طباعة

 توثيق النص

 

 

 

المدبج ورواية الأقران

إعداد: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر

الأستاذ المشارك في كلية الدعوة في جامعة أم القرى

 

 

مقدمة

الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتمِ المُرسلينَ سيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

أما بعد، فإنَّ مناهج رواية الحديث النَّبويّ الشَّريف قد لقيت عنايةً فائقةً مِنَ المُحَدِّثينَ قَلَّ أن نَجِدَ لها مثيلاً في بقيَّةِ العلومِ، ولَمَّا كان الإسنادُ هو الطَّريق إلى الحديثِ، فقد اهتمَّ به المُحدِّثون.

قال الحاكم النَّيسابوريُّ: لولا الإسنادُ، وطلب هذهِ الطَّائفة لهُ، وكثرة مواظبتهم على حفظهِ، لدرسَ منار الإسلامِ، ولتمكنَ أهلُ الإلحادِ والبِدَعِ فيهِ، بوضعِ الأحاديث، وقلب الأسانيدِ، فإنَّ الأخبارَ إذا تَعَرَّت عن وجودِ الأسانيدِ فيها كانت بتراء[1].

قال عبد اللهِ بنُ المُبارك: الإسنادُ مِنَ الدِّينِ، ولولا الإسناد لَقَالَ مَن شاءَ ما شَاء[2].

هذا وقد ظهرت القاعدة المشهورة: إنَّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عَمَّن تأخذونَ دينكم[3].

إنَّ العنايَةَ الفائقة بالأسانيد في الرِّوايةِ أضحت خَصيصة مِن خصائص هذهِ الأمَّة، حتَّى قال محمدُ بنُ حاتِم بنِ المُظَفَّرِ: إنَّ اللَّهَ أكرمَ الأمَّة وشَرَّفها وفَضَّلها بالإسنادِ، وليسَ لأحدٍ مِنَ الأُممِ كُلِّها قديمهم وحديثهم إسنادٌ، وإنَّما هي صُحفٌ في أيديهم[4].

وقال ابنُ أبي حاتمٍ الرَّازيُّ: لم يكن في أُمَّةٍ مِنَ الأُممِ منذ خلقَ اللَّهُ آدمَ أمناء يحفظونَ أثار الرُّسل إلاَّ في هذهِ الأُمَّةِ[5].

وقال ابنُ حزمٍ: نقلُ الثِّقَة، عن الثِّقةِ يبلغ به النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مع الاتصالِ، خصَّ به اللَّهُ المُسلمينَ دون سائر الملل، وأمَّا مع الإرسالِ والاتصال، والإعضال، فيوجد في كثيرٍ من اليهود، لكن لا يقربونَ فيه من موسى قريباً من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بل يقفونَ بحيثُ يكون بينهم وبينَ موسى أكثر مِن ثلاثينَ عصراً، وإنَّما يبلغون إلى شمعونَ، ونحوه.

وأمَّا النَّصارى فليس عندهم مِن صفة هذا النَّقل إلاَّ تحريم الطَّلاق فقط، وأمَّا النَّقل بالطُّرقِ المشتملة على كذَّاب، أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنَّصارى.

وأمَّا أقوال الصَّحابة والتَّابعينَ، فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبيٍّ أصلاً، ولا إلى تابعٍ لهُ، ولا يمكن النَّصارى أن يصلوا إلى أعلى مِن شمعون وبولص[6].

إنَّ رواية المُحَدِّثين للأخبار لم تكن روايةً عشوائية، وإنَّما كانت تندرج تحت ضوابط وقوانينَ تتسم بالموضوعية، فقد وضعوا شروطاً لمعرفة مَن تُقبل روايتُهُ، وما يتعلَّق بهِ مِن جرحٍ وتعديل[7]، كما سَنُّوا قواعدَ في معرفة كيفية سَماع الحديث وتحمُّلِهِ وصفةِ ضبطهِ[8].

ومن الوسائل التي اتَّبعها المُحَدِّثون في أنواع الرِّوايةِ، والتي تُعَدُّ من  وسائل توثيقِ النُّصوصِ وضبطها، ابتكارهم لأنماطٍ مختلفة من أنماط الرِّواية، والتي تدلُّ على الدِّقَّةِ في التَّصنيف في بعض أنواعِ التَّحمُّلِ مثل: رواية الأكابرعن الأصاغِر، ورواية التَّابعين عن بعضهم، ومَن روى عن أبيهِ عن جدِّهِ، والرواة من الإخوة والأخوات، والمُدَبَّج، ورواية الأقرانِ، والأسانيد القائمةعلى أساس المدن، كالأسانيد الحِجازيَّة، أو المكيَّة، أو المَدنيَّة، أو البصريَّة، أو الكوفيَّة، أو الشَّاميَّة، واختلاف الروايات للكتاب الواحد، وفنّ المستخرجات، وعلم الأثبات ومعاجم الشُّيوخ والمشيخات.. وغير ذلك من التَّصنيفات المختلفة، والتي يستشفُ منها الباحث المُدقق أنَّ المُحَدِّثينَ قد قطعوا شوطاً بعيداً في علم الرواية، وأنَّ بحوثهم قد أعطت الباحث الواعي، والدَّارس المتمكنَ والموضوعيّ القدرة على التَّحركِ، ووضعت بينَ يديهِ الوسائل التي تعينهُ على التَّثبتِ مِن صحَّةِ الأسانيدِ، وتدقيق الرِّواياتِ، وتميزت بحوثهم المختلفة بالابتكار والإبداع والتي استطاعوا بها أن ينشروا السُّنَّة ويحافظوا عليها بنجاحٍ منقطع النَّظير، وأنَّ السَّواد الأعظم من المُحدِّثين كان يُدركُ أنَّ علم الرِّواية لم يكن طحناً في الماءِ، وإنَّما هو عِلْمٌ مُنَسَّقٌ، قائمٌ على قواعدَ مفصَّلةٍ وعميقةٍ.

وبحثنا هذا هو حلقةٌ مِن سلسلةِ بحوث مماثلة كتبتها وتناولت علم الرِّواية وأثرهُ في توثيق النُّصوصِ وضبطها[9]، وقد تناول جانباً من جوانبَ علم الرِّوايةِ والذي قد صَنَّفَ فيه العُلماءُ الكبارُ مُصَنَّفات لم نقف عليها في وقتنا الحاضر، وبقيت منهُ أبحاثٌ توزعتها كتب علم أصول الحديثِ المُختلفة، أو بعض الشُّروح الحديثية، وهذا النَّوع هو المُدَبَّجُ، ورواية الأقران.

إنَّ الدِّراسة الموضوعيَّة لهذا النَّوع من أنواعِ علوم الحديثِ، تظهر لنا أنَّ هذا النَّوعَ مِنَ المُصَنَّفاتِ هدفهُ إزالة النِّقاب عن الخطأ والوهم الذي قد يتطرَّقُ إلى الإسناد.

وإذا كان ابنُ عباسٍ رضي الله عنه قد حذَّرَ من قَبولِ جرح الأقران بعضهم لبعضٍ، وقال: استمعوا علم العُلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعضٍ، فوالذي نفسي بيدهِ لهم أشدّ تغايراً من التّيوسِ في زروبتها[10].

وقال الذَّهبيُّ: وكلامُ الأقرانِ بعضهم في بعضٍ لا يُعبأ به لا سيما إذا لاحَ أنَّهُ لعداوةٍ، أو لحسدٍ، ما ينجو منه إلاَّ مَن عصم اللَّهُ، وما علمتُ أنَّ عصراً مِنَ الأعصارِ سلمَ أهلهُ من ذلكَ سوى الأنبياء والصِّدِّيقينَ[11].

فإنَّ روايةَ الأقران بعضهم عن بعضٍ فيه شهادة بعضهم لبعضٍ على صِحَّةِ المرويات، وإشارةٌ صادقةٌ على تجاوز الكثير منهم للعوامل النَّفسيَّةِ التي تختلجُ في صدور الأقرانِ، والتي حَذَّرَ منها العُلماء.

ونظراً لأهميَّةِ رواية الأقران بعضهم عن بعضٍ في توثيق النُّصوصِ وضبطها، فقد حرص الإمامُ الجِهبذُ أبو عبد اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ على هذا النَّمط مِن الأسانيدِ في كتابه (الجامع الصَّحيح)، وكذا اشتملت كتب السُّنَّةِ الأخرى على ذِكرِ هذا النَّوع من المروياتِ، وأدرجتها ضمن مروياتها المُختلفةِ.

إنَّ دراسة مرويات الأقران بعضهم عن بعضٍ ستقودنا إلى معرفةِ تواريخ ولادةِ ووفيات الرُّواة، كما أنَّها ستقدِّمُ لنا نتائج جليلة عن علم طبقات الرُّواة، وتجمع لنا دلائل عن البلدان ورواتها، سيما إذا اجتمعَ في الرِّواية الواحدةِ أهل بلدٍ في نَسقٍ كما سيأتي بيان ذلكَ مِن خلالِ بحثنا هذا.

إنَّ الكتابة عن بعضِ الجُزئياتِ في علم مصطلح الحديثِ، والتي لم نقف فيها على مُصَنَّفٍ مستقلٍّ لإمامٍ ناقدٍ، تعني ميلاد عهدٍ جديدٍ لهذا العلمِ،  الذي ينتمي إلى طرازٍ مُعيَّنٍ في التَّأليفِ يتَّصِفُ بالإيجازِ والبُعدِ عن الإسهابِ في موضوعاتهِ.

وبحثنا هذا حاولَ أن يُقدِّمَ تحليلاً عميقاً لهذا النَّوع مِنَ أنواعِ مصطلحِ الحديث، وذلكَ مِن خلالِ ما ذكرته كتب مصطلح الحديث مِنَ الأمثلة، مع بيان مارواهُ الإمامُ البُخاريّ رحمهُ اللَّهُ تعالى في (صحيحه) مِن رواية الأقرانِ، والتي قام الحافظ ابن حجرٍ رحمه اللَّهُ تعالى بذِكْرِها، وبيان بعض لطائفها، وبالتالي الخروج بنتائج جديدةٍ عن رواية الأقران، وأهميتهِ، ومحاولة تنظيم هذهِ المادة في صورةٍ تُلقي الضَّوء على جانبٍ من جوانبِ علم الرِّواية عندَ المُحَدِّثينَ، وأثره في توثيق النٌّصوصِ وضبطها.

ولقد حرصتُ في عرضي للمادة أن لا أقسِّم البحث إلى أبوابٍ وفصولٍ، وذلكَ خشية أن يطولَ البحث، وتتشعب جوانبه، كما أنَّي لم أتوسع في تخريج النُّصوصِ، والآثار، نظراً لأنَّ شروط نشر البحوث مرهونة برقمٍ محدد من الصَّفحات.

واللَّهَ الكريم أسأل التَّوفيقَ والسَّداد، ومنهُ استمدُ العونَ، وعليه التُّكلان، وهو حسبي ونعمَ الوكيل، وصلَّى اللَّهُ على سيدِنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

 

أولاً: تعريف المُدبَّج:

أ- المدبَّج لُغَةً: اسم مفعول من التَّدْبِيْج، بمعنى التَّزيين.

والمُدَبَّجُ: المُزَيَّن، ودِيبَاجَةُ الوجهِ وَدِيباجُهُ: حُسن بشرتهِ، وكأنَّ المُدَبَّج سُمِّيَ بذلكَ لتساوي الرَّاوي والمَرْوِي عنهُ، كما يتساوى الخدَّانِ.

ورجلٌ مُدَبَّجٌ: قبيحُ الوجهِ والهامة والخِلقةِ[12].

ب- المُدبَّجُ اصطلاحاً: أنْ يَرْوي القَرينان كُلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه[13].

شرحُ التَّعريفِ:

قال الإمامُ العراقيُّ: ما المناسبة المُقتضية لتسمية هذا النَّوع بالمُدَبَّجِ وَمن أيٍّ شيءٍ اشتقاقه،؟

لم أرَ مَن تَعَرَّضَ لذلكَ، إلاَّ أنَّ الظَّاهرَ أنَّهُ سُمِّيّ بهِ لِحُسنهِ، لأنَّهُ لُغةً: المُزَيَّنُ، قال صاحبُ (المُحكم): الدَّبْجُ: النَّقشُ والتَّزيينُ، فارسيٌّ مُعرَّبٌ.

قال: ودِيباجةُ الوجهِ حُسنُ بشرتهِ، ومنهُ تسمية ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه الحَواميم ديباج القرءان.

والرِّواية كذلكَ إنَّما تقعُ لنُكتةٍ يعدلُ فيها عن العُلوِّ إلى المُساواة، أو النُّزول لأجل ذلك فحصل للإسنادِ بذلكَ تحسينٌ وتزيين.

قال: ويحتملُ أنهُ سمُّيَ بذلكَ لنزولِ الإسنادِ، فإنَّهما إن كانا قرينينِ نزل كل منهما درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر نزل درجتين، وقد روينا عن يحيى بن مَعينٍ قال: الإسنادُ النَّازلُ قُرحة في الوجهِ.

وروينا عن عليِّ ابن المَدينيِّ، وأبي عَمْروٍ المُسْتَمْليِّ قالا: النُّزولُ شؤم. فعلى هذا لا يكونُ المُدَبَّجُ مدحاً لهُ ويكونُ ذلكَ من قولِهِم: رجلٌ مُدَبَّجٌ، قبيحُ الوجهِ والهامةِ، حكاهُ صاحبُ (المُحكم).

قال العراقيُّ: وفيهِ بُعدٌ، والظَّاهرُ إنَّما هو مدحٌ لهذا النَّوع.

قال: ويحتمل أن يُقالَ: إنَّ القرينين الواقعينِ في المُدَبَّجِ في طبقةٍ واحدةٍ بمنزلةٍ واحدةٍ، فشبها بالخدَّينِ، فإنَّ الخدَّينِ  يقالُ لهما: الدِّيباجتان، كما قاله صاحبُ (المحكم) و(الصّحاح).

قال: وهذا المعنى يتَّجهُ على ما قاله الحاكم، وابنُ الصَّلاحِ: أنَّ المُدَبَّجَ مُختصٌ بالقرينينِ.

قال السَّخاويُّ: وبذلك سَمَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أخذاً مِن دِيباجَتي الوجه، وهما متحدان لتساويهما وتقابلهما[14].

قال الحاكم النَّيْسَابوريُّ: رواية الأقران مِنَ التَّابعينَ وأتباع التَّابعينَ وَمَن بعدهم مِن علماء المسلمينَ، ورواية بعضهم عن بعضٍ، وهذا النَّوع منه غير رواية الأكابر عن الأصاغر. وإنَّما القرينان إذا تقاربَ سِنُّهما وإسنادهما وهو على ثلاثة أجناسٍ:

فالجنس الأول منه الذي سَمَّاهُ بعض مشايخنا المُدَبَّج، وهو أن يروي قرينٌ عن قرينهِ، ثُمَّ يروي ذلك القَرين عنه، فهو المُدَبَّج.

مثاله في الصَّحابة:

أخرج الحاكم بسندهِ: عن أبي هُريرة، عن عائشةَ رضي اللَّهُ عنها قال: فقدتُ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم ذات ليلةٍ مِنَ الفِراشِ، فجعلتُ أطلبهُ بيدي فوقَعت يدي على باطن قدميه وهما مَنصوبتان، فسمعتهُ يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ برحمتكَ مِن سَخَطِكَ،وأعوذُ بِمُعافَاتِكَ مِن عقوبَتِكَ،وأعوذُ بِكَ مِنْك لا أُحْصي ثناءً عليك أنت كما أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ".

قال أبو عبْدِ اللَّهِ: وقد روت عائشةُ عن أبي هُريرةَ وسألتهُ عن حديثهِ.

وأخرج الحاكم بسنده: عن علقمةَ أنَّ عائشَةَ قالت لأبي هُريرةَ: أنت حَدَّثت عن رسولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: أنَّ امرأةً عُذِّبت في هِرَّةٍ؟ فقال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يقولُ ذلك الحديث[15].

مثال آخر: قال الحاكم: عن جابر عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال: "يدخُلُ الجَنَّةَ مَن بايعَ تحتَ الشَّجَرَة إلاَّ صاحِب الجمل الأحمر".

قال أبو عبدِ اللَّهِ: وقد رويَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ، عن جابرٍ.

وأخرج الحاكم بسنده: عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: حَدَّثني جابرُ بنُ عبد اللهِ أنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قرأَ: {وإذَا سَأَلَكَ عِبادي عَنِّي فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دَعوةَ الدَّاعِ إذا دَعان} الآية. قال صلى اللَّهُ عليه وسلَّم: "اللَّهُم أمرتَ بالدُّعاءِ وتكفَّلتَ بالإجابةِ، لبيكَ لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكْ، لا شَريكَ لَكْ"[16].

قال أبو عبدِا للَّهِ: ومثالُ ذلكَ في التَّابعين.

وأخرج بسنده عن: الزُّهريِّ، قال: أخبرني عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ بن مروان أنَّ إبراهيمَ بنَ عَبْدِ اللَّه بن قَارظ الزُّهريَّ أخبرهُ أنَّهُ وجدَ أبا هُريرَةَ يتوضَّاُ على ظهرِ المسجِدِ، فقال أبو هريرةَ: إنَّما أتوضأ مِن أثوار أَقِط أكلتها لأنَّ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم قال: "توضؤا مِمَّ مَسَّت النَّارُ".

قال أبو عبد اللهِ: وقد روى عمرُ بنُ عبدِالعزيز، عن الزُّهريِّ.

وأخرج بسنده عن: عمرَ بنِ عبدِالعزيز، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ قال: دعا رسولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهِ وسلم يوَمَ النَّاس للبيعَةِ فجاءَ أبو سِنان بن مُحصِنٍ فقال: يارسول اللَّهِ، أبايعكَ على ما في نَفْسِكَ ؟ قال:"وما في نَفْسِي؟" قال: أضربُ بسيفي بينَ يَديكَ حتَّى يُظْهِرَكَ اللَّهُ، أو أُقتل. قال: فبايعهُ وبايع النَّاس على بيعَةِ أبي سِنان[17].

قال أبو عبد اللهِ: ومثالهُ في أتباع التَّابعين.

وأخرج بسندهِ، عن: الأوزاعيّ عن مالك بنِ أنسٍ، عن أبي نُعيمٍ وهب ابن كيسان، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ، قال: قال لي رسولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم: "ادن بُنيّ، فسمِّ اللَّهَ وكُل بيمينكَ، وكُل مِمَّا يلكَ".

قال أبو عبد اللهِ: وقد روى مالكُ بنُ أنسٍ، عن الأوزاعِيِّ.

وأخرج بسندهِ عن: مالك بن أنسٍ قال: حدَّثني الأَوْزَاعِيُّ، عن الزُّهريُّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشَةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمْرِ كُلِّهِ"[18].

قال أبو عبد اللهِ: ومثالهُ في أتباع الأتباع.

وأخرج بسنده، عن: الإمام أحمد بنِ حَنْبَل قال: حدَّثني عبدُالرَّزاقِ، قال: ثنا عمرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أُمَيَّةَ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: كان لهم غُلامٌ يُقال لهُ طَهمان، أو ذَكوان، قال: فأعتق جدُّهُ نصفهُ، قال: فجاء العبدُ إلى النَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليهِ وسلَّم فأخبرهُ، فقال النَّبِيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم: "يُعتق في عُنقك، ويُرقّ في رِقِّكَ"، فكان يخدم سيدهُ حتَّى مات.

قال أبو عبد اللهِ: وقد حَدَّثَ عبدُالرَّزاق، عن أحمدَ بنِ حَنْبَل.

وأخرج بسنده عن: عبدُالرَّزاق، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ حَنْبَل، عن الوليدِ ابنِ مُسلِمٍ، عن زيد بنِ واقدٍ، قال: سمِعْتُ نافِعاً مولى ابن عمر يقولُ: كان ابنُ عمرَ إذا رأى مُصَلِّياً لا يرفعُ يديهِ في الصَّلاةِ حصبهُ وأمرهُ أن يرفع يديه[19].

قال أبو عبد اللهِ: ومِثال ذلكَ في الطَّبقةِ الخامسة: حدَّثنا أبو عبد اللهِ محمدُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أبي، قال: ثنا سعيدُ بنُ واصلٍ، قال ثنا شُعبةُ، عن عبد اللهِ بنِ صُبيحٍ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ، أنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عليهِ وسلم، قال: "هذا خالي فمن شَاء منكم فليُخرج خالهُ" يعني أبا طلحةَ زوج أمّ سُلَيمٍ في الكرمِ قال هذا.

قال أبو عبد اللهِ: وقد حدَّثَ محمدُ بنُ يحيى، عن ابنه يحيى بن محمدٍ بأحاديثَ.

حدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا أبو عمرو المُسْتَمليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثني ابني أبو زكريا، قالَ: ثنا عبدُالرَّحمن بنُ المبارك العَيشيُّ، قال: حدَّثنا قريشُ بنُ حَيَّانَ، عن بكر بنِ وائلٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي عبد اللهِ الأغَر، عن أبي هريرةَ، قال: لا تُكلموهم إذا أقبلوا، ولا تسبُّوهم إذا أدبروا، يعني السُّعاة[20].

قال أبو عبد اللهِ: ومثال ذلك في الطَّبقة السَّادسة: أخبرنا أبو بكرٍ محمدُ ابنُ داودَ بنِ سُليمانَ الزَّاهدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ الكوفِيُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ يوسُفَ الضَّبِيُّ، قال: ثنا أبو جُنادةَ، عن عُبيدِاللَّهِ بنِ الحَسَنِ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: "إحدى صَلاتي العِشَاء"، فذكَرَ الحديث.

قال أبو عبد اللهِ: وقد روى أبو العَبَّاسِ بنُ عُقْدَةَ، عن شَيخِنا أبي بكرِ بن داودَ.

حَدَّثني أبو ذَرّ بن المنذِرِ المُفيدُ بالكوفةِ، قال: حدَّثنا أبو العبَّاسِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ داودَ النَّيْسَابُوريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أحمدَ بنِ زيادٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الهَيَّاجِ، عن أبيهِ، عن مِسْعَرٍ، عن وَبرةَ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صلَّى في البيتِ.

قال أبو عبد اللهِ: هذا الذي ذكرتُهُ الجنس الأوَّلُ، مِنَ الأقرانِ، وهو الذي سمَّاهُ بعض مشايخنا المُدَبَّج[21].

ومن أمثلة المُدَبَّجِ: في الصَّحابةِ: أبو هريرة، وعائشة، روى كلٌ منهما عن الآخر.

وفي التَّابعين: الزُّهريّ،عن أبي الزُّبير،وأبو الزُّبيرعن الزُّهرِيِّ،والزُّهريّ عن عمر بن عبدالعزيز، وعمر بن عبدالعزيز عن الزُّهريِّ.

وفي أتباعهم: مالك، عن الأوزاعيّ، والأوزاعيُّ عن مالكٍ.

وفي أتباع التَّابعينَ: أحمد، عن ابن المدينيّ، وابن المدينيّ عن أحمد، مع نزاع في كونهما قرينينِ.

 قال السَّخاويّ: وفي المُتأخرينَ: المِزِّيّ[22]، والبِرْزاليّ[23]، وشيخنا[24]، والتَّقيّ

الفَاسيّ[25] كذلك[26].

 

ثانياً: روايةُ الأقران:

تعريفُ الأَقران:

أ- لغة: الأقْرَانُ جمعُ قَرِين، بمعنى المُصَاحِب[27].

والاقْتِرَانُ: كالازْدِواج في كونهِ اجتماعَ شَيْئَيْنِ أو أشياءَ في مَعْنًى مِنَ المَعاني[28].

والقَرْنُ: أهلُ كلّ زمان، وهو مِقْدار التَّوسُّط في أعمار أهل كلّ زمانٍ، مأخوذٌ مِنَ الاقترانِ، وكأنَّهُ المِقْدَار الذي يَقْتَرِنُ فيهِ أهل ذلكَ الزَّمان في أعمارهم وأحوالهم[29].

ب- اصطلاحاً: هم المُتقاربونَ في السِّنِّ، والإسنادِ[30].

شَرْحُ التَّعريف:

إذَا تماثلَ، أو تقاربَ الرُّواة في الأعمارِ والإسنادِ، أي في الأخذِ عن الشُّيوخِ، حصلت المُقارنة، وإن تفاوتوا في الأعمارِ[31].

وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: فإن تشاركَ الرَّاوي وَمَن روى عنهُ في أمرٍ مِنَ الأمورِ المُتعلِّقةِ بالرِّوايةِ مثل: السِّن، واللّقي، وهو الأخذُ عن المشايخِ، فهو النَّوع الذي يُقالُ لهُ: رواية الأقرانِ، لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ راوياً عن قرينه[32].

من أمثلة رواية الأقران:

ومثالهُ: ما أخرجه الحاكم بسنده من طريق: المُعْتَمِر بن سُليمانَ، عن أبيه، عن مِسْعَر، عن أبي بكر بنِ حفص، عن عبد اللهِ بنِ الحَسَنِ، عن عبد اللهِ بنِ جَعفرٍ، قال في شأن هؤلاءِ الكلمات: "لا إلهَ إلاَّ اللَّه الحَليمُ الكريمُ، سبحان اللَّه ربّ العرش العظيم، الحمدُ للَّهِ رَبِّ العالمين، اللَّهم اغفر لي، اللَّهم ارحمني، اللَّهم تجاوز عنِّي، اللَّهم اعف عنِّي فإنَّكَ عفوٌّ غفور"، قال عبد اللهِ بنُ جعفرٍ: أخبرني عمِّي أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم علَّمهُ هؤلاء الكلمات.

قال أبو عبد الله: مِسْعَرُ وسُليمان التَّيْمِيّ قرينان إلاَّ أنِّي لا أحفظ لِمِسْعَر عنهُ رواية[33].

وأخرج الحاكمُ بسندهِ، عن: زائدة، عن زهير، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بنِ ميمون، عن عبد اللهِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ إذَا دَعا دَعا ثلاثاً.

قال أبو عبد اللهِ: زائدة بن قُدامةَ، وزهير بن مُعاويةَ قرينان، إلاَّ أنِّي لا أحفظ لزهير عنهُ رواية[34].

وأخرج الحاكم بسندهِ، عن: ابنِ الهاد، عن إبراهيمَ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، عن أبي أُسامةَ، عن عائشةَ، عن النَّبِيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم قال: "قد كانَ يكونُ في الأُممِ مُحَدَّثونَ، فإنْ يَكُنْ في أُمَّتي أحدٌ فعمر بن الخَطَّابِ".

قال أبو عبد اللهِ: يزيد بن عبد الله بن أُسامةَ بن الهاد، وإن كانَ أسند وأقدم مِن إبراهيمَ بن سعدٍ فإنَّهما في أكثر الأسانيد قرينان، ولا أحفظ لإبراهيمَ ابنِ سَعْدٍ عنهُ رواية[35] .

وأخرجِ الحاكمُ بسنده عن: سُليمان بن طَرْخَانَ، عن رَقَبَةَ بنِ مَصْقَلَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: ذَكر رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم الغُلام الذي قتلهُ الخُضر، فقال: "طُبعَ كافراً".

قال أبو عبد اللهِ: سليمان بن طَرْخانَ، ورقبة بن مَصْقَلَةَ قرينان، ولا أحفظُ لرقبةَ عنهُ رواية، فقد جعلتُ هذهِ الأحاديثَ مثالاً لمعرفة الأقرانِ، وأنَّه غير رواية الأكابر عن الأصاغر[36].

قال السَّخاويُّ: روى كلّ من الثَّوريِّ، ومالك بن مِغْوَلٍ، عن مِسْعَرٍ، وهم أقران، والأعمشِ، عن التَّيْمِيِّ، وهما قَرينان، والزَّين رضوان، عن الرَّشيديِّ، وهما قرينان من شيوخنا.

وقد يجتمعُ جماعةٌ مِنَ الأقرانِ في سلسلةٍ كروايةِ أحمد، عن أبي خيثمة زهير ابن حربٍ، عن ابن مَعينٍ، عن عليِّ بن المَدينيِّ، عن عُبيدِاللَّهِ بنِ مُعاذٍ، لحديثِ أبي بكر بن حفصٍ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ: "كانَ أزواجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يأخُذْنَ مِن شُعُورِهِنَّ حَتَّى تكونَ كالوفرة"[37]، فالخمسة كما قال الخطيبُ: أقرانٌ.

ورواية ابن المُسيّبِ، عن ابنِ عُمرَ، عن عُمَرَ، عن عُثمانَ، عن أبي بكرٍ الحديثِ "ما نجاة هذا الأمر"، ففيه أربعةٌ مِنَ الصَّحابة في نسقٍ[38].

وكذا اجتمعَ أربعةٌ مِنَ الصَّحابةِ في عدَّة أحاديثَ بعضها في (الصَّحيحين)، وغيرهِما، وأفردَ فيهِ كلٌّ مِن عبدِالغني بن سعيدٍ المِصْرِيِّ، وأبي الحجَّاجِ يوسُفَ ابنِ خليلٍ الدِّمشقيِّ، فيما سمعناهُ (جزءاً)، بل اجتمعَ منهم خمسةٌ في حديثِ "الموتُ كَفَّارةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"، وذلكَ مِن روايةِ: عَمرو بن العاص، عن عُثمان، عن عُمر بن الخَطَّابِ، عن أبي بكرٍ الصِّديقِ، عن بلالٍ[39]، وهو غريبٌ لاجتماع الخلفاء الثلاثة فيه، ويدخلُ في النَّوع قبلهُ ودون هذين العددينِ مِمَّا أكثر فيه اجتمع فيه ثلاثةٌ مِن الصَّحابة، كمُعاوية بنِ أبي سُفيانَ، عن مالكِ بنِ يخامر، على القولِ بصُحبتهِ، عن مُعاذٍ، وكمُعاوية بنِ خَديجٍ، عن مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ، عن أختِهِ أمِّ حبيبةَ.

ثُمَّ مِمَّا أكثرَ مِمَّا يدخلُ في هذا النَّوعِ، ومِمَّا لا يدخلُ كابنِ عُمَرَ،  عن كُلٍّ مِن أبيهِ، وأختِهِ حفصةَ.

وأمَّا رواية الليث، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن نافعِ ابنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن عُرْوَةَ بنِ المُغيرَة بنِ شُعبةَ، عن أبيهِ لحديثِ "اتَّبعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بإداوة"[40]، ورواية محمد بن عَجْلانَ، عن محمد بن يحيى بن حبانَ، عن عبد اللهِ ابن مُحَيْريزٍ، عن الصُّنابِحِيِّ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ ففيهِما أربعةٌ مِنَ التَّابعينَ في نسقٍ، ودونَ هذا العدد مِمَّا أمثلتهُ أكثر ما اجتمعَ فيه ثلاثةٌ منهم: كالزُّهْرِيِّ، وعبدِالمَلكِ بنِ أبي بكرِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، عن أبيهِ رضي الله عنه.

وكذا الزُّهريّ، عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ إبراهيمَ بنِ قَارِظٍ، عن أبي هُريرَةَ، رضي الله عنه، ثُمَّ ما اشتملَ على اثنين فأكثر، ماوجد منهم حسبما أشرتُ إليهِ في المُرْسَلِ في نَسَقٍ، إمَّا ستة، أو سبعة، وفي أشباه ماذكرتُهُ طول، وللخطيبِ (رواية التَّابعينَ بعضهم عن بعضٍ)، وهو معَ رواية الصَّحابة بعضهم عن بعضٍ الَّذي علمت إفراد نوعٍ منهُ بالتَّأليفِ أيضاً مِمَّا لم يذكرهُ ابنُ الصَّلاحِ وأتباعه، ولكن قد استدركهما بعضُ المُتأخرينَ عليهِ[41].

الصِّلة بين رواية الأقران، والمُدَبَّج، ورواية الأكابر عن الأصاغِر، وبعض أنواع مصطلح الحديث:

قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: فإن تشارك الرَّاوي وَمَن معهُ في أمر مِنَ الأمورِ المُتعلقةِ بالرِّواية، مثل: السِّن، واللَّقي، وهو الأخذُ عن المشايخ فهو النَّوع الذي يُقال لهُ: رواية الأقران، لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ راوياً عن قرينه، وإذا روى كلّ منهما، أي القرينينِ عن الآخرِ، فهو المُدَبَّج، وهو أخصّ مِنَ الأوَّل، فكُلّ مُدَبَّج أقرانٌ، وليس كُلّ أقران مُدَبَّجاً... وإذا روى الشَّيخُ عن تلميذهِ صدق أنَّ كلاً منهما يروي عن الآخرِ، فهل يُسَمَّى مُدَبَّجاً؟ فيه بحثٌ، والظَّاهرُ: لا، لأنَّهُ مِن روايةِ الأكابرِ عن الأصاغِرِ، والتَّدْبيج مأخوذٌ مِن ديباجَتي الوجه، فيقتضي أن يكونَ ذلكَ مُستوياً من الجانبين فلا يجيء فيه هذا.

وإن روى الرَّاوي عَمَّن هو دونهُ، في السِّنِّ، أو في اللُّقيِّ، أو في المقدارِ، فهذا النَّوعُ هو رواية الأكابر عن الأصاغر[42].

مِن العلوم التي لها صلة بالمُدَبَّج ورواية الأقران:

إنَّ معرفة المُدَبَّج ورواية الأقران تتطلَّب مِنَ المُحَدِّثِ أن يكون على اطِّلاعٍ واسعٍ بعدد مِن أنواع علوم الحديث، والتي تعتبر معرفتها مِن وسائل معرفة المُدَبَّج ورواية الأقران، وَمِن هذهِ الأنواع:

1- معرفة طبقات العلماء:

والطَّبَقَةُ في اللُّغة: هم القومُ المُتَشَابِهونَ[43].

والطبقة في الاصطلاح: الطَّبقةُ قومٌ تقاربوا في السِّنِّ والإسنادِ، أو في الإسنادِ فقط بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو يُقاربوا شيوخه[44].

قال ابنُ الصَّلاح: والباحث النَّاظرُ في هذا الفنّ يحتاجُ إلى معرفة المواليد، والوفيات، وَمَن أخذوا عنهُ، وَمَن أخذ عنهم، ونحو ذلك[45].

ومن فوائده:

1- الأمنُ مِن تداخل المتشابهينَ في اسم، أو كنية، او نحو ذلك.

2- الاطلاع على التَّدليس، والوقوف على حقيقة المراد مِنَ العنعنة[46].

قال السَّخاويُّ: بين الطَّبقة والتَّاريخ عموم وخصوص وجهي فتجمعان في التَّعريف بالرُّواة، وينفردُ التَّاريخُ بالحوادثِ والطَّبقات بما إذا كان في البدريين مثلاً مَن تأخرت وفاته عَمّن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة.

وقد فرق بينهما المتأخرونَ بأنَّ التَّاريخ ينظر فيه بالذَّات إلى المواليد والوفيات، وبالعرض إلى الأحوال، والطَّبقات ينظر فيها بالذَّات إلى الأحوال وبالعرض إلى المواليد والوفيات، ولكن الأوَّل أشبه[47].

2- معرفة تواريخ[48]الرُّواة والوفيات: وهو التَّعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال في مولد الرُّواة والأئمةِ، من وفاةٍ، وصحَّةٍ، وعَقلٍ، وَبَدَنٍ، ورِحلَةٍ، وحَجٍ، وحِفظٍ، وَضبطٍ.. ويلتحق به ما يتَّفق من الحوادث والوقائع الجليلة...[49].

إن معرفة سني الوفيات لايستفاد منه معرفة كذب الرُّواة من صدقهم فقط بل له فوائد حديثية أخرى إذ: يتبين به ما في السند من انقطاعٍ، أو عَضلٍ، أو تدليسٍ، أو إرسال ظاهر أو خفيٍّ للوقوف به على أن الرَّاوي مثلاً لم يعاصر من روى عنه، أو عاصره ولكن لم يلقه لكونه في غير بلده وهو لم يرحل إليها مع كونه ليست له منه إجازة أو نحوها، وكون الراوي عن بعض المختلط سمع منه قبل اختلاطه، ونحو ذلك، ورُبَّما يتبين به التَّصحيف في الأنساب، وهو أيضاً أحد الطُّرق الَّتي يتميز بها النَّاسخ والمنسوخ... ورُبما يستدل به لضبط الرَّاوي حيث يقول في المَروي وهو أوَّل شئ سمعته منه، أو رأيته في يوم الخميس يفعل كذا، أو كان فلان آخر من روى عن فلان، أو سمعت من فلان قبل أن يحدّث ما حدَّث، أو قبل أن يختلط..[50].

3- معرفة روايةِ الأَكَابرِ عن الأَصَاغِرِ:

يُعتبرُ بيان رواية الرَّاوي عَمَّن دونَهُ في اللُّقي، أو السِّنِّ أو في المقدار، أحد فنون عِلمِ الرِّجال الَّتي عني بها العُلماءُ، ووَضعوا فيها المؤلَّفات[51].

وهو نَوعٌ مُهمٌ تدعو إليه الهممُ العليَّةُ، والأنْفُسُ الزَّكيَّةُ، ولذا قيلَ: لايكون الرَّجُلُ مُحدِّثاً حتَّى يأْخُذَ عَمَّن فَوقهُ، ومثلهُ، ودونه، وفائدةُ ضبطه الخوف مِن ظنِّ الانقلاب في السَّنَدِ مَعَ مافيه مِنَ العَمَل بقولهِ صلّى اللّه عليه وسلَّم: "أنْزلوا النَّاسَ منازلهم"[52]، ومِن الفائدة أيضاً: أن لايتوهم كون المَرْويّ عنه أكبر وأفضل مِنَ الرَّاوي، لكونه الأغلب[53]، والأصلُ فيه رواية النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم في خطبته حديث الجَسَّاسة عن تَميمٍ الدَّاريِّ[54].

وهو أقسام:

أحدُها: أن يكون الرَّاوي أكبر سِنّاً، وأقَدَمَ طبقةً مِنَ المَرْوِيِّ عنه، كرِوايةِ كُلٍّ مِنَ الزُّهريِّ،ويحيى بن سعيد الأنصاريِّ عن تلميذهما الإمام الجليل مالك بن أنسٍ في خلقٍ غيرهما مِمَّن روى عن مالك مِن شيوخه، بحيث أفردهم الرَّشيدُ العَطَّارُ في مُصَنَّف سَمَّاه: (الإعلامُ بِمَن حَدَّثَ عَن مالكِ بن أنسٍ مِن مشايخهِ السَّادة الأعلام)[55].

الثاني: أن يكون الرَّاوي أكبر قَدْراً – لا سِناًًّ - مِنَ المَرْويِّ عنهُ، أي أكبر وأعلم، كرواية مالك، وابن أبي ذِئبٍ عن شيخهما عبد الله بن دينار وأشباهه..[56].

الثالث: أن يكونَ الرَّاوي أكبر في السِّنِّ، والقَدْرِ مِنَ المَرْويِّ عَنْهُ، كرِوَاية كثيرٍ مِن العُلماءِ عن تَلامِذتِهِم، مثل رِواية عبدالغني بن سعيد الأزْدي المتوفَّى سنة (409هـ)، عن الخطيبِ البغداديّ، المتوفَّى سنة (463هـ)[57]، ورواية أحمد بن محمد بن غالب البَرْقَانيّ (ت425هـ)، عن الخطيب البغداديّ.

ولقد صَنَّفَ الإمامُ أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إبراهيم البغداديّ الورَّاق (ت403ﻫ) كتاب (مارواه الكبار عن الصِّغار، والآباء عن الأبناء)[58].

4- رواية الآباء عن الأبناء: وهو أن يوجد في سَنَدِ الحديثِ أبٌ يروي الحديث عن ابنه.

وأهمية معرفة هذا النَّوع: ضبطه الأمن مِن ظنّ التَّحريف النَّاشئ عن كَون الابن أباً. أو أن يُظنّ أنَّ في السَّنَدِ انقلاباً أو خطأً[59].

وللخطيب فيه كتاب (رواية الآباء عن الأبناء)، ومثاله: مارواهُ العباس، عن ابنه الفضل رضي اللَّهُ عنهما: "أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم جمع بينَ الصَّلاتين في المُزْدَلِفَة"[60].

وقد يجتمع في الإسناد مجموعة من الأنواعِ مثاله: مارويَ عن: مُعْتَمِر بن سليمانَ التَّيْمِيِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثتني أنتَ عَنِّي، عن أيوبَ، عن الحسنِ، قال: ويح كلمة رحمة.

وهذا ظريفٌ يجمعُ أنواعاً منها: رواية الآباء عن الأبناء، وعكسه، ورواية الأكابر عن الأصاغر، والمُدَبَّج[61]، ورواية التَّابعيّ، عن تابعهِ، وأنَّهُ حدَّثَ عن واحدٍ، عن نفسهِ، والتَّحديث بعد النّسيان.

قال النَّوويُّ: وهذا في غاية الحُسْنِ، ويبعدُ أن يوجد مجموع هذا في حديثٍ[62].

قال السَّخاويُّ: ويلتحقُ بهذا رواية المرء عن ابن بنته، وفي قصة الحبَّال مع عبدالغني أنَّهُ أرسل ابن بنته أبا الحسنِ ابن بقا إلى بعض الشيوخ بمصرَ في حديثٍ، فحدَّثهُ به، فقرأه عبدُالغني عن ابنِ بنتهِ، عن ذلك الشَّيخ[63].

وَمن ظريفه ما اجتمع فيه رواية الأبوين، عن الابنِ، كرواية أمِّ رُومانَ، عن ابنتها عائشة لحديثينِ، ورواية أبي بكرٍ الصِّديقِ عنها أيضاً لحديثينِ[64].

مِن فوائدِ معرفة المُدَبَّجِ، ورواية الأقران:

1- إنَّ معرفة المُدَبَّج ورواية الأقران، ترشدنا لمعرفة الأشكال المختلفة للأسانيد، والأنماط المتنوعة في رواية الحديث النَّبويِّ، وتفرعها وانتشارها.

2- رواية الأقران تزيل النِّقاب عن الخَطأ والوهم الذي قد يتطرَّق إلى بعضِ الرُّواة.

3- إنَّ رواية الأقران بعضهم من بعضٍ تدلُّ على روح  الأخوة والمحبَّة التي كانت تسود بين طبقات المُحَدِّثينَ في مختلف العصور.

4- ضبطُهُ الأمن من ظَنّ الزِّيادة