|
|
|
التربية
الإبداعية في منظور التربية الإسلامية |
|
إعداد |
|
د /
خالد بن
حامد الحازمي |
|
الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية |
|
|
المقدّمة
|
|
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. |
|
أما
بعد، فيعتبر الإبداع من الجوانب التربوية المهمة التي تستحق العناية، بالبحث
والدراسة والتطبيق، وذلك لما يترتب على الإبداع من التطور العلمي، والتقني
والمهني والثقافي والاقتصادي، وفي جميع المجالات. |
|
ومن
ناحية أخرى فإن الأمة تحتاج إلى قوة تتقوى بها على حماية معتقداتها، ونشر الحق،
وتمكين أصحابها من الأخذ بزمام القيادة والمبادرة، وهذا يتطلب أن تكون الأمة
قوية في اقتصادها وتجارتها وصناعتها وزراعتها وطبها وإدارتها، وهذا لا يمكن إلا
بتربية الإنسان في جميع جوانبه العقدية والتعبدية والخلقية والجسمية والإبداعية. |
|
وبالرغم
من أهمية الإبداع إلا أن له خطورة إذا سار في ظل منهج منحرف، فيحرف المبدعين إلى
وجهة غير صحيحة، قد تكون مدمرة للمجتمع، كالإبداع في بعض المجالات التقنية التي
تمخض عنها بعض الوسائل المدمرة. |
|
وهذا
يؤكد أهمية الاهتمام بالتوجيه الإبداعي نحو الصلاح، كما يؤكد أهمية العناية بعقل
الإنسان والمحافظة عليه، فكلما كان العقل مصانا من الانحراف موجهاً توجيهاً
صحيحاً، ازداد قوة ونشاطاً، وإدراكاً وسلامة. وكلما انحرف عن جادة الطريق، تاه
وعدل عن الحق، وسخر الإنتاج الإنساني إلى ما يضره، ويضر أفراد المجتمع. |
|
والتربية
الإسلامية اهتمت بجانب الإبداع، وحمَّلت الإنسان مسئولية الأعمال التي يقوم بها،
كما اهتمت بجانب العقل الذي يعتبر أحد الضروريات الخمس التي حافظت عليها الشريعة
الإسلامية. |
|
ولما
أن الإبداع الصحيح يعتمد على العقل السليم فلابد من تناول موضوع التربية العقلية
التي تمثل فكر الإنسان وما يحمله من مفاهيم صحيحة أو مغلوطة. |
|
وتبرز
أهمية هذا الموضوع من أهمية الإبداع، وأهمية حفظ العقل وتنميته، وإبعاده عن الزيغ
والضلال، لأن هناك من أفرط في هذا الجانب، وهناك من فرط في الاستفادة منه.
والتربية الإسلامية لا تغالي فيه ولا تجافيه، بل ترده في مكانه الذي ينبغي أن
يكون فيه. |
|
فالبعض
أفرط، فقدمه على الشرع، فحصل الزلل والخلل والضلال، والبعض زهد فيه ولم يهتم به،
واعتبر الحديث فيه وعنه من منهج أهل البدع والكلام، وقد قال شيخ الإسلام ابن
تيمية - رحمه الله تعالى - عن العلوم "منها ما يُعلم إلا بالأدلة العقلية
التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يعرف أن
أجلّ الأدلّة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم. |
|
فإن
من الناس من يذهل عن هذا، فمنهم من يقدح في الدلائل العقلية مطلقا، لأنه قد صار
في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه من أحدثه من المتكلمين، ومنهم من
يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه، لأنه قد صار في ذهنه أن
القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط، فلا بد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت النبوة
وصدق الخبر، حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقة"[1].
وصحيح المنقول لا يخالف صريح المعقول، فالعقل السليم لا يتعارض مع الشرع أبداً،
وإنما التعارض يأتي من الزيغ والهوى، ومن الغذاء المعرفي بمناهج المتكلمين
والمتفلسفين. |
|
وأما
أولو الألباب فهم الذين إذا تأملوا في ملكوت الله ازدادوا إيمانا، قال تعالى:
{إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ
لأُولِي الأَلْبَابِ}[2]. |
|
وقد
خاطب القرآن أولي الألباب لتأكد ما فطر عليه الإنسان من الإيمان بالربوبية[3]
قال تعالى:
{أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}[4]. |
|
فإذا
كان من المستحيل أن يخلق الإنسان نفسه، ومن المستحيل أن يُخلق من غير خالق، فلم
يبق إلا الاعتراف والركون إلى الفطرة السليمة، من أن هناك خالقاً خلق الإنسان
والسموات والأرض وقدّر فيها أقواتها. |
|
وهذا
استدلال وتوجيه ومخاطبة لعقل الإنسان، وهو ما يسمى عند الأصوليين بالسبر
والتقسيم، وعندما سمع هذه السورة جُبير بن مطعم قبل إسلامه تأثر بها، وكانت دعوة
مؤثرة قوية حملته على الإسراع إلى الإسلام، حيث قال: "سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ
خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي أن يطير
للإسلام"[5]. |
|
قال
الخطابي: كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم
الحجة فاستدركها بلطيف طبعه[6]. |
|
فالاهتمام
بحفظ العقل والعناية به أمر هام، وليس هناك ما يمنع من ذلك، بل العناية به آكد،
لأن العقل السليم يتأثر بالنقل الصحيح، ولذلك لا بد من المحافظة عليه من
المؤثرات الفاسدة. |
|
والتربية
الإبداعية هي التي تهتم بحفظ العقل من الزيغ والافتتان باللهو والهوى، كما تجنبه
ما يهدم العقل من علوم فلسفية وكلامية. ومن جانب آخر تتطلع التربية الإسلامية
إلى تنمية الجانب الإبداعي بما يجعل الفرد يُحسن تدبير أموره، ويبدع في مهنته
ويرقى بها، حتى يكون أكثر إنتاجاً وأدق عملاً في أقصر وقت وبأقل تكلفة وجهد،
وهذا يتطلب عناية بجانب الابتكار، وهو ما سوف يبينه هذا البحث من خلال عناية
التربية الإسلامية بالتربية الإبداعية، وحفظ العقل. |
|
|
|
المبحث الأول |
|
مفهوم
الإبداع: |
|
يعرف
الإبداع في اللغة بعدة دلالات لغوية[7]: |
|
بدع
الشيء يبدعه بدعاً، وابتداعاً: أنشأه وبدأه. |
|
والبديع:
الشيء الذي يكون أولاً. |
|
والمبتدع:
الذي يأتي أمراً على شبه لم يكن ابتدأه إياه. وفلان بدع في هذا الأمر أي أول، لم
يسبقه أحد. |
|
والبديع:
المحدث العجيب. وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. |
|
ومن
تلك المعاني اللغوية يتضح أن الإبداع هو الاختراع والابتكار على وجه لم يسبق
إليه أحد. |
|
وقد
ذكر المهتمون بالدراسات التربوية مفاهيم متقاربة لمعنى الإبداع فهي"تنشئة
الناشئين وإعدادهم على نحو يستطيعون في مجال تخصصاتهم الإيجاد والابتكار
والإتقان والتحسين"[8]. |
|
ويعرفه
آخر بأن الإبداع: عملية إنتاج شيء جديد سواء كان اختراعاً أو فكرة، ويجب أن يكون
أصيلا وحديثا[9]. |
|
ومجالات
الإبداع ليست محصورة في الجوانب التقنية فقط، بل إنها قد تكون في الجوانب
الإدارية، والجوانب الاقتصادية، أو الجوانب المهنية، أو في مجال البحث العلمي،
أو في حل المشكلات والمعضلات العامة والخاصة. |
|
|
|
التربية الإسلامية والإبداع: |
|
لقد
اهتمت التربية الإسلامية بقضية الإبداع اهتماماً كبيراً، وفي مجالات عديدة، بما
يحقق للإسلام والمسلمين والبشرية النفع والتقدم، كما أنها ضبطت عملية الإبداع
بأن وجهتها توجيهاً خيراً، بعيداً عن الإفساد والدمار، ونظراً لكثرة مجالات الإبداع
و تنوعها بما لا يسع المقام لذكرها، فهذه بعض النماذج الإبداعية في عدد من
المجالات العامة |
|
|
|
1
- الإبداع العلمي: |
|
لقد
جاء الإسلام والناس في جاهلية جهلاء، في عباداتهم واعتقاداتهم وأخلاقهم، وفي
علومهم ومعارفهم، حتى إن عدد الذين يقرؤون ويكتبون في قريش هم سبعة عشر رجلا،
منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب - رضي الله عنهم[10]. |
|
وجاء
الإسلام وفي الأوس والخزرج عدد يكتبون، منهم: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو،
وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان يكتب العربية والعبرية - رضي الله عنهم[11]. |
|
وبعد
ما جاء الإسلام تفتقت تلك العقول وأبدعت في تفوقها، وتواصل هذا الإبداع في
الأمة، فتولدت علوم ومعارف، ما كان لأحد قبلهم بها معرفة، ومن ذلك: علم أصول
الفقه، الذي أول من صنف فيه الإمام الشافعي، وأول من صنف في الفقه الإمام مالك
بن أنس، وأول من صنف في غريب القرآن الكريم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأول من
عمل العَرُوض هو الخليل بن أحمد، وأول من وضع الإعراب أبو الأسود الدؤلي، وأول
من صنف في صنعة الشعر عبد الله بن المعتز[12]. |
|
ولقد
برع المسلمون في العلوم التجريبية، وأسسوا قواعدها ونواتها، ففي مجال الصيدلة:
هم أول من اخترع الكحول، والمستحلبات، والخلاصات العطرية، واستخدم الرازي لأول
مرة الزئبق في تركيب المراهم، وهم أول من غلف حبات الأدوية المرة بغلاف من
السكر، ليتمكن المريض من استساغة الدواء، وهم أول من غلف الأدوية المعمولة على
شكل حبوب، كما برعوا وابتكروا تحضير وضع وتركيب الضمادات والمساحيق واللزوق، وقد
وقفوا على صنع مراهم تجف مع الوقت، كشماعات أو غطاء للجروح الحديثة، ومن أشهر من
برع في علم الأدوية عبدالرحمن بن محمد بن عبد الكريم بن واقد، المتوفى سنة
467ﻫ 1074م[13]. |
|
وفي
علم التشريح تم اكتشاف الدورة الدموية الصغرى (الدورة الدموية الرئوية) وكذلك
الدورة الشريانية من قبل ابن النفيس، واكتشفوا عدد الأغشية القلبية، ووظيفتها،
واتجاه فتحاتها لمرور الدم، وبرعوا في تشريح العيون وجراحتها، واكتشفوا أن
العضلات المحركة للمقل ست عضلات، وبينوا أن العين آلة للبصر وليست باصرة[14]. |
|
وفي
علم الرياضيات هم أول من أسس (اللوغارتمات) فلقد ولد ونشأ وترعرع علم
اللوغارتمات في البلاد الإسلامية، الذي يرجع في تكوينه لجهود سلسلة من
الابتكارات على يد عدد من علماء الرياضيات، مثل: سنان بن الفتح الحراني، وابن
يونس الصدفي المصري، وأبي الحسن على النسوي، وابن حمزة المغربي[15]. |
|
فهذه
الشواهد تعطي دلالات عميقة بأن الإسلام فتق عن تلك العقول الصامتة لتبدع في جميع
المجالات العلمية، بعد أن كانت لا تحسن القراءة والكتابة، مما يؤكد عمق التربية
الإسلامية واستيعابها لكل ما يخدم الإنسان والبشرية جمعا، وأنها نور يحرك
الأفئدة نحو العطاء، مما يؤكد أن الدور التربوي يقع اليوم على المؤسسات التربوية
لتغرس ذلك في الأجيال، بما يشعرها بماضيها المضئ، وعلى أكتافهم يرتقي البحث
العلمي في ميادينه المختلفة. |
|
|
|
2-
الإبداع في التخطيط الحربي: |
|
إن
الإبداع التخطيطي الحربي لا يقل أهمية عن قوة العتاد، بل ربما يفوق قوة الترسانة
الحربية من حيث التأثير في مسار المعركة. والرسول صلى الله عليه وسلم لم يهمل
هذا الجانب، بل كان يأخذ بما تتفتق عنه عقول المبدعين من الصحابة رضي الله عنهم،
ومن ذلك أنه في معركة بدر نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدنى ماء من بدر،
ونزل به، فقال الحُبَاب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟
أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب
والمكيدة؟ قال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول
الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم
نُغَوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم،
فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل
عليه، ثم أمر بالقُلُب فَغُوِّرت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء
ثم قذفوا فيه الآنية[16]. |
|
ويلاحظ في هذه المشورة الإبداعية، عناية الصحابة بالحكم الشرعي وتقديمه
على العقل، حيث قال حُباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا
أنزلكه الله تعالى، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فَيُفْهَم من ذلك، إن كان الأمر وحياً فالعقل تابع له، وليس للرأي مكان، وأما إن
كان الأمر جهداً عقلياً تخطيطياً فعندي في الأمر رأي. |
|
ومن
اللطائف التي يمكن استنتاجها، أنه لم يبين رأيه إلا بعد أن سمع من رسول الله صلى
الله عليه وسلم القول الفصل، بأن الأمر ليس وحياً، بل رأياً، وهكذا نريد أن تكون
التربية العقلية الإبداعية تهتم بالجانب التفكيري العقلي، ولكن تجعله يستظل
ويسير تحت مظلة الشرع الحنيف، لا في مقدمته. |
|
وأيضا
يتجلى الإبداع التخطيطي الحربي في مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق في غزوة
الأحزاب (الخندق)[17]
فكان حفر الخندق عملاً إبداعياً لم تعرفه العرب من قبل، فكان ذلك أحد الأسباب في
صد عساكر المشركين، بتوفيق الله تعالى ونصره. |
|
فهذه
الشواهد تؤكد حقيقة مؤداها أن النبي صلى الله عليه وسلم يعطي لذوي العقول
المبدعة حقها من النظر والتشجيع البناء، ومن ثم الاستفادة مما يتولد عن أولئك من
أفكار تخطيطية تسهم في أسباب النصر، بما يؤكد أن التربية الإسلامية تعطي في
مضامينها التربوية معطيات تحقق للبيئات التربوية قواعد وأسساً منهجية عملية
للمناهج الدراسية. |
|
كما
أن مجال العرض والحوار التربوي يخرج ويكشف عن تلك المواهب، ويبرز مكنونها
الإبداعي، وما الأنشطة الصفية وغير الصفية إلا وسيلة تربوية لتحقيق ذلك. |
|
ومن
هنا فإن المنهاج الدراسي وطرائق التدريس ينبغي أن تنطلق من مثل هذه الأساليب
النبوية التربوية العظيمة. |
|
|
|
3-
الإبداع المهني: |
|
إن
الإبداع المهني لا يعتمد على الخبرة والمهارة اليدوية فقط، بل لا بد من وجود
عامل الذكاء، والتفكير والتطلع إلى التحسين والإصلاح والتطوير. |
|
والتربية
الإسلامية لا تعارض ذلك بل تحفز العقول على الابتكار والإبداع في المجال العملي
والمهني[18]
ومن الشواهد على ذلك: |
|
كان
الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: إن
القيام قد شق عليّ، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا، كما رأيت يُصنع
بالشام؟ فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه،
فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب، أعملُ الناس، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: مره أن يعمله، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عمل
منها درجتين ومقعداً[19]
فظهر الإبداع المشوري من تميم الداري بصنع منبر، ثم ظهر الإبداع المهني من غلام
العباس بن عبد المطلب، حيث كان أعملُ الناس، فأخذ صلى الله عليه وسلم من كل شخص
ما يُحسن ويُجيد فيه من مشورة وصنعة، وفي هذا تشجيع منه صلى الله عليه وسلم،
وتأييد للأعمال الإبداعية المفيدة. |
|
وهذا
يرسم للمؤسسات التعليمية قواعد تربوية في المجال المهني، ويؤكد لها أهمية
العناية بالدروس المهنية النافعة التي تستثمر العقول، وتزيل حواجز الخجل من
الأعمال والصنائع التي يعرض ويعزف عنها كثير ممن لم يرتق في السلم التعليمي. |
|
فبعض
ممن لم يستطع مواصلة دراسته يأنف من العمل في الصنائع المهنية التي ربما لو عمل
فيها لكان مبدعاً، يشار إليه بالتفوق الذي ربما لا يحققه في السلم التعليمي. وقد
أشار ابن قيم الجوزية إلى أهمية مراعاة استعدادات الصبي لما هو مهيأ له، فيذكر
أنه مما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها،
فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن
حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن
الفهم، صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعياً، فهذه من علامات قبول العلم، وإن رآه
بخلاف ذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، مستعداً لها، وهي صناعة مباحة
نافعة للناس، فليمكنه منها، وهذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه[20]. |
|
ومن
هنا لابد للمنهج التعليمي أن يراعي ويحقق الميول لدى الدارسين بأهمية الأعمال
المهنية، من خلال دراسة السيرة النبوية، وسير الأنبياء عليهم السلام، وكذلك
الصحابة، وعلماء الأمة، فقد "كان داود زرادا، وكان آدم حراثا، وكان نوح
نجارا، وكان إدريس خياطا، وكان موسى راعيا"[21].
وكان الإمام أبو حنيفة يتجر في الخز، وكان ماهراً فيه[22].
وكان الإمام أحمد بن حنبل يعمل التكك ويبيعها، ويتقوت بها[23]. |
|
فمهمة
المؤسسات التعليمية أن تغرس ذلك في أفراد الأمة ليبدع الإنسان فيما هيّء له. |
|
|
|
4-
الإبداع الشعري: |
|
لقد
اهتمت التربية الإسلامية بعملية الإبداع الشعري، ووجهة القرائح الشعرية التوجيه
الصحيح الذي يحقق حُسن الاستفادة منها، ومن ذلك توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم
حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، إلى تسليط قرائحهم الإبداعية الشعرية على
المشركين، قال ابن سيرين: انتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان بن ثابت،
وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب يعارضانهم، مثل قولهم في
الوقائع والأيام والمآثر، ويذكرون مثالبهم، وكان عبدالله بن رواحة يعيرهم
بالكفر، وبعبادة مالا يسمع ولا ينفع[24]. |
|
وهذا
يؤكد تفاوت الناس فيما يحسنون ويبدعون، ومنهج التربية الإسلامية يراعي هذه
الفوارق، ويشجع أصحابها ليتفوقوا فيما هيئوا له، فالشاعر والكاتب والصحفي المبدع
إذا أُحسن توجيهه تفوق وخدم الأمة، وسخر بيانه في توجيه الناس للخير، من خلال
الكلمة الجميلة والعبارة اللطيفة، والأسلوب الجذاب المؤثر، فكم من كلمة جمعت
شتاتا، وقصيدة أثرت في قلوب، وكم من قلم ضمد جراحا، وكم من بيان ألف بين قلوب،
وأثر هذا لا يكون إلا من صاحب البيان المبدع. |
|
ولذلك
فإن المنهاج الدراسي الجيد هو الذي يعتني بكل الجوانب التربوية، ويوجهها بحسب
قدراتها وإمكاناتها، لأن أغلب الناس إذا أخفق في جوانب نبغ وأبدع في جانب أو
جوانب أخرى إن وجد التوجيه والرعاية التربوية الصحيحة. |
|
|
|
حدود
الإبداع |
|
إن
الإبداع هو الاختراع والابتكار، كما تم بيانه سابقاً، ولكن للإبداع شروطاً
وحدوداً في التربية الإسلامية، بأن لا يتعارض مع المنهج الإسلامي، لا في كلياته
ولا في جزئياته. |
|
وثمة
أمر مهمّ لا يجوز الابتداع فيه بأي حال من الأحوال، وبأي دعوة أو ادعاء، وهو
الابتداع في الدين، لأن الله تعالى أكمل هذا الدين بنص كلام رب العالمين في
القرآن الكريم، حيث قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}[25]. |
|
وقال
صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ماليس
فيه فهو رد"[26].وقال
صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة"[27]. |
|
فالإحداث
في الدين بزيادة أو تعديل أو نقصان ابتداعاً مخالفاً للكتاب والسنة، وإجماع
الأمة، كما أن تقديم الرأي على الشرع إفساد وهلكة، قال ابن قيم الجوزية:
"وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم إنما ينشأ من تقديم الرأي على
الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم
هلاكه"[28]. |
|
فهكذا
تحدد التربية الإسلامية الإطار الإبداعي، بحيث تجعله يسير في مسار صحيح، بعيداً
عن التخبط في متاهات طرق أهل الضلال والبدع. |
|
وأما
الإبداع في المجالات الأخرى فهو أمر مطلوب، بل متحتم على المؤسسات التربوية أن
توليه جُلَّ اهتمامها، من جانبين: |
|
|
|
1-
الجانب النوعي: |
|
والمقصود
بالجانب النوعي: التوسع في قاعدة العلوم المعرفية في الطب والهندسة والحاسبات
والصيدلة والفيزياء، ونحو ذلك، بما يحقق للأمة قوى بشرية مبدعة في تخصصاتها، وفق
نظرة شمولية، ذات تطلعات مستقبلية، وبما لا يجعلها تركز على ما تحتاجه اليوم
غافلة عن حاجاتها ليوم غدها. |
|
فالدراسات
المسحية تشير إلى أن مدخلات التعليم منصبة على الدراسات النظرية، دون التخصصات
الأخرى، فقد بلغت نسبة التخصصات النظرية عام 1985م (75%) في حين أنها بلغت (25%)
فقط في التخصصات الأخرى[29].
كما أظهرت الإحصائيات لسنوات مختارة (1400، 1405، 1410،1415ﻫ) أن متوسط
نسبة خريجي التعليم العالي من الدراسات النظرية بلغت (79,9%)[30].
أي أن (20,1%) في التخصصات المعملية التجريبية. |
|
فهذه
الحدود الكمية قد تجعل عجزاً يواجه الأمة حالياً ومستقبلاً، وتقلل من نسبة
الإبداع المعرفي في الجوانب الأخرى، لأن مقتضى التجربة والحكمة يؤكد أنه ليس كل
من التحق بتخصص سيبدع فيه، كما أن قلة الملتحقين سيؤدي إلى قلة المبدعين، لذلك
لا بد أن تعي المؤسسات التربوية الحدود الكمية وأثرها على النسبة النوعية
للإبداع في كل تخصص أو فن. |
|
|
|
2-
الجانب الخُلُقي: |
|
يعتبر
الجانب الخُلُقي أسّاً وركيزة لا غنى عنهما في الجانب الإبداعي، حتى تأخذ بأيدي
المتفوقين فيما يتفتق عن أذهانهم وخبراتهم نحو الخير والبناء والإصلاح، لأن واقع
الإبداع يشير إلى أن المتفوقين الذين فقدوا الجانب الأخلاقي، كانوا دماراً على
المجتمعات بما أنتجوا من ابتكارات، فمخترع القنبلة الذرية رجل مبدع لا شك في
ذلك، ولكن فقدان الجانب الأخلاقي جعله يسخر ذهنه في ابتكار ما يدمر به البشرية.
وما نتج عن الهندسة الوراثية من التوصل لما يسمى بالاستنساخ البشري ما هو إلا
نتيجة جنوح إبداعي غير أخلاقي. |
|
ويشير
إلى هذه المخاطر أحد المتخصصين في الدراسات الكيميائية: بأن طلب الحقيقة غير
المرتبط بالالتزامات الشرعية يمكن أن يؤدي إلى هلاك البشرية، فهناك ميادين
متزايدة في العلوم توضح صحة هذا الكلام، وميدان هندسة الوراثة واحد من هذه
الميادين، فالقدرة على معالجة الجنس البشري بحيث يكون نسله ذرية من العمال أو
الجنود العباقرة له عواقب مخيفة، والقدرة على استخدام الطاقة الذرية للتخريب
اتضحت معالمها في (هيروشيما، ونجازاكي) والأبحاث في ميادين غازات الأعصاب
والميكروبات المميتة قد تطورت الآن إلى مبيدات للبشرية، وقد استخدم الكثير منها
في (فيتنام). |
|
ويظهر
الآن ميدان من ميادين الكيمياء الانفعالية التي قد تؤدي في النهاية إلى السيطرة
على الإرادة البشرية، بواسطة مركبات كيميائية مختلفة. والعلماء الذين يطورون مثل
هذه يلعبون دوراً حاسماً في تسخير إبداعهم نحو تدمير البشرية[31]. |
|
والشعر
نوع من الإبداع الأدبي لأنه ابتكار صياغات لفظية تحمل صوراً بلاغية مؤثرة، فإذا
جاءت من مبدعٍ لا أخلاقي أثار بكلماته وصوره الخيالية ومحسناته البديعية المستمع
أو القارئ إلى ما تدعو إليه القصيدة من انحراف عقدي، أو فكري، أو جنسي، أو غير
ذلك. |
|
لذا
فإنه يتعين تحصين الإبداع في حدود ما ينفع البشرية، وفي ظل الضوابط الشرعية،
وهذا ما يحتم على الجهات التعليمية إيلاء هذا الجانب غاية اهتمامها التربوي،
وإلا أنتجت من لا يقيم وزناً لمعايير الإبداع وحدوده. |
|
والتربية
الإسلامية هي التي تكفل لأتباعها أن يسخروا إبداعهم وفق الضوابط الخُلُقية
الشرعية، لأنها أولت ذلك عناية كبيرة، بما يربي في المسلم النظر إلى أبعاد
إنتاجه الإبداعي، في سلبياته وإيجابياته، لأنه محاسب ومجزي على ذلك، فإن كان
خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}[32].
وفي أدوات التعلم والمسؤولية عنها قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً}[33].
وقال صلى الله عليه وسلم في ثمرة عمل الإنسان:
"من
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من
أُجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من
بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"[34]. |
|
قال
الإمام النووي: وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، والتحذير من اختراع الأباطيل
والمستقبحات[35]. |
|
|
|
معوقات
الإبداع: |
|
المقصود
بمعوقات الإبداع، تلك العقبات التي تمنع الإنسان وتثبطه عن تطوير وتحسين مجال
تخصصه والتفوق فيه. |
|
والمعوقات
الإبداعية كثيرة جدا، ولكن من أبرزها ما يلي: |
|
|
|
1
- قلة العلم أو عدم صحته: |
|
إن
قلة العلم، أو عدم صحته تشكل أكبر عائق يعيق الإنسان عن الإبداع والتفوق والتطوير،
لأن قلة العلم تدلل على علو الجهل البسيط، الذي هو:" انتفاء إدراك
الشيء"[36].
وعدم الإدراك للمعلومة يشكل العائق الأكبر للإبداع والتطوير، لأن فاقد الشيء لا
يعطيه، وشتان ما بين العالم والجاهل، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}[37]. |
|
وأما
إدراك المعلومة على غير وجهها الصحيح، فهو شر من الجهل البسيط، لأن صاحبه لديه
جهل مركب، وهو: "اعتقاد جازم غير مطابق للواقع"[38].
فصاحب هذا النوع ينتفي منه الإبداع، لأنه أدرك المعلومة على غير حقيقتها، فكيف
يولد منها حقيقة علمية ؟ ولذلك فإن "التعلم من أهم وسائل نمو الخصائص
العقلية، وبلوغ النضج العقلي، وصقل وتزكية القدرات، والملكات والمواهب والميول
والهوايات، وبدونه يظل عقل الإنسان قاصراً، معطلاً، غير قادر على العطاء
والإنتاج"[39]
والناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين
قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك[40]. |
|
|
|
2
- الاعتماد على الآخرين: |
|
ويكون
هذا الاعتماد في الإنتاج، وإيجاد الحلول، وفي التنظيم، والتخطيط وإعداد البرامج،
سواء كان في مجال التربية والتعليم أو في مجال الإدارة، أو في البحث العلمي، أو
في الصناعة، أو التجارة، أو في أي مجال آخر من المجالات. |
|
والمنهج
الإسلامي يربي في أتباعه أن يوطنوا لأنفسهم، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن
ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤا فلا
تظلموا"[41]. |
|
وهذا
يتطلب من المرء المسلم أن يكون ذا بصيرة، غير مقلد للناس في الجهل والسلوك الذي
لا يحقق نفعا.وليس معنى هذا أن ينأى الفرد بنفسه عن الآخرين، ولكن لا يكن فرداً
اتكالياً على غيره، ينتظر منهم أن يقدموا له الحلول والإنتاج، بل أن يكون عضواً
فاعلاً إيجابياً، يجتهد ويعمل، ويفكر ويسترشد بمن هم أكثر منه علماً وتجربة. |
|
|
|
3
- الاكتفاء بالمتاح مع إمكانية إيجاد الأفضل: |
|
مما
يعيق عملية الإبداع الاكتفاء بالأشياء المتاحة فقط، دون البحث والتنقيب عن
الأفضل، إذا كانت الفرصة متوفرة لإيجاد البديل الأحسن. |
|
مثال
ذلك أن يكتفي طالب العلم بقول معين في مسألة من المسائل، دون أن يكلف نفسه عناء
البحث عن الدليل وصحته، وخلوه من المعارض، والقول الأرجح في المسألة. |
|
وقد
يكتفي الباحث بما توصل إليه الآخرون في مجال الطب أو الصيدلة مثلاً، فلا يكلف
نفسه البحث عن الأحسن، وتطوير المتاح. ولو توقف الناس على ما ألفوه مما يسوغ
البحث فيه، لما وصل العالم إلى ما وصل إليه من تقدم في كثير من المجالات.
والمسلم أولى بالسبق والقيادة والريادة، لأن أمته أمة رائدة. |
|
|
|
4
- عدم الإتقان: |
|
مما
يعوق الإبداع أن يكتفي الإنسان بالحد الأدنى من المستوى الإنتاجي دون الوصول إلى
أعلى درجات الإتقان والإبداع التي يستطيع أن يصل إليها، في حين أن الإسلام حث
الإنسان على إتقان العمل. |
|
والتربية
الإسلامية تدعو إلى الأفضل والأحسن في كل ما فيه نفع الفرد أو المجتمع، فالإنسان
مأجور – بإذن الله تعالى - على جهده المعرفي في سائر العلوم النافعة، يقول الشيخ
ابن سعدي:"فعلوم الكون التي تسمى العلوم العصرية، وأعمالها، وأنواع
المخترعات النافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم، داخلة في ما أمر الله تعالى به
ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومما يحبه الله ورسوله"[42]. |
|
فالجهد
العلمي في البحث عن الأفضل في الأمور التي تحتاجها الأمة، وينتفع بها الناس،
يثاب صاحبها على ذلك إذا أخلص النية لله تعالى. |
|
فالتربية
الإسلامية تشجع على بذل الجهد المعرفي المبدع المفيد البناء. |
|
|
|
5
- الانشغال بملذات الدنيا: |
|
إن
الانشغال بملذات الدنيا ومطالب الجسد، وشهوات النفس، يكون موبقاً بين الإنسان
والإبداع، ويغلق آفاق المبدعين ويوصدها، ويجعلها محجورة بين أقواس الشهوات، لا
يفكر في الإنتاج المثمر فضلاً عن الإبداع في ذلك، لأن انشغال النفس بالملذات
يجعلها كلما أصابت لذة، تاقت لما بعدها، فينتهي العمر، ولم يحز المرء على كل
رغباته الدنيوية، إضافة إلى أن الترف يقود إلى حب الاسترخاء والتمادي فيه،
والبعد عن الجدية في البحث والمطالعة والمدارسة، قال عمر بن الخطاب – رضي الله
عنه: "إياكم والتنعم، وزي العجم، وتمعددوا، واخشوشنوا"[43]. |
|
لذلك
ينبغي البعد عن ترف الحضارة، فإنه يؤنث الطباع، ويرخي الأعصاب، ويقيدك بخيط
الأوهام، فيصل المجدون لغايتهم، والمشغول بزيفها لم يبرح مكانه[44]. |
|
وليس
المقصود هجر الطيبات، ولكن الاسترسال في الملذات، قال تعالى: {وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا}[45]. |
|
|
|
6
- عدم التشجيع: |
|
إن
التشجيع له دور كبير في ابراز أصحاب المواهب، كما أن عدم التشجيع يثبط الهمم،
خاصة إذا صاحب ذلك التهوين من قدر الإنسان "والإسلام شجع الأفراد للاستفادة
من إمكاناتهم وقدراتهم العملية في بناء الحضارة وعمارة الأرض على أساس من
التعاون على البر والتقوى، ونبذ الحسد والتباغض"[46]
الذي قد يكون أحد أسباب عدم التشجيع. |
|
وقد يرجع أسباب عدم التشجيع إلى يأس المعلمين والأسرة من أن يلحقوا
بركاب التقدم التقني أو الزراعي أو التجاري أو الصحي أو التعليمي أو غير ذلك من
الجوانب التي تأخرت فيها الأمة، وقد يكون سبب عدم التشجيع الجهل بعدم أهميته في
كشف المواهب. |
|
والدراسات
التربوية تثبت أهمية التشجيع في صقل المواهب، وخطورة قهر الأفراد على اختيارات
لا يرضونها" لأن الإنسان لا يركز انتباهه أو يعمل فكره، ويضاعف جهده إلا
فيما يميل إليه،ويشعر بانجذاب شديد إلى ممارسته[47]. |
|
ومنهج
التربية الإسلامية يقوم على التشجيع للخير، والتحذير من الشر والباطل، وآيات
الترغيب والترهيب كثيرة في القرآن الكريم، وفي نصوص السنة النبوية، التي ترغب في
الخير وتحذر من الشر والفساد وإضاعة الأوقات فيما لا فائدة فيه، قال صلى الله
عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى
يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم
أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه"[48]. |
|
ولما
أن الإنسان مفطور على حب الخير لنفسه، وكره الشر والشقاء، فإنه يندفع في استجابة
للمؤثرات الترغيبية والترهيبية، بشكل قوي، حيث إن الترغيب والترهيب أمران يقومان
على الخوف والرجاء[49]. |
|
|
|
7 - عدم رعاية الموهوبين: |
|
إن
التشجيع هو حث الأفراد على بذل أقصى الجهد فيما يقومون به من أنشطة، ولا يختص
ذلك بشخص دون آخر. وأما رعاية الموهوبين، فهي بذل رعاية خاصة بمن تميزوا بين
زملائهم، وتهيئة الجو العلمي الذي يساعدهم على تنمية طاقاتهم الإبداعية في مجال
تخصصاتهم. |
|
وأما
عدم العناية بالموهوبين ورعايتهم فإنه يؤدي إلى وأد طاقاتهم، وربما أدى إلى
نزوحهم إلى المجتمعات الغربية، وهو ما يسمى بهجرة العقول البشرية، فقد قرر أحد
البحوث أن عدد الأطباء في العاصمة الأمريكية من إحدى الجنسيات العربية يفوق عدد
زملائهم في ذلك القطر العربي. وفي المجالات العلمية النادرة هناك 950 عالماً من
أحد المجتمعات العربية يعز الحصول عليهم لدولة واحدة على مدى عشر سنوات، يعيشون
في الخارج[50]. |
|
فعدم
التشجيع والعناية بأصحاب المواهب قد يؤدي إلى هجرة المبدعين عن الأوطان الإسلامية. |
|
ومنهج
التربية الإسلامية يؤكد أهمية إسدال الخير إلى الناس والعناية بشئونهم، فكيف إذا
كان إسدال الخير إلى فئة يتوخى منها الخير للأمة، والإسهام في رفع مكانتها
وشأنها؟ |
|
فلا
شك أن ذلك أدعى في إسدال الخير إليهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم"[51].
وقال صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم أن
ينفع أخاه فليفعل"[52]. |
|
ورعاية
الموهوبين تكون بالتشجيع والمكافأة، وبالرعاية الخاصة، وتوفير سبل التعلم
المتقدمة، وتوفير المعامل، والكتب والأدوات العلمية، والمدرسين الأكفاء،
وكفايتهم مؤنة المعيشة، وما يحتاجونه من أمور الحياة، إضافة إلى التوجيه التربوي
البناء، والبناء الخُلُقي والديني، فهو الذي يضبط سلوكهم ويوجه نبوغهم إلى الخير
والصلاح. |
|
|
|
فوائد
التربية الإبداعية: |
|
إن
للتربية الإبداعية أهمية كبيرة في مسيرة التفوق العلمي والصناعي والصحي
والاقتصادي، وغير ذلك من المجالات، التي من أبرز فوائدها على وجه العموم ما يلي: |
|
|
|
1-
الابتكار: |
|
يعتبر
الابتكار من أبرز ثمار التربية الإبداعية، لما فيه من الاختراع غير المسبوق،
الذي يتولد عنه تقدماً في المجال الذي كان الابتكار في دائرته، سواء كان في الطب
أو الصيدلة، أو في الهندسة، أو في الأنظمة، أو في أي مجال نافع آخر. |
|
والابتكار
لا يأتي في أغلب الأحوال وأظهرها إلا من أولئك الذين تلقوا تربية نموذجية
متفوقة، أو أُتيحت لهم الفرصة للتعلم والتفكير، سيما إذا كان ذلك في إطار توجيه
تربوي متألق فاعل. |
|
لذلك
فإن الدراسات النفسية تقرر أن الأطفال أفضل ما يتعلمون عندما يُعْطَون الفرصة
للتعلم بطرائق تتناسب مع قابليتهم وحوافزهم، وبالتالي فإنه حين يغير المعلمون من
طرقهم في التعليم إلى طرق ذات معنى يتوافق مع قابلية الطلاب، فإنما يحققون فيهم
التربية الإبداعية المتألقة[53]. |
|
فيتحقق
للأمة الفئة المبدعة المبتكرة في جميع الفنون، بما يخدم جميع المجالات التي تحقق
لها قدراً من القوة والرفعة والسبق التربوي. |
|
|
|
2-
التطوير: |
|
التطوير
هو: إدخال التحسين على الأشياء، بما يحقق فيها الانتفاع الأمثل. |
|
|