|
|
|
|
رعاية المصلحة والحكمة في تشريع نبي الرحمة |
|
|
(صلى الله
عليه وسلم) |
|
|
إعداد:
د. محمد طاهر حكيم |
|
|
الأستاذ المساعد في كلية الشريعة في
نواكشوط |
|
|
|
|
|
المقدمة |
|
|
الحمد
لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه. |
|
|
وبعد،
فإن العلم بالمصالح والمفاسد واعتبارها وتقديرها عند دراسة الأحكام والفتاوى
الشرعية أمر مهم عند أهل العلم، بل إنه لا يمكن فهم الكتاب والسنة ودراستهما
واستلهام هديهما والعمل بأحكامهما إلا بفهم المقاصد والمصالح التي شرعت الأحكام
لأجلها. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "الأحكام الشرعية ليست مقصودة لأنفسها،
وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شُرعت لأجلها"[1] |
|
|
والفقيه
لا يكون فقيها بحقٍ إلا بمعرفة حِكم الشريعة ومصالحها ومقاصدها والنفوذ إلى
دقائقها والمعرفة بأسرارها ليبين للناس أن لكل حكم من أحكام الإسلام غاية يحققها
ووظيفة يؤديها وحكمة ظاهرة أو كامنة يعمل لإيجادها ومقصداً وهدفاً يقصده
ويستهدفه لتحقيق مصلحة لإنسان أو دفع مفسدة عنه. |
|
|
وأن
مالم يكن فيه تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة فهو عبث تتنزه عن مثله شريعة الله. |
|
|
إذن
فإن دراسة المصالح والمفاسد ومعرفتها واعتبارها وبيانها للناس أمرٌ مُهمّ وضرورة
مُلحّة لإظهار محاسن الشريعة وأسرارها ولتجديد الفقه وتقوية دوره ونشاطه وحيويته
وصفائه ومنعاً من جموده وخموده في الحياة. |
|
|
لأجل
هذا أدليتُ بدلوي بكتابة هذا البحث المتواضع في هذا الموضوع الهام، قاصداً إظهار
أهمية المصلحة - المنصوصة والمستنبطة - ومؤكداً على ضرورة دراستها وبيانها
للناس. |
|
|
ونظراً
لطبيعة الموضوع فقد جاء تقسيمه إلى موضوعات متتابعة في إطار المعالجة الموضوعية
التي تتطلبها طبيعة البحث والمادة العلمية المتاحة له، وذلك من خلال تعريف
المصلحة وأنواعها واعتبارها، وضرورة معرفة المصالح والمفاسد. ثم تطرقت إلى منكري
تعليل الأحكام بالمصالح ووضحت موقفهم وبينت شبهاتهم مفنداً لها مبينا في هذا
الصدد أن الموجب للحكم هو الله تعالى لا المصلحة ولا الحكمة ناقلاً كلام العلماء
في هذا كله. وأشرت إلى كيفية تقدير المصالح والمفاسد والنظر إلى المآلات عند
تقديرها، وأخيراً شروط المصلحة المعتبرة. وتوخيت في ذلك اللغة السهلة والعبارة
الواضحة والعرض المقرب وفق المنهج العلمي المتبع - قدر استطاعتي - حتى يكون في
متناول جميع طبقات المتعلمين و أهل الاختصاص، وجعلته بعنوان: |
|
|
(رعاية
المصلحة والحكمة في تشريع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم) |
|
|
سائلا
المولى عز وجل أن ينفعني به وإخواني من طلبة العلم وأن يوفقنا جميعا إلى ما يحبه
ويرضاه وأن يجزي علماءنا خير الجزاء إنه سميع مجيب كريم {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[2]
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. |
|
|
مدخل: |
|
|
العاقل
لا يقدم على فعل إلا لمصلحة، ولا يأمر أو ينهى عن شيء إلا لحكمة فضلاً عن الله
سبحانه وتعالى الذي هو مصدر كل كمال ومنبع كل نوال كما قال تعالى: {وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}[3]
أي كان ولم يزل يصدر في أفعاله وأحكامه عن علم وحكمة - لا عن جهل وعبث – سبحانه. |
|
|
فهو
جل وعلا لم يخلق شيئاً باطلاً أو لعباً، ولم يشرع شرعاً عبثاً أو اعتباطاً بل إن
كل أحكامه – عز وجل –
مثل كل أفعاله منوطة بالحكمة فهو سبحانه حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع.كما قال
سبحانه:
{وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ}[4]
أي عابثين، والعبث: ما خلا عن المصلحة والحكمة. |
|
|
وقال
جل وعلا:
{أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا}[5]
أي من غير مصلحة مقصودة وحكمة منشودة؟! |
|
|
{فَتَعَالَى اللَّهُ
الْمَلِكُ الْحَقّ}[6] "أي تقدس أن يخلق شيئاً عبثاً فإنه
الملك الحق المنزه عن ذلك"[7]. |
|
|
وقال
عز وجل - في مقادير المواريث - : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} حتى
ختمها بقوله:
{إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}[8]
"لتشعر القلوب بأن قضاء الله للناس مع أنه هو الأصل الذي لا يحل لهم غيره،
فهو كذلك المصلحة المبنية على كمال العلم والحكمة، فالله يحكم لأنه عليم وهم لا
يعلمون، والله يفرض لأنه حكيم وهم يتبعون الهوى"[9]. |
|
|
ومن
هنا قال العلماء: حيث المصلحةُ فثَم شرع الله، أي حيث المصلحة محققة فثم شرع
الله بها موجود. فما هي المصلحة؟. |
|
|
تعريف المصلحة: |
|
|
المصلحة
كالمنفعة وزنا ومعنى، فهي مصدر بمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع، أو هي اسم
للواحدة من المصالح، وقد صرّح صاحب لسان العرب بالوجهين فقال: "والمصلحة
الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح". فكل ما كان فيه نفع - سواء كان بالجلب
والتحصيل كاستحصال الفوائد واللذائذ، أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار
والآلام - فهو جدير بأن يسمى مصلحة. |
|
|
والمصلحة
عند علماء الشريعة الإسلامية هي: "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم
لعباده، من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما
بينها" قاله الرازي[10]. |
|
|
وعرفها
الطوفي[11]
بحسب العرف: "بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى
الربح" وبحسب الشرع: "بأنها السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو
عادة"[12]. |
|
|
فالمصالح
عند الطوفي هي الوسائل إلى الصلاح، وعند الرازي هي الوسائل والمقاصد جميعا:
"ونرى أن المصلحة هي الغاية، وما يؤدي إليها وسيلة، وتسمية الوسيلة مصلحة
باعتبار إفضائها إليها لا أنها هي، ولا بد من الفصل بينهما، لأن من الوسائل ما
قد يتغير أو ينسخ دون المقاصد"[13]. |
|
|
ونقول:
إن المصلحة: "هي مقتضى العقول القويمة والفطر السليمة من الرشاد، ما يحقق
مقصود الشارع والعباد من صلاح المعاش والمعاد". |
|
|
فقولي:
"هي مقتضى العقول القويمة": أي غير المصابة بمرض الشهوة أو الشبهة
كالتي تزعم أن الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع من مدارس ومكاتب ونحوهما يهذب
من الخلق ويخفف من شره الميل الجنسي وكالتي تزعم أن استحلال الربا ينعش الاقتصاد
الوطني... الخ فهذه المزاعم الباطلة مفاسد لا مصالح، وهي نتاج شهوة أو شبهة، وهي
علامة الخذلان!. كما قال محمد بن كعب القرظي لما سئل عن علامة الخذلان! - يعني:
الحرمان من توفيق الله وتسديده - قال: "أن يستقبح الرجلُ ما كان يُستحسن!
ويستحسن ما كان قبيحاً"[14]،
قال المتنبي: |
|
|
يُقضى
على المرء في أيام محنته |
حتى
يرى حسنا ما ليس بالحسنِ |
|
وهذا
من انتكاس الفطرة وخَطَل القول وفساد الرأي، نعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر
ومن الفساد بعد السداد. |
|
|
وقولي:
"الفِطر السليمة" أي لا المنكوسة: فطرة الله التي فطر الناس عليها قبل
أن يطرأ عليها الانحراف عن الطريق السويّ. |
|
|
وقولي:
"من الرشاد" أي لا من الغيّ والفساد كالأمثلة التي سلفتْ. |
|
|
وقولي:
"ما يحقق مراد الشارع ومراد العباد" ومراد الشارع: تحقيق العبودية لله
بامتثال أوامر الله تعالى، سواء أدرك العبد حكمتها، كالأعمال المعللّة، أو لم
يدرك حكمتها كالأعمال التعبدية. |
|
|
"ومراد
العباد من صلاح المعاش والمعاد" أي صلاح الدنيا وفلاح الآخرة وهما غاية
السعادة. رزقنا الله إياهما. |
|
|
تعريف الحكمة والعلة والسبب و الفرق بينها: |
|
|
الحكمة:
ما يترتب على ربط الحكم بعلته أو سببه، من جلب مصلحة أو دفع مضرة. |
|
|
والعلة:
وصف مناسب ظاهر منضبط ناط الشرع به الحكم كجعله الإتلاف علة لضمان المتلف،
والجريمة علة للعقوبة عليها[15]. |
|
|
والفرق
بين العلة والحكمة: أن العلة: هي الوصف المناسب المعرّف لحكم الشارع وباعثه على
تشريع الحكم كالإسكار علة لتحريم الخمر. |
|
|
والحكمة:
ما يجتنيه المكلف من الثمرة المترتبة على امتثال حكم الشارع من جَلب نفع أو دفع
ضر. كحفظ العقل من تحريم الخمر. |
|
|
وعلة
القصاص القتل العمد والعدوان، وحكمته: حفظ النفس. والسرقة علة القطع، والغصب علة
الضمان والحكمة فيهما: حفظ المال. |
|
|
والزنا
علة الحد وحكمته حفظ الأنساب. |
|
|
وأما
السبب: "فهو وصف ظاهر منضبط، ناط الشارع به الحكم مناسباً كان - كالأمثلة
السابقة - أو غير مناسب كجعل الدلوك سببا لوجوب الصلاة وشهود رمضان سببا لوجوب
صومه"[16]
فهو أعم من العلة. |
|
|
وهذه
التفرقة بين الحكمة والعلة والسبب اصطلاح حادث، أما القدماء فقد استعملوا الحكمة
مرادفة لقصد الشارع أو مقصوده، فيقولون: هذا مقصوده كذا، أو حكمته كذا، فلا فرق،
وإن كان استعمالهم للفظ الحكمة أكثر من استعمالهم للفظ المقصد. قال الونشريسي[17]:
"... الحكمة في اصطلاح المتشرعين: هي المقصود من إثبات الحكم أو نفيه وذلك
كالمشقة التي شُرع القصر والإفطار لأجلها"[18]. |
|
|
وقد
يبدو في هذا الكلام شيء من الإشكال - كما يقول الدكتور الريسوني وهو: هل المشقة
حكمة ومقصود؟ والجواب: إن الكلام فيه حذف، ومراده: أن رفع المشقة عن المسافر هو
مقصود الحكم وحكمته، وقد نبه على هذا الأصولي الحنفي شمس الدين الفناري[19]
حيث قال: "أما ما يقال في رخص السفر: أن السبب السفر، والحكمة المشقة،
وأمثاله، فكلام مجازي، والمراد أن الحكمة الباعثة دفع مشقة السفر"[20]. |
|
|
ويؤكد
الدكتور بدران أبو العينين بدران هذا التطابق بين مقصود الحكم وحكمته في اصطلاح
الفقهاء فيقول: "على أن جمهور الفقهاء كانوا يذهبون في اجتهاداتهم إلى أن
ما شرعه الله من أحكام، لم يشرعه الله إلا لمصلحة جلب منفعة لهم أو دفع مضرة
عنهم، فلهذا كانت تلك المصلحة هي الغاية المقصودة من التشريع وتسمى حكمة"[21].
ثم قال: "أما حكمة الحكم فهي الباعث على تشريعه والمصلحة التي قصدها الشارع
من شرعه الحكم"[22]. |
|
|
وأما
مصطلح العلة فهو مما يُعبر به عن مقصود الشارع، فيكون على هذا مرادفاً لمصطلح
(الحكمة) وهذا هو الاستعمال الأصلي والحقيقي لمصطلح العلة ثم غلب استعماله فيما
بعد بمعنى الوصف الظاهر المنضبط الذي تناط به الأحكام الشرعية، على أساس أن
الحكمة وهي مناط الحكم ومقصوده في حقيقة الأمر ترتبط غالباً بذلك الوصف الظاهر
المنضبط، الذي يسهل إحالة الناس عليه في تعرفهم لأحكام الشارع - كما أوضح ذلك
الدكتور الريسوني - ففي باب الرخص مثلاً، لاشك أن رفع المشاق عن الناس والتخفيف
عنهم هي الحكمة والمقصود، وهي العلة الحقيقية للرخص الشرعية، ولكن الشارع لا
يقول للمكلفين: كلما وجدتم عنتاً فترخّصوا. وإنما حدد لهم أمارات معروفة
وأسباباً معينة، هي ما يسميه الأصوليون: الأوصاف الظاهرة المنضبطة، فبناء عليها
يقع الترخيص كالسفر والمرض والعجز والإكراه. |
|
|
فهذه
الأوصاف أو الأمارات المنضبطة يطلق عليها العلل أو الأسباب بينما العلة الحقيقية
والسبب الحقيقي هو مقصود الحكم وحكمته من جلب مصلحة أو درء مفسدة أو هما معاً،
ولكن الشارع يربط الأحكام بأمارات ظاهرة منضبطة ضبطا للأحكام وتجنباً للفوضى في
التشريع. على أن تلك الأمارات تكون متلازمة عادة مع المصالح أو المفاسد التي هي
علة التشريع الحقيقية أو تكون مظنة لها. قال الشاطبي[23]:
"فنصب الشارع المظنة في موضع الحكمة ضبطا للقوانين الشرعية"[24]. |
|
|
نخلص
من هذا إلى أن العلة - وإن استعملتْ استعمالات متعددة مختلفة - لكن معناها
الحقيقي والأصلي هو الحكمة والمصلحة. |
|
|
يقول
الشاطبي: "... وأما العلة فالمراد بها الحِكم والمصالح التي تعلقت بها
الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي... فعلى الجملة: العلة هي
المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها..."[25]. |
|
|
وهذا
الذي صنعه الشاطبي من تفسير العلة- عنده - بالمصلحة والمفسدة المقصودة بالحكم هو
اللائق في باب المقاصد، لأن البحث في المقاصد هو بحث في العلل الحقيقيّة التي هي
مقاصد الأحكام بغض النظر عن كونها ظاهرة أو خفية منضبطة أو غير منضبطة، وعلى
أساس هذا المعنى الأصلي لمصطلح العلة، تفرع مصطلح التعليل بمعناه العام، وهو
تعليل أحكام الشريعة بجلب المصالح ودرء المفاسد[26]. |
|
|
أنواع المصالح: |
|
|
وقد
علم بالاستقراء[27]
أن المصالح المقصودة من الشرائع ثلاثة أنواع: |
|
|
1- مصالح ضرورية:
وهي التي تتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدتْ اختلتْ
الحياة الإنسانية في الدنيا، وفات النعيم وحل العقاب في الآخرة، وهي تنحصر
بالاستقراء في المحافظة على خمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. |
|
|
2- مصالح حاجية:
وهي رفع المشقة ودفع الحرج والضيق عن الناس فبفقدها لا تختل حياتهم، بل يصيبهم
حرج وضيق لا يبلغان مبلغ الفساد المتوقع في فقد الضروريات، كتيسير حاجاتهم
بإباحة البيع والإجارة ونحوهما، وتخفيف التكاليف عنهم بقصر الصلاة والفطر في
رمضان للمسافر وإباحة المسح على الخفين، ونحو ذلك. |
|
|
3- مصالح تحسينية:
وهي مالا يدخل في النوعين السابقين، بل يرجع إلى اجتناب ما لا تألفه العقول
الراجحات، وإلى الأخذ بمحاسن العادات وما تقتضيه المروءات ويجمع ذلك قسم مكارم
الأخلاق ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثل ستر العورة وأخذ الزينة
عند كل مسجد، والأخذ بآداب الأكل والشرب وتجنب الإسراف والامتناع عن بيع
النجاسات وما أشبه ذلك. |
|
|
ودليل
انحصار مصالح الخلق في هذه الأنواع الثلاثة: استقراء مصالح الناس وتبيُّن رجوع
كل مصلحة منها إلى نوع من هذه الأنواع، وقد يتردد الباحث في إلحاق شيء منها بأحد
الأنواع، ولكن لا يتردد في عدم خروجه منها بحال[28]. |
|
|
قيام الشريعة على أساس مصالح العباد: |
|
|
الشريعة
الإسلامية مبنية على تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، سواء ما أمرتْ به من
فرائض ومندوبات أو ما نهتْ عنه من محرمات ومكروهات فهي في كل ذلك تهدف إلى تحقيق
مقاصد ومصالح وحكم، يقول الإمام ابن القيم[29]
رحمه الله تعالى: "... فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح
العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها،
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى
المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليستْ من الشريعة، وإنْ أُدخلتْ فيها بالتأويل،
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه
وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها..."[30]. |
|
|
فالشريعة
إذاً ليست تعبّدية تحكّمية تحلّل وتحرّم دون أن تقصد إلى شيء وراء أمرها
ونهيها،وحظرها وإباحتها، وبعبارة أخرى: إن أحكام الشريعة الإسلامية - في جملتها
- معللة عند الجماهير من أهل العلم[31]
وإن لها مقاصد في كل ما شرعتْه وإن هذه المقاصد والحكم معقولة ومفهومة في
الجملة، بل معقولة ومفهومة تفصيلاً إلا في بعض الأحكام التعبدية المحضة[32]
التي يصعب تعليلها تعليلاً مفصّلاً ظاهراً معقولاً مثل ما ورد في الأحكام
والعبادات من تحديدات وهيئات ومقادير كعدد الصلوات وعدد الركعات في كل صلاة وجعل
الصيام شهراً وفي شهر معين، وكذا بعض تفاصيل الحج وأحكام الكفارات ومقاديرها
والعقوبات المحددة (الحدود)، من حيث نوعها ومقاديرها وعدد الأشهر في العدة
والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول وغير ذلك مما استأثر الله بعلمه ولم
نطلع عليه. فهذه الأحكام التعبدية يصعب تعليلها بالتفصيل - وإن كانتْ هي معللة
في أصلها وجملتها. |
|
|
قال
الشاطبي: "وقد عُلم أن العبادات وُضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في
الآخرة على الجملة - وإن لم يُعلم ذلك على التفصيل، ويصح القصد إلى
مسبباتها - ثمرتها وفوائدها - الدنيوية والأخروية على الجملة"[33]. |
|
|
وقال
إمام الحرمين الجويني[34]
بعد أن عرض آراء العلماء فيما يُعلل وما لا يُعلل من الأحكام وذكر نماذج
لتعليلاتهم، وفي معرض ذكر تقسيمه الخماسي للعلل والمقاصد الشرعية. قال:
"والقسم الخامس: هو ما لا يظهر له تعليل واضح ولا مقصد محدد، لامن باب
الضرورات، ولا من باب الحاجات، ولا من باب المكرمات - أي التحسينات - قال: وهذا
يندر تصوره جداً"[35]
ثم مثل له بالعبادات البدنية المحضة، لكنه سرعان ما نبه على أن هذه العبادات
يمكن تعليلها تعليلاً إجمالياً، وهو أنها تمرن العباد على الانقياد لله تعالى
وتجديد العهد بذكره مما ينتج النهي عن الفحشاء والمنكر ويخفف من المغالاة في
اتباع مطالب الدنيا ويذكر بالاستعداد للآخرة..." قال: "فهذه أمور كلية
لا ننكر على الجملة أنها غرض الشارع في التعبد بالعبادات البدنية، وقد أشعر بذلك
بنصوص من القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ}[36][37]. |
|
|
وقال
ابن القيم:"وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى
إدراكها على وجه التفصيل، وإنْ أدركتْها جملة"[38]. |
|
|
إن
العبادات في الإسلام ليستْ مجرد مظاهر وشعائر وطقوس يؤديها المسلم لمجرد أنها
مفروضة عليه من ربه فحسب، فليس عليه إلا الإذعان والامتثال لأوامر الله وإظهار
العبودية له، ولاشك أن هذا مطلوب ومقصود على الوجه الأكمل، ولكن العبادات - إلى
جانب هذا - تنطوي على غايات نبيلة وحكم جليلة إذا قام العبد بها على وجهها خالصة
لله تعالى اجتنى منها ثمرات كريمة وفوائد عظيمة من تطهير النفس وتزكيتها وطهارة
القلب وسلامته مما ران عليه وتنوير البصيرة وانشراح الصدر واطمئنان القلب، ومحبة
الله ورضاه ومحبة عباد الله الصالحين، وصلاح الدنيا وفلاح الآخرة إلى غير ذلك من
الأسرار والأنوار والخير الكثير والنفع الوفير مالا يأتي عليه حصر، فيصبح بعد
ذلك عبداً مثالياً ربانياً في أنوار مشرقة بعد أن كان تائهاً في ظلمات حالكة كما
قال تعالى:
{أَوَمَنْ
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي
النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}[39]
ويكون - إلى جانب كل ما تقدم - قد حقق العبودية المحضة لله تعالى وتحقيق
العبودية الخالصة لله غاية الغايات ومصلحة المصالح وحِكمة الحِكم وغاية ما تسمو
إليه الهمم، وأسمى المقاصد وأنبلها عند أولي الألباب. |
|
|
كما
أن لها حكماً وأسراراً أخرى لا يدركها العقل الإنساني القاصر لأن للعقل حداً
ينتهي إليه - كما قال الشافعي - رحمه الله - ومن يحيط بعلم الله وحكمته؟ {وَلا
يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ}[40]
وقال تعالى:
{وَمَا
أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}[41]. |
|
|
نخلص
من هذا إلى أن أحكام الشريعة كلها معللة - في الجملة - وأن لها غايات نبيلة
وحكماً جليلة قال ابن القيم: "ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة وإن لم
يعقلها كثير من الناس أو أكثرهم"[42]. |
|
|
ونص
الآمدي[43]
على أنه لا يجوز القول بوجود حكم إلا لعلة: "إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على
أن الحكم لا يخلو من علة"[44]. |
|
|
وقال
ابن الحاجب[45]:
"... فإن الأحكام شرعت لمصالح العباد بدليل إجماع الأمة"[46]. |
|
|
وقال
ابن القيم: "... والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوآن من
تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي
لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة
نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكن يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"[47]
ثم نبه على عدد كثير من صيغ التعليل المستعملة في القرآن. |
|
|
ويؤكد
على هذا الاتجاه الإمام عز الدين بن عبد السلام[48]
موضحاً أن الشريعة كلها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، سواء منها ما وقع النص
على تعليله أو ما لم ينص عليه، فما نص على تعليله فيه تنبيه على ما لم ينص عليه
يقول: "والشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله
يقول: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا
خيراً يحثّك عليه أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر، وقد أبان في
كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض
الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح"[49]. |
|
|
ويؤكد
في موضع آخر وبجلاء أكثر وأسلوب أوضح على هذا المعنى فيقول: "التكاليف كلها
راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم والله غني عن عبادة الكل، لا تنفعه
طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين..."[50]. |
|
|
وقال
الشاطبي: "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل
معاً"[51]. |
|
|
وقال
أيضاً: "إذاً ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية
والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء
في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات"[52]
وقد كرر هذا المعنى في كتابه كثيراً. |
|
|
وقد
انتقد الإمام الشاه ولي الله الدهلوي[53]
منكري التعليل، وأنكر عليهم ظنهم أن الشريعة ليستْ سوى تعبد واختبار، لا اهتمام
لها بشيء من المصالح قائلاً: "وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون
المشهود لها بالخير..."[54]. |
|
|
الأدلة على أن أحكام الله تعالى معللة بالحكم والمصالح: |
|
|
وقد
دلت أدلة كثيرة على أن أحكام الشريعة مبنية على مصالح العباد من صلاح المعاش
والمعاد، منها: |
|
|
1-
النصوص الكثيرة الدالة على تعليل أفعاله تعالى وأحكامه، وهي من الكثرة في الكتاب
والسنة بحيث يتعذر إحصاؤها، منها على سبيل المثال: |
|
|
قوله
تعالى في الصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر}[55]. |
|
|
وقوله
سبحانه في الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}[56]. |
|
|
وقوله
في الحج:
{وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجّ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}[57]. |
|
|
وقال
سبحانه:
{وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه}[58] |
|
|
وقال
عز وجل:
{وَلَكُمْ
فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[59] |
|
|
وقال
صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع
منكم الباءة فليتزوج... ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"[60]. |
|
|
وقال
في أربع قبل الظهر: "إنها ساعة تفتح فيها أبواب
السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح"[61]. |
|
|
وقال
عليه الصلاة والسلام في نقض الوضوء بالنوم:
"...
فإنه إذا اضطجع استرختْ مفاصله"[62]. |
|
|
قال
الإمام الشاطبي رحمه الله: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها
وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي وغيره" إلى أن قال:
"وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم فنحن
نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة"[63]. |
|
|
2-
قال تعالى:
{وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[64]. |
|
|
قال
العضد الإيجي: "وظاهر الآية التعميم، أي يفهم منه مراعاة مصالحهم فيما شرع
لهم من الأحكام كلها، إذ لو أرسل بحكم لا مصلحة لهم فيه لكان إرسالاً لغير
الرحمة، لأنه تكليف بلا فائدة، فخالف ظاهر العموم"[65]. |
|
|
3-
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم:
"الخلق كلهم
عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"[66]
فقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن مناط قرب الإنسان من الله تعالى هو مدى
تقديمه النفع والخدمة لعباده، وذلك برعاية مصالحهم وتوفير ما به سعادتهم
الحقيقية. |
|
|
وإذا
كان ميزان ما يتقرب به الإنسان إلى الله في أعماله هو: خدمة مصالح العباد، فأحرى
أن يكون هذا الميزان هو نفسه المحكم في نظام الشريعة الإسلامية نفسها[67]. |
|
|
فقهاء الصحابة ينظرون إلى مقاصد الشريعة: |
|
|
ومن
نظر إلى ما أثر عن فقهاء الصحابة رضي الله عنه مثل الخلفاء الراشدين وابن مسعود
ومعاذ بن جبل و ابن عمر وابن عباس وغيرهم ونظر إلى فقههم وتأمله بعمق تبين له
أنهم كانوا ينظرون إلى ما وراء الأحكام من علل ومصالح وما تحمله الأوامر
والنواهي من حكم ومقاصد، فإذا أفتوا في مسألة أو حكموا في قضية لم يغبْ عن بالهم
مقاصد الشريعة وأهدافها، ولم يهدروا هذه المقاصد الكلية في غمرة الحماس للنصوص
الجزئية، ولا العكس، بل ربطوا الجزئيات بالكليات والفروع بالأصول، والأحكام
بالمقاصد[68]. |
|
|
فهذا
معاذ - رضي الله عنه - أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلماً
وقاضياً وأمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ليردها إلى فقرائهم، حيث قال له:
"وأعلمهم أ ن الله افترض عليهم الصدقة في أموالهم، تؤخذ
من أغنيائهم فترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانه ليس
بينها وبين الله حجاب"[69].
وكان فيما قاله له أيضاً: "خذ الحب من الحب،
والشاة من الغنم والبعير من الإبل، والبقرة من البقر"[70]
ولكن معاذاً - رضي الله عنه - لم يجمد على ظاهر الحديث بحيث لا يأخذ من الحب إلا
الحب...الخ ولكن نظر إلى المقصد من أخذ الزكاة، وهو التزكية والتطهير للغني وسد
خلة الفقراء من المؤمنين فلم ير بأساً من أخذ قيمة العين الواجبة في الزكاة، كما
ذكره البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، ورواه البيهقي في سننه بسنده عن طاوس
عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة
فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة"[71]. |
|
|
وقد
ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والثوري وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأحمد
- في غير زكاة الفطر - وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه[72]. |
|
|
ومن
ذلك: جمع الصحابة القرآن الكريم ثم كتابة المصاحف وجمع الناس على مصحف واحد،
دفعاً لمفسدة اختلاف الناس وتفرقهم وتنازعهم وربما تكفير بعضهم بعضاً التي هي
أعظم من مصلحة التورع بإبقاء الحال في ذلك على ما كانت عليه في عهده - صلى الله
عليه وسلم. |
|
|
ومن
ذلك - أيضاً - اقتداء ابن مسعود برسول الله صلى الله عليه وسلم في تخول الناس
بالموعظة - كما رواه البخاري عن أبي وائل - قال: كان عبد الله يذكر الناس في كل
خميس: فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم قال: أما إنه
يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله
عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا[73]. |
|
|
ومن
هذا الباب - أيضاً - ما حكي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - أن ابنه عبد
الملك قال له:"مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك
في الحق؟" قال: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في آيتين وحرمها
في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدمغوه جملة ويكون منا ذا
فتنة"[74]. |
|
|
ومن
ذلك ما قرره العلماء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اعتبار المصالح
والمفاسد في ذلك والحرص على تقديرها قبل الهجوم بالأمر أو الإنكار: قال الإمام
ابن تيمية - رحمه الله - في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "وإذا
كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات والمستحبات، ولابد أن
المصلحة فيها راجحة على المفسدة إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب
الفساد، بل كل ما أمر الله به هو صلاح وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين
والذين ءامنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت
مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك
واجباً وفعل محرماً..."[75]. |
|
|
وقال
الإمام ابن القيم - رحمه الله - : "إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته
إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان
إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله … ومن تأمل ما جرى على
الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر
بطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار
إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه
خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم
حديثي عهد بكفر[76]. |
|
|
وقال–
رحمه الله: "فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك
عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله صلى
الله عليه وسلم كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا
على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا
كان تركهم على ذلك خيراً [من] أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه
شاغلاً عن ذلك… وهذا باب واسع …، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه –
يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم
من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله
وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال
فدعهم"[77]. |
|
|
وهذا
باب واسع ويطول سرد الأمثلة إذا تتبعناها، وحسبنا هذه الملامح والإرشادات. |
|
|
مصالح منصوص عليها وأخرى غير منصوص عليها: |
|
|
وإذا
تقرر هذا فإن المصلحة أو الحكمة قد تكون منصوصاً عليها في كلام الشارع وقد لا
تكون منصوصاً عليها فيهتدي إليها العالم بنور الله: بالفهم الذي يؤتاه الرجل في
الكتاب والسنة وهو المعنيّ بالحكمة في قوله سبحانه وتعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء}[78]
يعني: - والله أعلم - الإصابة في الفهم والسداد في القول والعمل وحسبك بهما
نعمة. |
|
|
فمن
أمثلة القسم الأول: |
|
|
-
شرعت الصلاة لذكر الله تعالى. قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}[79]. |
|
|
-
شرع الجهاد لإعلاء كلمة الله وإزالة الفتنة كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}[80]. |
|
|
-
شرع القصاص زاجراً عن القتل كما قال جل وعلا: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[81]. |
|
|
- حرمت الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ | |