طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ظاهرة المد في الأداء القرآني دراسة صوتية للمدة الزمنية للمد العارض للسكون

إعداد : د. يحيى بن علي المباركي

الأستاذ المشارك في  كلية الآداب في جدة

 

 

المقدّمة

يحاول هذا البحث - بطريق التجريب والتطبيق - أن يقف - بدقة - على المدة الزمنية لصوت المد فيما يعرف بالمد العارض للسكون الذي رأى القراء أنه يجوز مده بمقدار حركتين وأربع وست حركات، وقد استطاع هذا البحث أن يتعامل - بدقة - مع هذا المقدار الزمني المعطى لصوت المد الذي قدره علماء القراءات بالحركة في ضوء حساب الآلة المقدر بجزء من عشرة آلاف من الثانية، وذلك في قراءة أربعة من القراء المجيدين المعاصرين. وقد قسم هذا البحث: إلى قسمين رئيسين:

1. قسم نظري: اشتمل على مقدمة عن المد العارض للسكون وأوجهه وأحكام كل وجه منه، والمقدار الذي يجوز مده عند علماء القراءات.

2. قسم تجريبي تطبيقي: قام على إدخال نص من القرآن الكريم (هو سورة هود - عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم) كلها برواية حفص عن عاصم بن أبي النجود مقروءة بأصوات أربعة من القراء هم على الترتيب (الشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد - يرحمهم الله جميعا - والشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - أمد الله في عمره -) إلى المعمل الصوتي (Sona  - Graph  Model   5500  )  وذلك بهدف الوقوف - بجلاء – .

3 على المتوسط العام للمدة الزمنية محسوبة بجزء من عشرة آلاف من الثانية للمد العارض للسكون في الآيات القرآنية التي وردت في السورة المذكورة في السياقات الأدائية التي تعرض لصوت المد في هذا النوع من المدود في الأداء.

4. أهداف البحث: يتكون النظام الصوتي لأصوات اللغة العربية وسواها من اللغات المنطوقة من دعامتين أساسيتين:

1. فونيمات قطعية (Segmental Phonames) ويقصد بها الصوامت والصوائت في اللغة.

2. فونيمات فوقطعية (Supra Segmental ) وتشتمل على الفواصل والنبرات والنغمات، وهي ظواهر غير واضحة في أبجديتها ولكنها متصلة ومصاحبة للنطق والأداء[1]، وحينما نتكلم فإننا لا نصدر أصواتا أو فونيمات قطعية ذات أصوات مفردة منعزلة لأن الكلام - في أدائه الصحيح حسب نظام أصوات اللغة المنطوقة - مكون من سلسلة من الأصوات المتعاقبة المتتابعة التي يأخذ بعضها بحجز بعض في تناسق وترتيب دقيقين حتى ليخال للمتأمل في النشاط الكلامي الإنساني أن وضع حواجز وحدود واضحة ودقيقة بين مقطع أو صوت وآخر في النشاط الأدائي للكلام أمر بالغ الصعوبة ذلك لأن المتكلم بأصوات لغته الأم أثناء كلامه يصبغ فونيمات اللغة القطعية جميعها بألوان لا تحصى من الفونيمات الفوقطعية[2] جميعها كالضغط على بعض المقاطع الصوتية دون بعض أو علو درجة الصوت وموسيقاه أو انخفاضهما وكذا اختلاف مواطن الفصل والوصل بين الوحدات الصوتية المتتابعة وكل ذلك يساعد المتكلم والمتلقي  على:

أ. إبراز المعاني وتجليتها: لعل من أهم وظائف الفونيمات الفوقطعية في اللغة أنها تعمل على إيضاح كثير من المعاني التي لم يسطع المتكلم بيانها والإفصاح عنها في أحيان كثيرة من خلال أنظمة اللغة الأخرى كالصوامت والصوائت …إلخ،  وأي إخلال بهذه الطرق الأدائية التي يقتضيها نظام اللغة أو بعضها أو اللحن فيها يؤدي إلى صعوبة فهم المعنى المراد من الكلام أو تعذره، وإذا كان ما يحدد وظيفة الفونيم في اللغة هو قدرته على تغيير المعنى سواء أكان فونيما قطعيا أم فوقطعيا[3] فإننا نرى أن معرفة مواطن  الفصل والوصل (الوقف و الابتداء) مما يعين على فهم المراد من الكلام و لا يتم إدراك المعاني إلا به فربما وقف المتكلم قبل تمام المعنى ولا يصل ما وقف عليه مما بعده حتى ينتهي إلى ما يصح أن يقف عنده وعندئذ لا يفهم هو ما يقول ولا يفهمه السامع بل ربما يفهم من هذا الوقف معنى آخر غير المعنى المراد وهذا في الكلام العادي فكيف إذا كان ذلك فيما يتعلق بفهم كتاب الله الكريم والوقوف على مراد الله تعالى به، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها - مثلا - أن يقرأ أحدهم قوله تعالى: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فيقف على {الظَّالِمِينَ}. أو أن يقرأ أحدهم قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} فيقف على {وَإِذَا غَرَبَتْ}.

 ب. أهمية الوقفة (المفصل) بين أجزاء الكلام: - ولأن الوقفة تغير أحيانا المعنى وقد تضيف معاني أخرى فقد أدرك القدماء من المهتمين بفنون القول والمعنيين بطرق الأداء فيه من الخلفاء والخطباء والكتاب وأئمة القراء ما للوصل والفصل في اللغة العربية من أهمية في تغير المعنى فحضوا على تفقد مواطنه من الكلام، وأوجبوا على القارىء لآي القرآن الكريم معرفة الوقف والابتداء لما جاء في ذلك من الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة البلاغة وأصحاب البيان فقد ثبت أن الإمام عليا كرم الله وجهه لما سئل عن قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} قال: الترتيل معناه تجويد الحروف ومعرفة الوقوف[4]. وما رواه ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضي الله عنها حين سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} - ثم يقف - {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} - ثم يقف - وكان يقرأ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[5]، وفي رواية أخرى قالت: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. يقطع قراءته آية آية[6]. وروى الحافظ ابن الجزري - رحمه الله - قول ابن عمر رضي الله عنهما: لقد  عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على النبي صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلا لها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها. ويعلق على ذلك ابن الجزري - رحمه الله -: ففي كلام علي رضي الله عنه دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفي كلام ابن عمر برهان على أن تعلمه إجماع من الصابة رضي الله عنهم …[7]، وقال معاوية رضي الله عنه: قم يا أشدق عند قروم العرب وجحاجحها فسل لسانك وجل في ميادين البلاغة وليكن التفقد لمقاطع الكلام منك على بال فإني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى على علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتابا وكان يتفقد مقطع الكلام كتفقد المصرم صريمته. ونسب إلى الأحنف بن قيس أنه قال: ما رأيت رجلا تكلم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضي الله عنه[8]. وصح بل تواتر - كما يقول الحافظ ابن الجزري (رحمه الله) - عند أهل الأداء وأئمة القراءة تعلم الوقف والابتداء والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين وصاحبه الإمام نافع بن نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود وغيرهم من الأئمة[9]. وقال يزيد بن معاوية: إياكم وغيركم من أن تجعلوا الفصل وصلا فإنه أشد وأعيب من اللحن … وكان أكثم بن صيفي إذا كاتب ملك الجاهلية يقول لكاتبه: افصلوا بين كل منقض معنى، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض… ونسب إلى أبي العباس السفاح قوله: قف عند مقاطع الكلام وحدوده وإياك أن تخلط المرعي بالمهمل ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل… وقال المأمون: إن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلئ بلا نظام … وسئل الفارسي ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. ونسب إلى المأمون أيضا قوله: ما أتفحص من رجل شيئا كتفحصي عن الفصل والوصل في كتابه. ومما قاله الحسن بن سهل لكاتبه الحراني لما سأله ما منزلة الكاتب في قوله وفعله: أن يكون مطبوعا محنكا بالتجربة عالما بحلال الكتاب والسنة وطريقها وبالدهور في تداولها وتصرفها والملوك في سيرها وأيامها مع براعة اللفظ وحسن التنسيق وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة وشرح المعنى حتى تنصب صدورها بمقاطع الكلام ومعرفة الفصل من الوصل فإذا كان ذلك فهو كاتب مجيد … والقول إذا استعمل آلته واستتم معناه فالفصل عنده[10].

