طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مسائل (إذن)

إعداد :د.أحمد بن محمد بن أحمد القرشيّ

الأستاذ المشارك في كلية المعلمين في المدينة المنورة

 

 

مقدَّمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده.

وبعد؛ فقد كان من جملة ما اعتنى به علماء العربية دراسة النحو العربي عامة، وأدوات المعاني خاصة، فقد تتبعوا أحوال الأدوات ودرسوها من مختلف جوانبها:

أصلها، عملها، شروط عملها، إهمالها، زيادتها، حذفها، أقسامها، معانيها، لغاتها، اسميتها، حرفيتها، اتصالها بغيرها، بساطتها أو تركيبها، ….

وقد سلك النحويون في دراستهم أدوات المعاني ثلاثة مناهج:

المنهج الأول: درس النحاة الأدوات ضمن أبواب النحو ومباحثه ومسائله، كأمثـال سيبويه في "الكتاب"، والمبرد في "المقتضب"، والفراء في "معاني القرآن"، وابن السـراج في "الأصول في النحو"، والزّجاجيّ في "الجُمل"، والفارسيّ في "الإيضاح العضـدي، وكتب المسائل"، وابن جنّى في "اللمع" والزمخشريّ في "المفصّل"، وابن الحاجب في "الكافية"، وابن مالك في "التسهيل" وغيرهم ممن تناول الكتب السابقة بالشرح.

المنهج الثاني: درس بعض النحاة أدوات المعاني دراسة مستقلة، إذْ أفردوها بكتب متخصصة تتناولها بالدراسة والاستقصاء من مختلف جوانبها، من هذه المؤلفات: حروف المعاني" للّزجاجيّ، و"معاني الحروف" للرّماني، و"الأُزهيّة" للهرويّ، و"رصف المباني" للمالقيّ، و "الجنى الداني" للمراديّ، و"جواهر الأدب" للإربلّيّ، و"مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاريّ، وغيرها.

المنهج الثالث: سلك بعض النحاة مسلكاً آخر في دراسة أدوات المعاني، هذا المسلك يتمثل في دراسة أداةٍ واحدةٍ، إذْ تُدْرَسُ من مختلف جوانبها، وممّن سلك هذا المنهج الزّجاجيّ في "كتاب اللامات"، وأحمد بن فارس في "مقالة كلاّ"، وأبو جعفر الطبريّ في "رسالة كلاّ في الكلام والقرآن"، وابن هشام الأنصاريّ في رسالته "المباحث المَرْضِيّة المتعلقة بمَنْ الشرطيّة" وعثمان النجديّ في رسالة "أيّ المشددة" وغَيرهم من النحويين.

لذلك أردت أن أقوم بدراسة "إِذَنْ" من مختلف جوانبها، والذي شجعني لدراستها، أنّني كنت أقرأ باب إِذَنْ في كتاب المقتضب للمبرد (2/12)، واستوقفني قوله: "فهذه حال "إذَنْ" إلى أَنْ نُفرِدَ باباً لمسائلها إن شاء الله"، علّق عضيمة على المسألة بقوله: "لم يُفرد باباً لمسائل "إِذَنْ"، وإنّما استعرض النواصب في الجزء الرابع".

عندئذ شمرت عن ساعد الجدّ، وعقدت العزم على تتبع مسائلها في بطون أمّات الكتب النحوية، وكتب أدوات المعاني، والمعاجم، والتفسير، وعلوم القرآن، والقراءات.

وبعد جمع المسائل، ودراستها، تمّ تقسيمها على ثلاث عشرة مسألةً، يسبقها مقدمةٌ، ويتلوها الخاتمة، ثم فهرس المصادر والمراجع، ثم فهرس الموضوعات.

وقد جعلت هذه الدراسة بعنوان: مسائل "إِذَنْ".

أمّا المسائل التي درستها فهي على النحو التالي:

المسألة الأولى: أصل "إِذَنْ".

المسألة الثانية: عملها.

المسألة الثالثة: شروط عمل "إِذَنْ".

المسألة الرابعة: معناها.

المسألة الخامسة: حكم "إِذَنْ" إِن وقعت بين شيئين متلازمين.

المسألة السادسة: حكم "إِذَنْ" إذا فُصل بينها وبين الفعل بفاصلٍ.

المسألة السابعة: حكم" إِذَنْ "الواقعة بين حرف العطف والفعل المستقبل.

المسألة الثامنة: حكم إلغاء عمل "إِذَنْ" مع استيفاء شروط العمل.

المسألة التاسعة: حكم "إِذَنْ" إذا وقع بعدها الماضي مصحوباً باللام.

المسألة العاشرة: إعراب الفعل المنصوب بعد "إِذَنْ".

المسألة الحادية عشرة:تشبيه"إِذَنْ"في عوامل الأفعال بـ"ظَنّ"في عوامل الأسماء

المسألة الثانية عشرة: الوقف على "إِذَنْ".

