طباعة

 توثيق النص

 

 

 

شعر أهل الحديث (3)

بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ

المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة

 

 

ما أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعر:

وهو كثير ومناسباته مختلفة وأكثره ما كان مدحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهره قصيدة كعب بن زهير، قال ابن إسحاق:

"ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش: ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحدا جاءه مسلما تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك، وكان كعب قد قال:

ألا أبلغـا عني بجـيرا رسالة

فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا

فبين لنا إن كنت لست بفاعل

على أي شيء غير ذلك دلكـا

على خلق لم تلف أمـاً  ولا أباً

عليه ولم تدرك عليه أخـاً لكـا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف

ولا قائـل أمـا عثرت لعالكـا

سقاك بها  المأمون كأساً رويـة

فأنهلك المأمـون منـها وعلكـا

قال: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها فقال رسول الله: "سقاك بها المأمون, صدق وهو كذوب, أنا المأمون" ولما سمع: على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه. قال: "أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه" ثم قال بجير لكعب:

من مبلغ كعباً فهل لـك في التي

تلوم عليها باطلا وهي أحـزم

إلى الله-لا العزى ولا اللات_وحده

فتنجو إذا  كان النجـاء وتسـلم

لدى  يوم لا ينجـو وليس  بمفلت

من الناس إلا طاهر القلب مسـلم

فدين زهـير وهو  لا شيء دينـه

ودين أبي  سـلمى علي مـحرم

فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقال: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت - بينه وبينه معرفة - من جهينة فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه - فذكر لي - أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟. قال رسول الله: نعم. قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله: دعه عنك فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه. قال: فغضب كعب بن زهير بن كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم به رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته والتي أولها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متـبول

مـتيم أثـرها لم يفـد مكـبول

وفي رواية البيهقي:

وما سعاد غداة  البين إذ ظغنوا

إلا أغن  غضيض الطرف مكحول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت

كأنـها  منهل بالكأس[1] معلـول

تمشي الوشـاة بجنبيها [2] وقولهم

إنك  يا بن أبي سلمـى لمقـتول

وقال كل صديـق كنت  آمله

لا ألهـينك إني عـنك مشغـول

فقلت خلـوا سبيلي لا أبا لكم

فكل  ما قدر الرحـمن مفعـول

كل بن أنثى وإن طالت سلامته

يوما على آلـة حـدباء محمـول

نبئت أن رسـول الله أوعـدني

والعفو عند رسـول الله مأمـول

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ

قرآن فيـها مواعـيظ وتفصـيل

لا تأخـذني بأقوال الوشاة ولم

أذنـب ولو كثرت في الأقاويـل

لقد  أقوم مقـاما لو يقـوم به

أرى وأسمع مـا لو يسمع الفـيل

لظـل  ترعد من خوف بوادره

إن لم يكن من رسول الله تنويـل

حتى وضعت  يميني ما أنازعـها

في كف ذي  نقمات قوله القيـل

فلهو أخوف عندي إذ أكلـمه

وقيل  إنك منسـوب ومسئـول

من ضيغم من ليوث الأسد مسكنه

في بطن عثر غيـل دونـه غيـل

يغدو فيلحم ضر غامين عيشهما

لحم من الناس معفـور خراديـل

إذا يساور قرنا لا يـحل لـه

أن يترك القـرن إلا وهو مغلـول

منه  تظـل سباع الجـو نافرة

ولا تـمشي بواديـه الأراجيـل

ولا يـزال بواديه أخـو ثقـة

مفرج البـتر والدرسان مأكـول

إن الرسول لنـور يستضاء بـه

مهنـد من سيوف  الله مسلـول

في عصبة من  قريش قال قائلهم

بـبطن مكة لما أسلمـوا زولـوا

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف

عند اللـقاء  ولا ميـل معازيـل

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم

ضرب  إذا عرد السـود التنابيـل

شم العرانين أبطـال لبوسـهم

من نسج داود  في الهيجا سرابيـل

بيض سوابغ قد شكت لها حلق

كأنـها حلق  الفقـعاء مجـدول

ليسوا مفاريح أن نالت رماحهم

قوما وليسوا  مجازيـعا إذا نيلـوا

لا يقع الطعن  إلا في نحورهـم

وما لهم عن  حياض الموت تهليـل

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة قال: فلما قال " السود التنابيل" وإنما أراد معشر الأنصار لما كان صاحبهم صنع وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله بمدحته غضبت عليه الأنصار فبعد أن أسلم أخذ يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم مع رسول الله وموضعهم من النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

