تقوم على العدل والبعد عن المخادعة وأكل أموال الناس بالباطل خلافاً للمفهوم عند غير المسلمين  .

ويمكن تلخيص أهم آثار الوقف فيما يلي :

1- الإسهام في حفظ الأصول المحبسة من الاندثار  .

2- حفظ أجزاء من أعيان الأموال لنفع الأجيال القادمة  .

3- نفع المستحقين بإعانتهم على تلبية حاجاتهم  .

    وخلاصة القول أن الوقف منهج متكامل دينياً وتعليمياً واجتماعياً واقتصادياً انفرد الإسلام بتشريعه والحث عليه لذا نجد معظم الأوقاف الخيرية اهتمت بتعليم الإنسان المسلم من خلال دور العلم عبر القرون . وفي الفصل التالي سوف نخصص الحديث عن المدارس الوقفية في المدينة النبوية  .

 

الفصل الثالث: المدارس الوقفية في المدينة النبوية

في هذا الفصل قام الباحث بمراجعة المراجع القديمة والمصادر الحديثة لكي يجد ما يسد موضوع البحث، غير أن المراجع القديمة لم يكن فيها ما يسد الغليل لأن المراجع جميعها لا تذكر سوى طرفٍ من تاريخ المدارس، لعلّ ما وصل إليه الباحث يحقق الهدف من البحث  .

كما قام الباحث بوصف ما وصل إليه من المعلومات عن المدارس الوقفية منذ القرن السادس الهجري وحتى ما قبل عام  1340ﻫ  .

وجميع هذه المدارس انقرضت إماّ بالضم أو التحويل أو بوفاة صاحبها أو انتقال الملك من أمة إلى أمة أخرى لأن هذه الفترة من بداية العهد المملوكي إلى نهاية حكم الأشراف بالمدينة المنورة وبعض ما بقي منها الآن تحول إلى مدارس لتحفيظ القرآن الكريم بنفس المسمى تحت إشراف الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة، أو رباط لسكنى المساكين  .

يتعذر تعيين تاريخ محدد للمدارس الوقفية بالمدينة النبوية، غير أن أول من ذكرها في قاصر علم الباحث هو المؤرخ محمد بن أحمد المطري توفي عام 741ﻫ، حي أورد اسم المدرسة اليازكوجية والشهابية[32]، كما ذكر زين الدين أبي بكر المراغي 728 816ﻫنفس المدرستين في تاريخه[33] .

أضاف عبد الله بن محمد فرحون المالكي في كتابه عن تاريخ المدينة المنورة 693 769ﻫ المدارس التي كانت في أثناء إقامته بالمدينة المنورة وهي:

المدرسة الشهابية،