|
|
||
|
|
||
دفع
إيهام الاضطراب
|
||
|
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي |
||
|
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة |
||
|
|
||
|
سورة مريم |
||
|
قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} الآية. هذه
الآية الكريمة تدل على أن كل الناس لابد لهم من ورود النار وأكد ذلك بقوله: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} وقد
جاء في آية أخرى ما يدل على أن بعض الناس مبعد عنها لا يسمع لها حساً وهي قوله
تعالى: {أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ, لا
يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} الآية. |
||
|
والجواب هو ما ذكره الألوسي
وغيره من أن معنى قوله: {مُبْعَدُونَ}:
أي عن عذاب النار وألمها. وقيل: المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها,
ويدل للوجه الأول ما أخرجه الإمام أحمد والحكيم الترمذي وابن المنذر والحاكم
وصححه وجماعة عن أبي سمية قال: "اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها
مؤمن وقال آخر: يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر ابن عبد
الله رضي الله عنه فذكرت ذلك له, فقال- وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه-: صمتا إن لم
أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا
يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على
إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي الله الذين
اتقوا". وروى جماعة عن ابن مسعود أن ورود النار هو المرور
عليها"؛ لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم. وأخرج عبد
بن عبد حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن الورود: المرور عليها من غير دخول.
وروى ذلك أيضا عن قتادة قاله الألوسي. |
||
|
واستدل القائلون بأن الورود نفس
الدخول كابن عباس بقوله تعالى: {فَأَوْرَدَهُمُ
النَّارَ} وقوله: {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ
آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} وقوله: {حَصَبُ
جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، فالورود في ذلك كله بمعنى
الدخول واستدل القائلون بأن الورود القرب منها من غير دخول بقوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ}، وقول زهير: |
||
|
فلما وردن الماء زرفاً جمـامة |
وضعن عصى الحاضر المتخيـم |
|
|
سورة
طه |
||
|
|
||
|
قوله تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}
هذه الآية الكريمة يتوهم منها أنه جل وعلا لم يخفها بالفعل ولكنه قارب أن
يخفيها؛ لأن (كاد) فعل مقاربة. وقد جاء في آيات أخر التصريح بأنه أخفاها كقوله
تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن المراد
بمفاتح الخمس المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية. وكقوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} وقوله:
{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} إلى
غير ذلك من الآيات. والجواب من سبعة أوجه: |
||
|
الأول: وهو الراجح، أن معنى
الآية أكاد أخفيها من نفسي أي لو كان ذلك يمكن وهذا على عادة العرب؛ لأن القرآن
نزل بلغتهم والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال كتمته من نفسي أي
لا أبوح به لأحد، ومنه قول الشاعر: |
||
|
أيام تصحبني هند وأخبرهـا |
ما كدت أكتمه عني من الخـير |
|
|
ونظير هذا من المبالغة قوله صلى
الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله "ورجل
تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وهذا القول
مروي عن أكثر المفسرين, وممن قال به ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح كما نقله
عنهم ابن جرير وجعفر الصادق كما نقله عنه الألوسي في تفسيره ويؤيد هذا القول أن
في مصحف أُبيّ (أكاد أخفيها من نفسي) كما نقله الألوسي وغيره وروى ابن خالويه
أنها في مصحف أبي كذلك بزيادة (فكيف أظهركم عليها) وفي بعض القراءات بزيادة
(فكيف أظهرها لكم) وفي مصحف عبد الله ابن مسعود بزيادة (فكيف يعلمها مخلوق) كما
نقله الألوسي وغيره. |
||
|
الوجه الثاني: أن معنى
الآية أكاد أخفيها أي أخفي الأخبار بأنها آتية والمعنى أقرب أن أترك الأخبار عن
إتيانها من أصله لشدة إخفائي لتعيين وقت إتيانها. |
||
|
الوجه الثالث: أن الهمزة في
قوله: (أخفيها) هي همزة السلب لأن العرب كثيرا ما تجعل الهمزة أداة لسلب الفعل
كقولهم شكا إلي فلان فأشكيته أي أزلت شكايته وقولهم عقل البعير فأعقلته أي أزلت
عقاله وعلى هذا فالمعنى أكاد أخفيها أي أزيل خفاءها بأن أظهرها لقرب وقتها كما
قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}.
الآية. وهذا القول مروي عن أبي علي كما نقله عنه الألوسي في تفسيره ونقله
النيسابوري في تفسيره عن أبي الفتح الموصلي ومنه قول امرئ القيس ابن عابس
الكندي: |
||
|
فإن تدفنوا الـداء
لا نخفـه |
وإن تبعثوا الـحرب لا نقعـد |
|
|
على رواية ضم النون من لا نخفه
وقد نقل ابن جرير في تفسير هذه الآية عن معمر بن المثنى أنه قال: أنشدنيه أبو
الخطاب عن أهله في بلده بضم النون من لا نخفه ومعناه لا نظهره أما على الرواية المشهورة بفتح النون من لا نخفه
فلا شاهد في البيت إلا على قراءة من قرأ أكاد أخفيها بفتح الهمزة وممن قرأ بذلك
أبو الدرداء وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وحميد وروي مثل ذلك عن ابن كثير وعاصم
وإطلاق خفاه يخفيه بفتح الياء بمعنى أظهره إطلاق مشهور صحيح إلا أن القراءة به
لا تخلو من شذوذ ومنه البيت المذكور على رواية فتح النون وقول كعب بن زهير أو
غيره: |
||
|
داب شهرين ثم شهرا دميـكا |
بـاريكـين يخفـيان غمـيرا |
|
|
أي يظهرانه. وقول امرئ القيس: |
||
|
خفاهن
من إنفاقهن كأنـما |
خفاهن ودق من عشى مجـلب |
|
|
الوجه الرابع: أن خبر كاد محذوف
والمعنى على هذا القول أن الساعة آتية أكاد أظهرها فحذف الخبر ثم ابتدأ الكلام
بقوله: {أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
تَسْعَى}, ونظير ذلك من كلام العرب قول ضابئي ابن الحرث البرجمي: |
||
|
هممت ولم أفعل وكدت وليتني |
تركت على عثمان تبكي حلائله |
|
|
يعني وكدت أفعل. |
||
|
الوجه الخامس: أن كاد تأتي
بمعنى أراد وعليه فمعنى أكاد أخفيها أريد أن أخفيها وإلى هذا القول ذهب الأخفش
وابن الأنباري وأبو مسلم كما نقله عنهم الألوسي وغيره قال ابن جني في المحتسب
ومن مجيء كاد بمعنى أراد قول الشاعر: |
||
|
كادت وكدت وتلك خير إرادة |
لو عاد من لهو الصبابة ما مضى |
|
|
كما نقله عنه الألوسي. وقال بعض
العلماء أن من مجيء كاد بمعنى أراد قوله تعالى: {
كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي أردنا له كما ذكره النيسابوري وغيره
ومنه قول العرب لا أفعل كذا ولا أكاد أي لا أريد كما نقله بعضهم. |
||
|
الوجه السادس: أن كاد من الله
تدل على الوجوب كما دلت عليه عسى في كلامه تعالى نحو {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً} أي هو قريب وعلى هذا
فمعنى أكاد أخفيها أنا أخفيها. |
||
|
الوجه السابع: أن كاد صلة وعليه
فالمعنى أن الساعة آتية أخفيها لتجزى الآية. واستدل قائل هذا القول بقول زيد
الخيل: |
||
|
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه |
فما أن يكـاد قـرنه يتنفـس |
|
|
أي فما يتنفس قرنه. قالوا: ومن
هذا القبيل قوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}
أي لم يرها وقول ذي الرمة: |
||
|
إذا
غير النأي المحبين لم يـكد |
رسيس الهوى من حب مية يبرج |
|
|
أي لم يبرح على قول هذا القائل,
قالوا ومن هذا المعنى قول أبي النجم: |
||
|
وإن
أتاك نعي فانـدبن أبـا |
قد كاد يطلع الأعداء والخطـبا |
|
|
أي قد اطلع الأعداء. |
||
|
وقد قدمنا أن أرجح الأقوال
الأول والعلم عند الله تعالى. |
||
|
قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي, يَفْقَهُوا قَوْلِي}
لا يخفى أنه من سؤل موسى الذي قال له ربه أنه آتاه إياه بقوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} وذلك
صريح في حل العقدة من لسانه, وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على بقاء شيء من الذي
كان بلسانه كقوله تعالى عن فرعون: {أَمْ أَنَا
خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}. |
||
|
وقوله تعالى عن موسى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً
فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ}. الآية. |
||
|
والجواب أن موسى- عليه وعلى
نبينا الصلاة والسلام- لم يسأل زوال ما كان بلسانه بالكلية وإنما سأل زوال القدر
المانع من أن يفقهوا قوله كما يدل عليه قوله: {يَفْقَهُوا
قَوْلِي}. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} ما نصه: وما
سأل أن يزول ذلك بالكلية بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر
الحاجة ولو سأل الجميع لزال, ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة ولهذا
بقيت بقية, قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: {أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}
أي يفصح بالكلام. قال الحسن البصري: {وَاحْلُلْ
عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} قال:" حل عقدة واحدة ولو سأل أكثر من
ذلك أعطى" وقال ابن عباس:" شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في
القتيل وعقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه
أن يعينه بأخيه هارون يكون ردءا له ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه
سؤله فحل عقدة من لسانه", وقال ابن أبي حاتم: "ذكر عن عمر بن عثمان
حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو
قرابة له فقال له: ما بك بأس لو لا أنك تلحن في كلامك ولست تعرب في قراءتك فقال
القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال نعم, قال: فإن موسى عليه السلام
إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل قوله ولم يزد
عليها". انتهى كلام ابن كثير بلفظه وقد نقل فيه عن الحسن البصري وابن عباس
ومحمد بن كعب القرظي ما ذكرنا من الجواب ويمكن أن يجاب أيضا بأن فرعون كذب عليه
في قوله: {وَلا يَكَادُ يُبِينُ} كما
كذب على الله في إدعاء الربوبية وأن قوله: {هُوَ
أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} يدل على اشتراكه مع هارون في الفصاحة
فكلاهما فصيح إلا أن هارون أفصح وعليه فلا إشكال والعلم عند الله تعالى. |
||
|
قوله
تعالى: {فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ}.
الآية. يدل على أنهما رسولان وهما موسى وهارون وقوله تعالى: {فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}،
يوهم كون الرسول واحد. والجواب من وجهين: |
||
|
الأول: أن معنى قوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ} أي كل واحد منا رسول رب العالمين كقول
البرجمي: فإني وقياراً بها لغريب. |
||
|
وإنما ساغ هذا لظهور المراد من
سياق الكلام. |
||
|
الوجه الثاني: أن أصل الرسول
مصدر كالقبول والولوع فاستعمل في الاسم فجاز جمعه وتثنيته نظرا إلى كونه بمعنى
الوصف وساغ إفراده مع إرادة المثنى أو الجمع نظرا إلى الأصل من كونه مصدرا ومن
إطلاق الرسول على غير المفرد قول الشاعر: |
||
|
ألكنى إليها وخير الرسول |
أعلمهم بنواحي الخبر |
|
|
يعني وخير الرسل, وإطلاق الرسول
مرادا به المصدر كثير ومنه قوله: |
||
|
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم |
بقول ولا أرسلتهم برسول |
|
|
يعني برسالة. |
||
|
قوله تعالى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى}. |
||
|
قوله تعالى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا} يقتضي أن المخاطب
اثنان وقوله: {يَا مُوسَى} يقتضي أن
المخاطب واحد والجواب من ثلاثة أوجه: |
||
|
الأول: أن فرعون أراد
خطاب موسى وحده والمخاطب أن اشترك معه في الكلام غير مخاطب غلب المخاطب على غيره
كما لو خاطبت رجلا اشترك معه آخر في شأن والثاني غائب فإنك تقول للحاضر منهما ما
بالكما فعلتما كذا والمخاطب واحد وهذا ظاهر. |
||
|
الوجه الثاني: أنه
خاطبهما معا وخص موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة. |
||
|
الثالث: أنه خاطبهما
معا وخص موسى بالنداء لمطابقة رؤوس الآي مع ظهور المراد ونظير الآية قوله تعالى:
{فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ
فَتَشْقَى} ويجاب عنه بأن المرأة تبع لزوجها وبأن شقاء الكد والعمل
يتولاه الرجال أكثر من النساء, وبأن الخطاب لآدم وحده والمرأة ذكرت فيما خوطب به
آدم بدليل قوله: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ
وَلِزَوْجِكَ} فهي ذكرت فيما خوطب به آدم؛ والمخاطب عند الله تعالى. |
||
|
قوله تعالى: {وَلَقَدْ
عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ}. ظاهر هذه الآية أن آدم
ناس للعهد بالنهي عن أكل الشجرة؛ لأن الشيطان قاسمه بالله أنه له ناصح حتى دلاه
بغرور وأنساه العهد وعليه فهو معذور لا عاص. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك
وهي قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}. |
||
|
والجواب عن هذا من وجهين: |
||
|
الأول: هو ما قدمنا من عدم العذر
بالنسيان لغير هذه الأمة. |
||
|
الثاني: أن نسي بمعنى ترك, والعرب
ربما أطلقت النسيان بمعنى الترك ومنه قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ
نَنْسَاهُمْ}. الآية. والعلم عند الله تعالى. |
||
سورة الأنبياء
|
||
|
قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}.
هذه الآية تدل على أن جميع المعبودات مع عابديها في النار. |
||
|
وقد أشارت آيات أخر إلى أن بعض
المعبودين كعيسى والملائكة ليسوا من أهل النار كقوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً}
الآية, وقوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُ
لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى
رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}. الآية. |
||
|
والجواب من وجهين: |
||
|
الأول: أن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى لتعبيره
بما الدالة على غير العاقل، وقد أشار تعالى إلى هذا الجواب بقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ
خَصِمُونَ}، لأنهم لو أنصفوا لما ادعوا دخول العقلاء في لفظ لا
يتناولهم لغة. |
||
|
الثاني: أن الملائكة وعيسى نص الله على إخراجهم من هذا دفعا
للتوهم ولهذه الحجة الباطلة بقوله: {إِنَّ
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}
الآية, قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ},
عبر في هذه الآية الكريمة بلفظ (إنما) وهي تدل على الحصر عند الجمهور وعليه فهي
تدل على حصر الوحي في توحيد الألوهية وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه أوصى إليه
غير ذلك كقوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ
اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنّ} الآية, وقوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ},
وقوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الآية. |
||
|
والجواب أن حصر الوحي في توحيد الألوهية حصر له في أصله
الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع لأن شرائع كل الأنبياء داخلة في ضمن لا إله
إلا الله لأن معناها خلع كل الأنداد سوى الله في جميع أنواع العبادات وإفراد
الله بجميع أنواع العبادات فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية
والاعتقادية. |
||
|
سورة الحج |
||
|
قوله تعالى: {أُذِنَ
لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}, هذه الآية الكريمة
تدل على أن قتال الكفار مأذون فيه لا واجب وقد جاءت آيات تدل على وجوبه كقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ} الآية, وقوله: {وَقَاتِلُوا
الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} الآية, إلى غير ذلك من الآيات. والجواب
ظاهر وهو أنه أذن فيه أولا من غير إيجاب ثم أوجب بعد ذلك كما تقدم في سورة
البقرة, ويدل لهذا ما قاله ابن عباس وعروة ابن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن
حيان وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير وغيره من أن آية {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} هي أول آية
نزلت في الجهاد والعلم عند الله تعال. |
||
|
قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لا
تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
|
||
|
ظاهر هذه الآية أن الأبصار لا تعمى،
وقد جاءت آيات أخر تدل على عمى الأبصار كقوله: {أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ},
وكقوله: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ}. |
||
|
والجواب: أن التمييز بين الحق والباطل وبين الضار والنافع
وبين القبيح والحسن لما كان كله بالبصائر لا بالإبصار صار العمى الحقيقي هو عمى
البصائر لا عمى الأبصار ألا ترى أن صحة العينين لا تفيد مع عدم العقل كما هو
ضروري وقوله: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى
أَبْصَارَهُمْ} يعني بصائرهم أو أعمى أبصارهم عن الحق وإن رأت غيره. |
||
|
قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا
تَعُدُّونَ}. |
||
|
هذه الآية الكريمة تدل على أن مقدار اليوم عند الله ألف سنة
