|
|
|
|
|
|
|
تفسير الإمام ابن أبي العز جمعا ودراسة |
|
|
شايع بن عبده الأسمري |
|
|
الأستاذ المشارك في كلية القرآن الكريم في الجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[2] {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[3]. |
|
|
أما بعد: فهذا (تفسير الإمام ابن أبي العز) قمت باستخراجه من خلال مؤلفاته،
وضممت شتاته، وعلقت حواشيه على قدر الوسع والطاقة، والبضاعة المزجاة. |
|
|
والله تعالى أسأل أن يغفر لناثره وجامعه، وأن ينفع به قارئه. وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|
القسم الأول: مقدمة وتعريف (وفيه عنصران): |
|
|
العنصر
الأول: مقدمة، تشمل ما يلي: |
|
|
1-
أسباب اختيار الموضوع. |
|
|
2- خطة البحث. |
|
|
3- المنهج المتبع في إخراج البحث. |
|
|
العنصر
الثاني: تعريف موجز بالإمام ابن أبي العز، ويشتمل على
ما يلي: |
|
|
1- اسمه ونسبه وولادته. |
|
|
2- نشأته وشيوخه وتلاميذه. |
|
|
3- مذهبه في العقيدة والفقه. |
|
|
4- مؤلفاته والمناصب
العلمية التي وليها. |
|
|
5- وفاته رحمه الله
تعالى. |
|
القسم الأول: مقدمة وتعريف، وفيه عنصران:
|
|
العنصر الأول: مقدمة تشمل
|
|
|
|
|
1-أسباب اختيار الموضوع
|
|
|
1- العقيدة الصحيحة، أهم شرط من شروط
المفسر للقرآن الكريم وقد أُصيب هذا الشرط
بشيء من الخلل منذ
ظهور الفرق التي تأثرت بمنطق اليونان وحضارة الفرس ولرفع
هذا الخلل، أو التقليل من آثاره أرى أن نتبع سببين: |
|
|
الأول: التنقيب والبحث عن المخطوطات التفسيرية التي عُرف مؤلفوها بالعقيدة
الصحيحة وإخراجها للناس. |
|
|
الثاني: جمع المنثور من التفسير من كتب الأئمة الذين اتبعوا منهج السلف،
وعُرفوا بحبه والتمسك به. |
|
|
2- رأيت من بعض المعاصرين
الشغف بإخراج تراث بعض الفرق الضالة والدعوة
إليها[4] وهذا تهديد لحصوننا
من داخلها وزيادة لجراحنا النازفة، فلعل جمع تفسير من عرف بالتصدي لتلك الفرق
مما يدفع الله به الفساد، والله تعالى يقول: {وَلَوْلا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ}[5] |
|
|
3- هناك محاسن
كثيرة تميز بها تفسير الإمام ابن أبي العز، دعتني إلى استخراجه والتعليق عليه،
وقد ذكرتها تفصيلاً في خاتمة هذا البحث. |
|
|
|
|
2-
خطة البحث:
|
|
تقع خطة هذا البحث في قسمين
وخاتمة وفهارس
|
|
|
القسم الأول: مقدمة وتعريف (وفيه
عنصران) |
|
|
العنصر الأول: مقدمة، تشمل: أسباب اختيار الموضوع، والخطة التي يقوم عليها
البحث، والمنهج المتبع في إخراجه. |
|
|
العنصر الثاني: تعريف موجز بالإمام ابن أبي العز. يشتمل
علي: |
|
|
اسمه ونسبه وولادته، ونشأته وشيوخه وتلاميذه، ومذهبه
في العقيدة والفقه، ومؤلفاته والمناصب العلمية التي وليها، ووفاته رحمه الله
تعالى. |
|
|
القسم الثاني: عرض تفسير الإمام ابن أبي العز، مرتباً على سور القرآن الكريم
وآياته، موشى بالتعليقات اللازمة. |
|
الخاتمة: في ذكر بعض
محاسن تفسير الإمام ابن أبي العز
|
|
|
الفهارس: وتشمل (فهرس الآيات، والمراجع، ومواضع البحث). |
|
|
|
|
3 - المنهج المتبع في إخراج البحث:
|
|
|
1- جمعت كتب المؤلف واستخرجت
التفسير منها، ورتبته على سور القرآن الكريم وآياته. |
|
|
2- إذا أورد المؤلف أكثر من
آية في مكان واحد، ثم ذكر تفسيراً واحداً يناسب هذه الآيات، جعلت ذلك في السورة
التي ذكر أول آية منها، وإذا ساق المؤلف عدداً من الآيات - في مكان واحد - لكل
آية معنى يختلف عن معنى الآية الأخرى، جعلت كل آية في سورتها. |
|
|
3- عندما
استخرجت هذا التفسير فإنني لم أنقل إلا ما قصد به المؤلف تفسير الآية؛ ولهذا لم
أتعرض للآيات التي يذكر المؤلف شيئاً مما يوافق معانيها دون إيراد نصها. |
|
|
4- خرّجت الأحاديث والآثار من
مصادرها المعتمدة، مع ذكر الحكم على الحديث أو الأثر إن لم يكن في الصحيحين، أو
في أحدهما، وأنا مسبوق في الحديث من قبل الأساتذة
الّذين حققوا شرح العقيدة الطحاوية. |
|
|
5- الآيات
التي فسرها المؤلف أشرت إلى سورتها ورقمها في الحاشية، وإذا تكررت في أثناء
تفسير الآية لم أُشر إليها مرة أخرى، وقد أُشير أحياناً. |
|
|
6- شرحت الغريب، وضبطت بالشكل
ما رأيت أنه يحتاج إلى ضبط وعرّفت ببعض الفرق والأعلام ووثّقت جميع نقولات المؤلف في التفسير والقراءات وغير ذلك، وأشرت إلى المراجع التي وافقت المؤلف فيما قَال أو
نقل. |
|
|
7- أشرت إلى الكلام المحذوف بوضع ثلاث نقاط، وإلى
المدخل الّذي ليس للمؤلف بوضعه بين معكوفين. |
|
|
8- ناقشت
ما يحتاج إلى مناقشة، وبينت ما يحتاج إلى بيان من الأقوال أو المعاني التي ذكرها
المؤلف. |
|
|
9- عرفت بالمؤلف وصنعت خاتمة
للبحث وفهارس للآيات والمراجع ومواضع البحث. |
|
العنصر الثاني: تعريف موجز بالإمام ابن أبي العز
|
|
|
|
|
1-اسمه ونسبه وولادته
|
|
|
أ-اسمه ونسبه: هو علي بن علي
بن محمد بن محمد ابن أبي العز[6]
بن صالح ابن أبي العز بن وهيب بن عطاء بن جُبير
بن جابر بن وهيب، الأذرعي - الأصل - الدمشقي[7]،
يلقب بصدر الدين[8]. |
|
|
ب- ولادته: ولد في الثاني
والعشرين من شهر ذي الحجة[9]،
سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة[10]،
في الصالحية من مدينة دمشق[11]. |
|
|
|
|
2-
نشأته وشيوخه وتلاميذه:
|
|
|
أ- نشأته: نشأ المؤلف في ظل
أُسرة ذات نباهة في العلم، ومكانة في المجتمع، فأبوه كان قاضياً، وكذلك جده[12].
وأبو جده (محمد) كان أحد أساتذة المدرسة المرشدية[13]، وأولاد عمومته منهم القاضي[14]،
ومنهم المفتي[15]،
ومنهم المدرس[16]. |
|
|
ب-
شيوخه: لا تجود علينا كتب التراجم، ولو بيسير في هذا الجانب، والذي أستطيع أن أقول في هذه الناحية وأنا مسبوق إليه[17]:
إن الإمام صدر الدين ابن أبي العز قد تركت فيه كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
وتلاميذه أعظم الأثر، فهما الشيخان الموجهان لحياة هذا الإمام، وقد صرح
باسم الإمام ابن كثير في أكثر من موضع في شرح العقيدة الطحاوية،
ووصفه بأنه شيخه[18]، ويترجح
عند بعض الباحثين بأنه كان يتصل
بالإمام ابن القيم ويستفيد منه مشافهة[19]،
فأمّا نقله من كتبه فكثير جداً، خصوصاً في شرح العقيدة الطحاوية[20]. |
|
|
وهناك شيخ آخر لابن أبي العز
ذكره في كتابه التنبيه على مشكلات الهداية[21]، هو: إبراهيم بن علي بن أحمد الطرسوسي،
أحد العلماء على مذهب الإمام أبي حنيفة، وتوفي بدمشق سنة 758 ﻫ[22]. |
|
|
وأما دراسة ابن أبي العز الأولية فلم أظفر
بشيء عنها ولكن يبدو أنها كانت على يدي والده، وفي المدراس التي تهتم بدراسة المذهب الحنفي. |
|
|
ج-
تلاميذه: لا نشك في أن لهذا الإمام تلاميذاً، ولكن لم
تتفضل علينا كتب التراجم
بشيء في ذلك؛ إلاّ ما ذكره الإمام السخاوي في بعض كتبه[23] أن ابن
الديري واسمه سعد بن محمد بن عبد الله أحد قضاة
الحنفية ت: 867 قد أجاز له ابن أبي العز. |
|
|
|
|
3- مذهبه في العقيدة والفقه
|
|
|
أ- في
العقيدة: الإمام ابن أبي العز مشى على مذهب السلف في جميع المباحث العقدية،
وحسبك في إثبات هذه الحقيقة - التي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار - أمران. |
|
|
الأول: ما سطره في شرحه
للعقيدة الطحاوية، فقد تناول في هذا الكتاب جل
المباحث العقدية بمنهج سلفي رصين، حتى غدا هذا الكتاب أحد الدعائم التي تعتمد
عليها الجامعات الإسلامية في تدريس مادة التوحيد. |
|
|
الثاني: اعتراضه على بعض شعراء
أهل زمانه[24]،
عندما مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة، وقع فيها بعض الأخطاء العقدية
فبيَّن الإمام ابن أبي العز تلك الأخطاء، ونبَّه عليها، فلم يعجب ذلك بعض أهل
زمانه ممن ينتحل العلم، وشغَّبوا عليه بهذه المسألة
فامتحن بسببها وأُدخل السجن، وأوذي[25].
|
|
|
ب- أما مذهبه في الفقه: فهو حنفي[26]،
يزن أقوال الأئمة بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة. ولقد وضع لنفسه
منهجاً قويماً قاده
إلى باب الإمامة، وجعل أبحاثه في غاية الدقة والمتانة، بعد توفيق من الله
ورعايته نص عليه في كتابه الإتباع فقال:
"فالواجب على من طلب العلم النافع أن يحفظ كتاب الله ويتدبره، وكذلك من
السنة ما تيسر له، ويتضلع منها ويتروّى، ويأخذ معه من
اللغة والنحو ما يصلح به كلامه، ويستعين به على فهم الكتاب والسنة، وكلام السلف
الصالح - في معانيها - ثم ينظر في كلام عامة العلماء: الصحابة، ثم مَنْ بعدهم،
ما يتيسر له من ذلك من غير تخصيص، فما اجتمعوا عليه لا يتعداه، وما اختلفوا فيه
نظر في أدلتهم من غير هوى ولا عصبية، ثم بعد ذلك من يهد الله فهو المهتدي، ومن
يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً"[27]. |
|
|
|
|
4-
مؤلفاته والمناصب العلمية التي وليها:
|
|
|
أ- مؤلفاته:
له عدة مؤلفات وقفت عليها جميعاً إلاّ واحداً، وكلها قوية - أعني ما وقفت عليه -
في موضوعها ومضمونها، وإليك الحديث عنها بإيجاز. |
|
|
1-
شرح
العقيدة الطحاوية[28]: وهو شرح نفيس تضمن أبحاثاً دقيقة عميقة، وتحقيقات بديعة
متقنة في العقيدة الإسلامية، على منهج السلف[29]
بل إنه لم يترك مبحثاً مهماً من مباحث العقيدة، وإلا
وطرقه بإطناب، وقد حُقّق الكتاب عدة تحقيقات، وطُبع عدة طبعات كان أول هذه
التحقيقات والطبعات قبل سبعين سنة، وقد استوفى الكلام على هذه الطبعات التركي والأرنؤوط، في تحقيقهما لهذا
الشرح[30]،
الذي هو أفضل التحقيقات والطبعات فيما رأيت، وعليه اعتمدت في نقل النصوص
التفسيرية، وإن كان لا يسلم من ملاحظات، والكمال لله وحده[31]. |
|
|
2- الإتباع[32]: يقع هذا
الكتاب في (110) صفحات من الحجم المتوسط، له أكثر من طبعة،
والتي وقفت عليها هي الطبعة الثانية في عمان، سنة 1405ﻫ بتحقيق محمد عطا الله، وعاصم بن عبد الله، والكتاب
رد على رسالة ألفها معاصره محمد بن محمود بن أحمد الحنفي المعروف بالبابرتي (ت: 786ﻫ) يرجح فيها تقليد مذهب أبي حنيفة على غيره من المذاهب، فكان لابن
أبي العز معه وقفات موفقة أعاد فيها
الحق إلى موضعه، فيما زل فيه البابرتي، والعصمة لله
وحده، ثم لرسوله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
3-
رسالة في الفقه: مضمونها جواب عن ثلاثة
أسئلة وجهت إلى المؤلف. الأول: أن جماعة من الحنفية
يتحرجون من الصلاة خلف من يرفع يديه في أثناء الصلاة. والثاني:
أنهم إذا صلوا الجمعة خلف إمام الحي ينهضون عند سلامه ويقيمون الصلاة، ويصلون
الظهر؛ لأن هذه الصلاة لا تصح عندهم إلا في مصر جامع، والثالث: أن بعضهم يتحرز من ماء الوضوء الذي يسقط من أعضاء
الوضوء، لظنهم أنه نجس. وقد أجاب المؤلف عن هذه
الأسئلة بما استغرق خمس لوحات، غير لوحة العنوان، وقد قام بتحقيقها الطالب مسعود
عالم بن محمد.[33] |
|
|
والمسلمون
بحاجة إلى ما فيها من علم، خصوصاً في زماننا هذا الذي جعل فيه العوامُ -
وأشباههم ممن ينتحل العلم - هذه الخلافات الفرعية سبيلاً إلى تفريق هذه الأمة،
وزيادتها وهناً على وهن. |
|
|
4-
كتاب التنبيه على مشكلات الهداية[34]: نسبه إليه
الإمام السخاوي[35] وغيره[36].
