|
|
|
الاشتراك المتعمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح |
|
إعداد: أ.د.عبد الله بن معتق السهلي |
|
الأستاذ في كلية الشريعة في الجامعة |
|
|
|
|
|
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير، والصلاة
والسلام على الهادي البشير، وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم
الدين . |
|
وبعد؛ فإن الله تبارك وتعالى خلق
الإنسان، ونفخ فيه الروح وسجد له الملائكة، وجعله خليفته في الأرض، وفضله
على كثير مما خلق تفضيلا، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[1] وتجلت في خلقه عظمته
حيث قال: عز وجل: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[2]، وتولاه بحفظه فشرع
احترامه وحرم قتله بغير حق، قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[3]، وقال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ
كَانَ مَنْصُوراً}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول ما
يقضى بين الناس، يوم القيامة، في الدماء "[4] .وقد عظمت العقوبة في
الاعتداء على النفس المؤمنة في الدنيا بالقود في النفس والقصاص في الطرف، وفي الآخرة بما توعد الله به القاتل من غضبه
ولعنته، وأن مصيره إلى جهنم وبئس المصير، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}[5]، وقولـه تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}[6]، وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ
فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ
بِالأَنْفِ وَالأَذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}[7]. وفي إقامة القصاص على
الجاني حياة للناس، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[8]، كيف لا والقاصد
للاعتداء على الإنسان إذا علم أنه مقتول أو معاقب على فعلته فكر كثيراً، ونظر في
العاقبة، وثاب إلى رشده، وكف عن فعلته، فكان في ذلك حقنٌ لدمه ودم غيره وحياة له
ولغيره من الناس، أجل بتطبيق القصاص في النفس وما دونها تحقن الدماء، وينتشر
الأمن، ويطمئن الإنسان على نفسه وماله وعرضه . ومن أمعن النظر في بلادنا المباركة
التي حرص ولاة الأمر فيها على تطبيق شرع الله يجد أنها تنعم بالأمن والطمأنينة
والعدل والاستقرار بفضل التزامها بتطبيق شرع الله مما جعلها مضرب المثل . |
|
ولما كانت مسائل القصاص في النفس والطرف كثيرة ومتشعبة أحببت أن أسهم
ببيان شيء من أحكامه، فنظرت في مسألة الاشتراك في الجناية بقتل النفس المحترمة
أو جرحها ظلما وعدوانا، فوجدت الاختلاف في القود بها والقصاص في الأطراف فيها
حاصلا فأحببت أن أجلي الحق فيها وأكشف غموضها بأسلوب علمي قريب إلى الإفهام في
مؤلف سميته "الاشتراك المتعمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح "
. |
|
وقسمت هذا البحث إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة . |
|
المقدمة: وتشتمل على الافتتاحية وخطة البحث ومنهجه . |
|
المبحث الأول: |
|
في تعريف الجناية لغة واصطلاحا
وبيان أقسامها . |
|
المبحث الثاني: |
|
في حكم القتل بغير حق . |
|
المبحث الثالث: |
|
مشروعية القصاص في النفس وما
دون النفس . |
|
وفيه مطلبان: |
|
المطلب الأول: في مشروعية القصاص في الجناية على النفس . |
|
المطلب الثاني: في مشروعية القصاص في الجناية على ما دون النفس . |
|
المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب . |
|
المطلب الأول: |
|
في الاشتراك في الجناية على الواحد بالقتل . |
|
المطلب الثاني: |
|
في اشتراك الأب والأجنبي في قتل الولد . |
|
المطلب الثالث: |
|
في اشتراك الصبي والمجنون والبالغ في القتل . |
|
المبحث الخامس: |
|
في الاشتراك المتعمد في الجناية على الواحد بالجرح أو القطع . |
|
الخاتمة: ذكرت فيها أهم نتائج البحث . |
|
وسلكت في إعداد هذا البحث المنهج الآتي: |
|
1- جمعت المادة العلمية المتعلقة بالاشتراك المعتمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح |
|
2- درست المسألة الواردة في البحث دراسة موازنة وحرصت على بيان المذاهب الأربعة في المسألة، وقد أذكر أقوال بعض الصحابة
والتابعين وغيرهم من الفقهاء . |
|
3- حرصا مني على إخراج المسألة بأسلوب مبسط، يسهل معه معرفة الحكم في
المسألة صدرتها بالإجماع أو الاتفاق إن كانت من المسائل المتفق أو المجمع عليها،
كما أنني إن رأيت الخلاف ليس قويا في المسألة صدرت المسألة بقول أكثر أهل العلم،
وبعد ذلك أشير إلى القول المخالف ثم أذكر أدلة كل قول، وما قد يرد عليه من
اعتراض إن وجد، ثم أختم المسألة بالقول الراجح، وقد أؤخر الاعتراضات مع الترجيح
. |
|
4- حرصت على نقل أقوال الفقهاء من مصادرها الأصلية . |
|
5- ذكرت أرقام الآيات الواردة في البحث مع بيان أسماء سورها . |
|
6- خرجت الأحاديث الواردة في البحث مبينا الكتاب والباب والجزء والصفحة
. فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما أو من أحدهما،
وإن لم يكن فيهما أو في أحدهما اجتهدت في تخريجه من كتب السنة الأخرى مع ذكر
درجة الحديث صحة أو ضعفا معتمدا على الكتب التي تعنى بذلك . |
|
7- بينت معاني الكلمات التي تحتاج إلى بيانها معتمدا على الكتب التي تعنى
بذلك . |
|
8-لم أترجم للأعلام الواردة في البحث خشية الإطالة . |
|
9- بينت في نهاية البحث في الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها . |
|
10- وضعت فهرسا للمصادر التي اعتمدت عليها مرتبا حسب الحروف الهجائية،
وآخر للموضوعات . |
|
|
|
الجناية لغة: مصدر جنى جناية، وجمعه جنايات، وجمعت – وإن كانت مصدرا – لتنوعها إلى عمد وشبه عمد وخطأ . والجناية؛ الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه القصاص والعقاب في الدنيا والآخرة . يقال: جنى جناية إذا جر جريرة على نفسه أو على قومه .[9] |
|
واصطلاحا:هي التعدي على البدن بما يوجب عليه قصاصا أو مالا[10]
. |
|
أقسام الجناية: تقدم في تعريف الجناية
اصطلاحا أنها التعدي على البدن . |
|
وهذا التعدي لا يخلو الحال فيه
من أمرين: |
|
1- أن يكون بإزهاق الروح، وهو القتل . |
|
2- أن يكون واقعا على عضو من الأعضاء، ولا يؤدي لإزهاق الروح كقطع يد أو
قلع عين أو قطع أذن أو أنف … الخ . |
|
وبهذا يتبين أن الجناية إما أن تكون: |
|
1- على النفس . |
|
2- أو ما دون النفس . |
|
وهذا التقسيم مجمع عليه بين العلماء[11] . |
|
ثم اخلتف العلماء – رحمهم الله تعالى – في أنواع الجناية على النفس وعلى
ما دون النفس على النحو التالي: |
|
أولا: أنواع الجناية على النفس: |
|
إذا نُظِرَ إلى أقوال الفقهاء – رحمهم الله تعالى - في تقسيماتهم لأنواع
الجناية على النفس يتضح أن آراءهم تنحصر في تقسيمها بين ثنائي وخماسي، وبذلك
انحصرت أقوالهم في أربعة: |
|
التقسيم الخماسي: |
|
قسم جماعة من الحنفية كالجصاص[12] والقدوري[13] والنسفي[14] الحناية على النفس
إلىخمسةأقسام: |
|
1- العمد: وهو تعمد الضرب بسلاح أو ما يجرى مجراه في تفريق الأجزاء
كالمحدد من الخشب والحجر والنار[15] . |
|
2- شبه العمد: وهو تعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما يجري مجراه[16] . |
|
3- الخطأ: وهو ضرب الشخص بدون تعمد . وهو على نوعين: |
|
أ- خطأ في القصد: وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا، فإذا هو آدمي أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم . |
|
ب- خطأ في
الفعل: وهو أن يرمي عرضا فيصيب آدميا[17] . |
|
4- الجاري مجرى الخطأ: وهو حصول الموت بما لا يصدر عن إرادة وقصد كأن ينقلب نائم على آخر فيقتله [18] |
|
5- القتل بالسبب: وهو التسبب في موت آخر دون قصد ومباشرة كمن يحفر بئرا
في الطريق فيقع فيها عابر السبيل فيموت[19] . |
|
التقسيم الرباعي: |
|
قسم جماعة من الحنابلة كأبي الخطاب، وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب،
والمستوعب، والخلاصة، والرعايتين، والحاوي والرعايتين، وغيرهم[20] القتل إلى أربعة: |
|
1-
العمد . |
|
2- شبه العمد . |
|
3- الخطأ . |
|
4-
ما جرى مجرى الخطأ . |
|
ولم يقولوا بقتل السبب؛ لأنهم يدخلونه في ما جرى مجرى الخطأ . |
|
التقسيم الثلاثي: |
|
قسم الحنفية في ظاهر الرواية عندهم[21]، وهو قول لمالك حكاه
العراقيون وغيرهم عنه[22]، وبه قال الشافعية[23] والحنابلة في المعتمد
عندهم[24] القتل إلى ثلاثة
أقسام: |
|
1- العمد: وهو أن يضربه بما يغلب على الظن موته به من سلاح أو ما جرى
مجراه[25] من حديد أو خشب أو حجر
أو نحوه مما يقتل غالبا[26]. |
|
2- شبه العمد:
هو أن يضربه بما لا يقتل غالبا
كأن يضربه في غير مقتل بسوط أو عصىً صغيرة أو يفعل فعلا
الأغلب من ذلك الفعل أنه لا يقتل مثله[27] . |
|
3- الخطأ: وهو ضرب الشخص بدون قصد . وهو ضربان: |
|
أ- خطأ في الفعل: بأن يرمي صيدا أو هدفا، أو شخصا فيصيب إنسانا لم يقصده، أو يكون نائما ونحوه فينقلب على
إنسان فيقتله . |
|
ب- خطأ في القصد كأن يرمي من يظنه حربيا فإذا هو مسلم[28] . |
|
ولم يقولوا بقتل السبب وما جرى مجرى الخطأ انفرادا؛ لأنهم أدخلوهما في
قتل الخطأ . |
|
التقسيم الثنائي : |
|
قسم المالكية في المعتمد عندهم
القتل إلى قسمين: |
|
1- العمد . |
|
2- الخطأ[29] . |
|
وهذا التقسيم سواء الخماسي أو الرباعي أو الثلاثي هو في الواقع من باب
اختلاف تنوع صور القتل لاتفاقهم على تقسيمها باعتبار الحكم الشرعي على ثلاثة
أنواع: |
|
1- العمد . |
|
2- شبه العمد . |
|
3- الخطأ . |
|
خلافا للمالكية في المعتمد عندهم حيث إنهم يسقطون شبه العمد . وهم
محجوجون بحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان
بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها "[30] . |
|
ثانيا: الجناية على ما دون النفس . |
|
يراد بالجناية على ما دون
النفس: كل أذى يقع على الإنسان من الغير مما لا يوجب موته، سواء كانت الجناية
عمدا أو غير عمد . |
|
وهذه الجناية تنقسم إلى قسمين: |
|
1- الجناية الواقعة على الوجه والرأس . |
|
2- الجناية الواقعة على سائر البدن[31]. |
|
القتل بغير حق حرام وكبيرة من
كبائر الذنوب[32]
. |
|
دل على ذلك الكتاب والسنة
والإجماع . |
|
أما الكتاب فآيات كثيرة،
منها:
|
|
1- قولـه تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ
بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}[33] . |
|
2- وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً}[34] . |
|
3- وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً
عَظِيماً}[35] . |
|
4- وقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً}[36] . |
|
5- وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}[37] . |
|
وأما السنة فأحاديث كثيرة، منها: |
|
1- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: " الكبائر[38]الإشراك
بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس[39] "[40]. |
|
2- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى
ثلاث[41]الثيب
الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "[42] . |
|
3- حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "إني من النقباء[43] الذين بايعوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نزني، ولا
نسرق، ولا نقتل النّفس التي حرم الله "[44] . |
|
4- حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه
ما لم يصب دما حراما "[45] . |
|
5- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في
الدماء[46] "[47] . |
|
وأما الإجماع: |
|
فقد نقل ابن قدامة – رحمه الله
تعالى – أنه لا خلاف بين الأئمة في تحريم القتل بغير حق[48] . |
|
وفيه مطلبان: |