 يتبين لنا - بوضوح - من هذه النصوص وغيرها مما لا يعدم الباحث وجودها إن طلبها في مظانها من الكتب والمصادر القديمة - اهتمام المشتغلين بفنون القول - عامة - والمعنيين بأداء الكلام العربي - حسب ما تقتضيه أنظمة الأداء في اللغة العربية - بهذه المسألة اللغوية وذلك لما للوصل والوصل من أهمية في تغير المعنى، ومن ثم اعتنى بعلم الوقف والابتداء وتعلمه والعمل به المتقدمون والمتأخرون من أئمة أهل الإقراء فأفردوه بالتصنيف الخاص به منهم الإمام أبو بكر بن الأنباري والإمام أبو جعفر النحاس والحافظ أبو عمرو الداني والحافظ ابن الجزري وابنه العلامة الشيخ أحمد المعروف بابن الناظم وشيخ الإسلام أبو زكريا الأنصاري والعلامة المحقق الشيخ أحمد بن عبد الكريم الأشموني وخلق غير هؤلاء - رحمهم الله أجمعين -[11]. والأصل في الوقف السكون. أما الروم والإشمام فلبيان الحركة التي هي للحرف وقد أخفاها السكون[12]، والملاحظ من جهود هؤلاء القدماء أن جل اهتمامهم كان منصبا على خدمة القرآن الكريم ولهذا نجدهم اجتهدوا في وضع علامات الوقف الواجب والجائز والممتنع في المصحف الكريم وقسموه إلى: وقف اختياري واضطراري[13] لأن الكلام إما أن يتم أولا، فإن تم كان اختياريا، وكونه تاما لا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده ألبتة أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى نحو قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وقوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وأكثر ما يوجد هذا النوع في رؤوس الآي، وعند انقضاء القصص، ويسمى هذا النوع من الوقف بالتام لتمامه المطلق يوقف عليه ويبتدأ بما بعده. فإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط نحو قوله تعالى: {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم} فآخر الآية كلام تام ليس له تعلق بما بعده لفظا ولكنه متعلق من جهة المعنى لأن كلا منهما إخبار عن حال الكفار، فالوقف في هذه الآية على قوله تعالى: {يُؤْمِنُون} والابتداء بقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم}، وسمي كافيا للاكتفاء به عما بعده واستغناء ما بعده عنه وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. أما إن كان التعلق من جهة اللفظ فقط نحو الوقف على قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وعلى {رَبِّ الْعَالَمِينَ} وعلى {الرَّحْمَنِ}  يفهم ولك الابتداء بقوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} و {رَبِّ الْعَالَمِينَ} و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} و {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} و {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} لا يحسن لتعلقه لفظا فإنه تابع لما قبله إلا ما كان من ذلك رأس آية فالابتداء به سنة، ويسمى هذا النوع من الوقف بالوقف الحسن لأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية - كما أشرنا -  فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء. فإن لم يتم الكلام لتعلق معناه بما بعده لفظا ومعنى كالوقف على المضاف دون المضاف إليه أو على المبتدأ دون خبره أو على الفعل دون فاعله كالوقف على {الْحَمْدُ} من {الْحَمْدُ لِلَّهِ}، أو على لفظ {بِسْمِ} من {بِسْمِ اللَّه} وهكذا كل ما لا يفهم منه معنى لأنه لا يعلم إلى أي شيء أضيف، فالوقف عليه قبيح لا يجوز تعمده إلا لضرورة كانقطاع نفس أو عطاس أو نحو ذلك فيوقف عليه للضرورة ويسمى (وقف ضرورة). فإذا وقف (اختياريا أو اضطراريا) على آخر الكلمة في آي القرآن الكريم، وكان ما قبل هذا الحرف الأخير حرف مد أو لين جاز مد الصوت به أو قصره، فالقصر: حركتين، والمد ويشمل: التوسط: وهو بمقدار أربع حركات، والإشباع: وهو بمقدار ست حركات - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

 

التعريف بالمد العارض للسكون: حده، أقسامه، أحكام المد به عند القراء

حده وأقسامه:

المد العارض للسكون ويقال له أيضا الجائز والعارض[14]، وسمي عارضا لعروض سببه في الوقف وهو السكون، وجائزا لجواز قصره ومده عند كل القراء[15]، ويعنون به: أن يقع سكون عارض للوقف على الحرف بعد حرف المد - قيل - وحده[16] - وهو الغالب -  أو اللين - عند بعضهم -[17]، وذلك بأن يكون الحرف قبل الأخير من الكلمة حرف مد - غالبا - أو لين - على قول -، والحرف الأخير متحرك طبعا، فإن درجنا الكلام ووصلنا الكلمة بما بعدها كان طبيعيا، وإن وقفنا على الحرف الأخير بالسكون صار المد الذي قبل الحرف الأخير مدا بسبب السكون العارض، فمثال حرف المد نحو قوله تعالى: {يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات} - سورة هود - آية - 115، وقوله تعالى: {بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} - هود - آية - 45، وقوله تعالى: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} - هود - آية - 39 وقوله تعالى: {أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} - هود - آية - 60. ومثال حرف اللين قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} - هود - آية - 37.  ويدخل فيه ما إذا كان الساكن في همز بعد حرف المد نحو قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} - هود - آية - 7، وقوله تعالى: {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} - هود - آية - 109.

حكمه:

وهذا النوع من المد جائز باتفاق أهل الأداء من أئمة القراء فيجوز مده وقصره عند كل القراء، والأفضل فيه الست وهو التام[18]، وفيه ثلاثة أوجه[19]:

الأول: القصر ومقداره حركتان. الثاني: التوسط ومقداره أربع حركات. الثالث: الإشباع ومقداره ست حركات. وتجري هذه الأوجه الثلاثة على هذا الترتيب في كل مد عارض للسكون إلا المد العارض للسكون الذي أصله المد المتصل الموقوف على همز كقوله تعالى: {يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} - هود - آية - 43. فلا يجوز فيه القصر بحال حالة الوقف على آخر الكلمة {الْمَاءِ} بالسكون، وإنما يخير القارئ فيه وأمثاله بين التوسط والإشباع وما دونهما. وبالنسبة لحفص عن عاصم فيجوز له المد وقفا بقدر أربع حركات أو خمس أو ست[20]. ووجه القصر (وهو حركتان) نظرا لعروض السكون فلا يعتد به لأن مع الوقف يجوز فيه التقاء الساكنين مطلقا[21]، ومع الوصل يصير مدا طبيعيا[22]، وهذا الوجه يستحب في القراءة مع مرتبة الحدر، ووجه التوسط (أربع حركات) لمراعاة اجتماع الساكنين مع ملاحظة كونه عارضا فحط عن الأصل وأصبح لا هو معدوم مطلقا حتى يكون كالمد الطبيعي ولا هو موجود دائما حتى يكون أصليا فيمد ست حركات كاللازم وملاحظة عروضه جعلته في مرتبة متوسطة، وهذا الوجه يستحب في القراءة مع مرتبة التدوير. ووجه الإشباع (ست حركات) كاللازم لاجتماع الساكنين اعتدادا بالعارض حيث يلتقي ساكنان فيلزم المد الطويل للتخلص من التقاء الساكنين، وهذا الوجه في القراءة يستحب مع مرتبة الترتيل[23].