والمؤلف يعني بالهداية، كتاب الهداية لمؤلفه على بن أبي بكر المرغيناني
(ت: 593 ﻫ). |
|
|
وكتاب
التنبيه يحتوي على علم غزير يشهد لمؤلفه بالإمامة والرسوخ في علم
الفقه المقارن، وكذلك في علمي الأصول والحديث، إلا أنه تحامل على صاحب
الهداية، فلم ينصفه في بعض المواطن. |
|
|
والكتاب حُقق
في رسالتي ماجستير، وذلك بقسم الفقه في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية
بالمدينة النبوية. |
|
|
5-
النور اللامع فيما يعمل به في الجامع: نسبه إليه إسماعيل باشا، والزركلي، وكحالة[37]، ويعني بالجامع، جامع بني أمية بدمشق[38]، ولم أقف على ذات
الكتاب بعد البحث والمحاولة، وسؤال أهل
الخبرة، ولازال الأمل موجوداً والبحث جارياً. |
|
|
ب-
المناصب العلمية التي وليها: ذكرت كتب التاريخ أنه تولى التدريس والخطابة
والقضاء. |
|
|
1-
التدريس: درَّس في عدد من المدارس الحنَفية، منها (القيمازية)
في سنة 748ه[39]،
والمدرسة الركنية سنة 777ﻫ[40]،
والمدرسة العزية البرانية في ربيع الآخر سنة
784ﻫ، ودرس بالمدرسة الجوهرية[41]. |
|
|
2-
الخطابة: تولى الخطابة في جامع الأفرم بدمشق[42]،
وتولى الخطابة أيضاً بحسبان[43]،
وهي بلدة تقع جنوب عمَّان[44]. |
|
|
3-
القضاء: ولي قضاء الحنفية بدمشق في آخر سنة 777ﻫ، نيابة عن ابن عمه نجم
الدين، الذي نقل إلى قضاء مصر سنة 777ﻫ[45]،
ثم استعفى نجم الدين من القضاء فأعفي، وولي مكانه ابن أبي العز، فباشر القضاء
شهرين وأياماً، ثم استعفى فأُعفي[46]،
وعاد إلى دمشق، يدرس ويخطب[47]. |
|
|
|
|
5-
وفاته:
|
|
|
توفي
رحمه الله تعالى في ذي القعدة، سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون في بلدة دمشق[48]. |
|
القسم الثاني: تفسير الإمام ابن أبي العز، ويشمل السور والآيات التالية: |
|
القسم الثاني:
تفسير الإمام ابن أبي العز، ويشمل السور والآيات التالية:
|
|
سورة الفاتحة
|
|
|
[قوله تعالى]: {مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ}[49]… {الدِّينِ} الجزاء[50]،
يقال: كما تدين تدان. أي: تُجازي تُجازى… قال تعالى: {جَزَاءً
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[51] {جَزَاءً وِفَاقاً}[52] {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ
جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}[53] {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ
فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ
فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[54] {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا
السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[55][56]. |
|
|
[قوله تعالى]: {اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[57] إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته
وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة. لكن الذنوب هي لوازم نفس
الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة،
وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين:
إنه قد هداه، فلماذا يسأل الهدى؟ وأن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية[58].
