|
|
|
جهود خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز في عمارة المسجد النبوي الشريف |
|
للدكتور بريك بن محمد أبو مايلة |
|
|
|
مقدمة |
|
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم
الدين. أما بعد: |
|
قال الله تبارك وتعالى:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ
فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}[1]. |
|
قال الإمام الطبري رحمه الله: "يقول الله تعالى ذكره
إنما يعمر مساجد الله المصدّق بوحدانية الله، المخلص له العبادة الواجبة الذي
يُصّدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة. وإقامة الصلاة المكتوبة
بحدودها، وأدى الزكاة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له ولم يرهب عقوبة شيء
على معصيته إياه سوى الله، فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم أن يكونوا عند الله، ممن
قد هداه الله للحق وإقامة الصواب"[2].
|
|
من منطلق هذه الآية الكريمة العظيمة كانت العمارة
السعودية للمسجد النبوي الشريف. |
|
فلم تكن تلك العمارة العظيمة منذ انطلاقتها الأولى
على يد المغفور له -إن شاء الله- الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ومروراً
بمراحلها المتواصلة والمتطورة حتى هذا العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين،
لم تكن عمارة جامدة مقتصرة على الإنشاءات العمرانية والتوسعات الميدانية فقط بل
واكبها وسايرها منذ اللحظة الأولى عمارة أخرى عظيمة حية تلامس شغاف القلوب وتهز
الوجدان. فبالإضافة إلى التوسعات العظيمة غير المسبوقة في التاريخ من حيث الضخامة
والفخامة وروعـة التصميم ودقته وسرعة الإنجاز وكلفته الباهظة. |
|
أعاد آل سعود -وفقهم الله تبارك وتعالى- منذ عهد
الملك عبد العزيز طيب الله ثراه حتى
عهد خادم الحرمين الشريفين إلى هذا المسجد العظيم سالف مجده وعظيم هيبته ومكانته
في قلوب المسلمين في أنحاء العالم، حينما كان منارة سامقة لنشر العلم، وجامعة
عظيمة شامخة أسسها المعلم الإسلامي الأول سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. |
|
نعم لقد أعاد آل سعود إلى هذا المنبر العلمي الشامخ
دوره العظيم في نشر الدعوة الإسلامية، وتكريس العقيدة الصحيحة وتعليم العلم
الشرعي المستقى من الكتاب والسنة. |
|
إن التوسعة السعودية للمسجد النبوي في مراحلها المختلفة قد ألف فيها الكثير من
الكتب، وكتبت فيها العديد من المقالات الصحفية والبحوث المتعددة. |
|
لذلك كان التركيز في هذا البحث على بعض الجوانب المهمة التي تبين مدى الفائدة العظيمة التي قدمتها وهيأتها التوسعة الكبرى لمرتادي هذا المسجد, والتي توضح الجهود المتواصلة لخادم الحرمين الشريفين حفظه الله في خدمة مرتادي هذا المسجد العظيم. |
|
كإبراز الأبعاد الإيجابية التي وفـرتها التوسعة
السعودية للخـدمات الأساسية والخدمات المساندة، والتي كانت ذات أثر عظيم لمرتادي
المسجد من زوار ومصلين، مضيفاً إلى ذلك بعض الملاحظات والمقترحات المفيدة إن شاء
الله تعالى. |
|
كما أنني أفردت حديثاً خاصاً عن جهود الملك عبد
العزيز رحمه الله تعالى ومن بعده أبناؤه البررة في تكريس وترسيخ العقيدة
الإسلامية الصحيحة بين قاصدي هذا المسجد العظيم من زوار وجوّار وحجاج ومعتمرين،
كان من أهمها التعليم في المسجد، فقد امتد التعليم في المسجد النبوي بامتداد
التوسعة السعودية منذ بدايتها حتى اليوم، حيث أتاحت التوسعة مجالاً رحباً للتعليم
وازدياد عدد المشايخ والمعلمين في المسجد بناءً على ازدياد عدد الطلاب والمستمعين
لحلقات الذكر والعلم. |
|
لقد كانت التوسعات السعودية للمسجد النبوي الشريف منذ
انطلاقها في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله حتى التوسعة الكبرى لخادم الحرمين
الشريفين من الضخامة بمكان بحيث دخلت فيها المدينة القديمة بكامل شوارعها
وميادينها ومرافقها وأسواقها. لقد فاقت العمارة السعودية للمسجد النبوي كل
التوقعات وبـزّت كل العمارات السابقة، وسوف نوضح ذلك من خلال مفردات هذا البحث
والتي تتكون مما يلي: |
|
- نبذة تاريخية موجزة عن التوسعات التي مر بها المسجد
النبوي قبل التوسعة السعودية. |
|
- التوسعة السعودية الأولى: (توسعة الملك عبد العزيز
ابن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه، سنة 1372هـ): |
|
- حقائق وأرقام. |
|
- صدى التوسعة في داخل المملكة وخارجها. |
|
- التوسعة السعودية الثانية
(توسعة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله سنة 1395هـ). |
|
- عمارة خادم الحرمين الشريفين للمسجد النبوي
(التوسعة الكبرى): |
|
- الأسباب والدوافع (بداية فكرة التوسعة الكبرى). |
|
- بيان إلى العالم الإسلامي للمشاركة وإبداء الآراء
والمقترحات. |
|
- الاحتفال بوضع حجر الأساس. |
|
- بداية أعمال التوسعة. |
|
- الاحتفال بانتهاء أعمال التوسعة. |
|
- خصائص التوسعة الكبرى. |
|
- صدى التوسعة في داخل المملكة وخارجها. |
|
- حقائق وأرقام عن جهودخادم الحرمين الشريفين لتوسعة المسجدالنبوي الشريف. |
|
- البعد الإيجابي الذي أضافته التوسعة الكبرى للخدمات. |
|
- الكهرباء والتكييف. |
|
- قسم الصوت. |
|
- شبكة الساعات وأجهزة إنذار الحريق، وأجهزة
المراقبة. |
|
- قسم السقيا. |
|
- ونظام الدوائر التلفزيونية المغلقة. |
|
- العمارة الإيمانية للمسجد النبوي في عهد آل سعود
وفقهم الله تعالى. |
|
- بعض الملاحظات والاقتراحات. |
|
- خاتمة البحث. |
|
منهج البحث: اعتمدت في هذا البحث منهجاً يجمع بين المعاينة الميدانية
والوصف، وبين البحث المكتبي من خلال المصادر والمراجع والمقالات والدوريات
والتقارير. |
|
تمهيد |
|
نبذة موجزة عن التوسعات التي مر بها المسجد النبوي
قبل التوسعات السعودية: |
|
"خلوا سبيلها فإنها مأمورة"[3] بهذه الكلمات الربانية كان الحبيب المصطفى صلى الله
عليه وسلم يعتذر للأنصار الذين استقبلوه استقبالاً حاراً في دار هجرته الأرض
السبخة ذات النخل - كما أُريها في
المنام[4]
- والتي أصبحت فيما بعد مدينة الإسلام الأولى. |
|
ولما أناخت القصواء[5]
بخير البرية صلى الله عليه وسلم في المربد[6]،
قال: "هذا-إن شاء الله-المنـزل"[7]
ثم اشترى المربد وبنى عليه مسجده الشريف؛ وذلك في السنة الأولى من الهجرة، وكان
بناؤه بسيطاً مكوناً من الحجارة واللبن، وسقفه من الجريد، وعمده خشب النخل[8].