الأوجه الجائزة في المد العارض للسكون:

المد العارض للسكون - بالمعنى الذي حدد سابقاً - لا يخلو إما أن يكون سكونه العارض في همز (وهو المد المتصل الموقوف فيه على همزة) نحو قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} - سورة هود - آية - 7، وقوله تعالى: {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ}  - هود - آية - 109، وهذا بخلاف قوله تعالى: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} - مريم - آية - 28، أو يكون هاء تأنيث نحو قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ} - إبراهيم - آية - 40، أو هاء ضمير نحو قوله تعالى: {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} - هود - آية - 2، أو يكون غير ذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} - هود - آية - 12، فإن كان المد العارض للسكون في غير ما آخره همز فيما يسمى المد المتصل الموقوف على همزة نحو قوله تعالى: {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} - هود - آية - 29، فإن كان آخر الكلمة التي فيها المد العارض للسكون مفتوحا سواء أكانت فتحة إعراب نحو قوله تعالى: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} - هود - آية - 85، وقوله تعالى: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} - هود - آية - 98، أم فتحة بناء نحو قوله تعالى: {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}- هود - آية - 32، وقوله تعالى: {أَلا بُعْداً لِثَمُودَ} - هود - آية - 68 فقد ورد فيه عن أهل الأداء من أئمة القراءة ثلاثة أوجه[24]:  الأول: الإشباع بمقدار ست حركات كاللازم. الثاني: التوسط بمقدار أربع حركات. والثالث: القصر بمقدار حركتين كالمد الطبيعي وكلها مع السكون المحض الخالي من الروم والإشمام[25]. وإن كان آخر الكلمة التي فيها المد العارض للسكون مجرورا سواء أكانت حركة الجر للإعراب نحو قوله تعالى: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} - هود - آية - 81، وقوله تعالى: {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} - هود - آية - 109 ففيه أربعة أوجه للقراء وهي: القصر والتوسط والإشباع وكله بالسكون المجرد ثم الوقف بالروم ولا يكون إلا مع القصر[26]. فإن كان آخر الكلمة التي فيها المد العارض للسكون مرفوعا سواء أكان للإعراب نحو قوله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} - هود - آية - 40، أم بناء نحو قوله تعالى: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} - هود - آية - 95، ففيه سبعة أوجه لجميع القراء وهي المدود الثلاثة التي هي القصر والتوسط والإشباع بالسكون المجرد الخالص من الروم والإشمام ثم يؤتى بهذه المدود الثلاثة مرة أخرى بالسكون مع الإشمام ثم الروم ولا يكون إلا مع القصر وذلك لأن الروم مثل الوصل وأصل المد العارض للسكون في حالة الوصل كان طبيعيا ومده حركتان[27]، ولهذا كان الوقف بالروم كالوصل أي على حركتين . أما إن كان آخر الكلمة التي فيها المد العارض للسكون همزة فيما يعرف بالمد المتصل الموقوف على همزة نحو قوله تعالى: {بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} - هود - آية - 64 وقوله تعالى: {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} - هود - آية – 87 فلا يخلو هذا المد من أحد أمرين:

أولا: إما أن يكون مسبوقا بأحد المدين (المتصل أو المنفصل) أو بهما معا ويسمى هذا المد حينئذ بالمد المتصل الموقوف على همزة المجموع مع ما قبله.

ثانيا: أولا يكون مسبوقا بأحد هذين المدين ألبتة ويطلق عليه حينئذ بالمد المتصل الموقوف على همزة المنفرد، ولكل منهما - في قراءة حفص  - أحكام أدائية خاصة به تجمل في الآتي[28]: 

 

أولا: المد المتصل الموقوف على همز أو المسبوق بأحد المدين أو بهما معا: 

