طباعة

 توثيق النص

 

 

 

البركة في الرزق والأسباب الجالبة لها في ضوء الكتاب والسنة

الدكتور عبد الله مرحول السوالمة

 

المقدَّمة

الحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، فتنة وابتلاءً منه لعباده ليميز الطائعين الشاكرين من العاصين الجاحدين. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد؛ فقد جعل الله سبحانه وتعالى رزقه يسع كل حيٍّ من مخلوقاته فضلاً منه ورحمة، فقدَّر رزق الإنسان، وكتبه والإنسان في بطن أمه، كما جاء عند مسلم[1]: "إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، ... ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد ...".

وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي الدرداء أنه قال: "إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله". عند كل من ابن أبي عاصم[2] والدراج[3] والبزار[4] وابن حبان[5]، والطبراني في الكبير[6]، والبيهقي[7]، بهذا اللفظ إلا أنه فيه عند الطبراني "أكثر مما يطلبه أجله" صححه البزار، وابن حبان، وقال الهيثمي رجاله ثقات[8]، وقال المنذري عقبه: رواه الطبراني بإسناد جيد.

وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله قَسَمَ بينكم أخلاقكم كما قَسَمَ بينكم أرزاقكم ..." من حديث ابن مسعود رواه أحمد[9] والحاكم[10]، وهو مطول عندهما وهذا جزء منه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) في ثلاثة مواطن من حديث ابن مسعود فقال في مرة: رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات[11]، وقال في موطن: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح[12]، وقال في الموطن الأخير[13]: رواه أحمد ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف.

ولحكمة أرادها الله - سبحانه وتعالى - جعل هذا التقدير، والتقسيم للأرزاق خافيًا على العباد مغيبًا عنهم، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}[14].

كما شاءت إرادته جل وعلا أن جعل المال محببًا إلى النفوس مرغوبًا فيه سجية وطبعًا فقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…}[15]، وقال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}[16].

وما من شك في أن المال فيه خير للإنسان إن أحسن استعماله في محاله وقد سماه تعالى خيرًا إذ قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}[17].

 وقال صلى الله عليه وسلم : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" طرف من حديث طويل لعمرو بن العاص  - رضي الله عنه - عند أحمد[18]، والطبراني[19]، وأبي يعلى[20]، هذا لفظ أحمد والطبراني، وعند أبي يعلى: "يا عمرو نعمَّا بالمال الصالح للرجل الصالح"، وقال الهيثمي[21]: رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، وقال العراقي: سنده جيد[22].

فالمال خير، وهو محبوب وصالح لازم لقضاء مصالح الإنسان في معاشه ومعاده إذ هو وسيلة لأداء كثير من العبادات من حج وعمرة، وزكاة، وصدقات، وكفارات ونذور، وصلة أرحام، وطلب علم وغيرها من المصالح.

والرزق وإن كان مكتوبًا بقضاء الله عز وجل كما سلف إلا أنه - سبحانه - يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها؛ ولهذا جاء الحض والأمر بالسَّعي في طلب الرزق أخذًا بالأسباب للازدياد من الخير وحصول البركة في المال، لكي تستمر الحياة عى وجه الأرض، فيكف الإنسان وجهه عن سؤال الآخرين ويتجنب ذلَّ الحاجة والعوز في معيشته.

وحتى يكون سعي الإنسان في طلب الرزق حسنًا مباركًا فيه رابحًا مشكورًا عليه، لا خسارة ووبالاً مردودًا عليه فقد أرشده الإسلام إلى دخول بيوت الرزق وحصول البركة والنماء فيه من أبوابها، وسلوك الأسباب الجالبة للخيرات والبركات دون غيرها.