المسألة الثالثة عشرة: كتابتها.

أرجو أن أكون ما قدمته نافعاً، ولمسائل "إِذَنْ" جامعاً، والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه.

 

المسألة الأولى: أصل "إِذَنْ":[1]

اختلف النحويون في أصل (إِذَنْ)، هل هي حرفٌ أو اسمٌ؟ وهل هي بسيطةٌ أو مركبةٌ؟ ذهب الجمهور إلى أنّها حرفٌ، وذهب بعض الكوفيين إلى أنّهـا اسمُ ظرفٍ، وأصلها "إذا" الظرفية لحقها التنوين عوضاً من الجملة المحذوفة، إذ الأصل في (إِذَنْ أكرمَك) أن تقول: (إذا جئتني أكرمُك)، حُذف ماتضاف إليه "إذا"، وعُوّض منـه التنوين كما عَوّضوا في (حينئذٍ)، وحُذفت الألف لالتقاء الساكنين، ونُقلت إلى الجزائيـة فبقى فيها معنى الربط والسبب.

وذهب رضيّ الدين إلى ماذهب إليه بعض  الكوفيين، فقـال: "الذي يلوح لي في "إِذَنْ" ويغلب في ظنّي أنّ أصله "إذْ" حذفت الجملة المضاف إليها، وعُوّض منهـا التنوين لـمّا قُصد جعله صالحاً لجميع الأزمنة الثلاثة بعدما كان مختصاً بالماضي، وذلك أنّهم أرادوا الإشارة إلى زمان فعلٍ مذكورٍ فقصدوا إلى لفظ "إذْ" الذي هو بمعنى مطلق الوقت لخفة لفظه، وجرّدوه عن معنى الماضي وجعلوه صالحاً للأزمنة الثلاثة، وحذفوا منه الجملة المضاف هو إليها، لأنّهم لـمّا قصدوا أن يشيروا به إلى زمان الفعل المذكور، دلّ ذلك الفعل السابق على الجملة المضاف إليها، كما يقول لك شخصّ مثلاً: "أنا أزورك"، فتقول: "إِذَنْ أكرمَك"، أي: "إذْ تزورني أكرمك"، أي: وقت زيارتك لي أكرمك، وعُوّض التنوين من المضاف إليه؛ لأنّه وُضع في الأصل لازم الإضافة، فهو كـ"كلٍّ وبعضٍ"، إلاّ أنّهما معربان و"إذْ" مبنيّ…"[2].

ويؤكد على اسميتها في أكثر من موضعٍ بقوله: "وإذا جاز لك إضمار "أَنْ" بعـد الحروف التي هي: الواو، والفاء، و أو، وحتى، فهلاّ جاز إضمارها بعد الاسـم – يعني إِذَنْ - وإنّما لم يجز إظهار "أَنْ" بعد "إِذَنْ" لاستبشاعهم للتلفظ بها بعدها"[3].

وقال في موضعٍ آخر: "و"إِذَنْ" كنواصب الفعل التي لا يُفصل بينها وبين الفعل، إلاّ أنّ "إِذَنْ" لـمّا كان اسماً بخلاف أخواته جاز أن يُفصل بينه وبين الفعل" [4].

بل إِنّه رجّح اسميتها بقولـه: "وقَلْبُ نونها في الوقف ألفاً يُرجّح جانب اسميّتها"[5].

واختلف النحويون أيضاً في بساطتها وتركّبها، فذهب الجمهور إلى أنّها بسيطة لا مركبة من (إذْ وأنْ) أو (إذا وأنْ).

وذهب الخليل في أحد أقواله فيما حكى عنه غير سيبويه إلى أنّها حرفٌ مركبٌ من "إذْ" و"أَنْ"، وغَلب عليها حكم الحرفية، ونُقلت حركة الهمـزة إلى الذّال، ثمّ حُذفت والتُزم هذا النقل.

وممن ذهب إلى هذا الرأي بعض الكوفيين، وابن مالك، فقـال: "… وليس في هذا نصٌّ على أنّ انتصاب المضارع بعد "إِذَنْ" عند الخليل بـ"أَنْ" مضمرة، لجواز أن تكون مركبةً مع "إذْ" التي للتعليل، و"أَنْ" محذوفا همزتها

بعد النقل، والقولُ به على ضعفه أقربُ من القول بأنّ "إِذَنْ" غيرُ مركبة".

ويؤكّد ابن مالك تركّبها بقوله: "والقولُ بأنّ "إِذَنْ" مركبةٌ من "إذْ" و"أَنْ" أسهلُ منه" [6].

وذهب أبو عليّ الرُّنديّ تلميذ السهيليّ إلى أنّها مركبةٌ من "إذا" و"أَنْ"، حُذفت همزة "أَنْ"، ثم حُذفت ألف "إذا" لالتقاء الساكنين، ثمّ تُعطى ما تُعطى كلّ واحدة منهما، فتعطى الرّبط كـ(إذا)، والنّصب كـ(أنْ) [7].