المد المتصل الموقوف على همزة المسبوق بأحد المدين - المتصل والمنفصل - أو بهما معا تختلف أوجهه في المد به عن ذلك المد المتصل الموقوف على همزة المنفرد هذا من ناحية وكذلك تبعا لنوع الحركة التي تقع عليه (فتحا أو كسرا أو ضما) من ناحية أخرى، فإن كان مفتوحا (سواء أكانت الفتحة للإعراب أم كانت للبناء) نحو قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} - هود - آية - 20، ففيه لحفص أربعة أوجه[29]: مد المنفصل في الآية الأولى - مثلا - والمتصل في الثانية مقدار أربع حركات، وعليه يأتي في المتصل الموقوف على همزة فيهما أربع حركات أو ست بالسكون المجرد، مد المنفصل والمتصل في الآيتين بمقدار خمس حركات، وعليه يأتي في المتصل الموقوف على همزة خمس حركات أو ست بالسكون المجرد أيضا. وما ذكر هنا في المتصل الموقوف على همز هو مثال للمفتوح الذي فتحته فتحة بناء، ومثله بالضبط المتصل الموقوف على همز المنصوب الذي فتحته فتحة إعراب. أما إن كان آخر الكلمة التي فيها المد المتصل الموقوف على همزة مكسورا وكان هذا المد مسبوقا بالمد المنفصل نحو قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} - النساء - آية - 41، أو كان مسبوقا بالمد المتصل نحو قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} - الأحزاب - آية - 32، ففيه لحفص ستة أوجه: - مد المنفصل أو المتصل المذكور أولا - كما في الآيات القرآنية  - أربع حركات وعليه يأتي في المد المتصل الموقوف على همزة أربع حركات أو ست بالسكون المجرد ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات كذلك فهذه ثلاثة أوجه ثم مد المنفصل أو المتصل المتقدم - كما في الآيات القرآنية - مقدار خمس حركات أيضا وعليه يأتي في المتصل الموقوف على همزة خمس حركات أو ست بالسكون المجرد ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات فيهما فهذه ثلاثة تضم للثلاثة الأولى فتصير ستة أوجه. أما إن كان آخر الكلمة التي فيها المد المتصل الموقوف على همز مرفوعا (سواء أكان الرفع للإعراب أم للبناء) وكان مسبوقا بالمد المنفصل أو المتصل نحو قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} - البقرة - آية - 13، وقوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} - البقرة - آية - 284 ففيه لحفص عشرة أوجه في كل من كلمة (السفهاء ويشاء) على النحو التالي:

أولا: مد الأول في أمثال الآيتين أربع حركات، وعليه يتأتى في المد المتصل الموقوف على همز نحو (السفهاء ويشاء) أربع حركات أو ست بالسكون المجرد فيهما ثم بالسكون أربع حركات أو ست مع الإشمام مرة أخرى ثم الوقف بالروم مع المد بأربع حركات فقط. فهذه - كما نرى - خمسة أوجه أتت على مد الأول أربعا .

ثانيا: مد الأول في أمثال الآيتين المذكورتين سابقا خمس حركات وبناء عليه يأتي في المد المتصل الموقوف على همز في نحو (السفهاء ويشاء) من الآيتين خمس حركات وست بالسكون المجرد فيهما ثم يؤتى بهما بالسكون مع الإشمام خمس حركات أو ست مرة ثانية ثم الوقف بالروم مع المد بخمس حركات فحسب، وهذه - كما نلاحظ - خمسة أوجه أيضا أتت على مد الأول خمسا تضم للخمسة الأوجه السابقة فتصير عشرة أوجه كلها صحيحة لا سقيم فيها ولا فيما  سبق من أوجه[30]. فإن كان آخر الكلمة التي فيها المد العارض للسكون هاء تأنيث وهي التي في الوصل تاء وفي الوقف هاء نحو قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ} - إبراهيم - آية - 40، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} - آل عمران - آية - 28، ففيه قولان:

القول الأول: وهو لكل القراء أن فيه ثلاثة أوجه: القصر وهو بمقدار حركتين، والتوسط: وهو بمقدار أربع حركات، والإشباع: وهو بمقدار ست حركات، ويستوي في ذلك ما كان منصوبا نحو قوله تعالى: {وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} - البينة - آية - 5، أو مجرورا نحو قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} - يوسف - آية - 88، أو مرفوعا نحو قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} - آل عمران - آية - 93 من غير إشمام ولا روم لأن هاء التأنيث ضمن المواضع التي لا يدخلها روم ولا إشمام[31]، والعلة في ذلك أن الهاء مبدلة من التاء التي كانت في الوصل والروم والإشمام لا يدخلان في حرف كانت الحركة في غيره ولم تكن فيه، ولم يأت هذا العارض مفتوحا ولا مكسورا ولا مضموما لأن هاء التأنيث معربة دائما وليست مبنية[32].

القول الثاني: وهو لبعضهم، أن فيه الإشباع فقط وجها واحدا كالمد اللازم وحجتهم في ذلك أن السكون لازم في الحرف الموقوف عليه لعدم تحرك الهاء في الوصل والوقف، أما عدم تحركها في الوصل فلعدم وجودها فيه، وأما عدم تحركها في الوقف فظاهر وحينئذ تندرج فيما سكونه لازم وتمد الألف قبلها مدا طويلا في الوقف ولا يجوز فيه - عندهم - القصر ولا التوسط[33]. فإن كان المد الجائز العارض للسكون الذي وقع سكونه العارض في هاء الضمير نحو قوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} - النحل - آية - 121، وقوله تعالى: {مَا فَعَلُوهُ} - الأنعام - آية - 112، وقوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ} - البقرة - آية - 2، وقوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْه} - الأحقاف - آية - 17، فقد وقع الإجماع فيه من جميع القراء على المد به قصرا وتوسطا وإشباعا. واختلفوا في جواز الروم والإشمام فيه على ثلاثة مذاهب:

الأول: منع الروم والإشمام فيها مطلقا قياسا على هاء التأنيث لما بينهما من التشابه في الوقف.

الثاني: جواز الروم والإشمام فيها مطلقا بشروطها المعروفة.