ولما كان كثير من الناس - منذ زمن ليس بالقليل - قد ملك حب المال قلوبهم، واستولت شهوته تمامًا على نفوسهم، وكأنهم لأجل ذلك وحده خلقوا، فشمَّروا عن ساعد الجد، راكبين الصعب والذلول في الحصول على الأرزاق وتكثير الأموال، غير مكتفين في هذا الطلب والسعي بدخول بيوتات الرزق من أبوابها، بل مقتحمين من كل نافذة وطاقة بكل حرص وشراهة، غير متقيدين بالطرق المشروعة، ولا مبالين بالنتائج المقبوحة، وهم - مع هذا - أو أكثرهم يكثر الشكاية من القلة في الرزق، ومحق البركة من الرواتب والأموال، وعدم التوفيق في شؤون الحياة ومصالحها.

لهذا فقد رأيت أن أسهم بتذكير نفسي أولاً ثم بتذكير إخواني ثانيًا بكتابة هذا البحث "البركة في الرزق، والأسباب الجالبة لها"، الذي أرجو أن يكون نافعًا في بابه، وسببًا من الأسباب التي يشاء الله - عز وجل - إجراءها وسوقها لنفع عباده، وتذكيرهم ببعض مالهم وما عليهم فيما يخصهم في أرزاقهم.

وقد جعلت هذا البحث منتظمًا في مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وفهرسين، وذلك على النحو الآتي:

1 – المقدمة:

وفيها الإشارة إلى أهمية الموضوع، وسببه، وخطته.

2 - المبحث الأول:

وفيه مطلبان. الأول: فيه شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث، مع الإشارة إلى حدود البحث. الثاني: فيه المنهج الذي سرت عليه في أثناء البحث.

3 - المبحث الثاني :

ويشتمل على أهم الأسباب الجالبة للبركة، وفيه عشرة مطالب هي:

المطلب الأول : تقوى الله - عز وجل - والتقرب إليه بالطاعات: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة وما يتبعها من صدقات، وصلة أرحام).

المطلب الثاني : التوكل على الله - سبحانه وتعالى - مع الأخذ بالأسباب.

المطلب الثالث : التسمية في كل الأحوال.

المطلب الرابع : الذكر والدعاء.

المطلب الخامس : شكر الله تعالى وحمده.

المطلب السادس : التوبة والاستغفار.

المطلب السابع : السعي في الكسب وطلب الرزق أخذًا بالأسباب: (الكسب الحلال المباح، الصدق والأمانة في التعامل، البكور في طلب الرزق).

المطلب الثامن : القناعة والعفاف والإجمال في الطلب.

المطلب التاسع : الاقتصاد في المعيشة : (حسن التدبير والاقتصاد في المعيشة، كيل الطعام).

المطلب العاشر : اتباع السنة.

4 - الخاتمة :

وفيها أهم النتائج.

5 – فهرس المصادر والمراجع .

وختامًا أحمد الله - تعالى - وأشكره على أن وفقني لمثل هذا الموضوع، وأعانني على إتمامه، فإن وافقني في هذا العمل الرشد والصواب فذلك من فضل الله وتوفيقه وتمام إنعامه، وإن حصل فيه شئ من خطأ أو مجانبة للصواب، فذلك من تقصيري ومن الشيطان، وأستغفر الله منه، وعزائي أنني عملت ما بوسعي أن أعمله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين لا شريك له.

 

المبحث الأول وفيه مطلبان:

المطلب الأول: شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث مع الإشارة إلى حدود البحث

1-  البركة : محركة، هي النماء والزيادة والسعادة[23]. وبنحو هذا اللفظ قال ابن منظور[24]، وقال الزجاج: "(تبارك): تفاعل من البركة، ومعنى البركة: الكثرة في كل ذي خير[25]. وقال ابن كثير: تبارك، تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة[26]".

وقال ابن الأثير : قوله  صلى الله عليه وسلم : "وبارك على محمد وعلى آل محمد"[27]، أي أثبت له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من (بَرَك البعير) إذا أناخ في موضع فلزمه. قال: وتطلق البركة - أيضًا - على الزيادة والأصل الأول[28].

وقال النووي : عند قوله تعالى:  {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[29]، قيل: معناه ثبت الخير عنده، وقيل: تعالى إلى، والبركة العلو والنماء ... وأصله من البروك وهو الثبوت. ومنه بِركة الماء، وبَرْكة البعير[30].

وقد أكَّد الحافظ ابن حجر ما ذكره ابن الأثير والنووي فقال عند قوله "وبارك على محمد": المراد بالبركة هنا: الزيادة من الخير، والكرامة ... وقيل المراد: إثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة الماء، بكسر أوله لإقامة الماء فيها، والحاصل أن المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائمًا[31].

مما سبق يتضح أن البركة هي النماء والزيادة من الخير، مع ثبوت هذا الخير واستقراره ودوامه واستمراره عند صاحبه، والله أعلم.

ومن الجدير بالذكر - هنا - أن البركة ليس بالضرورة أن تكون دائمًا مقصورة على الشيء الكثير فقط، بل قد تكون في الشيء القليل كما تكون في الشيء الكثير. وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن حجر عند حديث حكيم بن حزام[32] الذي جاء فيه: "ومن أخذه - يعني المال - بإشراف نفس لم يبارك فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ...".

قال الحافظ : فيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون[33].

ومن المهم أن يعلم أيضًا أن البركة قد تكون جلية، وقد تكون خفية، كما قد تكون مثوبة أخروية. فالبركة الجلية : هو ما يشاهد كثيرًا بالعادة من كثرة الخير وسوق الرزق للإنسان، ونمائه عند صاحبه وما يرافق ذلك من توفيق، وتيسير في الحصول على الرزق، ونحوه.

والبركة الخفية : قد تكون بدفع المضرات والجوائح والآفات عن الرزق، وعدم تعرض الإنسان للحوادث المرورية مثلاً أو الأمراض الخطيرة، ونحوه مما يأتي على جانب كبير من رزقه، وقد ذكروا بأن الغنم أو الأنعام إذا أنتجت الإناث فهذا من البركة الخفية لأنها تنمو وتتضاعف، وإذا أنتجت الخراف أو الذكور فهذا من المحق الخفي. والله أعلم[34].

وأما البركة الأخروية وهو النماء ومضاعفة الأجر في الأعمال الصالحة فهذا واضح ويلحظ ذلك في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. لكن مقصود البحث هو إظهار البركة بقسميها الجلي والخفي دون البركة الأخروية مما اقتضى ذكر التنبيه المثبت في آخر هذا البحث، في (ص83).

2 - الرزق : الرزق بالكسر، ما ينتفع به كالمرتَزق، والمطر، والجمع أرزاق، وبالفتح، المصدر الحقيقي[35].

وقال ابن منظور: الرَّزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرِّزق بالكسر هو الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، قال: والرزق معروف، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم[36].

وقال الجرجاني : "الرزق اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، فيكون متناولاً للحلال والحرام. وعند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكله المالك، فعلى هذا لا يكون الحرام رزقًا[37] ".

لكن قال القرطبي: "الرزق، حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده، ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق وليست يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها[38] ".

وقال في موضع آخر - عند قوله تعالى -: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [39]: رزقناهم: أي أعطيناهم، والرزق، العطاء، وهو - عند أهل السنة - ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حرامًا[40].

قلت : والرِّزق المعنون به هذا البحث، والمستعمل في كل جزئياته إنما هو الرزق الحلال، إذ لا يمكن تصور حصول البركة في الرزق الحرام، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فلئن كان الرزق يشمل - أيضًا - العطايا والمنافع الظاهرة والعطايا الباطنة كما مر، فإن المعوَّل عليه - هنا في هذا البحث - إنما هو الرزق الظاهر، وهو ما يكون بمعنى المال، إذ بين الرزق والمال عموم وخصوص من وجه فكل مال رزق، وليس كل رزق مالاً، لكن يستعمل أحدهما محل الآخر كثيرًا، ولا إشكال في ذلك، وباستقراء الأحاديث الواردة في هذا البحث وما جاء فيها من ذكر البركة، فهي تستعمل مقرونة باللفظين، بل هي مستعملة مقرونة بالرزق أكثر من غيرها، وغالبًا ما يكون الرزق هنا بمعنى المال، وهذا ما دفعني إلى ذكر الرزق في العنوان بدلاً من المال، وإن كان الأمران جائزين، وإذا كان ذلك كذلك فالمال هو: ما ملكته من جميع الأشياء، والجمع أموال، كما قال ابن منظور[41].