وقد ردّ المالقيّ على من زعم أنّ "إِذَنْ" مركبةٌ، بقوله: "وهذا فاسدٌ من وجهين:

أحدهما: أنّ الأصل في الحروف البساطة، ولا يُدّعى التركيب إلاّ بدليلٍ  قاطعٍ.

والثاني: أنّها لو كانت مركبةً من "إذْ" و"أَنْ" لكانت ناصبةً على كلّ حالٍ، تقدمت أو تأخرت، وعدمُ العمل في المواضع المذكورة قبلُ دليلٌ على عدم التركيب" [8].

المسألة الثانية: عملها:

اختلف النحويون أيضاً في عمل "إِذَنْ" إذا جاء الفعل المضارع منصوباً بعدها، ما النّاصب له؟ هل النّاصب له "إِذَنْ" أو "أَنْ" مضمرة بعدها؟.

ذهب سيبويه وأكثر النحويين إلى أنّها تنصب بنفسها، وهو ما سمعه عن الخليـل، قال سيبويه: "اعلم أنّ "إِذَنْ" إذا كانت جواباً، وكانت مبتدأةً عملت في الفعل عمـل "أُرى" في الاسم إذا كانت مبتدأةً، وذلك قولك: 

"إِذَنْ أجيئَك" و"إِذَنْ آتيَك"[9].

وذهب الخليل بن أحمد في أحد قوليه إلى أنّها ليست ناصبةً بنفسها، بل الفعل بعد "إِذَنْ" منصوب بـ"أَنْ" مضمرة، وهو ما رواه عنه أبو عبيدة.

قال سيبويه: "وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال: "أَنْ" مضمرة بعد "إِذَنْ"، ولـو كانت مما يُضمر بعده "أَنْ" فكـانت بمنـزلة اللاّم وحـتّى لأضمرتها إذا قلت: "عبدُ الله إِذَنْ يأتيك"، فكان ينبغي أن تَنصب "إِذَنْ يأتيَك"؛ لأنّ المعنى واحد، ولم يُغيَّر فيه المعنى الذي كان في قوله: "إِذَنْ يأتيَك عبدُ الله"، كما يَتغيّر المعنى في حتّى في الرفع والنصب، فهذا ما رووا، وأمّا ما سمعت منه فالأوّلُ" [10].

وممن ذهب إلى مذهب الخليل الزّجاج، والفارسيّ[11]، ورضيّ الدين الاستراباذيّ.

قال الزّجاج بعد أن حكى رأيَ سيبويه ورأيَ الخليـل: "وكلا القولين حسـنٌ جميلٌ إلاّ أنّ العامل – عندي – النصبَ في سائر الأفعال "أَنْ"، وذلك أجود، إمّا أن تقـع ظاهرة أو مضمرة".

وقال في تأويل "إِذَنْ أكرمَه": "تأويله إنْ كان الأمرُ على ما تصِفُ وَقَعَ إِكْرامُه، فـ"أَنْ" مع "أُكرمُه" مقدرةٌ بعد "إِذَنْ" "[12].

أَمـّا الفارسيّ فذهب إلى أنّها العاملةُ بنفسها، وهو مخالفٌ لـما نُسب إليه، فقـال: "وممّا ينتصب الفعل بعده من الحروف التي لا تضمر "إِذَنْ"، وإنّما تعمل في الفعل إذا كـانت جواباً، …"[13]، وربّما قال به في كتاب آخر، أو أنّه يقول بهما.

أَمّا الـرضيّ فقد دافع عن مذهب الخليل وردّ على سيبويه بقوله: "ويمكن توجيه هذا القول على ما ذكرنا" ثمّ قال: "وإذا جاز لك إضمار "أَنْ" بعد الحـروف التي هي: الواو، والفاء، وأو، وحتّى، فهلاّ جاز إضمارها بعد الاسم، وإنّما لم يجز إظهار "أَنْ" بعد "إِذَنْ" لاستبشاعهم للتلّفظ بها بعدها"

ويؤكّد ذلك أيضاً بقوله: "فلما احتمل "إِذَنْ" التي يليها المضارع معنى الجزاء، فالمضارع بمعنى الاستقبال، واحتمل معنى مطلق الزمان، فالمضارع بمعنى الحال، وقصـد التنصيص على معنى الجزاء في "إِذَنْ"، نصب المضارع بـ"أَنْ" المقدرة؛ لأنّها تُخلّص المضارع للاستقبال، …".

ويُبرهن بأنّها غيرُ عاملة بنفسها بقوله: "وتجويز الفصل بينها وبين منصوبها بالقسم، والنِّداء، والدعاء، يُقوِّى كونها غيرَ ناصبة بنفسها، كـ"أَنْ"، و"لَنْ"، إذْ لا يفصل بين الحرف ومعموله بما ليس من معموله" [14].

أمّا ابن مالك فيرى أنّه لا يوجد نصٌّ على أنّ الخليل يذهب إلى أنّ الفعل المضـارع منصوبٌ بـ"أَنْ" مضمرة بعد "إِذَنْ"، وما رواه عنه أبو عبيدة لا نصّ فيه على مذهب الخليل، إذْ قال: "وما عزاه إلى الخليل من أنّ الفعل بعد "إِذَنْ" منصوبٌ بـ"أَنْ" مضمرة، إِنّما مستنده فيه قول السيرافيّ في أوّل شرح الكتـاب: [15] "روى أبو عبيدة عن الخليل أنّه قال: "لا ينصب شيء من الأفعال إلاّ بـ"أَنْ" مظهرة أو مضمرة في: كي، ولَـنْ، وإِذَنْ ، وغير ذلك"، وليس في هذا نصّ على أنّ انتصاب المضارع بعد "إِذَنْ" عند الخليل بـ"أَنْ" مضمرة، لجواز أن تكون مركبةً مع "إذْ" التي للتعليل، و"أَنْ" محذوفاً همزتها بعد النقل، على نحو مايراه في انتصابه بعد "لَنْ"، والقول به على ضعفه أقرب من القـول بأنّ "إِذَنْ" غيرُ مركبةٍ، وانتصاب المضارع بعدها بـ"أَنْ" مضمرة؛ لأنّه لا يستقيم إلاّ على أنْ يكون ما بعد "إِذَنْ" في تأويل مبتدأٍ لازمٍ حُذف خبره، أو "إِذَنْ" قبله ليست حرفاً بل ظرفاً مخبراً به عن المبتدأ، وأصلها "إذا" فقُطعت عن الإضافة وعُوّض عنها التنوين، وكلاهمـا في غايةٍ من التكلف، والقـول بأنّ "إِذَنْ" مركبة من "إذْ وأَنْ" أسهل منه " [16].

هذه آراء وأدلة القائلين بأنّ "إِذَنْ" ليست ناصبة بنفسها، وأَنّ "أَنْ" بعدها مقدّرةٌ، ماعدا ابن مالك فقد دافع عن مذهب الخليل وبيّن وجهة نظره.

أَمّا جمهور النحويين فيرون أنّها الناصبة للمضارع بنفسها، لا "أَنْ" مضمرة بعدها، وقد انتصر المالقيّ لمذهب الجمهور مدلّلا على فساد المذهب الآخر بقـوله: "وكأنّ من نصب بإضمار "أَنْ" قاسها على "حتى، وكي، ولامها، ولام الجحود"، ولا يصحُّ القياس على ذلك؛ لأنّ حتى، وكي، ولامَها، ولامَ الجحود إنّما تنصب بإضمار "أَنْ"؛ لجواز دخولها على المصادر، وربما ظهرت "أَنْ" مع بعضها في بعض المواضع على ما يُبيّن بعد، ولما كانت "إِذَنْ" لا يصح دخولها على مصدرٍ ملفوظٍ به ولا مقدّرٍ، ولا يصح إظهار "أَنْ" بعدها في موضعٍ من المواضع، لم يجز القياس في نصب ما بعدها على ما ذكر" [17].

 

المسألة الثالثة: شروط عمل "إِذَنْ"[18] :

ذهب أكثر النحويين إلى أنّ "إِذَنْ" حرف ينصب المضارع بثلاثة شروط، وبعض النحاة جعلها أربعة، وبعضهم فصّل الشروط فجعلها خمسة، ومن النحاة من اشترط في نصبها المضارعَ ستةَ شروطٍ:

الأول: أن تكون "إِذَنْ" واقعةً في صدر الكلام:

أي: في أوّل الكلام؛ لأنّها حينئذٍ في أشرف محالها، فإن تأخرت أُلغيت حتماً نحـو: "أكرمُك إِذَنْ" بلا خلاف؛ لأنّ الفعل المنصوب لا يجوز تقديمه على ناصبه، أَمّا إذا توسطت، أي: وقعت حشواً في الكلام وذلك بأن اعتمد ما بعدها على ما قبلها، مثل أن تتوسط بين الشرط وجزائه، وبين القسم وجوابه، وبين المبتدأ وخبره، وجب إلغاؤها في الصور كلّها.

