|
|
|
|
أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم |
|
بقلم الشيخ عبد المحسن
بن حمد العباد
|
|
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
|
|
5 – نصحه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى دين الله |
|
|
لما بعث
الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين القويم قام بأعباء هذه المهمة على
الوجه الأكمل وصبر على ما اعترضه في هذا السبيل من أذى. أخرج البخاري ومسلم في
صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى
الله عليه وسلم: "يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال:
لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل
بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا
بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل
فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك
ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا
محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني
بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا". |
|
|
إنّ هذا لهو الخلق العظيم يناله
صلى الله عليه وسلم مثل هذا الأذى وتحف به المصائب فينطلق على وجهه مهموما ثم
تعرض عليه ملائكة الله القضاء على أعدائه بأن يطبقوا عليهم الاخشبين – وهما جبلا
مكة – فلا يستجيب لهذا العرض ويجيب بالإجابة التي تبرهن على تمام نصحه ومحبته
لأن يعبد الله وحده فيقول: "بل أرجو أن يخرج الله
من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا". |
|
|
وقد ترك صلى الله عليه وسلم
الناس على محجة بيضاء واضحة كفيلة لمن سلكها بعز الدنيا وسعادة الآخرة جاء ذلك
نتيجة لاتصاف الرسول صلى الله عليه وسلم بكمال النصح وقوة البيان ونهاية الأمانة
فما من شيء يقرب إلى الله إلا دل عليه أمته ورغبها فيه كما حذرها مما يخالف ذلك
فلم يقصر في صلى الله عليه وسلم في إبلاغه شرع الله ولم يقصر في بيانه عند
الإبلاغ. أخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قيل له: "قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى
الخراءة، قال فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي
باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم".
|
|
|
وقد أعلن صلى الله عليه وسلم
قيامه بواجب التبليغ في أعظم جمع لقيه وذلك في حجة الوداع واستشهد الناس على
أنفسهم فشهدوا الشهادة الحق بإبلاغه رسالة ربه وتأديته ما أمر به على أكمل وجه
ونصحه في ذلك في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الذي
أخرجه مسلم في صحيحه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب
الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت
فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم
اشهد ثلاث مرات". |
|
|
ولم يدع صلى الله عليه وسلم وسيلة
فيها إيضاح وإفهام للناس وحفز للهمم إلى القيام بطاعة الله والبعد عن معصيته إلا
سلكها في سبيل دعوته إلى الله وتحذيراً منه من النكوب عن الشرع القويم الذي جاء
به صلى الله عليه وسلم فكان يضرب الأمثلة التي تجعل الشيء المبين في صورة
المحسوس المشاهد، ففي مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به
كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان
فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم وكذبت طائفة منهم
فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت
به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق"، وفي صحيحه أيضا عن جابر
رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو
يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي", واتفق
البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
|
وكان صلى
الله عليه وسلم إذا سئل عن شيء وكانت الأهمية لغير المسؤول عنه لفت نظر السائل
برفقه وحكمته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الأهم. ففي الصحيحين عن أنس رضي الله
عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة
فقال: "متى الساعة ؟ قال: وماذا أعددت لها ؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله
ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت".
إلى غير ذلك من الوسائل التي اتبعها صلى الله عليه وسلم في هدايته وإرشاده. |
|
|
6 – قوته وشجاعته صلى الله عليه وسلم |
|
|
المؤمن
القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير كما قال صلى الله عليه
وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه. وقد جمع الله أنواع القوة في عبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, جمع له إلى القوة الإيمانية الكاملة القوة
البدنية فاستعمل هذه القوة في عبادة الله وطاعته والسعي الحثيث إلى كل ما يقربه
إليه وهو الأسوة والقدوة لأمته في كل خير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن
عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا
وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال: يا عائشة أفلا أكون عبدا
شكورا ؟". |
|
|
وفي
الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه
جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه
وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة". |
|
|
وفي الصحيحين أيضا عن أنس رضي
الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس
قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول:
لم ترعوا لم ترعوا وهو على فرس لأبي طلحة عرى ما عليه سرج في عنقه سيف فقال: لقد
وجدته بحرا أو أنه لبحر". |
|
|
وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتقدم أصحابه في الجهاد في سبيل الله وقد شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله
عليه وسلم يوم أحد. وفي غزوة حنين ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم
الكثير ممن معه ففي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رجلا قال له:
"يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال:
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوماً رماة فلما
لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبا سفيان بن الحارث آخذ في لجام بغلته البيضاء وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". |
|
|
قال ابن كثير رحمه الله في
تفسيره بعد سياق هذا الحديث: " قلت وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة
أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوعي وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة
وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا كر ولا هرب وهو مع هذا يركضها إلى وجوههم
وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وما
هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به
ويظهر دينه على سائر الأديان". |
|
|
7 – حقه صلى الله عليه وسلم على أمته وحق أمته عليه: |
|
|
ولعل أن أختم هذه المحاضرة المشتملة على نماذج من أخلاقه صلى
الله عليه وسلم بالإشارة إلى مجمل حقه على أمته وحق أمته عليه صلى الله عليه
وسلم فأقول: |
|
|
من حقه على أمته – وقيامهم بهذا الحق عنوان سعادتهم – أن
يشهدوا بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس وأن شريعته باقية إلى
قيام الساعة وأنها عامة لكل أحد فلا يسع أحد الخروج عنها. روى مسلم في صحيحه عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة
يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب
النار.." وأن شريعته صالحة لكل زمان ومكان وأنه لا سعادة في الدنيا
ولا نجاة في الآخرة إلا لمن سلك سبيله وسار على نهجه وأنه هو الأسوة والقدوة
لأمته وأنه الصادق المصدوق في أخباره غائبها وماضيها ومستقبلها وأن تكون القلوب
عامرة بحبه محبة أعظم من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن محبته صلى
الله عليه وسلم محبة شريعته وتعظيمها وتحكيمها والتحاكم إليها كما قال الله
تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}
وأن تكون العبادة لله خالصة وعلى وفق الخطة التي رسمها رسوله صلى الله عليه وسلم
فلا يعبد الله إلا بما شرع كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وما
أحسن قول أبي عثمان النيسابوري إذ يقول: "من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا
نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة". |
|
|
وقد جمع هذه الأمور في عبارة وجيزة شيخ الإسلام محمد بن عبد
الوهاب رحمه الله حيث قال في بيان المراد بشهادة أن محمداً رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر
وأن لا يعبد الله إلا بما شرع". |
|
|
ومن حقه على أمته صلى الله عليه وسلم أن تكون الألسنة رطبة
بالثناء عليه بكل ما يليق به مع الحذر من الغلو الذي لا يرضاه الله ولا رسوله صلى
الله عليه وسلم، وبالثناء على سنته وإيضاح محاسنها وبيان ضرورة الناس إلى التمسك
بها وأن تكون الألسنة رطبة بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وبارك عليه
وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان، والبخيل حق البخيل من ذكر عنده النبي صلى
الله عليه وسلم فلم يصل عليه، وأرغم الله أنف من ذكر عنده النبي صلى الله عليه
وسلم فلم يصل عليه، وأبخل ممن يبخل بالدرهم والدينار من يبخل بالصلاة على النبي صلى
الله عليه وسلم عند ذكره صلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان عليه وعلى آله
وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. |
|
|
أما حق الأمة عليه فهو إبلاغهم رسالة ربهم وإرشادهم إلى ما
فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: {وَمَا
عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}, وقال تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}. |
|
|
روى البخاري في صحيحه عن ابن شهاب الزهري رحمه الله أنه
قال: "من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم". انتهى.
وقد من الله على المؤمنين بإرسال رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الرسالة على أكمل الأحوال وأتمها
وأنزل الله تعالى عليه في أواخر حياته في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}. |
|
|
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب
الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت
ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد
اللهم اشهد ثلاث مرات" رواه مسلم، فالذي من الله وهو الرسالة والذي
على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو البلاغ كل منهما قد حصل على التمام والكمال
أما الذي على الأمة وهو التسليم فالسعيد من وفق للقيام بذلك قولا وفعلا واعتقادا
والشقي الطريد المخذول من كان بخلاف ذلك. |
|
|
وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا جميعا للتأدب
بآداب هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأن يمن علينا بالتوفيق
لاقتفاء آثاره والسير على نهجه وأن يميتنا على سنته ويحشرنا في زمرته ويجعلنا من
الفائزين بشفاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا به. ربنا تقبل
منا إنك السميع العليم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. |
|
الله أكبر
|
|
|
من مئذنة الأقصى السامقة.. انطلق المؤذن يوقظ الغفاة.. ويحي
الموات.. |
|
ردد الكون نداءات
الأمان
|
أجمل الألحان في
سمع الزمان.. |
|
دعوة للحق في
أجـوائنا |
كلـها خـير وبـر وحـنان |
|
لو عرفنا الله ما شطت بنا |
سبل التضليل.. أو ذقنا الهوان.. |
|
غير أنا أمة قد
أصـبحت |
خير ما فيها.. حديث ولسان.. |