وقال ابن الأثير : "المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، ثم قال: وقد تكرر ذكر المال على اختلاف مسمياته في الحديث ويفرق فيها بالقرائن[42] ".

وقال عبدالسلام العبادي: "المال ما كان له قيمة مادية بين الناس وجاز شرعًا الانتفاع به في حال السعة والاختيار "[43].

3 - في ضوء الكتاب والسنة : أي من خلال هدايتهما وما تضمنته نصوصهما من معانٍ يسترشد بها، وما تضفيه تلك النصوص من ظلال عامة، إذ ليس المقصود في هذا البحث استقصاء جميع النصوص المتعلقة بهذا الموضوع، كما أنه لم يكن بالإمكان حصر جميع الأسباب الجالبة للبركة في الرزق واستيعابها على وجه الدقة في مثل هذا البحث، وإن كنت قد أتيت على ذكر معظم الأحاديث التي ذكرت البركة وأسبابها، كما أنني قد حاولت التأصيل لمعظم الأسباب التي تستجلب بها البركة في الأرزاق، وذلك من خلال نصوص الأصلين الأصيلين: القرآن، والسنة، وهدايتها، والله الهادي إلى سواء السبيل.

المطلب الثّاني: المنهج الّذي سرت عليه في أثناء البحث

إن منهج أي بحث وإن لم يُبرز ويذكر صراحة إلا أنه ليس مثل هذا مما يخفى على أهل الاختصاص، الذين يقرؤون البحث ويعايشونه، بيد أنني سأشير هنا إلى بعض النقاط التي تبرز منهجي في هذا البحث، تاركًا الأمور الأخرى لمن يقرأ هذا البحث ويتتبع جزئياته، فمن الأمور التي سرت عليها في بحثي ما يلي:

1- قمت بانتقاء الآيات الكريمة، والأحاديث والآثار التي تخدم البحث بشكل واضح ومباشر، وقد أتخطى- أحيانًا - إلى النصوص التي فيها نوع خدمة غير مباشرة لكنها تصلح لتعضيد ودعم ما قصدته من تأصيل بعض المسائل.

2- قمت في ضوء هذه النصوص بالتأصيل لمسائل البحث العامة وبيان الجزئيات المندرجة تحت كل منها.

3- وعلى الرغم من قبول الأحاديث الضعيفة القريبة الضعف في مثل هذه الموضوعات بشكل عام إلا أنني حاولت - جاهدًا - اختيار وانتقاء الأحاديث المقبولة من صحيحة وحسنة بقسمي كل منهما، محاولاً البحث عن أقوال العلماء في الحكم على الحديث وبيان درجته خاصة إذا لم يكن الحديث من أحاديث الصحيحين أو أحدهما.

4- قمت بعزو الآيات القرآنية وذلك ببيان موضع الآية من السورة.

5- كما قمت بتخريج الأحاديث وبيان مواضعها من كتب السنة الأصلية المعتمدة.

6- قمت بتتبع أقوال العلماء من مفسرين وشراح للحديث لاختيار ما أراه مناسبًا من أقوالهم لتوظيفها في فهم النصوص وتوجيهها، محاولاً توجيه هذه الأقوال، وبيان ما يستخلص أو يستنتج منها.

7- قمت بشرح الغريب بالرجوع إلى كتب اللغة أو كتب الغريب.

8- اكتفيت في أثناء العزو في الهامش بذكر اسم المرجع مختصرًا، وذلك لأنني ذكرت اسم الكتاب كاملاً في (فهرس المراجع) في آخره.

9- ذكرت الأحاديث الواردة في البحث في فهرس مرتبة على أحرف الهجاء ليسهل الوقوف عليها في البحث، وذلك لأنها أحاديث كثيرة ومختارة، هذا والله أعلم.

 

المبحث الثّاني: الأسباب الجالبة للبركة في الرّزق وهو في عشرة مطالب:

المطلب الأوّل تقوى الله - عزّ وجلّ - والتّقرّب إليه بالطّاعات

لقد أمر الله سبحانه عباده أن يتقوه حق التقوى، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[44]، ثم بيَّن سبحانه في آية أخرى أن التقوى تكون بحسب الاستطاعة ومقدور الإنسان فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}[45].

كما تكفَّل - سبحانه وتعالى - لمن يتقي الله فيما أمره واجتناب ما نهاه عنه بأن ينجيه من كل كرب مما ضاق على الناس، ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله، ويقنعه بما رزقه، ويبارك له في رزقه، وتمثَّل هذا بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[46].

وعن ابن عباس - رضي الله  عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك". علقه كل من ابن جرير[47]، وابن أبي حاتم[48] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعزاه السيوطي[49] إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أقف على من وصله، لكن جاء عند أحمد في غير موضع وبأسانيد عن أبي قتادة وأبي الدهماء - رضي الله عنهما - قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فجعل يعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى وقال: "إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك الله خيرًا منه"[50]، وقال الهيثمي: "رواه أحمد بأسانيد ورجاله رجال الصحيح"[51].

قلت : والواقع العملي خير شاهد لمثل هذا، ومن هذا ما جاء في قصة يوسف - عليه السلام  - مع امرأة العزيز وامتناعه عن الوقوع في الحرام مع تهيئة جميع أسباب السلامة له، مخافة لله تعالى، وفي قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانطبق عليهم، وأخذ كل واحد منهم يدعو الله بصالح عمله، وكان واحد منهم يحب ابنة عم له حباً شديدًا ويراودها عن نفسها مرارًا فتمتنع، ثم ألجأتها الحاجة إلى إجابته فلما أمكنته من نفسها وقعد بين رجليها، قالت له: اتق الله ... فانصرف عنها وهي أحب الناس إليه ... مخافة لله، ولا يخفى ما آل إليه أمر يوسف  - عليه السلام - في الدنيا والآخرة من النعيم والكرامة والتمكين كما لا يخفى ما حصل لهذا المنصرف عن الفاحشة مع قدرته عليها مخافة لله تعالى من الفرج في الدنيا وانكشاف الشدة عنه وعن أصحابه الذين كانت لهم أعمال صالحة أيضًا[52]، والله أعلم.

كما جاء عند مسلم من حديث أنس بن مالك  - رضي الله عنه -   يرفعه: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدَّخر حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته"[53].

وقال تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}[54].

   وقال تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [55]، وقال أيضًا: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} [56].

في هذه الآيات الكريمات الإشارة بأن التقوى لله - عز وجل - واتباع كل ما جاء على ألسنة الأنبياء والمرسلين من عمل بالأوامر واجتناب للنواهي، ومنها الأمر لأهل الكتاب باتباع ما جاء به النبي  صلى الله عليه وسلم  لأن كتبهم قاضية بذلك، آمرة به، كل ذلك سبب في نزول بركات السماء من الأمطار الغزيرة وإخراج بركات الأرض، وسعة الرزق والأكل المتواصل منه مع وجود البركات فيه[57].

قال القرطبي: "ونظير هذا {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[58] .

ولما كانت الفرائض التي فرضها الله - تعالى - على عباده هي أحب الأعمال إليه تعالى، فلذلك كان أداؤها أحب شئ  إليه تعالى وأشد تقربًا منه، كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند البخاري[59] وحديث عائشة - رضي الله عنها - عند أحمد[60] من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشئ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه" الحديث. اللفظ للبخاري، ولفظ أحمد بنحوه، وقال الهيثمي بعد عزو الحديث لأحمد: فيه عبدالواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين في إحدى الروايتين ،... وبقية رجاله رجال الصحيح[61].

ومن أبرز الفرائض والعبادات التي تقرب العبد بعد إيمانه وتقواه إلى مولاه، ويستجلب بها خيري الدنيا والآخرة، البركة في الرزق والسعادة والحبور في الحياة وبعد الممات، على سبيل المثال: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة، والصدقات، وصلة الأرحام).

1 - الصلاة :

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[62]. وقال: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}[63].

وقال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[64]. وقال تعالى أيضًا : {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[65].

قال الحافظ ابن كثير: " قوله: {لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ} يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[66]، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون}[67] " أﻫ.

وكان  صلى الله عليه وسلم  إذا حزبه[68] أمر صلَّى كما جاء عند أبي داود[69]، وأحمد[70]، ومن طريق أحمد رواه أبو نعيم[71] من حديث حذيفة - رضي الله عنه - سكت عليه أبو داود. وقال المنذري[72]: وذكر بعضهم أنه مرسل. وقد ذكر المزي[73] الروايات المسندة والروايات المرسلة ولم يرجح، لكن أفاد ابن حجر[74] أن بعضهم ذكر عبدالعزيز ابن أخي حذيفة في الصحابة على أنه أخو حذيفة بن اليمان فروى حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوب أبو نعيم وتبعه ابن حجر بأنه ابن أخي حذيفة كما جاء عند أحمد وأبي داود. وقد اكتفى ابن القيم بعزو الحديث إلى المسند فقط ساكتًا عليه[75].

قلت : والحديث قابل للتحسين، وقد حسنه الألباني[76].

وقد جاء عند الترمذي[77]، وابن ماجه[78]، وأحمد[79] في الحديث القدسي المرفوع: "إن الله سبحانه يقول:يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسُدَّ فقرك" وحسنه الترمذي، واللفظ له، وقريب منه لفظ أحمد وابن ماجه فجاء فيهما لفظ "ملأت صدرك" بدلاً من "يديك"، وقال الألباني: صحيح[80].

وعند الترمذي[81] أيضًا من حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعًا: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلاَّ ما قدر له"، وقال الألباني صحيح[82].

وعند ابن ماجة[83] من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - مرفوعًا بنحو حديث أنس السابق. وقال البوصيري[84]: إسناده صحيح رجاله ثقات، وقال الألباني - أيضًا - : صحيح[85].

وأحسن ابن قيم الجوزية إذ قال: "الصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنوِّرة للقلب، ومبيِّضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة"[86] أﻫ .

وقال المناوي: "الصلاة معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، وذلك شأن كل كبير في حق من أقبل بكليته عليه"[87].

2 - الحج والعمرة :

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن المتابعة بين الحج والعمرة يسبب الغنى، ويطرد الفقر، فقد جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره عند كل من الترمذي[88]، والنسائي[89] وابن ماجه[90] (لكن عند هذا الأخير من حديث عمر  - رضي الله عنه - )، وأحمد[91]، أنه قال  صلى الله عليه وسلم : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة". وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب من حديث عبدالله بن مسعود، وفي الباب عن عمر وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وعبدالله بن حبشي وأم سلمة، قلت: وهذا اللفظ للترمذي وأحمد في الموضع الأول، وعند النسائي قريبًا من هذا اللفظ، وعند ابن ماجه نحوه.

قال المباركفوري قوله: "ينفيان الفقر" يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب[92].

3 - الزكاة وما يتبعها من صدقات وصلة أرحام:

أما الزكاة فقد جعلها - سبحانه وتعالى - طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء الموسرين فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاة ماله، فيحفظه الله عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات والمهلكات، ويجعلها سورًا عليه وحصنًا منيعًا وحارسًا أمينًا له.

ولهذا قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[93]. وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - المرفوع عند كل من  أبي داود[94]، والحاكم[95]، والبيهقي[96]: لما نزلت هذه الآية : {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}[97]، قال: كبر ذلك على المسلمين، وفيه أن الرسول  صلى الله عليه وسلم