فإن تقدمها كلام وتمّ دونها جاز أن تستأنف بها، وتنصب ويكون جواباً، كما لو لم يتقدمها شيء، وذلك نحو قول عبد الله بن عَنَمة الضبيّ:

اُرْدُدْ حِمَارَكَ لا تنزع سَوِيَّتُهُ          إِذَن يُرَدَّ وقَيْدُ العَيرِ مَكْروبُ[19]

قال ابن السراج: "فهذا نصْبٌ؛ لأنّ ما قبله من الكلام قد استغنى وتمَّ، ألا ترى أنّ قوله: "اُرْدُدْ حمارك لا تنزع سَوِيَّتُهُ" كلامٌ قد تمَّ، ثمّ استأنف كأنّه أجاب من قال: لا أفعلُ ذاك، فقال: "إِذَنْ يُردَّ وقَيدُ العَيرِ مكروبُ" "[20].

الثاني: أن يكون الفعل المضارع بعدها مستقبلاً:

فإن كان حالاً فلا يُنصب، كقولك لمن يُحدّثك: "إِذَنْ أظنُّكَ صادقاً" فترفع؛ لأنّه حالٌ، والفعل المنصوب لايكون إلاّ مستقبلاً.

قال أبو عليّ الشلوبين: "وهو ألاّ تدخل إلاّ على مستقبل، فإذا أدخلناها على فعـل حالٍ لم تعمل أصلاً وإن كانت متقدمة؛ لأنّه ليس في الدُّنيا ناصب يدخل على فعل حالٍ، فوجب لها هنالك الإلغاء" [21].

الثالث: ألاّ يُفصل بين "إِذَنْ" والفعل بفاصل:

أي: أن يكون المضارع متصلاً بها لضعفها مع الفصل عن العمل فيما بعدها، فإنْ فُصلت بفاصل بطل عملها، إلاّ أن تُفصل بواحدٍ من اثنين، فإنّ الفصل بذلك كَلا فصلٍ، وهما: "القسم" و"لا"، وأجاز بعض النحويين الفصل بغير ما سبق ذكره، وهو ما سنوضحه بالتفصيل في موضعه.

وإلى الشروط الثلاثة التي سبق ذكرها أشار ابن مالك بقوله[22]:

وَنَصَبُوا بـ"إِذَنِ" الْمُسْتَقْبلاَ إِنْ صُدِّرَتْ، والْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلاَ

الرابع: أن تكون جواباً أو في تقدير الجواب:

قال الزمخشريّ: " و"إِذَنْ" جوابٌ وجزاءٌ، يقول الرجل: "أنا آتيك"، فتقول: "إِذَنْ أُكرمَك"، فهذا الكلام قد أجبته به وصيرت إكرامَك جزاءً له على إتيانه؛ وقال الزّجاج: (تأويلها إنْ كان الأمر كما ذكرت فإنّي أكرمُك"[23].

وقال السيرافيّ: "وإنّـما أردت إكراماً تُوقِعُه في المستقبل، فصارت بمنـزلة "أَنْ" في وقوعها للمستقبل من الأفعال" [24].

وقال ابن هشام: "والأكثر أن تكون جواباً لـ"إنْ أو لَوْ" ظاهرتين أو مقدرتين" [25].

الخامس: ألاّ يكون الفعل الذي بعدها معتمداً على ما قبلها[26]:

قال الفارسيّ: "فإنِ اعتمَدْتَ بالفعل على شيءٍ قبلهـا رفعْتَ، وذلك قولك: "أنا إِذَنْ أكرمُك"، تُرفع؛ لأنّ الفعل معتمد على الابتداء الذي هو "أنـا"، وكذلك: "إنْ تكرِمْني إِذَنْ أُكرمْك" "[27].

السادس: ألاّ تقع "إِذَنْ" بعد حرف عطف[28]:

فإن وقعت بعد حرف عطف كالواو أو الفاء، نحو: "وإِذَنْ آتيك" أو "فإِذَنْ آتيك"، جاز فيها الوجهان: الإلغاء، والإعمال، والإلغاء أجود وأكثر، وبه قرأ القُرّاء.

 

المسألة الرابعة: معناها[29]:

قال سيبويه: "وأمّا "إِذَنْ" فجوابٌ وجزاءٌ" [30].

قال أبو حيّان: "وتحرير معنى "إِذَنْ" صعبٌ، وقد اضطرب النّاس في معناها، وقد نصَّ سيبويه على أنّ معناها: "الجوَابُ والجزاءُ"، واختلف النحويون في فهم كلام سيبويه" [31].

نعم اختلف النحويون في فهم معناها، والذي يظهر من لفظه أنّها حيثما توجد يكون معناها الجواب والجزاء معاً، وهذا ما فهمه الأستاذ أبو عليّ الشلوبين[32]، حيث حمل كلام سيبويه على ظاهره، وتكلّف في كلّ مكان وقعت فيه أنّها جوابٌ وجزاءٌ.

أمّا أبو عليّ الفارسيّ فإنّه فهم من كلام سيبويه أنّها قد تَرِدُ لهما، وهو الأكثر، وقد تتمحض للجواب فقط، نحو: أن يقول لك القائل: "أحبُّك"، فتقول: "إِذَنْ أَظُنُّكَ صادقاً" فلا يتصوّر هنا الجزاء[33].