وذكر ابن حجر عن الزبير بن بكار: "من حديث أنس، أنه بناه أولاً بالجريد، ثم بناه
باللبن بعد الهجرة بأربع
سنين"[9]. |
|
وكانت مساحته سبعين ذراعاً في ستين[10]،
وهو بالأمتار حوالي 1030 مترًا مربعاً تقريباً[11].
وبعد مقدمه صلى الله عليه وسلم من خيبر في العام السابع من الهجرة رأى المسجد قد
ضاق بأهله، فوجّه الصحابة (رضوان الله عليهم) لشراء مربد آخر كان بجانب المسجد؛
ليزاد فيه؛ فاشتراه عثمان - رضي الله تعالى عنه - وجعله في المسجد[12]
فكانت مساحته 100 ذراع في 100 ذراع أي 24775متراً مربعاً؛ فتكون الزيادة حوالي
1445 متراً تقريباً[13]. |
|
وفي العام السابع عشر من الهجرة قام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب (رضي
الله تعالى عنه) بتوسعة كبيرة في المسجد النبوي؛ حيث جعل طوله 140 ذراعاً، وعرضه
110 أذرع[14]،
أي حوالي 3475 متراً مربعاً؛ فتكون الزيادة التي أحدثها حوالي 1000 متر مربع[15].
وقد استعمل في العمارة الجديدة أعمدة من جذوع النخل والطوب اللبن، وبنى أساسه
بالحجارة، وتم تحصيب أرضية المسجد بحصباء من وادي العقيق[16]. |
|
وفي عام 29هـ جدّد أمير المؤمنين
عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه-بناء المسجد النبوي الشريف وشيده بالحجارة
المنحوتة والجصّ وبنى أعمدته من الحجر النحيت وضع بها قطعاً من الحديد مغطاة
بالرصاص، وجعل سقفه من خشب الساج[17]،
كما زاد فيه من ثلاث جهات بمقدار عشرة أذرع,
أي: حوالي 496 متراً مربعاً[18]. |
|
وقد استغرق
هذا العمل حوالي عشرة أشهر؛ بدأت من ربيع الأول عام29هـ إلى المحرّم عام 30هـ.
وكان عثمان - رضي الله تعالى عنه - قد استشار الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك
فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته , فقال :سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة
مثله"[19]وأصبحت
مساحة المسجد بعد التوسعة 4071[20].
|
|
هذه هي التوسعات التي توالت على المسجد النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
والخلفـاء الراشدين. وقد سـاق البخاري وأبو دواد عن عبد الله ابن عمر - رضي الله
تعالى عنه - أثراً أوجز فيه تلك التوسعات. |
|
قال: "إن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم مبنياً باللبن والجريد" . قال مجاهد: "وعمده من خشب النخل، فلم يزد فيه أبو
بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
باللبن والجريد، وأعاد عمده". قال مجاهد: "عمده خشباً، وغيّره عثمان فزاد فيه
زيادة
كثيرة، وبنى جداره بالحجارة
المنقوشة والقصّة[21]،
وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقّفه بالساج"[22]. |
|
أما في عهد بني أمية فقد كانت توسعة الوليد بن عبد
الملك عام 88هـ هي التوسعة الأكبر منذ بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده، وقد
أخذت اهتمام الخليفة الأموي، وعامله عمر بن عبدالعزيز على المدينة حيث حرص على أن
تتوفر لها الإمكانات وأحدث ما وصلت إليه تقنية العمارة في ذلك العصر[23].
فقد عمل الأساس من الحجارة والجدار من الحجارة المنحوتة المطابقة، واستعمل النورة،
والجص مونة في البناء وعملت الأعمدة من قطع الحجارة المنحوتة، وربطت مع بعضها
بالحديد المغطى بالرصاص المصهور، وحمّل أعلاها جسوراً خشبية ترتكز مباشرة على
تيجان الأعمدة، وتحمل الجسور سقفاً خشبياً من الساج، وكان للأعمدة قواعد مربعة
وتيجان مذهّبه، وكسي بدن الأعمدة بطبقة، تصقل وتلمع حتى تظهر وكأنها رخام أبيض[24].
|
|
وأهم ما يميز هذه التوسعة إدخال عناصر معمارية جديدة
كالشرفات والمآذن والمحراب المجوّف في جدار القبلة كما أنها كانت أول توسعة تشمل
إلحاق حجرات أمهات المؤمنين ضمن المسجد، وتقدر زيادة الوليد بن عبد الملك بنحو
2369م[25]. |
|
وفي عهد بني العباس قام الخليفة المهدي بن المنصور
بتوسعة أخرى للمسجد النبوي، وقد بدأ العمل فيها عام 162هـ، واستمرت حتى عام 165هـ
ويذكر السمهودي أن فكرة التوسعة بدأت من أبيه الخليفة المنصور ولكنه توفي قبل أن
يحقق ذلك[26]،
ويلاحظ في هذه التوسعة زيادة في عدد الأعمدة، والأروقة، والأبواب[27]
وتقدر زيادة المهدي بنحو (2450م2) وأصبحت مساحة المسجد النبوي بعدها (8890)[28].
|
|
وفي سنة 655 هـ وقع بعض سقف الحجرة النبوية, وكتب
بذلك للخليفة المستعصم بالله في شهر رمضان, فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب
العراق في الموسم, وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة[29]. |
|
ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي بتجديد السقف الشرقي والسقف الغربي الذي عن يمين صحن المسجد وشماله ,كما أمر بزيادة رواقين من المسقف القبلي متصلين بمؤخره, فاتسع مسقفه بهما وعم نفعهما[30]. |
|
وفي عام
886هـ شب حريق هائل أدى إلى احتراق المسجد كلياً، ولم يسلم منه إلا القبة
الداخلية، ولما علم السلطان الأشرف قايتباي بأمر الحريق سارع بإرسال المؤن
والعمال "وأعادوا بناء المسجد الشريف، وأقاموا العقود فوق الأساطين لتحمل سقف
المسجد، وأقيمت قبة على المحراب العثماني، وقبة على الحجرة الشريفة، وقبة أخرى في
الجهة الشمالية، وبجوارها ثلاث قباب وأنشئت قبتان أمام باب السلام من الداخل،
وبني باب السلام، بالرخام الأبيض والأسود وزخرف المسجد، وأعيد ترخيم الحجرة
الشريفة، كذلك كسى المحراب بالرخام، وأقيمت منارة تلي باب الرحمة"[31]. |
|
وقد قدرت هذه التوسعة بـ120م حوالي 240 ذراع وأصبحت
المساحة الإجمالية للمسجد النبوي الشريف 9010 وتمت العمارة سنة 890 هـ[32].
|
|
وفي سنة 1263هـ كتب شيخ الحرم داود باشا للسلطان عبد
المجيد خان العثماني يخبره بالخراب الذي أصاب أجزاء كثيرة من المسجد النبوي
الشريف، فاهتم بالأمر كثيراً، فصدر أمره بإرسال المهندسين والخبراء والنجارين
والصناع والمؤن، ليُعاد بناء المسجد بعد هدمه كلياً باستثناء الحجرة النبوية
الشريفة، واستمرت العمارة نحو ثلاث عشرة سنة، وكانت العمارة من الحجر الأحمر من
جبل غرب الجماوات بذي الحليفة، وتلك العمارة من أضخم العمارات التي أجريت للمسجد
النبوي إلى ما قبل التوسعة السعودية وأتقنها وأجملها وقد بقي منها بعد العمارة
السعودية الجزء القبلي ويبدو هذا الجزء حتى الآن قوياً متماسكاً، وكانت الأبواب
في العمارة العثمانية غاية في الإبداع والجمال، وقد بقي منها باب جبريل عليه
السلام وباب الرحمة، وباب السلام وباب النساء. وحجم التوسعة التي أضافها السلطان
عبد المجيد تقدّر بـ (1293)، لتصبح مساحة المسجد الإجمالية (10303م)[33]. |
|
التوسعة السعودية الأولى (توسعة
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه، عام 1372هـ). |
|
لقد كان للزيارة التاريخية التي قام بها جلالة الملك
عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
طيب الله ثراه للمسجد النبوي الشريف في شهر شعبان من عام 1345هـ[34]،
أثرها الفعّال في تبلور فكرة التوسعة لدى جلالته؛ فقد قام في تلك الزيارة
المباركة بتفقد المسجد، وشاهد ما حوله من الأنقاض والخرائب التي خلفها فخر الدين
باشا بعد مغادرته الحجاز، فرأى من المناسب أن يزيلها، ويزيل الدور التي لا تزال
تضايق المسجد بقربها منه، ويفسح بها المسجد وما حوله، ولكنه انتظر الفرصة
المواتية. |
|
وفي عام 1348هـ أمر بإصلاحات في المسجد, وذلك بترميم
الأعمدة والجدران في الجهة الشمالية من المسجد التي ظهر فيها بعض التصدعات وكذلك
أمر بإصلاح أرضه وأروقته المحيطة بالصحن. |
|
وفي عام 1350هـ أمر بإصلاح ما حصل من خلل في بعض
الأعمدة والسواري الشرقية والغربية من الصحن, كما أمر بإصلاح التشققات التي ظهرت
في دهان الحجرة النبوية الشريفة[35]. |
|
وفي عام 1368هـ أذاع بعض الزوار المصريين في الصحف أن
المسجد مشرف على التداعي وأنه في حاجة إلى التجديد، وقد بالغت الصحف كل المبالغة[36]،
فنشرت مقالات مسهبة عن المسجد الشريف والخطورة العظيمة التي يستهدف لها، إلى أن
انتقل الموضوع من الأعمدة إلى القباب إلى الجدران إلى سقوط الحجرة النبوية
الشريفة مما بث الرعب في قلوب المسلمين عامة، وانهالت سيول التبرعات لعمارة الحرم
الشريف[37]. |
|
ولكن السلطات السعودية أسرعت بدورها فطمأنت المسلمين
في مشارق الأرض ومغاربها بأن المسجد النبوي الشريف على أحسن حال، لم يحدث فيه خلل
كبير، وطلبت من الحكومة المصرية بعث مهندسين فنيين للكشف على المسجد الشريف،
وتحديد موضع الخراب ونوعه وأسبابه[38]. |
|
وأبرق الملك عبد العزيز (رحمه الله تعالى) إلى رئيس
الوزارة المصرية "إن عليكم المهندسين الذين يقومون بالمشروع وعليّ على نفقتي
الخاصة تكون هذه التوسعة والإصلاح فلا حاجة للتبرعات"[39]،
وكانت الصحف السعودية في مستوى الحدث، ولكن بتعقل وروية ورزانة، حيث نشرت جريدة
المدينة المنورة في عددها الصادر برقم 297/6 شعبان 1368هـ افتتاحية التمست فيها
من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله تعالى) توسعة المسجد النبوي لضيقه،
وعدم كفايته لصلاة العدد الكبير من الحجاج في الموسم[40]. |
|
وفي الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1368هـ تفضل جلالة
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود فأصدر كتاباً مفتوحاً موجهاً إلى
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يبشر فيه العالم الإسلامي بعزمه على توسعة
المسجد النبوي الشريف[41]
وبناءً على رغبة جلالة الملك عبد العزيز - رحمة الله تبارك وتعالى عليه - بإتاحة
الفرصة لمشاركة الأشقاء من العالم الإسلامي، فقد وافق على أن تساهم مصر الشقيقة
بتقديم الخدمات الفنية. واستجابة لرغبته أوفدت وزارة الأشغال المصرية إلى المدينة
المنورة، بعثة فنية هندسية، وكان في صحبتها الخبير الفني السعودي، مدير الإنشاء
والتعمير في المملكة الشيخ محمد بن لادن، وفي صحبته بعض المهندسين، وقد ظلوا
جميعاً يدرسون بناء المسجد النبوي دراسة فنية دقيقة، وقد أجروا عدة اختبارات في
كل جهاته فتبيّن لهم أن رطوبة خفية تسربت إلى الجدار الغربي من المجاري المجاورة
له، وأحدثت فيه وفي بعض السواري تآكلاً خفياً، ومثل ذلك وجد في بعض سواري الجهة
الشرقية والشمالية، وقرروا إزالة القسم الشمالي من المسجد، وإدخاله في التوسعة. |
|
أما القسم القبلي الجنوبي فقد
قرروا الإبقاء عليه لأنهم وجدوه يحتمل البقاء نصف قرن، أو ما يزيد. ثم رفعوا
قرارهم إلى جلالة الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله تعالى - بواسطة
مدير الإنشاء والتعمير، فوافق على كل ما جاء فيه وأصدر أمره بوضع التصميمات
والخرائط. |
|
لا ريب أن مثل هذه الأعمال والاختبارات، لا يمكن أن
تتم في عشية أو ضحاها، بل لا بد لها من زمن طويل تستنفذه، وحين رأى جلالة الملك
هذا الأخذ والرد الذي طال حول المشروع أحب أن يتثبّت بصورة نهائية لأن ملكاً
عظيماً مثله استطاع وحده أن يقيم لأمته دولة جامعة من أنفسهم، محال أن يأخذ
الأمور بصورة مرتجلة بل لا بد من التثبّت والدرس الطويل لذلك أمر بإحضار مهندسين
باكستانيين، لما هو معروف عنهم من عراقة في فن العمار، وليعطوا نظرياتهم مشتركين
في هذا المشروع الإسلامي الخطير[42]،
وحتى تكون المشاركة في هذا المشروع العظيم واتخاذ القرار فيه مسؤولية المسلمين
جميعاً عرباً وغير عرب، وتلك سياسة انتهجها الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه -
وسار عليها من بعده أبناؤه البررة في هذه البقاع التي يقدسها المسلمون جميعاً.
وهو أمر تقرره الوقائع التاريخية الثابتة. |
|
وبعد دراسات طويلة وإجراء جملة اختبارات رفع
المهندسون قرارهم المشترك إلى جلالة الملك عبد العزيز - يرحمه الله تعالى. |
|
حين اطلع جلالة الملك عبد العزيز - طيّب الله ثراه -
على تقرير المهندسين المشترك، واطمأن قلبه، وارتاح ضميره أصدر أمره إلى وزير
الداخلية آنذاك الأمير عبد الله الفيصل آل سعود بالبدء بتنفيذ المشروع على نفقته
الخاصة؛ حيث تفضل جلالته فأمر وزير ماليته الشيخ عبد الله السليمان بفتح
الاعتمادات التي يتطلبها المشروع على حساب جلالته الخاص[43].
|
|
كما أمر جلالته بتأليف لجنة من الخبراء الرسميين
لتقرير أثمان العقارات التي ستزال بسبب التوسعة، وقد ألفت اللجنة وفق رغبة جلالة
الملك من خيرة الرجال ليقدروا لكل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص، وقد قامت اللجنة
الكريمة بواجبها حيث قدرت أثمان الدور حسب ظروفها الحاضرة، لينال الناس حقوقهم
حسب أمر جلالة الملك[44]. |
|
وبعد أن قدرت اللجنة قيمة العقارات واستلم أصحابها ما
يخصهم من تعويض الدور، أو المحلات وما سواها، بُدئ بتنفيذ مشروع عمارة الحرم
النبوي الشريف[45]،
وذلك من خلال حفل أقيم بهذه المناسبة في الخامس من شهر شوال عام 1370هـ دُعي إليه
العلماء والوجهاء وكبار الموظفين، وقد ترأس الحفل معالي وكيل أمير المدينة
المنورة الشيخ عبد الله السديري، وبعد أن افتتح الحفل بآي من الذكر الحكيم طلب
وكيل الأمير من المدير العام الشيخ محمد بن لادن أن يشرح المهمة بكلمة؛ فأجاب
طلبه، وتحدث إلى الناس معلناً بأنه سيبدأ هدم الدور المحيطة بالمسجد النبوي
الشريف، توطئة للتوسعة المرجوة حيث انتهى دفع أثمانها لأربابها حسب أمر جلالة
الملك. |
|
وحين انتهت الحفلة خرج وكيل الأمير والمدير العام
يصحبهما جمهور كبير من العلماء
والوجهاء والموظفين إلى المكان الذي
سيباشر فيه أول أعمال الهدم، وهو وقف دار آل السهمودي مؤرخ المدينة المنورة -
رحمه الله. |
|
وحين انتهى الجمع إليه أمر المدير العام بمباشرة
العمل، ثم أخذ يُعين لوكيل أمير المدينة المنورة حدود الدور التي سيتناولها
الهدم، وتدخل في توسعة المسجد الشريف من الجهات الثّلاث الشرقية والغربية
والشمالية، وبعد الانتهاء انصرف الجميع وكلهم ألسنة رطبة بالثناء والدعاء الكريم
لجلالة الملك الذي أصدر أمره بإنفاذ هذه التوسعة. |
|
و هكذا سار الهدم بنشاط وسرعة[46]
حتى تم إزالة البيوت التي حول المسجد، وبلغت مائتين، والحوانيت وبلغت مائة، هذا
وقد بلغ أقيام الدور والدكاكين
إجمالياً ثلاثين مليون ريال عربي[47].
|
|
وفي السادس من شهر
شعبان عام 1371 هـ أمر المدير العام بإنشاء جدار على حدود أروقة الجهة
الغربية من باب الرحمة إلى مستودع الزيت الواقعة في مؤخرة المسجد من الجهة
الشمالية ليفصل هذه الأروقة عن المسجد لتهدم وتُضم إليها التوسعة الجديدة[48].
|
|
وفي الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام 1372هـ شهدت
المدينة المنورة يوماً من أيامها التاريخية. لأنه يوم الاحتفال بوضع حجر الأساس
بيد ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز من أجل توسعة مسجد رسول الله - صلى الله
عليه وسلم. |
|
وقد افتتح الحفل بآي من الذكر الحكيم، ثم ألقيت كلمات من بعض الحاضرين، وكان مسك الختام كلمة ولي العهد[49] التي جاء فيها "الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. |
|
أما بعد: فإنني أحمد الله تعالى الذي وفق مولاي صاحب
الجلالة ملك المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين لإصلاح وإعمار
المسجد النبوي الكريم، وتوسعته إذ أمر وزير المالية عبد الله السليمان بتنفيذه
على نفقة جلالته الخاصة، وتولى ذلك محمد بن لادن المدير العام للإنشاءات
الحكومية، وأنه لمن حسن توفيق الله لي أن شرفني مولاي والدي صاحب الجلالة
بالنيابة عنه في وضع الحجر الأساسي لهذا العمل الجليل وها أنا باسم الله وعلى
بركته أضع الحجر الأساسي لذلك بالنيابة عن جلالته وبالأصالة عن نفسي في هذا اليوم
المبارك الاثنين الموافق الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة واثنين
وسبعين هجرية داعياً الله تعالى أن يوفق لإتمامه على خير ما نتمناه والسلام"[50] |
|
وبعد انتهاء كلمة سمو ولي العهد، قام الجميع وتوجهوا
بمعيته لوضع الحجر الأساسي بالنيابة عن جلالة الملك، كما وضع بيده الكريمة
الوثائق التاريخية والخرائط وبعض قطع من النقود الذهبية والفضية، في داخل الركن
الأساسي الذي دشنه بيده الكريمة[51].
|
|
وبعد هذا الاحتفال الرسمي، أخذ المدير العام ينظم
الأعمال للسير بالعمار على أكمل وجه فجرت بينه وبين المهندسين المصريين
والباكستانيين مشاورات، وكذلك بينه وبين جلالة الملك، وأصدر جلالة الملك أمره
السامي بمباشرة العمار. |
|
وفي الخامس عشر من شهر شعبان عام 1372هـ أمر المدير
العام العمال بان يباشروا حفر الأسس، وقد خططها المهندسون، وعينّوا مواطن الآبار
العميقة التي تحفر لتصب فيها أسس السواري. |
|
وانتهت عمليات حفر الأسس في 24 رمضان المبارك عام
1372هـ ثم سار العمار في طريقه الجدّيّ سيراً حثيثاً متواصلاً[52].
|
|
وتشاء إرادة الله (عز وجل) أن ينتقل الملك عبد العزيز
بن عبد الرحمن آل سعود (طيب الله ثراه)
إلى جوار ربه قبل أن تستكمل
أعمال التوسعة في المسجد النبوي الشريف التي أمر بها، وأنفق عليها بسخاء
عظيم. |
|
وقد أتم
البناء جلالة الملك سعود بن عبد العزيز (رحمه الله) فقام فيه خير قيام فكان خير خلف لخير
سلف؛ فما أن تبوأ جلالته عرش البلاد حتى أحب أن يطّلع على سير العمار بنفسه "فقصد
المدينة النبوية في 16ربيع الأول عام 1373هـ، وقد أعجبه ارتفاع العمار، وسره سير
العمل ونشاط العاملين المشرفين على أعمال البناء، وأثنى عليهم خيراً، وأبى إلا أن
يباشر بعض أعمال البناء بنفسه، ليحظى بشرف الاقتداء برسول الله صلى الله عليه
وسلم"[53]. |
|
"فبنى بيده الكريمة أربعة أحجار في جدار الزاوية
الغربية للمسجد تأسّياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ظهرت عليهم لوحة من
المرمر مخطوطة بماء الذهب كُتب عليها اسم جلالته والتاريخ"[54].
|
|
وسار العمار بهمة ونشاط في الأماكن المحددة، وكانت
الأوامر الملكية لمنفذي المشروع أن لا يكون العمار مرة واحدة في كل الأجزاء
المراد توسعتها وعمارتها وإنما على مراحل وأجزاء، حتى لا يعوق ذلك المصلين من
الصلاة في المسجد . |
|
وبفضل من الله تبارك وتعالى، ثم بفضل الرعاية السامية
الملكية، سارت العمارة في طريقها المرسوم، حتى تمت في وقت قصير حيث استمر العمل
فيها على قدم وساق لمدة خمس سنوات[55]بدأت
في الخامس من شهر شوال عام 1370هـ. |
|
وفي مساء يوم السبت الخامس من شهر ربيع الأول عام
1375هـ، أقيم حفل كبير لافتتاح المسجد النبوي الشريف، ترأسه الملك سعود بن عبد
العزيز آل سعود، وقد دعي إلى هذا الاحتفال، عدد من أصحاب الفضيلة يتقدمهم رئيس
القضاء بالمملكة السعودية الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، ومفتى المملكة العربية
السعودية الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، وكبار المشايخ في نجد والحجاز، ومنهم
شيخ الجامع الأزهر الشيخ عبد الرحمن تاج، ومفتى الديار المصرية الشيخ حسن مأمون[56]. |
|
كما حضر الاحتفال دولة رئيس وزراء سوريا السيد سعيد
الغزّي، والوفد المرافق له، ووفود من دولة العراق والأردن، ولبنان واليمن وممثلي
بعض الدول الإسلامية من رجالات السلك الدبلوماسي المعتمدين في المملكة، وهم سفير
أندونيسيا، سفير باكستان، وزير الهند، وكيل حكومة السودان، القائم بأعمال
المفوضية الإيرانية، القائم بأعمال المفوضية التركية، القائم بأعمال مفوضية
الأفغانستان[57]. |
|
"وفي تمام الساعة الثانية [بالتوقيت الغروبي] بعد
صلاة العشاء بدأ الحفل بآي من الذكر الحكيم من فضيلة المقرئ الشيخ حسن الشاعر،
وتقدم من بعده حضرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد نجل جلالة الملك سعود وألقى
نيابة عن جلالة والده خطاباً مستفيضاً قوبل بالاستحسان والإكبار[58]
. |
|
جاء فيه "أيها الإخوان إن مدينة الرسول صلى الله عليه
وسلم لها في نفوسنا من الحب والحرمة ما تقوى عوادي الدهر على النيل منه، فهو حب
متصل بالعقيدة والروح، والروح والعقيدة أعز وأقوى ما يملكه الإنسان، لقد اشتد
ساعد الإسلام وانتشر في سائر الأفاق من هذه المدينة المنورة، ويعلم الله ما
أصابنا من هلع حينما بلغ والدي المرحوم أن بعض الأعمدة في المسجد الطاهر قد
أصابها الوهن، فبادر لساعته باستدعاء الخبراء من المسلمين لبحث الأمر واستئصاله
من جذوره، وكان لي الشرف العظيم بوضع الحجر الأساسي، ولقد رأيت بعد أن توطدت
الأمور لدي أن يتسع المسجد ليسع أكبر عدد من المصلين والزائرين وأحمد الله أن تم
كل شيء في عهدي، ويكون لي الشرف العظيم بافتتاحه اليوم بحضور هذا الجمع الذي
يُمثل المسلمين من مختلف الجهات، وإنه ليضاعف غبطتي وسروري حضور رجال الدين من
سائر الأقطار، ومن يمن الطالع أن صادف تاريخ الانتهاء من هذه العمارة والاحتفال
بها تاريخ هجرته صلى الله عليه وسلم إلى مدينته هذه في شهر ربيع الأول"[59]،
ووقف من بعده فضيلة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم وألقى كلمة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة
العربية السعودية، جاء فيها "يا إمام المسلمين، لقد سبقت بهذه العمارة لمسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم السابقين فهذه السعة العظيمة، وهذه العمارة
الضخمة تنادي جميعها أنك خير من يسعى في عمارة بيوت الله، وأرجو أن تكون
من الذين قال الله فيهم {إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ
يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} أمد
الله في حياتكم وأدام توفيقكم لخير المسلمين وإعلاء كلمة الدين ونشر راية التوحيد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"[60]. |
|
ثم ألقى الشيخ محمد قزاز مدير مكتب التوسعة كلمة
نيابة عن الشيخ محمد بن لادن رئيس الإنشاءات الحكومية بالمملكة العربية السعودية،
قال فيها: "مولاي لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون لجلالتكم وجلالة والدكم
الملك عبد العزيز - رحمه الله - هذا الشرف التليد وهذا المجد المؤثل فوفقكم لهذه
المنقبة التاريخية الخالدة وسُجِّل اسمكم في صحائف التاريخ اللامعة وفي عداد صفوة
الخالدين الذين قاموا بعمارة هذا المسجد في أحقاب مختلفة منذ عهد النبي صلى الله
عليه وسلم فهنيئا لكم بهذا الشرف الخالد الكريم . |
|
تمت ولله
الحمد هذه العمارة على يدكم وفي عهدكم الزاهر الميمون وعلى أحسن ما يكون من القوة
والمتانة والإبداع والجمال، كذلك يا مولاي تم بناء الحاجز القبلي الذي أردتم به
صيانة المسجد الشريف والحجرة المطهرة من تسرب الأذى إليهما من الأماكن التي كانت
محيطة به فأزيلت تلك الأماكن، وهكذا أحيط المسجد الشريف من جوانبه الأربعة
بميادين وشوارع واسعة ستنسق أحسن تنسيق وأجمل تنظيم وتحقق بذلك والحمد لله الهدف
الذي أردتموه كذلك يا مولاي أمرتم بإنشاء هذا العمارات التي نشاهدها أمام المسجد
الشريف وجعلتموها وقفاً على المسجد النبوي الشريف يصرف ريعها عليه حسنة كريمة
تضيفونها إلى حسناتكم المتكررة وأعمالكم الصالحة -إن شاء الله- كذلك يا مولاي،
تفضلتم فأمرتم بإجراء زيادة جديدة في هذا المسجد النبوي الشريف في المنطقة
الواقعة بين باب السلام وباب الرحمة وإيجاد باب أطلقتم عليه اسم باب الصديق في
حذاء خوخة أبي بكر - رضي الله عنه. |
|
كذلك يا مولاي تفضلتم فأمرتم أن يفرش المسجد النبوي
الشريف بالسجاد العربي الذي سيتم صنعه بالمدينة المنورة وبأيدي أبنائها فأمرتم من
أجل ذلك بتأسيس مصنع كبير لتنمية صناعة السجاد، أمرتم بجلب المهندسين والأساتذة
والمعلمين ليقوموا بتعليم أبناء شعبكم هذا الصناعة التي تعود بالخير والنفع عليهم
وإننا جميعاً نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يحقق على يديكم هذه الأمنية الطيبة"[61].
|
|
ثم ألقيت بعض
الكلمات والقصائد الشعرية من بعض الحاضرين أثنوا فيها على هذا المشروع العظيم،
وتحدثوا عن غبطتهم وسرورهم بإنجازه، ودعوا الله سبحانه لجلالة الملك سعود بن عبد
العزيز، ووالده العظيم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله اللذين حققا
بهذا الإنجاز الرائع حلما طال انتظاره. |
|
- وصف العمارة السعودية للمسجد النبوي الشريف:
|
|
هي عمارة لا ينبئ عنها ولا يستطيع أن يصفها بدقة إلا
من رآها وعرف قدرها ومقدار الجهد الذي بذل فيها ومقدار المال الذي أنفق عليها حتى
خرجت هكذا للناس صورة واضحة ناطقة دالة على عناية صاحب الجلالة الملك سعود، ومن
قبـله أبوه الراحل العظيم جلالة الملك عبد العزيز رحمهما الله، وعلى ما
يحمله قلباهما العظيمان من محبة لله ولرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم[62]. |
|
إن هذه العمارة قد أصبحت مضرب الأمثال في القوة
والمتانة وحسن الشكل، قد تناولت هدم الأروقة الثلاثة القديمة : الشرقي والغربي
والشمالي، ثم إعادة بنائها، وتوسعة الحرم وتكبيره بحيث زادت مساحته الآن بمقدار
ثلاثة أخماس المساحة القديمة، وشراء جميع الأبنية المحيطة بالمسجد النبوي بمبالغ
مغرية جداً وذلك بتعويض أهلها تعويضاً ينسيهم قرب أبنيتهم من الحرم النبوي، وإذا
أضيف إلى هذا محبة الناس في توسعة الحرم النبوي، ثم محبتهم لتنفيذ أمر جلالة
الملك سعود كان موجباً لرضاء الناس. |
|
وقد انتهت العمارة بحمد لله تعالى وأصبحت الجوانب الثلاثة للحرم مبنيّة على طراز
حديث يعلو سبعة عشر متراً، ولكيلا يحدث اختلاف في الشكل الداخلي للمسجد جعلت رءوس
الأعمدة الجديدة مساوية في الارتفاع لرؤوس الأعمدة التي لم تهدم بالرواق القبلي،
أساسها وبناؤها جميعاً من الإسمنت المسلح وجميع أعمدتها من المسلح كذلك، فقواعد
الأعمدة مسلحة غطيت بالرخام الأسود المرقش، وطليت الأعمدة المسلّحة بلون بنّي
فاتح كلون الأعمدة القديمة في الرواق القبلي، وغطيت رؤوس الأعمدة بشبكة من النحاس
الأصفر وزركشت زركشة عربية جميلة، وفوق التيجان وضعت مصابيح أربعة في كل جانب
مصباح صنع من النحاس الأصفر والزجاج المتين في شكل فخم جميل، وقد ركبت هذه
المصابيح فوق الأعمدة وتحت منحنيات الأقواس، والمنحني القوسي مسلح غطى بالحجر
الصناعي الجميل، وقد جعل خطوطاً رمادية اللون بينها خطوط بيضاء، وتنتهي هذه
الأقواس إلى السقف مغطاة
بالحجر الصناعي وروعي في السقف حسن الشكل واللون الأبيض المزين بالأشكال الهندسية
المختلفة، وقد فتح فيه فتحات هندسية خاصة ستركب عليها أدوات كهربائية لتكييف
الهواء داخل المسجد صيفاً وشتاً، وحليت الجدران بنوافذ عربية الشكل جميلة الصنع
كما جعلت الأبواب كذلك، وصنعت الأبواب خارج المملكة السعودية بعضها في مصر على
طريقة عربية حلّي أعلى كل باب بآية قرآنية كريمة. |
|
وقد كان صحن المسجد فيما مضى صحناً واحداً تحيط به
الجوانب الأربعة فأصبح الآن قسمين يفصلهما جزء مسقوف من العمارة الحديثة حتى يقي
المصلين والزّوار حرارة الشمس أو المطر، وكل أقسام المسجد المسقوفة غطيت أرضها
بالرخام الجيّد، أما الصحن فإنه فرش بالرمل الخشن المائل لونه إلى الحمرة. |
|
وقد أصبح المسجد بهذه العمارة خالياً بالفعل من جهاته
الأربع فأصبحت طرقاً تنتهي من أحد جوانبها بالحرم وتنتهي من الجانب الآخر بأبنية
تكون وقفاً على الحرم النبوي الشريف باسم جلالة الملك سعود، وقد أقيمت هذه
الأوقاف فعلاً على جانب الطريق الغربي[63]
. |
|
- حقائق وأرقام عن التوسعة السعو دية الأولى: |
|
1- الإضافة
السعودية لعمارة المسجد النبوي الشريف التي أمر بها جلالة الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن رحمه الله، هي: 1227 م2، حيث أصبحت مساحة المسجد بعدها 16326م2. |
|
2- أصبح للمسجد النبوي بعد إضافة العمار السعودي
الجديد قسمان جنوبي وشمالي، والقسم الشمالي هو: القسم الجديد الذي أمر بتشييده جلالة الملك عبد العزيز رحمه
الله تعالى، وأمر بإتمامه نجله جلالة الملك سعود بن
عبد العزيز - رحمه الله تعالى -، وأصبح للمسجد النبوي الشريف بعد العمارة
السعودية الأولى ثلاث رحبات، اثنتان داخليتان وواحدة خارجية، ويفصل بين الرحبتين
الداخلتين رواق ممتد متصل باب خالد بن الوليد الشرقي، والباب السعودي الغربي،
وهذا الرواق من التنظيم الدقيق. |
|
وأما الرحبة
الخارجية فهي: بين باب السلام وباب الرحمة من الجهة الغربية، وهذه الرحبة لها
فائدتان، الأولى : تجعل منظر المسجد النبوي منسجماً انسجاماً فنياً رائعاً،
والثانية: إن المسجد يصبح صالحاً لأن يسع خمسين ألف مصلٍّ[64].
|
|
3- عدد الأروقة: أحد عشر رواقاً، الشمالية وعددها
خمسة،
وثلاث أروقة في الجناح الغربي، وثلاثة في الجناح الأوسط، وعرض الرواقات ستة أمتار[65] |
|
4- المآذن: وعددها أربع، مئذنتان في القسم الجنوبي،
ومئذنتان في القسم الشمالي، ولكل مئذنة من هذه المآذن شرفات، أما ارتفاع المآذن
فسبعون متراً والعمق في الأساس سبعة
عشر متراً[66]. |
|
5- الأبواب: خمسة أبواب وهي كالتالي: |
|
- باب الملك عبد العزيز: ومكانه بعد باب النساء في
الجدار الشرقي وهو عبارة عن ثلاثة أبواب متجاورة واسعة وأمامها الشارع المنطلق من
غرب إلى شرق المسمى بشارع الملك عبد العزيز. |
|
- باب عثمان: ويقع في ركن المسجد الشمالي وهو باب
واحد، وقد سمّي بهذا الاسم وعرف به. |
|
- باب المجيدي: نسبة إلى السلطان عبد المجيد، كان في
عمارته قبل الزيادة السعودية فلما زيد في المسجد أعيد اسم هذا الباب في الجهة
التي كان بها في العمارة السعودية اعترافاً بالمآثر الخالدة للسلطان المذكور.
ويقع باب المجيدي في وسط الجدار الشمالي الشرقي. |
|
- باب عمر بن الخطاب: ويقع في ركن المسجد الشمالي
الغربي. |
|
- باب سعود: ويقع في الحائط الغربي، ويتوسط هذا
الجدار تقريباً، ومكانه بعد باب الرحمة، وهو عبارة عن ثلاثة أبواب واسعة. |
|
6- المصابيح: أما عدد المصابيح التي ثبتت في أعلى
الأعمدة فهي 1011 مصباحاً، وأربعة عشر ألف مصباح دائري في زواياً العقود بشكل
جذاب[67].
|
|
7- الأعمدة: عدد الأعمدة المربعة المحيطة بالجدار
أربعمائة وأربعة وسبعون عاموداً مربعاً، وعدد الأعمدة المستديرة في العمارة
الجديدة مائتان واثنان وعشرون عاموداً مستديراً. |
|
8- الجدران والبوائك : يبلغ طول الجدار الغربي مائة وعشرين متراً طولياً، وكذلك الجدار الشرقي، ويبلغ طول الجدار الشمالي واحداً وتسعين متراً طولياً. |
|
ويبلغ عدد البوائك الشمالية خمس بوائك، أما بوائك
الجهة الشرقية والغربية والوسطى فيبلغ عددها ثلاث بوائك لكل جهة[68]. |
|
9- العقود والنوافذ: بلغ عدد العقود 689 عقداً، أما النوافذ فعددها 44 نافذة[69]. |
|
10- أساسيات الجدران والأعمدة: عمق أساسات الجدران والأعمدة خمسة أمتار[70]. |
|
11- يترواح عدد العمال الذين عملوا في عمارة المسجد
النبوي الشريف بين ستمائة وثلاثمائة عامل يومياً، منهم نحو مائة عامل مصري ونحو
مائة عامل سوري ونحو مائة عامل حضرمي والباقون من العمال السعوديون، وقدّر عدد
العمال السعوديين الذين عملوا في التوسعة حتى نهايتها بحوالي ألف وخمسمائة عامل[71]
. |
|
وكان عدد المهندسين عشرة، منهم ثمانية من المصريين،
وواحد سوري، وآخر باكستاني، واثنان باكستانيان بصفة مساعد مهندس[72]. |
|
أما عدد موظفي مكتب المشروع فكانوا خمسين موظفاً[73].
|
|
12- أنشئ في منطقة أبيار علي مصنع كبير لعمل الأحجار
الصناعية "المزايكو" وزود بالآلات الميكانيكية الحديثة وأشرف عليه أكبر
الأخصائيين العالميين، وكان ينتج يومياً كميات وافرة تنقل لمكتب التوسعة وتوزع
هناك على أماكن البناء، كما استحضر المكتب رافعات ضخمة وسيارات كبيرة ومعدات
وآلات ميكانيكية مختلفة الأحجام والأشكال بلغت أربعين قطعة[74]. |
|
وكان هناك ورشة ميكانيكية يعمل بها حوالي مائة شخص ما
بين مهندسين وسائقين. |
|
13- كان ميناء ينبع يستقبل كل يوم البواخر القادمة من
شتى أقطار العالم والتي تحمل المواد اللازمة لتوسعة المسجد النبوي الشريف، وكان
مجموع البواخر الراسية يربو على الثلاثين، وبلغ مجموع ما أفرغته نيفاً وثلاثين
ألف طن من مواد البناء[75]. |
|
14- قدرت تكاليف عمارة المسجد النبوي الشريف بما فيها
قيمة التعويضات التي صرفت لأهل الدور التي انتـزعت ملكيتها لصالح التوسعة
السعودية الأولى، حوالي سبعين مليون ريال سعودي[76].
|
|
- صدى التوسعة في داخل المملكة وخارجها: |
|
ما كاد النبأ ينتشر بعزم جلالة الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله تعالى - على القيام بتوسعة المسجد النبوي الشريف
حتى استولت على المسلمين جميعاً نشوة المسرة وأخذ بعضهم يهنئ بعضاً، ويتابعون
إرسال البرقيات شاكرين داعين لجلالة الملك بالخير والتوفيق، وقد قدم إلى المدينة
المنورة وفود كثيرة من شتى الممالك الإسلامية ليستمتعوا بالنظر إلى أعمال التوسعة
الجديدة وليشاركوا بقلوبهم المؤمنة وأعمالهم المخلصة ما استطاعوا ما دام جلالة
الملك -رحمه الله تعالى-كفاهم مؤونة دفع المساعدات المالية. أما الصحف المحلية
والخارجية فقد أثنت على المشروع بما هو أهل له وأبرزت جوانبه المختلفة[77]. |
|
[1] التوبة: 18. |
|
[2] الطبري ، جامع البيان عن
تأويل آي القرآن: 6/335 . . |
|
[3] ابن هشام، سيرة: 1/494. |
|
[4] انظر: البخاري، الصحيح:
4/255، والحاكم في المستدرك: 34. |
|
[5] القصواء: اسم ناقة النبي
صلى الله عليه وسلم. |
|
[6] الموضع الذي يجفف فيه التمر. |
|
[7] البخاري الصحيح: 4/258. |
|
[8] المصدر السابق: 1/115. |
|
[9] ابن حجر، فتح الباري:
7/246، وكتاب الزبير مفقود . قال ابن حجر: "وفي رواية عطّاف بن خالد عند ابن
عائذ "أنه صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوماً، ثم بناه وسقفه". |
|
[10] السخاوي، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: 1/45 . |
|
[11] جعفر فقيه، هاشم دفتر دار، توسعة الحرم النبوي الشريف: 27. |
|
[12] انظر صحيح سنن الترمذي: 3/209 . |
|
[13] توسعة الحرم النبوي الشريف: 27 . |
|
[14] السمهودي، وفاء الوفاء: 2/493 . |