|
|
|
أحب الأعمال إلى الله |
|
بقلم الشيخ محمد الطاهر النيفر |
|
الأستاذ بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس |
|
|
|
في
البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال الوليد ابن عيزار أخبرني: قال سمعت أبي
عمرو الشيباني يقول:" أخبرنا صاحب هذه الدار ( وأومأ بيده إلى دار عبد الله[1])
قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب
إلى الله ؟ قال:" الصلاة على وقتها", قال: ثم أي ؟ قال:" ثم بر
الوالدين"، قال ثم أي ؟ قال:" الجهاد في سبيل الله", قال حدثني
بهن ولو استزدته لزادني". |
|
اشتمل هذا الحديث على خصال ثلاث
هي أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى: أولاهما: الصلاة في وقتها, وقد دلت
النصوص الكثيرة على عظم فضل من أوقعها في الوقت كما تضافرت الأدلة الشرعية على
عظم جرم من أخرجها عن وقتها ويكفينا في التدليل على ذلك ما رواه مالك عن نافع عن
ابن عمر من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي
تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله": أي كأنما أصيب بأهله وماله.
|
|
وهذا التفسير للحديث يندرج على
رواية النصب لكلمتي: أهله وماله، وروى بالرفع لهما وفسره مالك بقوله كأنما انتزع
منه أهله وماله وكلمة (على) هاته: التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في
قوله الصلاة على وقتها هي دالة على الاستعلاء حسب أفضل التفاسير، والاستعلاء
هاهنا يراد به التمكن من أدائها في جزء من أجزاء الوقت, ويؤخذ منه: التنصيص على
أن هاته الأفضلية تخص بأدائها في جميع أجزاء الوقت. |
|
وقال ابن بطال: "المراد
البدار إلى أداء الصلاة في أول الوقت لأن ذلك هو الأحب إلى الله فيؤخذ من هذا أن
اداء الصلاة في أول الوقت هو الأحب إلى الله". قال ابن دقيق العيد: ليس في
هذا اللفظ ما يقتضي أولاً ولا آخراً وإنما المراد به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء". وتعقبه
بعضهم بأن لفظ أحب أفعل تفضيل يقتضي المشاركة والزيادة وعليه فيقتضي ذلك أن
المحترز عنه محبوب وليس أداء الصلاة بعد وقتها بمحبوب لله تعالى بل هو محرم، فلا
ينبغي أن يكون محترزا عنه وهذا يقتضي أن المحترز عنه إنما هو أداؤها في آخر
الوقت. |
|
والخلاصة أن أحب الأعمال إلى
الله هو أداء الصلاة في أول وقتها. |
|
وثانيها: بر الوالدين والمراد به الإحسان إليهما وامتثال أوامرهما في غير ما يؤدي
إلى معصية الله تعالى ورعايتهما رعاية تامة مثل ما رعياه من قبل، مع ترك الإساءة
إليهما ولو بما لا يسئ عرفا إذ كانا سبباً في وجوده ورعياه صغيراً جاهلاً
محتاجاً فآثراه على أنفسهما، وسهرا ليلهما وأناماه، وجاعا وأطعماه وعريا وكسواه. |
|
لذا لا يملك لهما الجزاء ولو
ولي منهما ما ولياه منه، لما لهما من فضيلة التقدم بالنعمة على المكافي عليها
وهذا المعنى قد أشار له الله تعالى في كتابه العزيز فأرشدنا إلى أن المرء لا
يطمع بمجازاة والديه عما قدماه إليه، وحسبه أن يتوجه بالدعاء لهما عسى أن يتفضل
الله عليهما بأحسن الجزاء وأجز له فهو الكفيل بإعطائهما جزاء ذلك العمل. قال جل
من قائل: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيراً}. |
|
قال ابن العربي في
تفسيره:" معناه ادع لهما في حياتهما وبعد مماتهما بأن يرحمهما الباري كما رحماك
ويرفق بهما كما رفقا بك، فإنه تعالى هو الكفيل بجزاء الوالد عن الولد، إذ لا
يستطيع الولد مكافأة والديه أبدا, وفي الحديث: "لن
يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" فيخلصه من أسر
الرق كما خلصه من أسر الصغر. |
|
وكما يطلب البر بالوالدين شرعا
في حالة الحياة كذلك بعد الممات. ففي الحديث الصحيح: "أنه
جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله: هل بقي
من بر والدي شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال له صلى الله عليه وسلم:" نعم,
الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم
الذي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك". |
|
ومما يروى من الأحاديث الدالة
على بلوغ بعض الموفقين درجة عليا في الإحسان إلى الوالدين ما روي من أن البرامكة
لما حبسوا كان منهم جنب في حاجة الاغتسال فقام ابنه بإناء ماء ليلة كاملة على
السراج حتى دفئ فاغتسل به والده، فهذا لعمري منتهى البر بالأبوة.. فليعتبر