قال المالقيّ: "والصحيح أنّها شرط في موضعٍ، وجواب في موضعٍ، وإذا كانت شرطاً فلا تكون إلاّ جواباً، وهذا هو المفهوم من كلام سيبويه، لأنّه لم ينصّ على أنّهما معاً في موضعٍ واحدٍ".

وقد ردَّ ابن عصفور على شيخه الأستاذ أبي عليّ الشلوبين في تكلّفه لمعنى  "إِذَنْ"، بقوله: "ففهم الأستاذ أبو علي الشلوبين هذا على أنّه شرط وجواب، وأخذ الجزاء بمعنى الشرط، والجواب جوابه فحيثما جاءت قدرها بفعلي الشرط والجزاء؛ فإذا قلت لمن قال لك: "أنا أزورُك"، "إِذَنْ أُكرمَك"، فمعناه: إِنْ تَزُرْني أكرمْك.

فلمّا أخذها هذا المأخذ اضطر إلى هذا التقدير في قوله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}[34]، فلما قـدّر: إن كنـتُ فعلتُهـا فأنا ضالٌّ، جاءه إثبات الضلال لموسى عليه السلام؛ قال: ولم يرد إثبات الضلال لنفسه، فأثار إشكالاً على فهمه، فكان انفصاله عن هذا بأنْ قال: معنى قوله: { وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ }[35]، أي: بأنعمي، فقال له موسى عليه السلام: إنْ كنتُ فعلتُها كافراً بنعمتك فأنا من الضالين، أي: من الجاهلين بأنّ الوكزة تقضي على القبطيّ".

ثـم قال ابن عصفور: "وكلامه معترَضٌ في هذا بيِّنُ الاعتـراض؛ لأنّـه بنى الأمـر على أنّ " إِذَنْ" شرط وجواب، وليس كذلك، بل إنّما هي جوابٌ بـمعنى أنّها لا تقال مبتدأة، ولابدّ أن يتقدمها كلام، فـلا تقول أبداً:"إِذَنْ أزورَك" ابتداء،فهي جـواب وتكون جزاءً، ولا يلزم أن يكون ذلك فيها مجموعاً" [36].

وقد بيّن ابن هشام الأنصاريّ متى تكون "إِذَنْ" جواباً؟ بقوله: "والأكثر أن تكون جواباً لـ"إِنْ" أو "لو" ظاهرتين أو مقدرتين" [37].

وخلاصة القول إنّ "إِذَنْ" تكون جواباً وجزاءً، فقد يجتمع فيها هذان، وقد ينفرد أحدهما، فإذا قلت لمن قال لك: "أنا أزورُك"، "إِذَنْ أُكرمَك"، فهذا جوابٌ وجزاءٌ؛ وإذا قال لـك: "أُحبُّك"، فتقـول له: "إِذَنْ أظنُّك صادقاً"، فهذا جواب لا جزاء معه، فعلى هذا لا تخلو من الجوابِ، وتكون في بعض المواضع جزاءً.

 

المسألة الخامسة: حكم"إِذَنْ"إِن وقعت بين شيئين متلازمين[38]:

اشترط النحاة في عمل "إِذَنْ" أن تكون في صدر الكلام، فإن وقعت حشـواً في الكلام بأَنِ اعتمد ما بعدها على ما قبلها أُهملت، قال سيبويه: "واعلم أنّ "إِذَنْ" إذا كانت بين الفعل وبين شيءٍ الفعلُ معتمدٌ عليه فإنّها مُلغاةٌ لا تنصب البتة، كما لا تنصب "أُرى" إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: "كان أُرى زيدٌ ذاهباً"، وكما لا تعمل في قولك: "إنّي أُرى ذاهبٌ"، فـ"إِذَنْ" لاتصل في ذا الموضع إلى أن تنصب كما لاتصـل "أُرى" هنا إلى أن تنصب، فهذا تفسير الخليل، وذلك قولك: "أنا إِذَنْ آتيك"، فهي ههنـا بمنـزلة "أُرى" حيث لا تكون إلاّ ملغـاةً، ومن ذلك أيضاً قولك: "إنْ تأتني إِذَنْ آتِك"؛ لأنّ الفعل ههنا معتمدٌ على ما قبل "إِذَنْ" "[39].

وقد حدد النحاة إهمالها في ثلاثة مواضع:

الأول: أن يكون ما بعدها جواباً للشرط الذي قبل "إِذَنْ"، نحـو: "إنْ تأتِني إِذَنْ أكرمْك"، فتجزم "أكرمْك" لأنّه جواب الشرط، ولا تأثير لـ"إِذَنْ".

ومن ذلك أيضاً جعل الـرّضيّ البيت السـابق: (اُرْدُدْ حِمَارَكَ .. إِذَنْ يُرَدّْ ..)؛ إِذْ قال: "يجوز على مذهب الكسائيّ أن يكون "لا يرتع" مجزوماً بكون "لا" فيه للنهي لا أنّه جواب الأمر، و "يُردّْ" مجزوماً لا منصوباً بكونه جواباً للنهي كما هو مذهبـه في نحو قولك: "لا تكفرْ تدخلِ النّـار" أي: إنْ تكفرْ تدخلِ النّـار، فيكون المعنى: لايرتعْ إِنْ يرتعْ يُردّْ" [40].

الثاني: أن يكون ما بعدها جواباً للقسم الذي قبلها، إمّا مذكور، نحو: "والله إِذَنْ لا أفعلُ"، قال سيبويه: "ومن ذلك أيضاً: "والله إِذَنْ لا أفعلُ"، من قِبَلِ أنّ "أفعـلُ" معتمدٌ على اليمين، و"إِذَنْ" لغوٌ " [41].

وإمّا مقدر، كقول كُثَيِّر عَزَّةَ:

لَئِنْ عَادَ لي عبدُ العزيز بمثْلِها

وأمْكَنَنِي منها إِذَنْ لا أَقِيلُها[42]

فـ(لا أقيلُها) مرفوع؛ لأنّ "إِذَنْ" لم تتصدر لكونهـا جـواب القسم المقدر الموطأ عليه باللام الداخلة على "أَنْ" في أول البيت، والتقدير: والله لَئِنْ.

الثالث:أن يكون ما بعدها خبراً للمبتدأ الذي قبلها،نحو:"أنا إِذَنْ أكرمُك"

قال المالقيّ: "وتقول في المبتدأ: "زيدٌ إِذَنْ يكرمُك"، فـ"يكرمُك"، مرفوع؛ لأنّه خبر عن "زيد"، وكذلك حكمه في خبر ما يدخل على المبتدأ والخبر، من "كان" أو "إِنّ" وشبههما، كقولك: "كان زيدٌ إِذَنْ يكرمُك" و"إنّ زيداً إِذَنْ يكرمُك"، و"ظننت زيداً إِذَنْ يكرمُك"؛ لأنّ المفعول الثاني في "باب ظننت" حكمه أن يكون خبراً للمبتدأ في الأصل، فهو كخبر "كان" و"إنّ" "[43].

وهذه الصورة موضِعُ خِـلافٍ بين البصريين والكوفيين، فمذهب البصريين أنّه لا يجوز الإعمال، وفصّل الكوفيون فأجاز هشام النصب والرفع بعد المبتدأ، وأجازهما الكسـائيّ بعد اسم "إنّ"، وبعد اسم "كان"، ووافقه الفراء في "إنّ"، وخالفه في "كان" فأوجب الرفع، ونصّ الفراء على وجوب الرفع بعد "ظنّ"، قال أبو حيان: " وقياس قول الكسائيّ جواز الوجهين " [44]، لذلك اختلف الفريقان في قول الشاعر:

لا تتركنّي فِيهُمُ شَطِيرا

إِنّي إِذَنْ أَهْلِكَ أو أَطِيرا[45]

فتأوّله البصريون على أنّه شاذٌّ، أو إِنْ صحت الرواية فإنّه على أحد وجهين:

إمّا أن يجعل "إِذَنْ أَهْلِكَ" جملة في موضع خبر "إنّ"، وإمّا أن يكون خبر "إنّي" محذوفاً، أي: إنّي لا أستطيع، أو لا أقدر عليه، أو إنّي أُذلّ، ثم استأنف بـ"إِذَنْ" فنصب الفعل بعد تمام الأول بخبره؛ أَمّا الكوفيون فبنوا على هذا البيت مسائلهم.

قال رضيّ الدين في نهاية هذه المواضـع الثلاثـة التي تقع فيها "إِذَنْ" حشواً: "ولا يقع المضارع بعد "إِذَنْ" في غير هذه المواضع الثلاثة معتمداً على ما قبلهـا بالاستقـراء، بل تقع متوسطة في غير هـذه المواضع، نحو: "يقتلُ إِذَنْ زيـدٌ عمـراً"، و"لِبئْسَ الرجلُ إِذَنْ زيدٌ" ونحوه" [46].

 

المسألة السادسة:

حكم "إِذَنْ" إذا فُصل بينها والفعل بفاصلٍ[47]:

ذهب النحاة إلى أنّه لا يجوز الفصل بين "إِذَنْ" ومنصوبها؛ لضعفها مع الفصل عن العمل فيما بعدها، إلاّ أنّهم اغتفروا الفصل بالقسم، نحو: "إِذَنْ والله أجيئَك"، ومنه قول حسـان بن ثابت:

إِذَنْ واللهِ نرميَهُمْ بحربٍ    تُشيبُ الطّفلَ من قبْلِ المَشيبِ[48]

أو الفصل بـ"لا" النافية، نحو: "إِذَنْ لا أكرمك"، ومنه قراءة عبد الله بن مسعود: {ِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً }[49].

وما عدا ذلك اختلف النحاة فيه، فأجاز ابن بابشاذ[50] الفصلَ بالدّعاء، والنِّداء، ووافقه الرضيّ[51]، نحو: "إِذَنْ – يَغفِرُ اللهُ لكَ – يُدخِلَك الجنّة"، ونحو: "إِذَنْ – يازيدُ – أحسنَ إليك"، ووافقهما ابن أبي الربيع القرشيّ في النِّداء فقط[52].

وأجاز بعض النحويين منهم ابن عصفور[53]، والمالقيّ[54]، والأبّديّ[55] الفصل بالظرف، أو المجرور، نحو: "إِذَنْ - يومَ الجمعة - أُكرمَك"، ونحو: "إِذَنْ - في الدار - آتيَك".

وأجاز الكسائيّ، والفراء، وهشام، الفصل بين "إِذَنْ" والفعل بمعمول الفعل، نحـو: "إِذَنْ زيداً أُكرمَُ"، و"إِذَنْ فيك أرغبَُ"، ففي الفعل حينئذٍ وجهان: الرفع واختاره الفراء وهشامٌ، والنصب واختاره الكسائيّ[56].

وجمهـور النحويين لايرون في هذا ونحوه إلاّ الرفعَ لوجود الفصل، واغتفروا الفصـل بالقسم، وبـ"لا" النافية كما سبق ذكره.

تنبيه: قال أبو حيّان: "لو قدمت معمول الفعل على "إِذَنْ" نحـو: "زيداً إِذَنْ أُكرمَُ" جاز ذلك عند الكسائيّ والفراء،إلاّ أنّ الفراء يُبطل عملها، والكسائيَّ يجيز الإبطال والإعمال، ولا نصَّ عند البصريين أحفظـه في ذلك، والذي تقتضيه قواعدهم المنع" [57].

 

المسألة السابعة: حكم"إِذَنْ"الواقعة بين حرف العطف والفعل المستقبل[58]:

اعلم أنّ "إِذَنْ" إن وقعت بين حرف العطف والفعل المستقبل، كنت فيهـا بالخيار، إن شئت أعملتها، وإن شئت ألغيتها، وهو الأكثر والأجود، وفي المسألة صورتان:

الأولى: نحو قولك: "فإِذَنْ أُحسنُ إليك" جواباً لمن قال: "أزورُكَ"، جاز فيها الوجهان، قال سيبويه: "واعلم أنّ "إِذَنْ" إذا كانت بين "الفاء والواو" وبين الفعل، فإنّك فيها بالخيار، إن شئت أعملتها …، وإن شئت ألغيت "إِذَنْ" …، فأمّا الاستعمال فقولك: "فإِذَنْ آتيَك، وإِذَنْ أُكرمَك" …، وأمّا الإلغاء فقولك: "فإِذَنْ لا أجيئُك" "[59].

فـالإلغاء بالرفع على اعتبار كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربطِ حرفِ العطفِ الكلام بعضه ببعضٍ، فصارت "إِذَنْ" بذلك متوسطةً.

والإعمال وهو نصب الفعل باعتبار كون ما بعد العاطف جملـة مستقلـة، والفعل فيها بعد "إِذَنْ" غير معتمد على ما قبلها، وعلى هذا الوجه خرّج النحاة القراءة الشّاذة في قوله: {فإذاً لايُؤتُوا النَّاسَ نَقِيراً} [60]، وقولِهِ:{وَإذاً لايَلْبثُوا خَلْفَكَ إِلاّ قَليلاً} [61].

وإلى هذه الصورة أشار ابن مالك بقوله:

...، وَانْصِبْ وَارْفَعا

إِذا "إِذَنْ" مِنْ بعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا[62]

الصورة الثانية: وقوعها مع حرف العطف بعد جواب الشرط، نحو قولك: "إنْ تأتِـني آتِك وإِذَنْ أُكرمُْك" جاز فيها ثلاثة أوجهٍ، قال المبرد: "واعلم أنّها إذا وقعت بعد واوٍ أوفاءٍ، صَلُحَ الإعمال فيها والإلغاءُ، لِمَا أذكره لك، وذلك قولك: "إنْ تأتِني آتِك وإِذَنْ أُكرمَُْك"، إِنْ شئت رفعت، وإِنْ شئت نصبت، وإِنْ شئت جزمت؛ أمّا الجزم فعلـى العطف على "آتك" وإلغاء "إِذَنْ"؛ والنّصب على إعمال "إِذَنْ"؛ والرفع على قولـك: "وأنا أُكرمُك"، ثمّ أُدخلت "إِذَنْ" بين الابتداء والفعل فلم تعمل شيئاً" [63].

 

المسألة الثامنة: