طباعة

 توثيق النص

 

 

 
الاقتصاد العالمي بين الاشتراكية والإسلام
بقلم الشيخ محمد المجذوب

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة

 

 

بعض هذه الفصول طالعتها إبان صدورها في مجلة البعث الإسلامي، وكنت أتشوق لمتابعتها وقراءتها مجتمعة، ثم شاء الله أن أكتب مقدمتها – في الترجمة العربية – فتفرغت للاطلاع عليها جميعا، وكانت تلك فرصة ماتعة للإحاطة بمبادئها وغاياتها وهي متصلة الحلقات، يوضح بعضها بعضا، ويمهد بعضها لبعض.

وعلى الرغم من أنها كتبت قبل الكثير من التطورات الأخيرة التي اعتورت الأوضاع الدولية، والأفكار العالمية، والتنبهات الإسلامية في أوساط المثقفين وأولي العلم، فقد اشتملت على الكثير من الحقائق الأساسية الكشافة لحقيقة الفروق القائمة بين الإسلام والاشتراكية.. وإنما نظمت هذه البحوث – فيما يبدو لي – لمناقشة المخدوعين بأضاليل الاشتراكية من أبناء المسلمين، الذين أخذوا ببريقها الخادع ودعاياتها النفسية المركزة، وبخاصة في شبه القارة الهندية، وهم، كما يستخلص من إشارات الكتاب، يقبلوا على هذه المذاهب الدخيلة كفرا بدينهم أو إيثارا لها عليه – في بادئ الأمر – بل كانوا مدفوعين إلى ذلك بباعث الجهل لحقيقة الإسلام أولا، ثم امتلاء الذهن بالأحلام الزائفة التي صورت لهم تلك النحل الشيطانية في قمة الحلول العادلة لمشاكل البشرية.. ولهذا عني المؤلف المؤمن – رحمه الله – بعد المقارنات الدقيقة بين واقع الاشتراكية – على اختلاف ألبستها – ومثاليات الإسلام العملية التي تهدي دائما وأبدا للتي هي أقوم.. وليست هذه الفصول في تقويمها الحق سوى ظاهرة رائعة من النشاط الفكري الحي، الذي ينهض به العقل الإسلامي في تلك الربوع، ممثلا في التراث الواسع الذي يكتبه علماء الإسلام هناك، فلا يلبث أن ينتشر في جوانب العالم الإسلامي كلها كأشعة الشمس، تشرق على جانب من الأرض، ثم تمضي في طريقها لتعمها جميعا ..

لقد دسست الدعوة الاشتراكية على المسلمين، وهم يتخبطون في أشراك الاستعمار الذي حطم طاقاتهم، وسد في وجوههم سبل الحياة الكريمة، وغشى أعينهم بطلاء حضارته المشككة في كل فضائل الوحي .. وكان حملة هذه الدعوة الدخيلة شديدي الحرص على عرضها في صورة القوة المنقذة من أغلال الذل والتخلف، إلى جانب حذقهم في التركيز على النفوس الخاوية من حصانة المعرفة الصحيحة لحقائق الإسلام، فكان طبيعياً أن يكثر ضحاياها في أوساط الجاهلين وأشباه المتعلمين، ولا سيما أولئك الذين تأثروا بأساليب التفكير الغربي الذي لا يتجاوز نطاق المادة .. ومن هنا فتحت الثغور في صفوف المسلمين لهذه السموم، حتى بات من غير المستغرب أن تجد إنسانا يجمع قلبه بين النقيضين، فيزعم أنه مسلم وماركسي معاً، بل بات مألوفاً أن تقرأ وتسمع بذلك الشيء الطريف العجيب الذي يسمونه " اشتراكية الإسلام" فتؤلف فيه الكتب، وتذاع فيه الأحاديث، وتلقى حوله المحاضرات والمناقشات .. وفي بعض هذه البحوث علم وفقه ودين، وبين مؤلفي هذا الضرب من المصنفات رجال لم تشب إخلاصهم للإسلام شائبة فيما نعلم .. فهم لم يريدوا بما كتبوه نصرة الماركسية وفراخها الإبليسية، معاذ الله، ولكنهم رأوا انخداع الشباب حولهم بما نسب إليها من صفات العدالة والإنصاف، فسارعوا إلى عرض عدالة الإسلام العليا، تحت الاسم الذي فتنوا به، ليقرعوا أبواب قلوبهم بحقائق الشريعة الغراء . ولكنهم مع ذلك مؤاخذون بخطأ التسمية، لأن شياطين الماركسية، المزودين بكل وسائل الخداع والاستغلال والتضليل، قد عرفوا كيف يستفيدون من هذه العنوانات، فيوهموا أولئك السذج بأن اشتراكيتهم هي غاية الإسلام، لأنها السبيل الوحيدة لبناء (مجتمع الكفاية والعدل) و(الديمقراطية الاجتماعية) !.. ولا يزال كثيرون من الناس يتذكرون تلك الدعاية المركزة التي استمرت على بثها لمدة طويلة إذاعة إحدى الحكومات العربية التي أوقعتها الديكتاتورية في حبائل الماركسية باسم (الاشتراكية العلمية).. مستغلة اسم أحد هذه المؤلفات وشهرة مصنفه الإسلامية، تقتطع منه نصا من هنا ونتفة من هناك، وعبارة من هنالك لتعمق في صدور المضللين من مستمعيها شعور التصديق بهذه الانحرافات الخبيثة، ولم يمنعها من ذلك احتجاج المؤلف – غفر الله له – يومئذ وتسفيهه تصرفها غير الشريف على صفحات الصحف !..

ولقد كان الجهل بحقيقة الاشتراكية ولا يزال من أكبر المساعدات على انتشارها في غمار العامة وأشباههم .. إذ كان كل ما يعرفونه من أمرها أنها تنظيم اقتصادي بحت، يصون للعمال والفقراء حقوقهم في الحياة وفي ثمرات كدهم من عبث الظالمين من ملاك المال ووسائل الإنتاج .. لا يتجاوز ذلك إلى أي شيء من مقدسات الناس وكرامتهم الإنسانية وتطلعاتهم الروحية .. ولكنهم ما إن أسلموها ثقتهم حتى وجدوا أنفسهم مقطورين بعجلتها إلى أعماق الظلمات، وإذا هم أخيرا في أقصى القاع، لا يملكون قدرة حتى على رفع أبصارهم إلى ما فوق مواقع أقدامهم، وهناك فقط علموا أن الاشتراكية ليست تنظيما اقتصاديا صرفا كما أوهموا من قبل، ولكنها ( دين شيطاني) يريد أن يفرض نفسه على كل مقدرات الإنسانية خلقا وفلسفة وفنا وأدبا وعلما وسلوكا .. ثم يحبسها ضمن أغلال المادة فلا يسمح لها بالتفكير في ما وراء هذه القضبان من روحانية وألوهية وحشر وحساب !.. ثم كان عاقبة ذلك ما نراه من أقدام هؤلاء المضللين على تخريب الحياة كلها بإغراقها في سيول من الكوارث لا يكاد يتصورها الخيال، لولا بروزها في كل مكان تغلغلت إليه سموم هذه الدعوة اليهودية المدمرة‍‍!.‍ ولا جرم أن المؤلف رحمه الله لو امتدت به السن إلى اليوم، وأتيح له أن يشهد ما شهدناه وتسامعنا به من جنون هذه النحلة الشيطانية وزوابعها المتبرة في الصين، حيث قامت زحوف الثورة الثقافية بما عجزت عنه كل الثعابين والجرذان والسباع الضواري في سائر أنحاء العالم، إلى جانب عملها في المجر حيث سحقت أربعة عشر ألف دبابة روسية أجساد مئات الألوف من الناس الذين جرؤا على المطالبة بحقوقهم الإنسانية، ثم في تشيكوسلوفاكية، حيث اقتحمت مئات ألوف الجنود الحمر بآلياتهم الجهنمية أنحاء البلاد، التي حاولت تحرير نفسها من بعض قيود التبعية الشيوعية.

وأخيراً ما صرنا إليه من هزائم حزيران التي توجب بها الاشتراكية المذلة جرائمها في تحطيم الطاقات الإسلامية، والحيلولة بينها وبين الدفاع عن بقية الوطن الإسلامي في قلب الديار العربية، ثم ما نواجهه اليوم من عدوان صارخ تحتاج به الوثنية – ومن ورائها أعوانها الطغاة من موسكو وواشنطن وتل أبيب – حرمات الأرض الطاهرة – باكستان – التي أقامها الإسلام لتكون مجال التطبيق العملي لنظامه الأمثل في العالم الضائع، فأبى حكامها الزائفون إلا أن يجردوها من كل المقومات الإسلامية، حتى فتحوا حصونها للاشتراكية الهدامة، فإذا هي تقتحم القلوب الفارغة من معانيه العليا، ليكونوا الأدوات المنفذة لأهداف الوثنية الهندية والبلشفية الصينية والروسية، فيعملوا في أمتهم من ألوان الفتك ما لم يخطر حتى في تصورات وحوش السيخ !‍.. أجل .. لو أتيح له أن يرى ذلك وأشباهه من مذابح ومحارق الاشتراكية في قلب الوطن الإسلامي وما حوله .. لما اكتفى بصفحاته هذه، ولوجد المجال متسعا لأضعاف ما كتب، ولا يراد أضعاف ما عرض من شواهد بل فضائح هذه النحلة الشيطانية، التي لم يعرف التاريخ قط وسيلة أنجع منها في الهبوط بمكانة الإنسان إلى أدنى دركات الحيوان.

ومن مقتضيات المقارنة بين الإسلام والاشتراكية أنها تسوق إلى الكلام عن الجانب الآخر من الجاهلية العالمية الجديدة، وكذلك فعل المؤلف إذ تناول بالنقد العلمي نفسه معايب الرأسمالية وعواقب بغيها الرهيب، وأبرز بإنصاف العالم الدقيق دورها في التمهيد لذلك الطغيان، الذي هدم السدود الخلقية، التي أقامها الوحي والحضارة وتجارب عشرات الأجيال من حكماء البشر، في وجه الغرائز المنحطة، التي فجرتها التحريضات الاشتراكية في صدور الطبقة العاملة، فجعلت منها ألغاما تنسف كل ما بنته الإنسانية من مشاعر الاستقرار والمودة والخير.. وبذلك كشف الستار الموهوم عن مدى القرابة بين الاشتراكية وأختها الفوضوية الكافرة، فكانت هذه المذاهب التي أتمت دور الرأسمالية الغربية في تخريب الحياة البشرية .. لأن من طبيعة الوباء أن يوقظ أقصى طاقات الجسم الموبوء، فيكون رد الفعل لكل صدمة متناسبا مع ثقلها .. وهكذا قوبل نزوع الرأسمالية خلال الإسلام إلى التهام كل شيء بالاشتراكية التي تستهدف تجريد الإنسان من كل الوسائل التي تمكنه من السيطرة على أي شيء ..

وبإزاء هذا النقد الموضوعي الرصين لكلا النظامين الهدامين، يأتي مجهود المؤلف الموفق في عرض عظمة الإسلام واحتوائه كل الأسباب التي من شأنها حماية الجنس البشري من الانحرافات المهددة لأمنه.. فبينما تعطي الرأسمالية الفرد كل الحرية في تسخير القوى الإنسانية لمصلحته بكل الوسائل الممكنة حتى القانون والاحتكار والاستعمار .. والتحكم في مختلف المرافق الحيوية دون تحديد .. وبينما تقيد الاشتراكية حريته حتى تمسخ إنسانيته، وتلغي فطرته، لتجعل منه أداة إنتاج لمصلحة الطبقة الحاكمة وحدها .. بينما يحدث ذلك يتقدم الإسلام بحلوله العملية المبرأة من كل نقيصة، إذ يقيم كيان الإنسان على أساس الإيمان بالله رب كل شيء وخالق كل شيء، فيجمع بذلك أفراد المجتمع البشري على دستور الأخوة، الذي يحدد للفرد مجاله الحيوي ضمن مصلحة الجنس كله، فالفرد في ظل هذا النظام الرباني مطلق الطاقات، يضرب في مناكب الأرض للحصول على الثروة ولكنه ملزم الوقوف عند حدود مصادرها المشروعة التي لا ضرر فيها ولا ضرار، وملزم المشاركة في تأمين كيان الجماعة بأداء حقها من جهده، ثم بترك ثمار مساعيه أخيرا لتأخذ طريقها إلى التوزع، فلا تجتمع في يد واحدة على حكم القانون الإنجليزي أو الوثني . ولا توقف على الكلاب والقطط على طريقة الحماقة الأميركية .. وفي أثناء ذلك يحرم عليه استغلال درهم واحد من ماله في امتصاص جهود الآخرين عن طريق استخدامهم لإنماء ثروته بالربا الذي لا يشارك في أي جهد، كما يحرم عليه احتكار ضروريات الحياة للحصول على المزيد من الربح، ويعتبر مجرد كنزه المال، بعزله عن مجال النشاط، المساعد على توسيع دائرة النفع العام، جريمة تستحق العقاب الأليم .. إلى آخر ما هنالك من عوامل التضامن الأخوي، الذي يضع الثروة على اختلاف صورها في مكانها الطبيعي، وسيلة للسعادة التي يستأهلها المخلوق، الذي أكرمه الله فأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه.        

وبمثل هذه الموازنة الرائعة يزيف المؤلف ادعاء أولئك المخدوعين والخادعين الذين يزعمون أن الإسلام هو الاشتراكية، أو أن في الإسلام شيئا من هذه الاشتراكيات التي تدمر هناءة الشعوب .

وأخيرا ... إن المدقق في تضاعيف هذا الكتيب ليقدر للمؤلف المؤمن - رحمه الله - جهده المشكور في خدمة الحقيقة، ويتوقع مخلصا أن يكون عمله هذا أحد الميراث الثلاث التي إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا منها - كما ورد في الحديث الصحيح -.

وأما بالنسبة إلى مترجمه فإلى جانب مشاركته في الأجر الذي نرجوه له من الله على نقل هذا البحث النافع إلى قراء العربية، لا يسعنا إلا أن نستشعر الكثير من الغبطة إذ نعتبر عمله هذا إحدى ثمرات الجامعة الإسلامية التي نتوقع لها أخوات وراء أخوات بفضله تعالى ومنه، إنه نعم الموفق والمستعان، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على مصطفاه الأمين للناس أجمعين.

ملاحظة: كتب هذا البحث ليكون مقدمة لكتاب وضعه بالأوردية الكاتب الإسلامي المرحوم الأستاذ "مسعود الندوي" وترجمه خريج الجامعة الأستاذ صهيب عبد الغفار حسن.