طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كتاب الاعتقاد لأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الحنبلي

تحقيق وتعليق:

د. محمد بن عبد الرحمن الخميس

الأستاذ المشارك في كلية أصول الدين بالرياض

 

مقدمة المحقق

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمرإن: 102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [ الأحزاب: 70، 71].

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار[1].

وبعد؛ فهذه رسالة نفيسة للإمام أبي الحسين محمد بن محمد بن حسين الفراء الحنبلي البغدادي، ابن القاضي أبي يعلى، صاحب كتاب طبقات الحنابلة. وهي وإن كانت صغيرة الحجم، فهي غزيرة الفائدة، وتكشف عن كون الإمام المصنف على عقيدة السلف الصالح، كما تبين مدى جهاده وذبه عن هذه العقيدة، فقد عهده الناس فقيهاً مؤرخاً من خلال كتابه طبقات الحنابلة وهو في كتابه هذا يبين عقيدة السلف في الإيمان، والتوحيد، والصفات، والقدر، والبعث والصراط، والنبوة، وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، وغيرها، كما يبين فيه الواجب فعله تجاه المبتدعة المخالفين لعقيدة السلف.

(أ) - أسباب تحقيق الكتاب:

·أنَّ المصنف من العلماء الحنابلة الذين تمسكوا بعقيدة الإمام أحمد في الأصول، كما هم على مذهبه في الفروع.

·بيان المؤلف في هذا الكتاب لعقيدته، عقيدة السلف، مما يدل على إحاطة المؤلف بمذهب أهل السنة العقدي، ومعرفته بأقاويل الفرق المبتدعة.

·أن الكتاب لم يطبع من قبل.

(ب) - خطة البحث:

رأيت من المناسب تقسيم البحث في هذا الموضوع إلى قسمين:

القسم الأول: في التعريف بالمؤلف وبالكتاب:

ويشتمل هذا القسم على مبحثين:

المبحث الأول: التعريف بالمؤلف:

ـ اسمه ونسبه وكنيته ومولده.

ـ نشأته العلمية.

ـ ثناء العلماء عليه.

ـ أشهر مصنفاته.

ـ أشهر شيوخه.

ـ أشهر تلاميذه.

ـ وفاته.

المبحث الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة:

أولاً: التعريف بالكتاب:

ـ اسم الكتاب.

ـ موضوع الكتاب.

ـ سبب تأليف الكتاب.

ـ توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.

ثانيا: وصف المخطوطة:

القسم الثاني: تحقيق الكتاب.

(ج) عملي في الكتاب:

لقد اجتهدت حسب الوسع والطاقة في خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بهذه الصورة، ويتلخص عملي في التحقيق في الخطوات التالية:

1 ـ الاعتماد في تحقيق الكتاب على أصل محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق الشام، تحت رقم (4546)، وهي نسخة وحيدة.

2 ـ عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها في القرآن بين معقوفين بعد كل آية.

3 ـ عزو الأحاديث إلى مصادرها الحديثية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، أما إذا كان في غير الصحيحين فاجتهد في العزو إلى أكثر من مصدر.

4 ـ التعليق والشرح لما يحتاج إليه في بعض المواضع التي تحتاج في نظري إلى تعليق، وفصلت بين الأصل وتعليقاتي عليه بوضع الأصل في أعلى الصفحة والتعليق في أسفلها.

5 ـ وضع عناوين جانبية توضح المقصود من كل فقرة.

6 ـ وضع فهارس عامة للكتاب، وهي:

أ ـ فهرس المصادر والمراجع.

ب ـ فهرس الموضوعات.

وأخيراً فإني بذلت الجهد في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه، فإن وفّقت إلى ذلك وأصبت فهو من عند الله وله المنّة، وإن كان غير ذلك فأستغفر الله، وعذري أني استفرغت في البحث وسعي، وأسال الله تعالى القبول، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القسم الأول:التعريف بالمؤلف وبالكتاب

المبحث الأول:التعريف بالمؤلف

أ - اسمه ونسبه وكنيته ومولده:

هو أبو الحسين محمد بن محمد بن حسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء الحنبلي، البغدادي، المشهور بالقاضي أبي الحسين، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة[2].