الثالث: التفصيل، وهو مذهب أكثر المحققين وأعدل المذاهب عند الحافظ ابن الجزري في النشر[34]، وحاصله منع الروم والإشمام فيها في أربع صور، وجوازهما فيما عداها وذلك على النحو التالي:

أولا: - صور المنع: وهي أربع:

الأولى: أن يقع قبل الهاء ياء ساكنة سواء كانت مدية نحو قوله تعالى: {أَنْ أَرْضِعِيهِ} - القصص - آية - 7، أو لينة نحو قوله تعالى: {لِوَالِدَيْه} - الأحقاف - آية - 17.   

الثانية: أن يقع قبلها واو ساكنة ويستوي في ذلك الواو المدية نحو قوله تعالى: {أَوْ حَرِّقُوه} - العنكبوت - آية - 24، أو اللينة نحو قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} - الأحقاف - آية - 24.

 الثالثة: أن يقع قبلها كسرة نحو قوله تعالى: {إِلَى أَهْلِه} - الذاريات - آية - 26. وقوله تعالى: {حَقَّ قَدْرِهِ} - الحج - آية - 74.

الرابعة: أن يقع قبلها ضمة نحو قوله تعالى: {قُلْتُهُ} - المائدة - آية 116. وقوله تعالى: {فَمَا جَزَاؤُهُ} - يوسف - آية - 75، وفيما سوى هذه الصور الأربع يجوز الوقف بالروم والإشمام وذلك في:

 الأولى: أن يقع قبلها فتحة نحو قوله تعالى: {فَقَدْ عَلِمْتَه} - المائدة - آية - 116. 

الثانية: أن يقع قبلها ساكن صحيح نحو قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ} - البقرة - آية - 185 وقوله تعالى: {اسْتَأْجِرْهُ} -  القصص - آية -26.

 الثالثة: أن يقع قبلها ألف المد نحو قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ} - الصافات - 101 وقوله تعالى: {عَلَّمْنَاه} - الأنبياء - آية - 80[35].

 

  ثانيا: المد المتصل الموقوف على همز المنفرد:

ونعني به ذلك المد المتصل الموقوف على همزة الذي لم يسبق بمد متصل ولا بمنفصل في النص القرآني المقروء، وفيه لحفص عن عاصم عدة أوجه تجمل في الآتي:

 1. فإن كان آخر الكلمة التي فيها المد المتصل الموقوف على همزة مفتوحا سواء أكانت الفتحة للإعراب كأن يكون منصوبا نحو قوله تعالى: {نَسُوقُ الْمَاء} - آلم - السجدة - آية ت 27 أم للبناء نحو قوله تعالى: {فَقَدْ بَاءَ} - الأنفال - آية - 16 ففيه ثلاثة أوجه لحفص عن عاصم: وهي الوقف بمقدار أربع حركات أو خمس أو ست بالسكون المجرد فقط.

 2. وإن كان آخر الكلمة التي ورد المد المتصل الموقوف على همزة مكسورا سواء أكانت الكسرة لإعراب نحو قوله تعالى: {عَلَى سَوَاءٍ} - الأنبياء - آية - 109 وقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} - هود - آية - 7 أم للبناء نحو قوله تعالى: {لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء} - النساء - آية - 143 ففيه خمسة أوجه لحفص عن عاصم وهي: الوقف بأربع أو خمس أو ست بالسكون المجرد، ثم الروم مع المد بأربع حركات وخمس فقط ذلك لأن الروم كالوصل وحينئذ يمد المتصل في الوصل أربع حركات وخمس.

3. أما إن كان آخر الكلمة التي ورد فيها المد المتصل الموقوف على همزة مضموما سواء أكان الضم حركة إعراب نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء} - البقرة - آية - 261 وقوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} - البقرة - آية - 284، أم للبناء نحو قوله تعالى: {وَيَا سَمَاءُ} - هود - آية - 44 ففيه لحفص عن عاصم ثمانية أوجه وهي: الوقف بأربع حركات أو خمس أو ست وكلها بالسكون المجرد، ثم يؤتى بهذه الأوجه الثلاثة مرة أخرى بالسكون مع الإشمام ثم الروم مع المد بأربع حركات وخمس فحسب فهذه هي الأوجه الثمانية[36].

 

خطة البحث:

يحاول هذا البحث وما أشبهه من البحوث التطبيقية لأصوات اللغة العربية التي خصصت لدراسة طول الصوت اللغوي كما يقرره أصحاب المباني (الصرفيون) ويعترف به نظام اللغة مقارنا بذلك الزمن للصوت اللغوي الذي يستغرقه النطق به مقدرا بجزء من الثانية أن يقف - بطريق التطبيق - على المدة الزمنية التي يستغرقها النطق بصوت المد - عامة -  فيما يعرف عند القراء بالمد العارض للسكون وذلك من خلال نص من القرآن الكريم (هو سورة هود - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم) مقروءة برواية حفص عن عاصم على طريقة الترتيل بأصوات أربعة من القراء المجيدين المعاصرين هم على الترتيب (الشيخ محمود خليل الحصري - ت 1980م، والشيخ محمد صديق المنشاوي - ت 1969م والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد - ت 1988م، رحمهم الله، والشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - أمد الله في عمره - وكانت مادة النص مسجلة على شرائط من الكاسيت، وهي من تسجيلات (الدارين الإسلامية، والإصلاح الإسلامية)، ويعد تسجيل أصوات المقرئين الأربعة - بصفة عامة - تسجيلا نقيا خاليا من المؤثرات الصوتية الأخرى، وقد روعي في اختيار مادة النص (سورة هود - عليه السلام) من القرآن الكريم عدة اعتبارات أهمها:

1. أن تكون ممثلة لمعظم صور المد العارض للسكون، ومتضمنة معظم قواعده، إذ تنوعت نهايات آي السورة المباركة بين الحروف الوقفية والاحتكاكية والمتوسطة،، واشتملت على أنواع المد العارض للسكون جميعها في حروف مد أو لين بما في ذلك المد المتصل الموقوف على همزة، وقد أتى فيها المد العارض للسكون منفردا في آيات كثيرة، كما جاء مسبوقا بمد متصل أو بآخر منفصل أو بهما معا في آيات أخرى.

2. ظل أداء القراء الأربعة للآيات القرآنية - موضوع البحث - وما يزال يلتزم بطرق الأداء الصحيح لأصوات اللغة العربية التي نزل بها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كونه النص اللغوي الوحيد الذي نقل إلينا متواترا بالمشافهة على ألسنة القراء كل يأخذ قراءته عن شيوخه السابقين له إلى أن تنتهي بهم السلسلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم. و تهدف هذه الدراسة إلى الوقوف - بطريق التجريب - على ما يأتي: 

أ. المتوسط العام للمدة الزمنية للمد بصوت المد وما في حكمه (حروف اللين) - بصورة عامة - في قراءة هؤلاء القراء الأربعة للآيات القرآنية من سورة (هود عليه السلام) التي أخضعت للدراسة في هذا البحث وذلك في ضوء التأثيرات الأدائية التي تطرأ على المدة الزمنية للنطق بصوت المد فيما يعرف عند القراء بالمد العارض للسكون.

ب. المتوسط العام للمدة الزمنية للحرف الصامت المؤلف مع الصائت الطويل في المد (العارض للسكون) الموقوف عليه والآتي قبله.

ج. المتوسط العام للمد بحرف الصائت الطويل في المد (العارض للسكون) تبعا لنوع الصائت المؤلف مع الحرف الصامت الموقوف عليه والمجاور له في السياق الأدائي.

د. المتوسط العام للمدة الزمنية للنطق بحرف المد (في المد العارض للسكون) في النص المشتمل على مد أو أكثر سواء أكان هذا المد متصلا أم منفصلا وورد أكثر من مرة أو مع غيره، في آية واحدة أو في النص المقروء بشرط أن يؤدى كل ذلك في نفس واحد حسبما تقره قواعد الأداء التي ذكرت في المقدمة. 

بالإضافة إلى أمور أخرى تتعلق بحساب المدة الزمنية لهذا المد والأوجه المدية الجائزة فيه وطرائق القراء الأربعة في الالتزام بذلك من عدمه.

 

طريقة الإدخال واستخراج النتائج:   

أ.  بعد اختيار مادة البحث الممثلة للظاهرة وهي - كما ذكرنا سابقا - سورة هود (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم) مقروءة بأصوات أولئك القراء الأربعة الذين سبقت الإشارة إليهم وتم تحديد الأهداف على النحو الذي ذكر سابقا … رمز إلى كل مقرىء - حسب وروده في الترتيب السابق - برقم من الأرقام (1-4) فالشيخ محمود خليل الحصري - مثلا - رمز إليه بالرقم (1) ورمز إلى الشيخ المنشاوي بالرقم (2) بينما رمز إلى الشيخ عبد الباسط بالرقم (3) وإلى الشيخ الحذيفي بالرقم (4)، ثم قام الباحث بإدخال قراءة كل مقرىء على حدة في جهاز التسجيل الخاص بالجهاز الصوتي (Sona – Graph  Model 5500 ) تبعا لطريقة الإدخال المرفقة صورتها مع هذا البحث.  

ب. بدئ بعد ذلك باستقراء صور المد العارض للسكون تبعا لورودها في الآيات الكريمة في قراءة المقرئ رقم (1) ورصدت نتائجها على حدة، ثم نظر بعد ذلك إلى قراءة المقرئ رقم (2) وفعل بها مثل ما فعل بسابقتها …إلخ، ثم صنفت نتائج عينات كل مقرئ على حدة وجرى استخراج المتوسط العام لكل عينة من المد العارض للسكون لدى القراء الأربعة مجتمعين على النحو الذي نراه في الجداول المرفقة، وقد تحصل الباحث بعد هذا الاستقراء على (540) عينة هي حاصل ضرب (135) عينة في عدد القراء وهم أربعة (4)، وهناك (23) عينة وردت في الجداول هي موضع خلاف بينهم، فمن هؤلاء القراء من وقف عندها اضطرارا، ومنهم من وصل كلامه دون توقف لعدم توفر دواعيه - كما أشرنا إلى ذلك في موضعه من الجداول المرفقة.

وبالتأمل في هذه الجداول نرى أنها قد توزعت إلى خمس مجموعات وهي: 

1. الرقم: ونقصد به الرقم المتسلسل للعينات المدروسة حسب ورودها في النص القرآني.

2. الآية: ونقصد به النص القرآني الذي اشتمل على المد العارض للسكون منصوصا على عليه بخط من تحته يوضح موقعه في النص.

3. الزمن: وقد قسمناه إلى ثلاث مجموعات:

أ. المتوسط العام لمدة المد كاملا: ويقصد به المتوسط العام لزمن المد العارض للسكون الذي ورد في النص القرآني الأدائي وذلك مثل المقطع الصوتي (ذاب) من النص {لَهُمُ الْعَذَابُ} ذي الرقم المتسلسل (27) في الجداول المرفقة، ونقصد به في هذا البحث: الحرف الساكن (الصامت) الذي يسبق حرف المد وحرف المد (الصائت) والحرف الساكن (الصامت) الذي يأتي بعد حرف المد، وقد بلغ متوسط مدته الزمنية عند المد به لكونه عارضا للسكون (2.490) من الثانية. 

ج. المتوسط العام لزمن حرف المد (الصائت) ونقصد به ذلك المتوسط العام لزمن  حرف المد (الصائت) الطويل الذي اشتمل عليه المد العارض للسكون في النص القرآني المنصوص عليه وذلك مثل  حرف المد (الصائت) الطويل في المقطع الصوتي (ذاب) من قوله تعالى: {لَهُمُ الْعَذَابُ}  ذي الرقم المتسلسل (27) في الجداول المرفقة، وقد بلغ متوسط مدته الزمنية عند المد به بسبب الوقف في النص المقروء (1.863) من الثانية.

د. المتوسط العام لزمن الحرف الساكن (الصامت) الأول: ونقصد به ذلك المتوسط العام لزمن الحرف الساكن (الصامت) الأول من المقطع الصوتي الموقوف عليه للسكون العارض مثل الحرف الساكن (الصامت) حرف (ذ) من المقطع الصوتي (ذاب) من قوله تعالى: {لَهُمُ الْعَذَابُ} ذي الرقم المتسلسل (27) في الجداول المرفقة، وقد بلغ (2082,) من الثانية.

ﻫ. المتوسط العام لزمن الحرف الساكن (الصامت) الثاني: ونقصد به ذلك المتوسط العام لزمن الحرف الساكن (الصامت) الأخير الموقوف عليه بالسكون العارض مثل (ب) من المقطع الصوتي (ذاب) من كلمة {الْعَذَابُ} في قوله تعالى: {لَهُمُ الْعَذَابُ} ذي الرقم المتسلسل (27) في الجداول المرفقة، وقد بلغ (4521,) من الثانية، وبناء عليه فإن المتوسط العام لزمن المد العارض للسكون في قوله تعالى: {لَهُمُ الْعَذَابُ} ذي الرقم المتسلسل (27) في الجداول المرفقة قد بلغ (2.490) من الثانية موزعة هكذا (1.863) من الثانية هو المتوسط العام لزمن حرف المد في المقطع الصوتي (ذاب) و (2082,) من الثانية هو المتوسط العام لزمن الحرف الساكن (الصامت) الأول (ذ) من المقطع الصوتي (ذاب) و (4521) من الثانية هو المتوسط العام لزمن الحرف الأخير (ب) من المقطع الصوتي (ذاب).    

 ز. يلاحظ من صورة الإدخال المرفقة أنه قد تمت تهيئة الجهاز الصوتي (Sona-Graph model  5500) على الموجتين الواسعة (Wide  Band) و الضيقة (Narrow  Band )، وبتردد قدره أربعة كيلو هيرتز (4khz) لتصبح المسافة بين كل مكون والمكون الذي يأتي بعده من المكونات الأساسية للحرف المشار إليها بالخطوط الأفقية على الصورة الطيفية خمسمائة (500) تردد في الثانية (د/ث) في كلتا الموجتين، ووزع الوقت المشار إليه بالخطوط الأفقية في الصورة - موضوع الدراسة - إلى أربع ثواني لتصبح الفترة الزمنية بين كل خط والخط الذي بعده - على وجه الدقة - (2000,) من الثانية، وكان نمط القوة المقدر بالديسبل (27) على الموجة الأولى و (32) على الموجة الثانية. وبهذه الكيفية تم إدخال مادة البحث (النص القرآني) في جهاز التسجيل الخاص بالجهاز الصوتي و عرضت الصورة الطيفية لكل لفظ اشتمل على مد عارض للسكون على شاشة العرض التي زود بها هذا الجهاز وبعد تحديد موقع هذا المد من اللفظ (بداياته ونهاياته) - عن طريق السهمين الرأسيين اللذين زود بهما الجهاز الصوتي - والتعرف على الحروف التي تسبقه أو تلك الأخرى التي تأتي بعده وتأثيرها فيه …تم رصد قيمته الزمنية التي يتم حسابها مباشرة عن طريق الجهاز الصوتي - كما هو مبين على الصورة المرفقة - وقد تم استخراج نتائج عينات هذه الدراسة جميعها - كما نراها في الجداول - من الجهاز الصوتي وليس عن طريق الصور.    

نماذج من صور الأسبكتروجراف

P 420 (1)

P420 (2)

P421 (1)

P421 (2)

P421 (3)

P422