|
|
|
كتاب السير من
التهذيب للإمام البغوي |
|
تحقيق
ودراسة |
|
د.راوية بنت
أحمد الظهار |
|
الأستاذ
المشارك في كلية التربية بالمدينة |
|
|
|
المقدمة |
|
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى
الأمانة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن
اتبع هديه إلى يوم الدين. |
|
أما بعد؛فإن الجهاد في الإسلام ذروة سنامه، وهو من أهم مبادئ
الإسلام العظمى لأنه سبيل عزة هذه الأمة وكرامتها وسيادتها؛ لهذا كان فريضة
محكمة وأمراً ماضياً إلى يوم القيامة، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وصغروا
وغزاهم عدوهم في دارهم، ويعد الجهاد من أفضل الأعمال عند الله، ولقد تمنى الرسول
صلى الله عليه وسلم أن يحوز درجة الشهادة في سبيله. |
|
ولقد قرأت كتاب السير من كتاب التهذيب للإمام البغوي ولما
وجدته لهذا الباب من أهمية،ولأهمية كتاب التهذيب استخرت الله وحققت هذا الجزء،
راجية من الله - سبحانه وتعالى - أن يتقبله مني ويثقل به موازيني ووالديّ. |
|
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
الإمام البغوي |
|
نسبه ومولده ونشأته وصفاته: |
|
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي الشافعي[1]. |
|
كان أبوه يعمل الفراء ويبيعها وإليها نسب[2]، وسمي
بالبغوي نسبة إلى بلدة من بلاد خراسان بين مرو وهراة يقال لها بغ وبغشور[3]، وقيل
بغشور اسم الولاية، واسم المدينة بغ[4]. |
|
ولقب بعدة ألقاب منها: |
|
محيي السنة[5]، وركن الدين[6]، وظهير الدين[7]، وقامع البدعة[8]، وشيخ الإسلام[9]. |
|
ولد الإمام البغوي في جمادى الأولى سنة 433هـ[10]، وقيل:
سنة 436هـ[11] واختلفت
المصادر في المدة التي عاشها فبعض ذكر أنه عاش بضعاً وسبعين سنة[12] والبعض
ذكر أنه جاوز الثمانين[13]، وبعضها
الآخر ذكر أنه أشرف على التسعين[14]. |
|
ويبدو
أنه نشأ في بلدة بغشور، وتلقى مبادئ العلم فيها، ثم رحل إلى مرو الروذ؛ ليتلقى
العلم على أيدي علمائها، وهناك التقى بإمامها في ذلك العصر القاضي حسين بن محمد
المروزي، فتتلمذ عليه، ونهل من علمه، ودرس عليه المذهب الشافعي. |
|
ولم يكتف بأخذ العلم من مرو الروذ بل نراه يوسع دائرة
رحلاته إلى بلاد أخرى لم تذكر لنا كتب التراجم أسماءها، ولكن أجمل ذلك ابن تغري
بردي حيث قال: "رحل إلى البلاد وسمع الكثير.."[15]. |
|
ومع كثرة رحلاته لم يذهب إلى بغداد، كما أنه لم يذهب
إلى أرض الحرمين ولم يحج. وانتهى به المقام في مرو الروذ حتى توفي فيها في شوال
سنة 516هـ. |
|
وكان - رحمه الله - ذا علم غزير أثر في أخلاقه وسلوكه
الشخصي؛ إذ إنه لم يجرد هذا العلم عن العمل بل كان جامعاً بينهما. |
|
يقول ابن السبكي: "كان إماما جليلاً ورعاً زاهداً فقيهاً محدثاً مفسراً
جامعاً بين العلم والعمل"[16]. |
|
شيوخه وتلاميذه[17]: |
|
أولاً: شيوخه: |
|
تتلمذ الإمام البغوي علي شيوخ أجلاء في التفسير، والحديث،
والفقه منهم: |
|
القاضي الحسين بن محمد المروزي[18]، وأبو
عمر عبد الواحد المليحي[19]، وأبو
الحسن علي بن يوسف الجويني[20]، وحسان
بن محمد المنيعي[21]، وأبو بكر محمد بن الهيثم
التراب،[22] وأبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفي[23]، وأبو
الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوي[24]. |
|
ثانياً: تلاميذه: |
|
أبو علي الحسن بن مسعود البغوي[25]، أبو
الفتوح مسعود بن أحمد ابن يوسف الخطيب البامنجي[26]، وأبو
الفتوح محمد بن محمد الطائي[27]، وأبو
عمرو عثمان بن محمد بن محمد بن موسى الشاشي الفاشاني[28]، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد الشاشي
الفاشاني[29]، وأبو منصور محمد ابن أسعد العطاري المعروف بحفدة[30]،وأبو المكارم فضل الله بن محمدالنوقاني[31]. |
|
مؤلفاته : |
|
كان البغوي - رحمه الله - مفسراً، ومحدثاً، وفقيهاً،
وعالماً بالقراءات وبسيرة النبي صلى الله عليه
وسلم، وقد
شملت مؤلفاته كل تلك العلوم. |
|
قال عنه السبكي: "وقدره عال في الدين، وفي التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه..."[32]. |
|
ومن مؤلفاته في القرآن الكريم وعلومه: |
|
3 - مشكل القرآن. |
|
ذكره محقق الأنوارفي شمائل النبي المختارللبغوي نقلاً عن
ابن الفوطي[37]. |
|
مؤلفاته في الحديث: |
|
4-الجمع بين الصحيحين[44]. والكتاب
لم أقف عليه. |
|
8- معجم الشيوخ[51] "مخطوط". |
|
مؤلفاته في الفقه: |
|
1- التهذيب[52]. |
|
4- ترجمة الأحكام في الفروع[57]، مكتوب
بالفارسية. |
|
5- الكفاية في الفروع[58] (مكتوب
بالأعجمية). |
|
6- شرح المختصر[59]. |
|
عقيدته ومكانته العلمية: |
|
كان البغوي من أئمة أهل السنة والجماعة، سائراً على عقيدتهم
مقتدياً بسيرتهم، ويظهر ذلك في تفسيره حيث يورد رأي أهل السنة وينصر رأيهم في
بيان تلك الآيات التي تتصل بالعقيدة رداً على المعتزلة فيما ذهبوا إليه[60] وشهد بصحة
عقيدته الإمام الذهبي حيث قال: "... على منهاج السلف حالاً وعقداً"[61]. |
|
وقال صاحب مفتاح السعادة: (صحيح العقيدة في الدين)[62]. |
|
أما مكانته العلمية، فقد كان بحراً في العلوم[63]، مجتهداً[64]، من
أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، ومن أئمة أهل النقل[65]. |
|
وقد برع في علوم القرآن والسنة والفقه حتى أضحى علامة زمانه
فيها[66] وتنافس
العلماء في تحصيل كتبه ورزق فيها القبول التام لحسن قصده وصدق نيته. |
|
وقال علي القاري: "من أصحاب الوجوه، قال بعض مشائخنا ليس له قول ساقط"[67]. |
|
قال السبكي: "وقدره عال في الدين، وفي التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه
متسع الدائرة نقلاً وتحقيقاً، كان الشيخ الإمام يجل مقداره جداً، ويصفه بالتحقيق
مع كثرة النقل، وقال في باب الرهن من تكملة شرح المهذب، "اعلم أن صاحب
التهذيب قَلَّ أن رأيناه يختار شيئاً إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره، هذا مع
اختصار كلامه"، وهو يدل على نبل كبير وهو حري بذلك فإنه جامع لعلوم القرآن
والسنة والفقه[68]. |
|
أهمية الكتاب وأثره في كتب المذهب: |
|
يعد كتاب التهذيب من الكتب المهمة والقيمة في المذهب
الشافعي، فقد ذكر فيه البغوي جملة من منصوصات الإمام الشافعي وكثير من تفريعات
أصحابه خرجوها على أصوله وذكر فيه من أقاويل الصحابة والتابعين ومن تبعهم من
العلماء ما لا يستغني عن معرفتها المترصد للفتوى، ولم يخل الكتاب من اختياراته
واستنباطاته وترجيحاته مما جعل كثيراً من أئمة المذهب يكثرون النقل منه، فقد
نقل عنه الإمام النووي في كتابيه شرح المهذب وروضة الطالبين، وابن الرفعة في
كفاية النبيه والمطلب العالي،والخطيب الشربيني في مغني المحتاج، والرملي في
نهاية المحتاج، وابن حجر في تحفة المحتاج، والأردبيلي في الأنوار وغيرهم. |
|
وهذا إنما يدل على أهمية الكتاب ومكانته في كتب المذهب. |
|
منهج البغوي في
الكتاب: |
|
اتبع البغوي في كتابه المنهج الآتي: |
|
1- قسم الكتب إلى أبواب تندرج تحتها فصول. |
|
2- يعنون للأبواب والفصول غالباً. |
|
3- يبدأ الأبواب والفصول - غالباً - بآيات وأحاديث. |
|
4- يقوم بشرح المسألة مستوعباً المذهب ويذكر - في بعض
الأحيان - الأقوال والأوجه ويشير - أحياناً - لقائليها. |
|
5- امتاز الكتاب بترتيب المسائل والتوسع في نقل الفروع مع
حسن التصرف والبحث الدقيق. |
|
6- قد يكون في المسألة أكثر من قول أو وجه أو طريقة،
فيقتصر على قول واحد أو يقطع بالطريق الذي فيه قول واحد أو الطريق الذي فيه قولان. |
|
7- يرجح في بعض الأحيان بين الأقوال أو الأوجه بقوله "وهو
الأصح"، "وعندى". |
|
8- يذكر الاختلاف بين مذهبه والمذاهب الأخرى وبخاصة المذهب
الحنفي كما يذكر أقوال الأئمة كالثوري، والزهري، والنخعي. |
|
منهج التحقيق: |
|
1- مقابلة النسخ مع بعضها مع الإشارة في الهامش إلى الفروق،
ومراعاة قواعد الإملاء الحديثة. |
|
2-وضع النص القرآني بين قوسين وتشكيله والإشارة إلى السورة
التي جاءت فيها الآية، ورقم الآية. |
|
3- تخريج الأحاديث النبوية، وبيان درجة الحديث ما أمكن. |
|
4-تخريج الآثار من أقوال الصحابة والتابعين. |
|
5-شرح الكلمات الغريبة. |
|
6-ترجمة جميع الأعلام الواردة في المخطوطة. |
|
7-الإشارة إلى بداية كل لوحة. |
|
8-تحقيق المسائل الفقهية على النحو التالي: |
|
أ- إذا ذكر حكماً متفقاً عليه عند الشافعية، أكتفي بذكر بعض
المراجع الفقهية المعتمدة في المذهب توثيقاً لما أورده المؤلف. |
|
ب- إذا ذكر قولاً أو وجهاً أو طريقاً في مسألة، ووجدت قولين
أو عدة أوجه، أو أكثر من طريق فإنني أذكرها، وأذكر القائلين بها في أكثر
الأحيان، والصحيح منها إذا وجدت ترجيحاً. |
|
ج- إذا ذكر أقوالاً للمذاهب الأخرى، فإنني أقوم بتحقيقها
بالرجوع إلى كتب كل مذهب مع ذكرها توثيقاً لما ورد. |
|
د- إذا ذكر أقوالاً للثوري أو الأوزاعي رجعت إلى مظانه
كالمجموع وغيره من كتب الفقه المقارن توثيقاً لهذه الأقوال. |
|
8- ضمنت آخر الكتاب فهرسين تفصيلية بيانهما؛ هما : |
|
1- فهرس المراجع. |
|
2- فهرس الموضوعات. |
|
ثانياً: وصف النسخ المخطوطة: |
|
- النسخة الأولى: |
|
وهي نسخة يوجد منها الجزء الرابع في مكتبة أحمد الثالث بتركيا تحت رقم (870) وعدد لوحاتها (324) لوحة، تحتوي كل صفحة على 25 سطرا تتراوح كلمات كل سطر ما بين (13- 16) كلمة، وعدد لوحات الجزء المحقق (13) لوحة. |
|
وقد كتب هذا الجزء بقلم نسخ معتاد، ولم يذكر الناسخ اسمه أو
تاريخ النسخ وهذه النسخة خالية من الحواشي والتعليقات. |
|
يبدأ هذا الجزء بكتاب القصاص، وينتهي بكتاب أمهات
الأولاد ولقد رمزت لهذه النسخة برمز(أ). |
|
- النسخة الثانية: |
|
وهي نسخة يوجد منها مجلدان في المكتبة الظاهرية. |
|
وقد تمكنت بفضل الله من تصوير الجزء الرابع بأكمله وهو
الذي يشتمل على الجزء المحقق. |
|
ووضع تحت رقم (2229) (292 فقه الشافعي ). |
|
وعدد لوحاته (361) لوحة، تحتوي كل صفحة على (25)
سطراً وتتراوح كلمات كل سطر بين (11-15) كلمة، وعدد لوحات الجزء المحقق (13)
لوحة. |
|
وقد كتب الجزء بخط واحد وبقلم نسخ جميل وقد ذكر اسم
ناسخه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسين، ومكان تاريخ نسخه في شهر رجب من
سنة (599هـ). |
|
وقد جاء بآخره بخط مختلف فهرس تفصيلي لمحتويات هذا الجزء
ودون على اللوحة الأولى بعض التمكينات والوقفيات للجزء. |
|
يبدأ هذا الجزء بكتاب القصاص وينتهي بكتاب عتق أمهات
الأولاد.وقد رمزت لهذه النسخة برمز (ظ). |
|
- النسخة الثالثة: |
|
وهي النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (488 فقه
شافعي) ويقع الجزء المحقق في الجزء التاسع، وعدد لوحاته ( 116) تحتوي كل صفحة على (20) سطر
وتتراوح كلمات كل سطر بين (11_12) كلمة، وعدد لوحات الجزء المحقق (17) لوحة. |
|
وقد كتبت هذه النسخة بخط معتاد غير منقوط. |
|
ويبدأ هذا الجزء بكتاب قتال أهل البغي، وينتهي بباب النذور. |
|
وقد رمزت لها برمز (د). |
|
كتاب السير[69] |
|
باب فرض الجهاد[70]. |
|
بسم الله الرحمن الرحيم[71]. |
|
قال الله تعالى:
{كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ}[72] الآية. |
|
وقال جل ذكره:
{انْفِرُوْا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا
بِأمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ فِي سَبِيِل الله}[73]. |
|
كان القتال مع المشركين ممنوعاً عنه[74] في ابتداء
الإسلام بل كان يلزمهم الصبر على أذى المشركين[75]. |
|
قال الله تعالى:
{أَلَمْ
تَرَ إِلى الّذِينَ قِيلَ لَهُمُ كُفُوا أَيْدِيَكْمْ}[76]. |
|
وقال:{لتُبْلَوُنّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُم} إلى قوله تعالى: |