ب - نشأته العلمية:

نشأ القاضي أبو الحسين في بيئة علمية صالحة، حيث نشأ تحت رعاية والده العلامة محمد بن الحسين المشهور بالقاضي أبي يعلى، وهو شيخ الحنابلة وأمامهم في عصره، حيث عني بتعليم ابنه وتهذيبه منذ نعومة أظافره، وكان أول ما يتلقاه طلاب العلم في ذلك الوقت حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يوجهون عنايتهم لدراسة الحديث النبوي وسائر العلوم الشرعية الأخرى. فأخذ على مشايخ بغداد في مختلف العلوم الشرعية، حتى فاق أقرانه.

ج - ثناء العلماء عليه:

قال عنه الذهبي: (الإمام العلاّمة الفقيه القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي الكبير أبي يعلى)[3].

وقال عنه الذهبي في موضع آخر: (كان مفتياً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، صلباً في السنة، كثير الحط على الأشاعرة)[4].

وقال عنه ابن رجب: (برع في الفقه وأفتى وناظر، وكان عارفاً بالمذهب متشدداً في السنة)[5]

وقال عنه السلفي: (وكان كثيرا ما يتكلم في الأشاعرة، ويسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله تصانيف في مذهبه، وكان دينا ثقة ثبتاً، سمعنا منه)[6]

د - أشهر مصنفاته:

1 ـ طبقات الحنابلة، وهو مطبوع.

2 ـ الرد على زائغي الاعتقاد في منعهم من سماع الآيات.

3 ـ شرف الاتباع وسرف الابتداع.

4 ـ المقنع في النيات.

5 ـ المفتاح في الفقه.

6 ـ المسائل التي حلف عليها أحمد.

7 ـ إيضاح الأدلة في الرد على الفرقة الضالة المضلة.

8 ـ المجموع في الفروع.

9 ـ المفردات في أصول الفقه.

10 ـ تنـزيه معاوية بن أبي سفيان.

11 ـ رؤوس المسائل.

12 ـ التمام لكتاب الروايتين والوجهين.

13 ـ المفردات في الفقه.

هـ - أشهر شيوخه:

1 ـ والده: القاضي أبو يعلى.

2 ـ عبد الخالق بن عيسى الهاشمي العباسي المعروف بالشريف.

3 ـ عبد الصمد بن مأمون.

4 ـ أبو بكر الخطيب.

5 ـ أبو بكر الخياط.

6 ـ أبو المظفر هناد النسفي.

و - أشهر تلاميذه:

1 ـ عبد المغيث بن زهير الحربي.

2 ـ الجنيد بن يعقوب الجيلي.

3ـ عبد الغني بن الحافظ أبي العلاء الهمداني.

4 ـ أبو نجيح محمود بن أبي المرجا الأصبهاني.

5 ـ علي بن المرحب البطائحي.

6 ـ محمد بن غنيمة بن القاق.

ز - وفاته:

توفي القاضي أبو الحسين سنة526 هـ مقتولاً في بيته، فرحمه الله وغفر له.

المبحث الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة

أولا - التعريف بالكتاب:

أ - اسم الكتاب:

دوِّن على غلاف النسخة الخطية (الاعتقاد)، وهكذا ورد في السماعات المرفقة مع المخطوطة، ولم أقف على خلافه.

ب - موضوع الكتاب:

يتضح من اسم الكتاب (الاعتقاد) أي اعتقاد المؤلف، وما يدين به ربه في مسائل الإيمان والتوحيد. فالكتاب يشتمل على المسائل الآتية:

1 ـ الإيمان بالله وتوحيده.

2 ـ الإسلام والإيمان.

3 ـ صفة الكلام، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق.

4 ـ الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة: كالعلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، واليمين، والنـزول، والضحك، والمجيء، والساق، وغير ذلك من الصفات.

5 ـ بيان أن من شبه الله بخلقه فقد كفر.

6 ـ منهج أهل السنة في الأسماء والصفات.

7 ـ الإيمان بالقدر.

8 ـ الإيمان بعذاب القبر.

9 ـ الإيمان بالبعث والصراط.

10 ـ الإيمان بالميزان.

11 ـ الحوض والشفاعة.

12 ـ الحساب والجنة والنار.

13 ـ نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

14 ـ إعجاز القرآن الكريم.

15 ـ الإسراء والمعراج.

16 ـ حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.