وكذلك قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ
السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}. |
||
|
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى في سورة
سأل سائل: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ
إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}
الآية, إعلم أولا أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل ابن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي
مليكة أنه حضر كلاً من ابن عباس وسعيد ابن المسيب سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما
يقول فيها ويقول لا أدري. |
||
|
وللجمع بينهما وجهان: |
||
|
الوجه الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن
عكرمة عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق
الله فيها السماوات و الأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر
وعروجه إليه تعالى. ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة. |
||
|
الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة وأن الاختلاف
باعتبار حال المؤمن والكافر؛ ويدل لهذا قوله تعالى: {فَذَلِكَ
يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} ذكر
هذين الوجهين صاحب الإتقان. والعلم عند الله. |
||
|
قوله تعالى: {وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}. الآية. هذه الآية الكريمة
تدل على أن كل رسول وكل نبي يلقى الشيطان في أمنيته أي تلاوته إذا تلا ومنه قول
الشاعر في عثمان رضي الله عنه: |
||
|
تمنى كتـاب
الله أول ليـلة |
وآخرها لاقى حـمام
المقـادر |
|
|
وقول الآخر: |
||
|
تمنى كتاب الله آخـر
ليـلة |
تمني داود الزبـور على
رسـل |
|
|
ومعنى تمنى في البيتين قرأ وتلا. وفي صحيح البخاري عن ابن
عباس أنه قال:" إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان في
حديثه". وقال بعض العلماء: "إذا تمنى أحب شيئا وأراده فكل نبي يتمنى
إيمان أمته والشيطان يلقى عليهم الوساوس والشبه ليصدهم عن سبيل الله, وعلى أن
(تمنى) بمعنى قرأ وتلا كما عليه الجمهور, فمعنى إلقاء الشيطان في تلاوته إلقاؤه
الشبه والوساوس فيما يتلوه النبي ليصد الناس عن الإيمان به, أو إلقاؤه في المتلو
ما ليس منه ليظن الكفار أنه منه, وهذه الآية لا تعارض بينها وبين الآيات المصرحة
بأن الشيطان لا سلطان له على عباد الله المؤمنين المتوكلين, ومعلوم أن خيارهم
الأنبياء كقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ
سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, إِنَّمَا
سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ
مُشْرِكُونَ}, وقوله تعالى: {إِنَّ
عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْغَاوِينَ}, وقوله: {فَبِعِزَّتِكَ
لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ},
وقوله: { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ
سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}, ووجه كون
الآيات لا تعارض بينها أن سلطان الشيطان المنفي عن المؤمنين المتوكلين في معناه
وجهان للعلماء: |
||
|
الأول: أن معنى السلطان الحجة الواضحة, وعليه فلا إشكال إذ
لا حجة مع الشيطان البتة كما اعترف به فيما ذكر الله عنه في قوله: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ
دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}. |
||
|
الثاني: أن معناه أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب
يهلكون به ولا يتوبون منه, فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء وغيرهما فإنه ذنب
مغفور لوقوع التوبة منه, فإلقاء الشيطان في أمنية النبي سواء فسرناها بالقراءة
أو التمني لإيمان أمته لا يتضمن سلطانا للشيطان على النبي بل هو من جنس الوسوسة
وإلقاء الشبه لصد الناس عن الحق كقوله: {وَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}
الآية, فإن قيل: ذكر كثير من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي صلى
الله عليه وسلم قرأ سورة النجم بمكة فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ
اللاَّتَ وَالْعُزَّى, وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ألقى
الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى) فلما بلغ آخر السورة
سجد وسجد معه المشركون والمسلمون وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم
وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى
رجع المهاجرون من الحبشة ظنا منهم أن قومهم أسلموا فوجدوهم على كفرهم, وعلى هذا
الذي ذكره كثير من المفسرين فسلطان الشيطان بلغ إلى حد أدخل به في القرآن على
لسان النبي صلى الله عليه وسلم الكفر البواح حسبما يقتضيه ظاهر القصة المزعومة. |
||
|
فالجواب: أن قصة الغرانيق مع استحالتها شرعا لم تثبت من
طريق صالح للاحتجاج, وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من العلماء كما بيناه بيانا
شافيا في رحلتنا, والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي
صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما, ومعلوم أن الكلبي متروك, وقد بين البزار أنها
لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع
في وصله, وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها
إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير, وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد
بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد, وهو وإن كان ثقة فقد شك في
وصلها؛ فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق حديث القصة المذكورة, وقال البزار:
" لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة
مشهور", وقال البزار: "وإنما يروى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن
عباس والكلبي متروك". فتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الطريق
الذي شك راويه في الوصل, وما كان كذلك فضعفه ظاهر, ولذا قال الحافظ ابن كثير في
تفسيره أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح, وقال العلامة الشوكاني في هذه القصة:
"ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه فقد
دفعه المحققون بكتاب الله كقوله: {وَلَوْ
تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ } الآية, وقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}, وقوله: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} الآية, فنفى المقاربة للركون فضلا عن
الركون", ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل وعن البيهقي
أنه قال: "هي غير ثابتة من جهة النقل" وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة
أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها عياض وابن العربي المالكي والفخر الرازي
وجماعات كثيرة, ومن أصرح الأدلة القرآنية في بطلانها أن النبي صلى الله عليه وسلم
قرأ بعد ذلك في سورة النجم قوله تعالى: {إِنْ هِيَ
إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} فلو فرضنا أنه قال تلك الغرانيق العلى ثم أبطل
ذلك بقوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ
سَمَّيْتُمُوهَا} فكيف يفرح المشركون بعد هذا الإبطال والذم التام
لأصنامهم بأنها أسماء بلا مسميات وهذا هو الأخير وقراءته صلى الله عليه وسلم
سورة النجم بمكة وسجود المشركين ثابت في الصحيح ولم يذكر فيه شيء من قصة
الغرانيق وعلى القول ببطلانها فلا إشكال وأما على القول بثبوت القصة كما هو رأي
الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: "إن هذه القصة ثبتت بثلاثة أسانيد
كلها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به
لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا
فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة من أحسنها وأقربها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات فلما قرأ {وَمَنَاةَ
الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} قال الشيطان لعنه الله محاكيا لصوته صلى
الله عليه وسلم: (تلك الغرانيق العلى الخ ..) فظن المشركون أن الصوت صوته صلى
الله عليه وسلم وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس, وقد بينا هذه المسألة
بيانا شافيا في رحلتنا فلذلك اختصرناها هنا فظهر أنه لا تعارض بين الآيات والعلم
عند الله تعالى. |
||