|
|
|
بل العبد محتاج إلى أن
يُعلِّمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل
يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرّد علمه، إن لم يجعله مريداً
للعمل بما يعلمه، وإلاَّ كان العلم حجة عليه، ولم يكن
مهتدياً، والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة[59]،
فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما
نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته
ولا نهتدي لتفاصيله، فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون
إلى الهداية التامّة، فمن كملت له هذه الأمور، كان سؤاله سؤال تثبيت[60]،
وهي آخر الرتب. وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة[61]؛
ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى
شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء[62]،
فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل
هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر، فقد بيَّن
القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله
تعالى[63]. |
|
|
[وقال
أيضاً قوله تعالى]:{... صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}… ثبت
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود
مغضوب عليهم والنصارى ضآلُّون"[64]. |
|
|
|
|
سورة البقرة
|
|
|
[قوله تعالى: {الم}[65]]... وقعت الإشارة بالحروف المقطَّعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب
كلامهم، وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد
الحروف المقطعة بذكر القرآن[66]
؟، كما في قوله تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ}[67]. |
|
|
{الم اللَّهُ لا إِلَهَ
إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ}[68] الآية {المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}[69] {الر تِلْكَ
آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}[70]. وكذلك الباقي يُنبِّههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل
خاطبكم بلسانكم[71]. |
|
|
[قوله تعالى]: {فِي
قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}[72]وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ}[73]... هذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة؛ إذ مرض الشهوة يُرجى له
الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له، إن لم يتداركه الله برحمته[74]. |
|
|
قوله تعالى {وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}[75]... المراد المقارنة بالفعل، وهي الصلاة
جماعة؛ لأن الأمر بالصلاة قد تقدم، فلا بد من فائدة أُخرى. وتخصيص الركوع؛ لأن
بإدراكه تدرك الصلاة، فمن أدرك الركعة أدرك السجدة[76]. |
|
|
[قوله تعالى]:{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ
لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}[77] والأماني: التلاوة المجردة[78]
أي: إلاَّ تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن
فعمل به، واشتبه عليه بعضه، فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي صلى الله عليه
وسلم بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم
منه فردوه إلى عالمه"[79]
فامتثل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم[80]. |
|
|
قوله تعالى:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}[81] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس[82] |
|
|
سميت إيماناً مجازاً[83]؛ لتوقف صحتها على الإيمان،
أو لدلالتها على الإيمان؛ إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً؛ ولهذا يُحكم بإسلام
الكافر إذا صلى كصلاتنا[84]. |
|
|
... عن عروة قال: سألت عائشة
رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ
فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}[85] فوالله ما
على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت بئسما
قلت ياابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أوّلتها
كانت: لا جناح عليه ألا يطوّف بهما، ولكنها أُنزلت في
الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية،
التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلَّ لها
يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أنطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله
عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية[86]... |
|
|
[قوله تعالى:
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[87]]... لمَّا قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ} قال بعده:
{لا
إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله
غيره، فقال تعالى:
{لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}[88] وقد اعترض صاحب المنتخب[89] على النحويين في تقدير
الخبر في
{لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فقالوا: تقديره لا إله في الوجود إلا الله. فقال: يكون ذلك
نفياً لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصِّرف من نفي
الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى[90]. |
|
|
وأجاب أبو عبد
الله محمد بن أبي الفضل المرسي[91] في
(ري الظمآن) فقال: |
|
|
هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم
(لا) وعلى التقديرين، فلابد من خبر للمبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن
الإضمار فاسد. |
|
|
وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية، فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية
هو نفي الوجود لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية، ولا وجود
وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة[92]
فإنهم يثبتون ماهية عارية من الوجود. و (إلا الله) مرفوع، بدلاً من (لا إله)
لا يكون خبراً ل (لا)، ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك[93]. |
|
|
وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك،
وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: (في الوجود) ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء؛ قال تعالى:
{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}[94]. |
|
|
ولا يقال: ليس قوله: (غيره) كقوله: (إلا الله)؛ لأن (غيراً) تعرب
بإعراب الاسم الواقع بعد (إلا) فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً؛ فلهذا ذكرتُ
هذا الإشكال وجوابه هنا[95]. |
|
|
ذُكر في أسباب النزول أنهم
سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية
{لَيْسَ
الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}[96] الآيات[97]. |
|
|
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}[98] إلى أن قال:
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا،
وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب[99]، وقال تعالى:
{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا} إلى أن قال:
{إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[100]. |
|
|
...قوله
تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ}[101] الآية... معنى {{كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فرض عليكم وألزمكم[102] |
|