|
|
|
شبَابُ الأمة عنوان مستقبلها
|
|
بقلم
الشيخ محمد أبو فرحة
|
|
|
المدرس في الجامعة |
|
|
|
|
|
شباب كل أمة هو موضع رجائها،
ومعقد آمالها، فإذا أردت أن تعرف مستقبل أمة.. ومصير دولة.. دقق النظر في شبابها
فهم عدة المستقبل وهم رجاله، منهم الوجهون والقادة، ومنهم المربون والآباء.. |
|
|
فإن رأيت شبابا صلب الإرادة،
قوي العزيمة، مخلصا لدينه، ومحبا لوطنه، شبانا ينهضون بأعمالهم، وموظفين يهتمون
بمصالح أمتهم وعمالا يحسنون عملهم، ويتقنون صناعاتهم، وتجارا أمناء في بيعهم
وشرائهم، ومدرسين يعملون جادين في بناء جيل صالح من تلاميذهم، جيل يؤمن بمبادئ الخير
والعدل، كما قررها الإسلام، ورأيت طلابا يحرصون على التعليم وعلى التفوق في
تعليمهم، فاعلم أن الأمة بخير، وأن مستقبلها إن شاء الله تعالى، سيكون زاهرا،
المجد ينتظرها، والقوة تحرسها، والعلم يخدمها، والأخلاق تصونها من الانهيار. |
|
|
أما إذا رأيت شبابا متسكعا في الطرقات،
وشابات جاهلات لاهيات، ورائحات غاديات، ولا هم للجميع إلا الإسراف والتباهي
بالمأكل والملبس والمسكن، ورأيت تجارا صار الغش ديدنا وعمالا أصبح الإهمال لهم
دستورا، لا يحرصون على تعلم الجديد، ولا يحسنون ما تعلموه، ولا يتقنون صناعته،
ولا يحاولون أن يسايروا ركب الحياة السريع في شئون الحياة، ورأيت شبانا ملأهم
الغرور، وسيطرت عليهم الغفلة، فجهلوا واقعهم وواقع الناس، ولم يتنافسوا في السبق
إلى معالي الأمور: فاعلم أن الأمة على خط الضلالة، وهي على شفا جرف، لابد وأن
ينهار بها، فتنتكس على أعقابها، وتخسر ما كسبته بجهادها وتضحياتها، ويصدق في
شبابها قول القائل: |
|
شباب خنع لا خير فيهم
|
وبورك
في الشباب الطامحينا
|
|
من أجل هذا طالب الإسلام أولى
الأمر: حكاما وآباء ومربين أن يدرسوا بعقل الفاحص المدقق، حياة أممهم، ومظاهر
شبابها، وخاصة الجيل الصاعد من الأبناء والبنات، لأن أولياء الأمور، هم الأمناء
على مستقبل الأمة، وهم القوامون على شؤونها والمسئولون عن توجيهها، كل في دائرة
اختصاصه، والشعب أمانة بين أيديهم، وهم رعاته استرعاهم الله إياه، فناظر ماذا
يفعلون: " إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ
أم ضيع ", " كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته ... الحديث " |
|
|
إن صبيان اليوم وشباب الساعة،
هم رجال المستقبل القريب وزعماؤه، وآباؤه وموجهوه، فإن نشئوا على العقيدة
الصحيحة، والأمانة الحقة، وعلى الاعتزاز بالدين، وعلى حب الأمة، وعلى النظر
للأمور والمشاكل بعين التعقل والروية، وحسبان العواقب، لا بعين العاطفة الهائجة،
والرغبة الثائرة، فسيقودون الأمة إلى العزة والكرامة، وإن ألمت بها الخطوب،
وأحاطت بها الأمواج، أخذوا بيدها إلى بر السلامة وشاطئ الأمان. |
|
|
أما إن تركوا من غير توجيه
حقيقي، وأهملوا بلا تعليم موضوعي، أو رتعوا في النعيم، ولانت أظافرهم، أو شعروا
بالحرمان من قومهم، تعقدت نفوسهم، وانحرفوا عن سنن الحق واستهانوا بالقيم
العالية، وسهلت عليهم المبادئ فداسوها. فإذا ما سلمت إلى هذا الشباب قيادة
الأمة، ليوجه دفتها، وأسند إليه زمام الجيل اللاحق ليرود له الطريق وهو لا يحسن
عملا، تنازعته الأهواء وسار بمجتمعه إلى
الهاوية، فتنتكس الأمور، وتضيع المكاسب، وتظهر المخاسير، وترتد الأمة على
أعقابها، ويحل بها الدمار، تحقيقا لسنة الله في الوجود {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا
تَدْمِيراً}. وتلك من السنن التي لا تتخلف مهما اختلفت الأزمان
والأجيال، ولا تتغير مهما تغيرت الأماكن والأوطان {سُنَّةَ
اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً}. |
|
|
ولأمر ما كان الإسلام هو الدين
الوحيد، الذي عني بالأجنة، قبل أن تكون خيالا يمر على فكر الأبوين، وقبل أن
يلتقي عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، فأمر بأن يتخير الرجل المزرعة الصالحة
لنطفته، لأن العرق دساس؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "تنكح
المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك"
متفق عليه، وكان الواقع تصديقا لخبر الرسول وأمره على طول صفحة التاريخ الممتدة
عبر القرون. |
|
|
كما وجه الأنظار، إلى ما يستقر
في الأصلاب، مما يتحول مع الليالي والأيام إلى عيال وأجيال فعلم الزوجين، في أول
اللقاء بينهما، ووقت جوعهما الجنسي، ولذتهما الغامرة وغفلتهما عن كل شيء، علمهما
أن يستعيذا بالله في خشوع ودعاء، وأن يرددا في وعي وقصيد ورجاء: "اللهم جنبنا وجنب الشيطان ما رزقتنا"
ليحصنا من الشيطان ما عساه يتكون من جنين في هذا اللقاء. |
|
|
كما حرم الإجهاض وقرر المسئولية
على من يصيب الجنين بأضرار، وطالب ولي الأمر، عندما تشرق طلعة الضيف الجديد في
أفق الحياة أن يسمعه أول صوت في الوجود "الله أكبر الله أكبر" تأكيدا
لزرع بذور الدين في نفس الوالدين والوليد وأن يطعمه حلو الطعام عسى أن يكون عذب
الكلام، وأمر العقيقة وقص الشعر والصدقة والختان واختيار أحسن الأسماء والتعليم
لم يغفل عنها الإسلام. |
|
|
أبعد أن
يعني الإسلام بأفلاذ أكبادنا هذه العناية, وبعد أن تتفتح براعمهم نتركهم في مهب
الرياح ؟ أو نسلمهم لخادمة جاهلة تعقد نفوسهم وتفسد أخلاقهم ؟ أو نبعث بهم إلى
مدارس الأجانب - كما في بعض دول الإسلام - ليعلموهم: كيف يحتقرون أهليهم وذويهم،
وكيف يسخرون من دينهم. وكيف يتعلقون بـ "يسوع المسيح " من دون الله
؟؟!!! |
|
|
إنه لا يصلح لتربية الجيل الذي
ينتظر منه أن يعيد للإسلام مكانته: إلا مدرسون ومدرسات وأمهات، درسوا نفسية
الأطفال، وأصول التربية الإسلامية " لا الزائفة البراقة المستوردة فليس كل
ما يلمع ذهبا"، يفتتح الواحد منهم أعماله كلها أمام أبنائه ببسم الله
الرحمن الرحيم ويفتح أذهانهم على كون الله الفسيح، ويطلق بأضوائه الكاشفة على
عظمة الإسلام، ويشيد بأبطاله، ويكون هو قدوة في العمل والجد لهؤلاء، فلا يترك
أمرا أو حادثة للإسلام فيها جانب، إلا أكد بها إيمان الأطفال والناشئين بربهم. |
|
|
إن كل أب وكل أم وكل مدرس وكل
مدرسة مسئول مسئولية شخصية عن أولاده وعمن يوكل إليهم أمر تعليمهم، ولا يقبل منه
اعتذار بمشغوليته بتجارة أو غيرها. |
|
|
فيا أيها المشغول بحاضره عن
مستقبله، وبأمواله عن أبنائه، وبلذاته عن بناته، ماذا تنتظرون من ربكم إلا أن
يجري عليكم سنته فيمن كان قبلكم؟ إن ابنك وصل لماضيك بحاضرك، ووصل لحاضرك
بمستقبلك، وامتداد لحياتك بعد وفاتك، فإما أن تجعل هذا المستقبل سعادة وهناءة،
أو تجعله شقاء ومهانة. |
|
|
إن الصبي أمانة بين يديك، وقلبه
الطاهر جوهرة نقية، وصحيفة خيرة بيضاء وعجينة لينة تشكلها كما تحب أن تكون، فإن
عوّدته الخير، تعوّده وانطبع عليه، ومال إليه، وسعد في دنياه وأخراه، وانتفع به
دينه، وفرحت به أمته، وشاركه الثواب أبواه، وكل من أدبه وعلمه ورباه، يقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "
- أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري في المفرد -. |
|
وينشأ ناشئ الفتيان منـا
|
على ما كان عـوده أبـوه |
|
وإن عودته الشر تعوده ومرن
عليه، واستساغه ومال إليه، وإن أهملته تولى الشيطان تربيته، وكان الهلاك محققا،
وكان الوزر عليك مؤكدا، وبقيت المسئولية تلاحقك، وتأخذ بتلابيبك حتى تقف بين يدي
الله، فإن "كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". |
|
|
علموا أولادكم وبناتكم واقع
حياتهم، ليعرفوا عيوبهم فيتحاشوها، ويعرفوا محاسنهم، فيستزيدوا منها، وادفعوهم
إلى العمل الجاد المثمر، واغرسوا في نفس الجيل الناشئ أمامكم ألا يحتقر عملا، ما
دام لمصلحة الأمة، وإن عليه أن يملأ أماكن الأعمال كبيرها وصغيرها، وألا يترك
لدخيل ثغرة ينفذ منها إلى ثروة أمته، أو إلى التحكم في مواردها تجارية كانت أو
زراعية أو صناعية. |