شبابنا اليوم بأعمال أسلافهم ليفوزوا برضى الله وبره. |
|
وثالثها: الجهاد في سبيل الله لحماية بيضة الإسلام
وإعلاء كلمته وكسر شوكة الكفر وإذلاله. |
|
وإذا كان هذا من بعض فضائل
الجهاد فأحرى به أن يتبوأ المقام المحمود من بين الأعمال الصالحة، ويحسن بنا أن
نذكر كلمة قررها عمنا المرحوم الشيخ محمد النيفر في تأليفه: حسن البيان في حكمة
مشروعية الجهاد. وبها تقطع ألسنة بعض المتخرصين من الملاحدة الذين ضلهم الله على
علم وفيها موعظة وذكرى لقوم يفقهون. |
|
قال رحمه
الله: "إن شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تأسست على الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ودرء المفسدة قبل جلب المصلحة حتى أنه إذا توقع ضرر أن يرتكب
أخفهما". |
|
ولذلك كانت دعوى الكافر أولا
إلى الإسلام؛ لأن الكفر أعظم مفسدة ينبغي أن يدرأ عنهم وعن العالم أجمع لما فيه
من كفران النعمة للخالق المستحق للعبادة لذاته قبل جلب مصلحة جزية يدفعونها كل
سنة مع بقائهم على الكفر، ولذلك إذا لم يقبلوا الإسلام ودار الأمر بين ضرر القتل
العظيم ودفع الجزية الخفيف يرتكب أخفهما فتطلب منهم الجزية ثاني مرة فإذا لم يكن
ارتكاب أخفهما يصار إلى أثقلهما وهو القتل، والقتل أيضا بالنظر إلى استصلاح من
بقي وكسر شوكة الكفر فيه ارتكاب أخف الضررين أيضا. |
|
هذا وفي الحديث المذكور أن أفضل
الأعمال وأحبها إلى الله هي الخصال الثلاث وهي مرتبة على حسب فضلها لكن ربما
يعارض هذا ظواهر كثيرة من أحاديث أخر دلت على أمور أخرى، هي أفضل الأعمال منها
ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه قال: "إن
إطعام الطعام خير أعمال البر"، ومن ذلك ما روي عنه أيضا من قوله
عليه الصلاة والسلام: "أحب العمل إلى الله
أدومه". |
|
وجاء في حديث آخر: "إن الجهاد أفضل الأعمال". وثبت في حديث
أبي هريرة: "إن أفضل الأعمال: إيمان بالله تعالى". |
|
ولابن دقيق العيد كلام يحصل به
التوفيق, قال رحمه الله: "إن الأحاديث الأول محمولة على الأعمال البدنية
والحديث الأخير من عمل القلوب لأن الإيمان منه.. وأما وجه التوفيق بين الأحاديث
المتقدمة عليه. فللعلماء في ذلك أجوبة كثيرة منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم،
أجاب كل سائل بما يوافق غرضه الذي علمه منه، أو بما هو محتاج إليه، فاختلفت
الأجوبة باختلاف حالة المخاطبين أو باختلاف الأوقات فإن العمل قد يكون أفضل في
وقت غير وقته الأول. |
|
فالجهاد مثلا هو أفضل الأعمال
في ابتداء الإسلام والصدقة أفضل من الصلاة في وقت مواساة المضطر مع تضافر النصوص
على أن الصلاة أفضل منها. |
|
والظاهر أن الحديث الأول لا يدل
على أن الخصال الثلاث هي أفضل الأعمال على الإطلاق في جميع الأزمان والأحوال
وإنما الأمر الذي يؤخذ منه أن الخصال الثلاث هي من أفضل الأعمال إلى الله تعالى
ومما يكون الجزاء عنها بالعطاء الوفير وإنما وقع الاختصار عليها لأن من حفظها
يكون لغيرها أحفظ ومن ضيعها فهو لغيرها أضيع. فالصلاة مثلا التي هي عماد الدين
من ضيعها فهو لغيرها أضيع وكذا بر الوالدين فهو من الحقوق التي من أضاعها فهو لحق
الله أضيع. |
|
وخلاصة القول أن المسلم عليه أن
يحافظ على أداء الصلاة في وقتها وطاعة والديه والإحسان إليهما وإن كانا كافرين
ما لم يأمراه بما لا يرضي الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال الله
تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ
بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}. وكما قال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} وأن يكون في
نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله مجاهدا في سبيله بماله وبدنه وعلمه وتفكيره وأن
يأخذ بيد المتعثر فيطعم الطعام ويواسي الضعيف ويأخذ بيد المحتاج مستديما لذلك ما
دامت له الحياة. |
|
|
|
[1] وعبد الله
هذا الذي روى الحديث عنه أبو عمرو الشيباني: هو عبد الله ابن مسعود المشهور رضي
الله عنه الشيباني. |
|
والشيباني هذا نسبة
إلى شيبان بن ثعلبة واسمه: سعد بن أبي إياس وقد أدرك الجاهلية والإسلام وطعن في
السن حتى بلغ مائة وعشرين سنة. وقد روي عنه أنه قال:" أول ما سمعت بالنبي صلى
الله عليه وسلم وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظمة". قال:" وتكامل شبابي يوم
القادسية فكنت ابن أربعين سنة".
|