من سره كرم  الحيـاة فلا يزل

في مقنب من صالـحي الأنصـار

ورثوا المكارم كابرا عن كابـر

إن الخـيار هـم بنـو الأخيـار

الباذليـن نفوسـهم  لنبـيهم

يـوم  الهـياج وفتـنة الأجبـار

الذائـدين الناس عن أديانـهم

بالمـشرفـي  وبالقـنا الخطـار

والبائعـين نفوسـهم لنبيهـم

للـموت يـوم تعانـق وكـرار

يتطهرون  يرونه نسكـا لهـم

بدمـاء من علقـوا من الكفـار

وإذا حللت ليمنعـوك إليهـم

أصبحت  عند معاقـل الأغفـار

ضربوا علياً يوم بـدر ضربـة

دانـت لوقعـتها جـنود نـزار

قوم إذا  خفت النجوم فإنـهم

للطارقـين النازلـين مـقـاري

لو يعلم الأقوام علمـي كلـه

فيهم لصدقنـي الذيـن أمـارى

 هكذا أورده الحافـظ بن القيم في زاد المعاد، وذكره الهيثمـي في مجمع الزوائـد (9: 393) وقال رواه الطبراني ورجاله إلى ابن إسحاق ثقات. قلت وابن إسحاق الكلام فيه كثير إلا أن أكثر أئمة الجرح والتعديل يوثقونه ويردون من يجرح فيه وغاية ما يمكن أن يقال فيه إنه صدوق مدلس إلا أنه هنا صرح بالسماع من عاصم.

وقد ذكر قصة كعب ابن حجر في الإصابة عن أبي عاصم بسنده إلى الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير عن أبيه عن جده. وذكرها عن ابن قانع من طريق الزبير بن بكار عن بعض أهل المدينة عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب[3] وقد روى عن سعيد بن المسيب بسند متصل عند محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء.. وقد روى قصة كعب بن زهير من الأئمة أيضا الحاكم في المستدرك[4] والبيهقي في سننه[5].

ومما أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه أحمد عن عبد الرحمن بن بكرة عن الأسود بن سريع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني قد حمدت ربي بمحامد ومدح وإياك فقال رسول الله:" أما إن ربك يحب المدح هات ما امتدحت به ربك" قال: فجعلت أنشده, فجاء رجل فاستأذن أو لم أصلع أعسر أيسر قال: فاستنصتني له رسول الله, ووصف لنا أبو سلمة كيف استنصته قال: كما صنع بالهر, فدخل الرجل فتكلم ساعة ثم خرج ثم أخذت أنشده أيضا ثم رجع بعد فاستنصتني رسول الله, ووصفه أيضا, فقلت: يا رسول الله من ذا الذي استنصتني له؟ فقال: "هذا رجل لا يحب الباطل هذا عمر بن الخطاب"[6].

ومنه ما روى عن النابغة الجعدي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته من قولي:

علونا العـباد عفـة وتكرمـا

وإنا لنرجو فوق ذلـك مظهـرا

قال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة. قال: "أجل إن شاء الله".

ثم قال: أنشدني, فأنشدته قولي:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفـوه أن يكـدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد  الأمر أصـدرا

قال: "أحسنت لا يفضض الله فاك".

قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه يعلى بن الأشدق ضعيف"[7].

قلت: لكنه توبع, وقد ذكر ابن حجر في الإصابة هذا الحديث بست طرق عن النابغة الجعدي[8].

وذكرها كذلك ابن عبد البر في الاستيعاب والقصيدة حوالي مائتي بيت أورد منها ابن عبد البر ما يلي:

خليلي عوجا ساعة وتهجرا

ولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا

تذكرت والذكرى تهيج للفتى

ومن حاجة المحزون أن يتذكرا

نداماي عند المنذر بن مـحرق

أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

تقضي زمان الوصل بيني وبينها

ولم ينقض  الشوق الذي كان أكثرا

وإني  لأستشفي برؤية  جارها

إذا ما  لقـاؤها علـي  تعـذرا

وألقى على جيرانها مسحة الهوى

وإن لم يكونوا لي قبيلا ومعشـرا

ترديت ثوب الذل يوم لقيتـها

وكـان ردائـي نخـوة وتجبـرا

حسبنا زمانا كل بيضاء شحمة

ليالي إذ تغدوا[9] جـذاما وحميـرا

إلى أن لقينا الحي بكر بن وائل

ثمانين ألفـا دارعـين وحسـرا

فلما قرعنا النبغ بالنبغ بعضـه

ببعض أبت عـيدانه أن تكسـرا

سقيناهم كأسا سقونا بمثلـها

ولكننا كنـا على الموت أصبـرا

بنفسي وأهلي عصبة سليمـة

يعدون  للهيجا عناجـح ضمـرا

وقالوا لنا أحيوا لنا من قتلـتم

لقد جئتم إداً من الأمـر منكـرا

ولسنا نرد الروح في جسم ميت

وكنا نسل الروح مـمن تيسـرا

نميت ولا  نحي كذاك صنيـغا

إذا البطل الحامي إلى الموت أهجرا

ملكنا فلم  نكشف قناعا لحرة

ولم نستلب إلا  الحديد المسمـرا

ولو أننا شئنا سوى ذاك أصبحت

كرائمهم  فينا تبـاع وتشتـرى

ولكن أحسابا نمتنا إلى العلـى

وآباء  صدق  أن نـروم المحقـرا

وانا لقوم مـا نعـود خيلنـا

إذا ما  التقينا أن تحيـد وتنفـرا

وتنكر يوم الروع ألوان خيلنـا

من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا

وليس بمعروف لـنا أن نردهـا

صحاحا ولا مستنكرا أن تعقـرا

أتينا رسول الله إذ جاء بالهدى

ويتلو كـتابا  كالـمجرة نـيرا

بلغنا السماء مـجدنا وسناؤنـا

وإنا لنرجو فوق ذلـك مظهـرا

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفـوه أن يكـدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما  أورد الأمر أصـدرا

ومما أنشد بين يديه صلى الله عليه وسلم أيضا حديث الأعشى المازني واسمه عبد الله بن الأعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة وخرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن نهضل فجعلها خلف ظهره.. فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف فأتاه فقال: يا ابن عم عندك امرأتي معاذة فادفعها لي, قال: ليست عندي, ولو كانت عندي لم أدفعها إليك, قال: وكان مطرف أعز منه فخرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعاذ به وأنشأ يقول:

يا سيد الناس وديـان العـرب

إليك أشكو ذربـة من الـذرب

كالذبية العلساء في ظل السـرب

خرجت أبغيها الطعام في رجـب

فخـلفتـني بـنزاع وهـرب

أخلفت العهد ولطـت بالذنـب

وقذفتني بين عيـص مؤتشـب

وهن شر غالـب لـمن غلـب

 قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "وهن شر غالب لمن غلب"

قال الهيثمي: "رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات".

ومنه ما رواه ابن عبد البر وابن حجر في الإصابة "أن قتيلة بنت النضر بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أباها صبرا يوم بدر كتبت إليه:

يـا راكبا إن الأثـيل مظنـة

من صبح  خامسة وأنت موفـق

أبلـغ به ميـتا فـإن تحـية

ما إن تزال بها الجنائـب تخفـق

مني إلـيه وعـبرة مسفوحـة

جاءت بواكفها وأخـرى تخنـق

هل تسمعن النضـر إن ناديـته

بل كيف تسمع ميـتا لا ينطـق

ظلت سيوف بني أبيه تنوشـه

لله  أرحـام هنـاك تشـقـق

صبرا يقـاد إلى المنـية متعـبا

رسف المقيد وهو عـان موثـق