|
|
أشعلوا
جمرة الإيمان بالله في نفوس الأولاد وصدورهم، البنين والبنات على السواء واشرحوا
لهم عزة الإسلام، وبطولة أبطاله، في قصص يقرءونها، وتحكيها الأمهات والمربيات
وتنشدها لهم مع الصباح وفي المساء، بأسلوب يجعل معانيها تصل إلى القلب ثم تجري
مع الدماء. |
|
|
علموهم أن هذا العالم الإسلامي،
كان ولا يزال مركزا
"استراتيجيا" للقوة ومشعلا للهداية والنور، تضافرت عليه عوامل
الفساد والضعف، من يوم أن جاست فيه جيوش الاحتلال غازية، يوم أن انصرف قادة
المسلمين عن دين الله، وتهاونوا في حق الأمة. |
|
|
علموهم أن حكم أنفسهم
بأنفسهم اليوم في بعض الدول، لم يكن منحة ولا هبة، ولكنه ثمرة من ثمرات ذلك
الجهاد المتواصل، ضد الظلم الذي تحمله الآباء والأجداد في جلد، وجاهدوه في عنف،
وبعد أن ظل الوطن يئن تحته ومنه العديد من السنوات. |
|
|
علموهم أن من الخطوة البالغة
على كل أمة، أن تقعد عن مواصلة الجهاد كما أمر الله، حتى ولو بعد الوصول إلى
الاستقلال، إن العدو الذي ذاق طعم خيراتنا وتمتع بالسيطرة علينا فترة من الزمن،
لا يزال يحلق فوق رؤوسنا، عساه يجد فرصة ينقض علينا لامتصاص دمائنا وإذلالنا من
جديد، وإنه كذلك من الخطورة على أية أمة، ألا تعمل في كل يوم على كسب الجديد من
أساليب الحياة، ترقي به مستواها، وتصل به إلى الجديد من العلوم والاكتشافات بما
يرفع شأنها ويقوي جيشها وعزمها، وتستغل بنفسها خيراتها، وإلا تجمدت حياتها
وأصبحت عالة وتابعة لغيرها، مهما كثرت أعدادها وأموالها، ثم تصبح فريسة من جديد. |
|
|
نشئوا أولادكم على الخشونة
والجلادة، وتحمل المسئولية، وتحمل شدائد الحياة ومكارهها، وعلموهم أن من يطلب
معالي الأمور لابد أن يتحلى بعناصر الرجولة الرشيدة، حتى يستطيع التغلب على
مشاكل الحياة، التي لا تنتهي، وأزماتها المتتابعة التي تساير همم الرجال صعودا
وهبوطا والأمثل فالأمثل. |
|
|
لقد فتق الرسول صلى الله عليه
وسلم أذهان الصبيان والشباب من أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا الفئة القليلة
التي غلبت الفئة الكثيرة بإذن الله, والله مع الصابرين، لكنهم لما خرجوا عن
الأمر ولو متأولين أطبقت عليهم الهزيمة من كل أفق فلما أن عادوا إلى ربهم أعاد
الله نصره إليهم، فجعل منهم رعاة الدول بعد أن كانوا رعاة الشاة والإبل، وغدوا
يخططون لدهاقنة السياسة والحكم، في عريق الأمم، بعد أن كانوا كالبهم السائمة،
فوق رمال الصحراء يتيهون في فدافد الأرض، لا مرعى يجود لهم، ولا راع يجمع شملهم {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا
عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. |
|
|
يا أولياء الأمور، بين أيديكم
خامات إنسانية قيمة وغير محدودة أهملت كما أهمل الجيل السابق عليها ردحا طويلا
من الزمن عن قصد وعمد، وأمامكم عناصر طيبة، من الأبناء والبنات، فلا تتركوها في
مهب الرياح معرضة للتيارات المتلاحقة، من الدعايات المغرضة، والأفكار المسمومة،
التي تدرس وتخطط لنا ولأبنائنا في الشرق والغرب على السواء، والتي يراد بها صرف
الشباب المسلم عن مستقبله، ولتنأى به عن دينه ولتزعزع عقيدته، ولتباعد بينه وبين
إخوانه ولتفقده الثقة في أمته حتى يتقبل ما يرد عليه من أفكار، ويعتنق ما يزيف
له من مبادئ. |
|
|
كونوا
قدوة لأبنائكم في كريم الفعال وجميل الخصال، فإن ألف قول لا تساوي في موازين
التربية عملا واحدا، واحذروا أن يطلعوا منكم على قبيح ابتليتم به أو نقيصة أصبتم
بها؛ لأنه " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه
وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " رواه مسلم. |
|
|
أخي
القارئ، إن الحياة جادة لا تهزل، سائرة لا تقف، تهزأ بالغافل، وتسخر من اللاهي
وتتوعد الكسول، ولن تترك النائم حتى يستيقظ، ولا المهمل حتى يجد {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. |
|