17 ـ المفاضلة بين الصحابة.

18 ـ هجر أهل البدع.

19 ـ خاتمة المؤلف.

 ج - سبب تأليف الكتاب:

بين المؤلف رحمه الله تعالى سبب تأليفه للكتاب، فقال: " أما بعد ! أعاذنا الله وإياك من التكلف لما لا يحسن والادعاء لما لا نتقن وجنبنا وإياك البدع والكذب فإنهما شرّ ما احتقب، وأخبث ما اكتسب. فإنك سألت عن مذهبي وعقدي، وما أدين به لربي عزّ وجل لتتبعه؛ فتفوز به من البدع والأهواء المضلة، وتستوجب من الله عزَّ وجل المنازل العلية فأجبتك إلى ما سألت عنه، مؤملاً من الله جزيل الثواب، وراهباً إليه من سوء العذاب ومعتمداً عليه في القول بالتأييد للصواب " أ.هـ.

من خلال ما سبق اتضح لنا أن سبب تأليفه للكتاب أن المؤلف سُئِل عن عقيدته ومذهبه؛ فأجاب السائل بكتابة عقيدته في هذه الرسالة.

د - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:

تتحقق نسبة الكتاب إلى مؤلفه بما يلي:

1 ـ ما كتب على غلاف المخطوط من اسم الكتاب مع نسبته إلى مؤلفه.

2 ـ ما يوجد بآخره من السماعات الآتية بحروفها:

أ - سمعه جميعه من الشيخ الفقيه أبي سعيد بن الأعرابي، بقراءة الشيخ العالم الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن تيمية الحراني (.....)[7] الشيخ الفقيه أبو الفتح نصر الله بن عبدالعزيز بن صالح بن عبدوس الحراني، وأبو محمد طلحة بن مظفر بن حاتم (......)[8] علي بن مكي بن علي الباجسرالي، وعبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي وهذا خطه وذلك يوم الأحد السابع عشر من ذي الحجة في سنة ثلاث وستين وخمسمائة للهجرة (563هـ) والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ب - سمع جميع هذا الجزء وهو اعتقاد القاضي أبي الحسين بن الفراء على الشيخ الأجل أبي سعيد عبد الجبار بن يحيى بن هلال بن الأعرابي بقراءة الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي، صاحب هذه النسخة عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، وذلك في ثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، الحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً.

هذا صحيح، وكتب عبد الجبار بن يحيى بن هلال بن الأعرابي في التاريخ المقدم ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ج - سمع جميع الاعتقاد وهو تأليف أبي الحسن محمد بن الفراء من لفظ شيخنا وسيدنا الإمام الأوحد العالم شمس الدين عز الإسلام أبي الفتح نصر الله ابن عبد العزيز بن صالح بن عبدوس نحو سماعه فيه من أبي سعيد بن الأعرابي الشيخ الأجل الفقيه أبو الخير سلامة بن صدقة بن الصولة، وولده صدقة وأبو طاهر إبراهيم بن شداد بن طفيل الشيزري، وكاتب الأسامي عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصقال معارضاً بنسخة للشيخ المسموع منه، وذلك يوم الأربعاء حادي وعشرين من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة للهجرة بمدرسة مسجد العمران حرسها الله تعالى.

سمعته من أبي محمد أحمد بن محمد بن أبي نصر الخرساني[9] وعبد الحق بن أحمد سعد، وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي في ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بنابلس وصلى الله على محمد وآله وسلم.

د- سمع جميع هذا الجزء على شيخنا الإمام العالم شيخ الإسلام بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي رضي الله عنه الجماعة الشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التركي، ومحمد بن كامل السلمي، وعز الدين أبو حفص عمر بن محمد بن الحاجب منصور الأمين، وأبو بكر بن عبد الخالق بن أبي بكر المؤذن، وأبو بكر محمد بن الحافظ أبي طاهر إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي بقراءة عبد الرحمن بن عمر بن بردان بن سحابة الحراني، وهذا خطه، في شوال سنة أربع عشرة وستمائة للهجرة بجامع دمشق ولله الحمد والمنة، وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

قرأه عليّ سالم بن أبي الضوين البعلبكي وعبد الرحمن بن يوسف بن محمد البعلبكيون في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة، وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي فسمعه محمود بن أبي الحسن مفرح وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي سعد.

قرأه أبو الحسن بن عبد الكريم بن محمود القاسم بن سهل وعبد الرحمن بن يوسف بن محمد ويوسف بن نصر بن سالم وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة ببعلبك وصلى الله عليه وآله وسلم[10]

هـ وجاء على غلاف الكتاب ما يلي:

أخبرنا به جماعة وسمعوها إجازة عن ابن المحب (..)[11] خطه فوق، وكتب يوسف بن عبد الهادي.

وأخبرنا به عدة (...)[12] عن أحمد بن أبي طالب وعدة، عن عائشة بنت عبد الهادي عنه، وكتب يوسف بن عبد الهادي.

سمع بعضه من لفظي ولدي أبو (.....) [13] عبد الله، وأخوه بدر الدين حسين، وابن بلبل بنت عبد الله ولدي علي. وصح ذلك يوم الأربعاء حادي عشر من شهر جمادى الآخر سنة سبع وتسعين وثمانمائة (....) [14]، وكتب يوسف بن عبد الهادي.

ثانياً: وصف المخطوطة:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة فريدة محفوظة بالمكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم (4546)، وتقع في خمس عشرة صفحة معدل كل صفحة سبع عشرة سطراً، وبها بعض الكلمات المطموسة، وخطها واضح ومقروء في غالب أحوالها.

الناسخ وتاريخ النسخ:

   جاء في آخر النسخة ما نصه: فرغ من نسخه لنفسه عبد الرحمن بن إبراهيم أحمد المقدسي في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة (563هـ) والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله الطاهرين.

القسم الثاني كتاب الاعتقاد

رب يسر، أخبرنا الشيخ الأجل أبو سعيد عبد الجبار بن يحيى بن علي بن هلال الأعرابي قراءة عليه وأنا أسمع، وذلك في يوم الجمعة ثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة للهجرة (573هـ) قثنا[15] القاضي الأجل أبو الحسين محمد بن محمد بن الفرّاء قال:

 خطبة المؤلف:

الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلاّ الله العلي الأعلى، والحمد لله أهل الحمد ومولاه ومنتهى الحمد ومبتداه، والحمد لله الذي أخرجنا بعد العدم إلى الوجود في خير الأمم، واختار لنا دليلاً إليه من خلقه أكرمهم عليه، ومن رسله أشرفهم لديه، وجعله أول السابقين منـزلة، وأحسن النبيين رسالة، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، صلاة تخصهم وتعمهم أجمعين.

 سبب تأليف الكتاب:

أما بعد، أعاذنا الله وإياك من التكلف لما لا نحسن، والادعاء لما لا نتقن، وجنبنا وإياك البدع والكذب، فإنهما شرّ ما احتقب، وأخبث ما اكتسب، فإنك سألت عن مذهبي وعقدي، وما أدين به لربي عز وجل، لتتبعه فتفوز به من البدع والأهواء المضلة، وتستوجب من الله عز وجل المنازل العلية، فأجبتك إلى ما سألت عنه، مؤملاً من الله جزيل الثواب، وراهباً إليه من سوء العذاب، ومعتمداً عليه في القول بالتأييد للصواب.

 الإيمان بالله وتوحيده:

فأول ما نبدأ بذكره من ذلك ذكر ما افترض الله تعالى على عباده، وبعث به رسوله صلى الله عليه[16]، وأنزل فيه كتابه، وهو الإيمان بالله عز وجل، ومعناه التصديق بما قال به، وأمر به، وافترضه، ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده، ونزلت فيه الكتب، وبذلك أرسل المرسلين، فقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مَن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25 ].

حقيقة الإيمان:

والتصديق بذلك: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، يزيده كثرة العمل والقول بالإحسان، وينقصه العصيان، ويستثنى في الإيمان، ولا يكون الاستثناء شكاً إنما هي سنة ماضية عند العلماء. فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت ؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله أو مؤمن (أرجو)[17]، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.

 الإسلام والإيمان:

والإيمان والإسلام اسمان لمعنيين، فالإسلام في الشرع عبارة عن الشهادتين مع التصديق بالقلب؛ والإيمان عبارة عن جميع الطاعات[18].

القرآن كلام الله غير مخلوق:

والقرآن كلام الله منـزل غير مخلوق، كيف قرئ، وكيف كتب، وحيث يُتلى في أي موضع كان، والكتابة هي المكتوب، والقراءة هي المقروء، والتلاوة هي المتلو، وكلام الله قديم غير مخلوق على كل الحالات وفي كل الجهات فهو كلام الله غير مخلوق ولا محدث ولا مفعول، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض. بل هو صفة من صفات ذاته. وهو شيء يخالف جميع الحوادث.

 صفة الكلام:

لم يزل ولا يزال متكلماً. (ولا يجوز مفارقته بالعدم لذاته)[19].وأنه يُسْمَع تارة من الله عز وجل، وتارة من التالي فالذي يسمعه من الله سبحانه من يتولى خطابه بنفسه لا واسطة ولا ترجمان: كنبينا محمد عليه السلام ليلة المعراج لما كلمه. وموسى على جبل الطور. فكذلك سبيل من يتولى خطابه بنفسه من ملائكته، ومن عدا ذلك فإنما يسمع كلام الله القديم على الحقيقة من التالي. وهو حرف مفهوم، وصوت مسموع.

 الصفات الثابتة لله تعالى:

ثم الإيمان بأنَّ الله جل ذكره واحد لا يشبهه شيء. ولا نشبه صفاته، ولا نكيفه، ولا يُكيف صفاته وهم، وأن ما وقع في الوهم فالله وراء ذلك.

وأنه حي بحياة. عالم بعلم. قادر بقدرة. سميع بسمع. بصير ببصر. متكلم بكلام. مريد بإرادة. آمر بأمر. ناهي[20] بنهي. ونقرّ بأنه خلق آدم بيده لقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]. وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:64]. وأن له يميناً بقوله: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر: 6] وإن له وجها بقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88 ] وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن: 27] وأن له قدماً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب فيها قدمه" يعني: جهنم. رواه أحمد[21] والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وغيرهم.

وأنه ينـزل كل ليلة إلى سماء الدنيا بقول رسول الله صلى الله عليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"[22] وهذا لفظ البخاري. وقد روى حديث النزول أحمد ومالك والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدار قطني وأئمة المسلمين. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل. ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد"[23] رواه البخاري وغيره ونقر بأن لله نفساً لا كالنفوس بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]. وقوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه:41]. وروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي (بي)، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "[24] ونقر بأن الله على العرش استوى كذلك نطق به القرآن في سبع سور: في الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، وتنزيل السجدة، والحديد[25].

ونقر "بأن الرحمن خلق آدم على صورته "[26] رواه أحمد بن حنبل وابن خزيمة وغيرهما.

وروي: "على صورة الرحمن "[27].

رواه الدار قطني وأبو بكر النجاد[28] وأبو عبد الله بن بطة [29]وغيرهم.

ونقرّ بأن لله إصبعاً روى عبد الله [30] قال "جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن. ثم يقول: أنا الملك. أنا الملك "قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجباً مما قال، وتصديقاً له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] [31] أخرجه هبة الله الطبري والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي، ولفظه: أخبرني المبارك بن عبد الجبار الصيرفي في حلقة والدي رحمه الله بجامع المنصور بإسناده عن عبد الله قال: "جاء يهودي إلى النبي صلى الله وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. قال فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه وقال{وَمَا قَدَرُوا الله حَق قَدْرِهِ}. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي لفظ آخر قال: "فضحك النبي صلى الله عليه تعجبا وتصديقاً "[32].

وروى البخاري في صحيحه بإسناده في تفسير سورة (ن)[33] عن أبي سعيد[34] قال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً "[35].

وروى البخاري بإسناده عن أنس[36] قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة "[37]. وروى البخاري بإسناده عن عبد الله[38] قال: "ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور. وأشار بيده إلى عينه. وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية "[39].

 تشبيه الله بخلقه كفر:

فإن اعتقد معتقد في هذه الصفات ونظائرها مما وردت به الآثار الصحيحة التشبيه في الجسم والنوع والشكل والطول- فهو كافر.

 تعطيل الصفات مذهب الجهمية:

وإن تأولها على مقتضى اللغة وعلى المجاز فهو جهمي.

 منهج أهل السنة في الأسماء والصفات:

وإن أمرها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه.