|
|
|
العلمانية وموقف الإسلام منها |
|
إعداد: |
|
الستاذ المشارك في كلية
الدعوة في الجامعة |
|
|
|
المقدّمــة |
|
الحمد
لله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وصلى الله وسلم على عبده
ورسوله محمد بن عبد
الله الذي تركنا على المحجة البيضاء
ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم وسلك
سبيلهم إلي يوم الدين. |
|
أما
بعــد: |
|
فإنه
لما كان المسلمون يجمعهم كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، وتجمعهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانوا أمة واحدة قوية وعزيزة ورائدة. |
|
ولكن
لما اتصلت هذه الأمة بالأمم الأخرى ذات الأنماط الحضارية المختلفة، فإن هذه
الأمة قد تأثرت بكيد أعدائها من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والملاحدة حتى
أصبح المتأثرون بفكر أولئك الأعداء أمة داخل الأمة الإسلامية. |
|
وما
لذلك من سبب سوى البعد عن منهج الله الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله
عليه وسلم هداية ونوراً وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور. |
|
وهذا
البحث المتواضع يتناول جانباً مهما وخطيراً من جوانب هذاالتيار الفكري الذي وفد
على الأمة الإسلامية واستهدف إبعادها عن عقيدتها وربطها بالفكر المهيمن في هذا
العصر البعيد عن هدي الله ومنهج رسوله - صلى الله عليه وسلم. |
|
وهذا
التيار الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو تيار "العلمانية" ذلك المصطلح
الغربي الذي يوحي ظاهره أن طريقة الحياة التي يدعو إليها تعتمد على العلم وتتخذه
سنداً لها ليخدع الناس بصواب الفكرة واستقامتها. حتى انطلى الأمر على بعض السذج
وأدعياء العلم فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره، وقد أوصلهم ذلك إلى البعد عن الدين
بعداً واضحاً. |
|
وإن
من أقوى الأدلة المشاهدة في الرد على العلمانيين هو ما تحقق من تطبيق الشريعة
الإسلامية في المملكة العربية السعودية في العصر الحديث من نجاح عظيم في شتى
المجالات. |
|
وقد
حاولت في هذا البحث إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع وسميته: "العلمانية
وموقف الإسلام منها". |
|
|
|
خطة البحث |
|
وقد
جعلت البحث في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة: |
|
وقد
اشتملت المقدمة على أهمية الموضوع والخطة ومنهجي في البحث. |
|
والفصل
الأول: في تعريف العلمانية ومفهومها، وفيه ثلاثة مباحث: |
|
المبحث
الأول: تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح. |
|
والمبحث
الثاني: التضليل والخداع في تسميتها. |
|
والمبحث
الثالث: مراحل العلمانية أو صورهــا. |
|
والفصل
الثاني: في أسباب ظهورها ونشأتها وآثارها في الغرب، وفيه مبحثان: |
|
المبحث
الأول: أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب، ويشتمل على ما يلي: |
|
أولاً:
طغيان رجال الكنيسة. |
|
ثانياً:
الصراع بين الكنيسة والعلم. |
|
ثالثاً:
الثورة الفرنسية. |
|
رابعاً:
نظرية التطـور. |
|
خامساً:
طبيعة التعاليم النصرانية. |
|
سادساً:
دور اليهود. |
|
المبحث
الثاني: آثار العلمانية في الغرب. |
|
والفصل
الثالث: الإسلام يتنافى مع العلمانيـة. |
|
والفصل
الرابع: في عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة عليه، وفيه
مبحثان: |
|
المبحث
الأول: عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي، ويشتمل على ما يلي: |
|
أولاً:
انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة. |
|
ثانياً:
الاستعمار الغربي والشرقي. |
|
ثالثاً:
الغزو الفكري. |
|
رابعاً:
المستشرقون. |
|
خامساً:المنصّرون. |
|
سادساً:
الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية. |
|
سابعاً:
تقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي. |
|
ثامناً:
البعثات إلى الخارج. |
|
المبحث
الثاني: في آثارها السيئة على العالم الإسلامي. |
|
والفصل
الخامس: في موقف الإسلام من العلمانية، وفيه ثلاثة مباحث: |
|
المبحث
الأول: حكم الإسلام من العلمانية. |
|
المبحث
الثـاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها. |
|
المبحث
الثالث: التطبيق العملي للإسلام. |
|
وأما
الخاتمـة فقد أوجزت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث. |
|
هذا
وقد عزوت الآيات الكريمة إلى السور مع ترقيمها،كما خرجت الأحاديث النبوية
الواردة في البحث، وشرحت معانـي الكلمات الغريبة، كما عزوت ما تناولته في البحث
إلى المصادر والمراجع التي رجعت إليها في هذاالشأن. |
|
هذا.
وأحبُّ أن أنبه بأن ما نقلته عن كتب في هذه السلسلة لا يعني موافقتي لأصحابها في
المنهج، وإنما كان ذلك لحاجة هذه الأبحاث لمثل تلك المراجع، والحكمة ضالة المؤمن
أنـى وجدها أخذها. |
|
وقد
ألحقت بهذا فهرساً للآيات الكريمة، وفهرساً للأحاديث والآثار، وقائمة بأسماء
المصادر والمراجع مرتبة حسب حروف الهجاء مبيناً اسم المؤلف والطبعة وتاريخ النشر
ما أمكن، وقائمة أخرى للموضوعات. |
|
وإنه
على الرغم مـن كثرة الكتابات عـن العلمانية إلا أنـي قد بذلت جهداً في إضافة
فوائد مهمة كعمد العلمانية وتفنيدها، وتوضيح آثارها، وبيان موقف الإسلام منها
على التفصيل، مبتعداً عن الاستطرادات المملة والاختصارات المخلة. |
|
وأسأل
الله جلت قدرته أن أكون قد وفقت فيما كتبت، وأن يتجاوز عن التقصير إنه ولي ذلك
والقادر عليه. |
|
والحمد
لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|
|
الفصل الأول |
|
المبحث الأول |
|
العلمانية
لغة: لم توجد لفظ العلمانية في معاجم اللغة العربية القديمة، وقد وردت في بعض
المعاجم الحديثة ومن ذلك: |
|
أ–
ما ورد في معجم المعلم البستاني: "العلماني: العامي الذي ليس
بإكليريكي"[1]. |
|
ب-
وفي المعجم العربي الحديث: "علماني: ما ليس كنسياً ولا دينياً"[2]. |
|
ج-
وفي المعجم الوسيط[3]
"العلماني نسبة إلى العَلم بمعنى العالم، وهو خلاف الديني أو
الكهنوتي"[4]. |
|
ولعل
المعنى الصحيح لترجمةكلمة "العلمانية"هى "اللادينية" أو
"الدنيوية"[5]وليس
المعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى ما لا صلة له بالدين، يتضح ذلك مما تورده
دوائر المعارف الأجنبية للكلمة: |
|
تقول
دائرة المعارف البريطانية: "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن
الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها"[6]. |
|
وتقول
دائرة المعارف الأمريكية: "الدنيوية هى: نظام أخلاقي أسس على مبادئ الأخلاق
الطبيعية ومستقل عن الديانات السماوية أو القوى الخارقة للطبيعة.."[7]. |
|
والتعبير
الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو فصل الدين عن الدولة. |
|
وهو
في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى
السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة[8]. |
|
والعلمانية
في الاصطلاح: |
|
هي
دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعنى في جانبها السياسي بالذات اللادينية
في الحكم، وهى اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم والمذهب العلمي[9]. |
|
ولاشك
أن كلمة العلمانية اصطلاح جاهلي غربي يشير إلى انتصار العلم على الكنيسة
النصرانية التي حاربت التطور باسم الدين[10]. |
|
ومن
هذا يتضح لنا أنه لا علاقة لكلمة العلمانية بالعلم، وإنما علاقتها قائمة بالدين
على أساس سلبي وهو نفي الدين عن مجالات الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية،
والفكرية... الخ. |
|
|
|
المبحث
الثاني:
التضليل والخداع
في تسميتها |
|
وقد
أدرك أعداء الإسلام أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بما
قرراه من
تشريع هما مصدر قوة المسلمين، وأنه لا أمل في القضاء على الإسلام والمسلمين
مادام المسلمون يطبقون إسلامهم تطبيقاً عملياً في كل حياتهم. |
|
ومن
هنا وضعوا أسلوبا جديداً لمقاومة الإسلام وهو: محاولة إبعاده
عن مجال
الحياة وإحلال القوانين الوضعية الغربية مكانه، ليصلوا بذلك إلى ما يريدون من
هدم العقيدة الإسلامية، وإخراج المسلمين من التوحيد إلى الشرك. |
|
وهذا
ما قصده أعداء الإسـلام حين نادوا في المجتمعات الإسلامية بفكرة إبعاد الإسلام
عن مجال التطبيق، والاستعاضة عنه بنظام الغرب وقوانينه. وهو ما عرف في التاريخ
"بالفصل بين الدين والدولة"[11]. |
|
وإمعاناً
في التضليل والخداع سماها الفكر الغربي "بالعلمانية" وهو اصطلاح يوحي
بأن لها صلة بالعلم حتى ينخدع الآخرون بصواب الفكرة واستقامتها، فمن الذي يقف في
وجه دعوة تقول للناس إن العلم أساسها وعمادها. |
|
ومن
هنا انطلى الأمرُ على بعض السذج وأدعياء العلم، فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره
دون أن ينتبهوا إلى حقيقته وأبعاده. |
|
والحق
أن الإسلام لا يصدُّ عن العلم والانتفاع به، ولكن أي علم هذا الذي يدعيه دعاة
العلمانية، ويزعمون أنه سندها وأساسها؟. إنه العلم الذي يكون بعيداً عن الدين أو
الفصل الكامل بين الدين والحياة. |
|
والعلمانية
بهذا المفهوم تعتبر في ميزان الإسلام مفهوماً جاهلياً؛ إذ تعني عزل الدين عن
شئون الحياة، وذلك أن الإسلام دين متكامل جاء لينظم الحياة بأوجه نشاطها ويوجه
الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإبعاد الدين عن الحياة وعن شئون
الدنيا، وعزله عن العقيدة والشريعة والاقتصاد والسياسة والتعليم والأسرة
والمجتمع وغيرها، إنما يعـني في الإسلام الكفر وحكم الجاهلية والصد عن سبيل
الله، وتعطيل حدوده. |
|
كما
أن اسم "العلمانية" يوحي بأن العلم والدين ضدان وإن الصراع قائم
بينهما، كما يوحي بأن الدين لا علاقة له بالدنيا، وأن التمسك به يعني التأخر
والرجعية والجهل، وهذا خطأ فاحش لأن الديـن - الذي هو الإسلام - هو دين العلم
والسعادة والتقدم، وهذا لا يخفى على الغربيين أنفسهم - فضلاً عن المسلمين - إن
الإسلام هو الذي فتح لهم آفاق العلم والاختراع والتقدم والحضارة. |
|
والسبب
الأول في تسمية هذا المذهب بالعلمانية، هو ما فعله رجال الكنيسة النصرانية الذين
وقفوا ضد التحضر والتقدم في الغرب زاعمين أن الدين يحرم العلم التجريبي
والاختراعات والاكتشافات الناتجة عنه[12]. |
|
|
|
المبحث
الثالث:
مراحل
العلمانية أو (صورها) |
|
ذهب
البعض إلى أن الفكر العلماني الأوروبي مرَّ بمرحلتين: |
|
المرحلـة
أو (الصورة) الأولى: |
|
مرحلة
العلمانية المعتدلة، وهي مرحلة القرنين السابع عشر والثامن عشر - وهى وإن اعتبر
الدين فيها أمراً شخصياً - لا شأن للدولة به إلا أن على الدولة - مع ذلك - أن
تحمي الكنيسة، وبالأخص في جباية ضرائبها. والتفكير العلماني في هذه المرحلة وإن
طالب بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة إلا أنه لم يسلب المسيحية كدين من كل
قيمة لها. وإن كان ينكر فيها بعض تعاليمها، ويطالب بإخضاع تعاليم المسيحية إلى
العقل، وإلى مبادئ الطبيعة مما نشأ عنه المذهب المعروف باسم مذهب الربوبيين، وهو
مذهب يعترف بوجود الله كأصل للعالم، ولكنه ينكر الإعجاز والوحي وتدخل الله في
العالم. |
|
ومن
دعاة هذه المرحلة: فولتير (1694-1713م) في فرنسا، وشفتسيري (1671-1713م) في إنجلترا،
وليسنج (1729-1781م) في ألمانيا، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1714م)،
وهوبز (1588-1679م)، وديكارت، وبيكون، وسبينوزا، وجان جاك روسو، وأضرابهم[13]. |
|
المرحلة
أو (الصورة) الثانية: |
|
وهي
مرحلة العهد المادي أو ما يسمى بالثورة العلمانية، وهى مرحلة القرن التاسع عشر
ومابعده، وعلمانية هذه المرحلة هى مرحلة إلغاء الدين - أي دين إلغاءً كلياً وعدم
الإيمان بالأمور الغيبية - وليس فصلاً بينه وبينه الدولة كما هو المفهوم في
المرحلة الأولى، واعتبار أن الموجود الحقيقي هو المحسوس فقط، والدافع عليها هو
الاستئثار بالسلطة، ولذلك كانت العلمانية غير مساوية لمفهوم الفصل بين الكنيسة
والدولة، بل كانت إلغاء للدين كمقدمة ضرورية إلى السلطة المنفردة التي هى سلطة
جماعة العمل أو المجتمع أو الدولة أو الحزب حسب تحديد بعض هؤلاء الشيوعيين
اليساريين. |
|
ومن
دعاة هذه المرحلة: هيجيل وفيرباخ وكارل ماركس وأضرابهم.[14] |
|
|
|
الفصل
الثاني:
أسباب ظهور العلمانية وآثارها في الغرب |
|
المبحث الأول |
|
ويشتمل
على ما يلي: |
|
أولاً:
طغيان رجال الكنيسة: |
|
لقد
عاشت أوروبا في القرون الوسطى فترة قاسية، تحت طغيان رجال الكنيسة وهيمنتهم،
وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم، وإرضاء شهواتهم، تحت
قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، ويهيمنون بها على الأمة الساذجة، ثم
اضطهادهم الشنيع لكل من يخالف أوامر أو تعليمات الكنيسة المبتدعة في الدين،
والتي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها
التجارب والمشاهد العلمية. |
|
وقد
شمل هيمنة الكنيسة النواحي الدينية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية، وفرضت
على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها على الإطلاق وسنعرض إلى
شيء من ذلك بإيجاز: |
|
أ
- الطغيان الديـني: |
|
1-
إنَّ الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا معبود بحق سواه، وإن
عيسـى عبد الله ورسـوله، قـد تـحول في عقيـدة النصـارى إلى إيـمان بالـه مثلث
يتجسد،أويحلُّ بالإنسان ذي ثلاثة أقانيم (الأب والابن ورح القدس). |
|
وذلك
أنه منذ مجمع نيقية سنة 325م والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع
صوره، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليث قهراً، وحرّمت ولعنت مخالفيها، بل سفكت
دماء من ظفرت به من الموحدين، وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال. |
|
وتتفق
المصادر على أن اليد الطولى في تحريف العقيدة النصرانية تعود إلى بولس
"شاؤل" اليهودي، وهـو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة مدعياً
أنه ابن الله[15]
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. |
|
2-
والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة، وهذه المبتدعات حمّلها
النصارى مفاهيم غيبية، وفسّروها بأن لها أسراراً مقدسة، وجعلوا لها طقوساً
تُمارس في مناسباتها، ويجب احترامها والتقيد بها. |
|
3-
والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية، ما أنزل الله بها من
سلطان، وهى تُحلّلُ وتُحرِّم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله، أو من سنة
رسوله عليه الصلاة والسلام[16]. |
|
ونصّبت
الكنيسة نفسها عن طريق المجامع المقدسة "إلهاً" يُحلُّ ويُحرِّمُ،
ينسخُ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي كائناً من
كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته؛ لأنه كافر ((مهرطق))[17]. |
|
وقد
كان الختان واجباً فأصبح حراماً، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت
التماثيل شركاً ووثنية فأصبحت تعبيراً عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالاً
فأصبح محظوراً، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكراً فأصبحت الضرائب الكنسية
فرضاً لازماً، وأمورٌ كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن
يكون لديها من الله سلطان، أو ترى في ذلك حرجاً. |
|
وأضافت
الكنيسة إلى عقيدة التثليث عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها ولكن لا
مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة[18]. |
|
بعض
شعائر المسيحية: |
|
ومن
شعائر المسيحية الحالية والتي هى خليط من وثنيات العالم القديم ما يلي: |
|
1-
التعميد:
وطريقته هى: رش الماء على الجبهة أو غمس أي جزء من الجسم في الماء،
ويكثر أن يغمس الشخص كله في الماء، ولابد أن يقوم بهذه العملية كاهن يعمد
الإنسان باسم الأب والابن وروح القدس، ولا يقوم غير الكهنة بالتعميد إلا
للضرورة، وحينئذ يسمى التعميد: "تعميد الضرورة"[19]. |
|
2- العشاء
الرباني:
ويرمز به إلى عشاء عيسى الأخير مع تلاميذه إذ اقتسم معهم الخبز
والنبيذ، والخبز يرمز إلى جسد المسيح الذي كُسِّرَ لنجاة البشرية، أما الخمر
فيرمز إلى دمه الذي سفك لهذا الغرض، ويُستعمل في العشاء الرباني قليل من الخبز
وقليل من الخمر لذكرى ما فُعل بالمسيح ليلة موته وكذلك ليكون هذا طعاماً روحياً
للمسيحيين، فمن أكل هذا الخبز وشرب هذا الخمر استحال الخبز إلى لحم المسيح والخمر
إلى دمه فيحصل امتزاج بين الآكل وبين المسيح وتعاليمه[20]
إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة. |
|
3-
تقديس الصليب وحمله:
إن تقديس الصليب عند المسيحيين سبق صلب المسيح نفسه، فقد
ورد عن المسيح قوله: "إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه
ويتبعني"[21]. |
|
ومعنى
حمل الصليب عندهم هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت في أبشع صورة، أي صلبا
على خشبة كما يفعل بالمجرمين والآثمين، وقويت فكرة تقديس الصليب بعد صلب عيسى
-على زعمهم- فأصبح أداة تذكر المسيحيين بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من
أجل البشر.
[22]وقولهم
هذا باطل، قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا
قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً
حَكِيماً}[23]. |
|
4-
عقيدة الخطيئة الموروثة:
وأساس هذا الموضوع عند المسيحيين أن من صفات الله العدل
والرحمة، وبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي
ارتكبها أبوهم، وطُرد بها من الجنة، واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها،
وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر، ولم يكن هناك من طريق
للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله ووحيده وقبوله في أن يظهر في شكل
إنسان، وأن يعيش كما يعيش الإنسان، ثم يصلب ظلماً ليكفّر عن خطيئة البشر[24]. |
|
وقد
ورد في العهد الجديد ما نصه: "وإن ابن الإنسان قد جاء ليخلص ما قد هلك،
فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفّر عن خطايا
العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته، إذ إن مقتضى
العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن
باقتراف العدل والرحمة وبتوسط الابن الوحيد، وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق، قرب
الناس من الرب بعد الابتعاد"[25]. |
|
فهذه
الأناجيل تذكر أن أهم الأغراض التي ظهر من أجلها المسيح ابن مريم أو المسيح ابن
الله - على زعمهم - هو أن يكفر بدمه
الخطيئة التي ارتكبها آدم - عليه السلام - والتي انتقلت بطريق الوراثة إلى جميع
نسله، وأنه صلب بالفعل، فحقق بذلك أهم غرض ظهر من أجله. |
|
والقرآن
يرد على هذه الفرية، ويبين أن آدم عليه السلام قد أناب إلى الله تعالى واستغفر
من خطيئته التي ارتكبها إذ أكل من الشجر فغفرها الله له، وأن الخطيئة لا يحمل
وزرَها غير مقترفها، قال تعالى:
{وَلا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[26]. |
|
وقال
تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ
فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[27]. |
|
وقال
عز وجل: {وَعَصَى
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}[28]. |
|
كما
أن الوزر لا يحمل تبعته إلا من اقترفه قال تعالى: {...
أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَأَنْ
لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى}[29]. |
|
وعززت
الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله؛ مثل: حق
الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها. |
|
صكوك
الغفران والحرمان: |
|
فأما
غفران الذنوب فقد أصبح بدعة عجيبة، وذلك أنه إذا أراد البابا أن يبني كنيسة أو يجمع
مالاً لشيءٍ ما؛ طبع صكوك الغفران ووزعها على أتباعه ليبيعوها للناس؛ كالذين
يبيعون أسهم الشركات. وبالصك فراغٌ تُرِكَ ليُكتب به اسم الذي سيغفر ذنبه،
والعجيب أن هذا الصك يَغفر لمشتريه ما تقدم من الذنوب وما تأخر، فهو بعبارة أخرى
إذن بارتكاب كل الجرائم بعد أن ضُمنت الجنة لهذا المحظوظ. |
|
الاعــتراف: |
|
ولم
تقف قضية غفران الذنوب عند هذه الصكوك، بل سرعان ما دخلها عنصر جديد فاضح ذلك ما
يسمى "الاعتراف" فكان على المذنب أن يعترف بذنبه، في خلوة مع قسيسه؛
ليستطيع هذا القسيس أن يغفر له ذنبه، وفي خلوات الاعتراف حدثت أشياء يقشعر له
الوجدان[30]. |
|
وأما
حق التحلة فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين وتتخلى عن الالتزام
بها متى اقتضت المصلحة - مصلحتها هى -ذلك[31]. |
|
حيــاة
الرهبنــة: |
|
قال
تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا
كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا
حَقَّ رِعَايَتِهَا}[32]. |
|
قال
ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند قوله
تعالى: {فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} "أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: |
|
أحدهما:
الابتداع في دين الله مالم يأمر به الله. |
|
والثـاني:
في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل"[33]. |
|
وتمارس
حياة الرهبنة داخل الأديرة بالانقطاع عن الحياة العامة، وبالامتناع عن الزواج
وتضم الراهبين والراهبات، وكأي حياة تنافي الفطرة وتلغيها، شهدت الأديرة أحط
ألوان الفسوق بما نمسك عنه. |
|
إلى
غير ذلك من العقائد والمبتدعات النصرانية التي فرضتها الكنيسة على أتباعها، وكل
هذه العقائد واضح بطلانها بحمد الله في العقيدة الإسلامية، وإنَّ ديناً من هذا
القبيل هو مقطوع الصلة بما أنزل الله تعالى من الحق، وغير صالح لأن يكون له
سلطان على العقول البشرية في عصور التنور الفكري، والتقدم الحضاري، وانتشار
العلوم والمعارف. |
|
ب-
الطغـيان المـالي: |
|
إن
المتأمل في الأناجيل - على الرغم من تحريفها - يجد أنها لم تنه عن شيء كنهيها عن
اقتناء الثروة والمال. |
|
جاء
في إنجيل متى: "لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم ولا مزوداً
للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا "[34]. |
|
وجاء
في إنجيل مرقص: "مرور جمـلٍ من ثقب إبرةٍ أيسر من أن يدخل غنيٌ إلى ملكوت
الله"[35]. |
|
وجاء
في إنجيل لوقا: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون،
الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضـل من اللباس، تأملوا الغربان، إنها لا تزرع
ولا تحصد، وليس لها مخـدع ولا مخزن، والله يقيتها، كم أنتم بالحرى أفضل من
الطيور"[36]. |
|
إلا
أن القرون التالية قد شهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين
واقعها العملي، حتى صار جمع المال والاستكثار من الثروات غاية لديهم، فتهالك
رجال الدين على جمع المال والإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات. |
|
ويمكن
إيجاز مظاهر الطغيان الكَنَسِيّ في هذا المجال فيمايلي: |
|
1-الأملاك الإقطاعية: |
|
يقول
ديورانت[37]:
"أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد
كان دير "فلدا" مثلاً يمتلك(15000) قصر صغير، وكان دير "سانت
جول" يملك (2000) من رقيق الأرض، كان "الكوين فيتور" أحد رجال
الدين سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء
الأساقفة والأديرة... وكانوا يقسمون يمين الولاء لغيرهم من الملاك الإقطاعيين
ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية... وهكذا أصبحت الكنيسة
جزءاً من النظام الإقطاعي. |
|
وكانت
أملاكها الزمنية: أي المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل
مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين ومصدراً للجدل
والعنف بين الأباطرة والبابوات"[38]. |
|
2-الأوقـاف: |
|
كانت
الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً للكنيسة،
بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب
الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض
الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي "ويكلف" - وهو من
أوائل المصلحين -: "إن الكنيسة تملك أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة
من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف واتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة
لا أتباع الله"[39]. |
|
3-العشـور: |
|
فرضت
الكنيسة على كل أتباعها ضريبة (العشور) وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على
عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب
الحرف غير الفلاحين ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئاً من ذلك فالشعب خاضع
تلقائياً لسطوتها
[40]. |
|
4-ضريبة
السنة الأولى: |
|
لم
تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع، وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم
والضرائب الأخرى، لاسيما في الحالات الاستثنائية؛ كالحروب الصليبية والمواسم
المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا حنا الثاني والعشرون جاء
ببدعة جديدة هى "ضريبة السنة الأولى" وهى مجموعة الدخل السنوي الأول
لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية تدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت
الكنيسة مورداً مالياً جديداً
[41]. |
|
5-الهبات
والعطايا: |
|
وكانت
الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات التي يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق
والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة. وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة
صكوك الغفران، إذ انهالت التبرعات على الكنيسة، وتضخمت ثروات رجال الدين تضخماً
كبيراً. |
|
هذا.
ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنيسية التي كانت تدرُّ الأموال الطائلة
على رجال الكنيسة؛ فمثلاً في سنة 1300م عقد مهرجان لليوبيل[42]
واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما بلغ من انهيال المال إلى خزائن البابوية
أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس[43]. |
|
6-
العمل المجاني "السخرة": |
|
لم
تقنع الكنيسة بامتلاك الإقطاعيات برقيقها وما يملكه بعض رجال الدين من آلاف
الأرقاء، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، ولاسيما
بناء الكنائس والأضرحة وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان
لمصلحتها مدة محدودة، هى في الغالب يَوْمٌ واحِدٌ في الأسبوع، ولا ينالون مقابل
ذلك جزاءً ولا شكورا[44]. |
|
وبهذا
يتبين لنا أن الانحراف والفساد الديني والاجتماعي قد وصل على يد الكنيسة
النصرانية ورجالها وتعاليمها المزيفـة إلى حد لم يعد يتحمله الناس ولا تطيقه
فطرة البشر، حيث شقيت أوروبا برجال الدين الدجالين، وبتسلطهم ونفوذهم باسم
الدين، وباسم الرب. |
|
ج-الطغـيان
السياسي: |
|
أما
الطغيان السياسي فقد بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية
والسياسية أوجها، حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلع
تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره، وأن يحرمهم من الدين، وأن يحرم شعوبهم الذين
يوالونهم، ولايستجيبون لأوامر الخلع البابوية. |
|
حتى
إن البابا "جريجوري" السابع خلع الإمبراطور الألماني "هنري"
الرابع وحرمه، وأحلَّ أتباعه والأمـراء من ولائهم له، وألبهم عليه، فعقد الأمراء
اجتماعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على مغفرة البابا فإنه سيفقد
عرشه إلى الأبد، فاضطر هذا الإمبراطور حفاظاً على عرشه أن يسعى لاسترضاء البابا
سنة (1077م) فاجتاز جبال الألب في شتاء بارد مسافراً إلى البابا الذي كان في
قلعته بمرتفعات "كانوسا" في "تسكانيا" وظل واقفاً في الثلح
في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان، متدثراً بالخيش، حافي القدمين،
عاري الرأس،يحمل عكازه مظهراً ندمه وتوبته، حتى ظفر بعفو البابا، وحصل على رضاه[45]. |
|
ثانياً:
الصراع بين الكنيسة والعلم: |
|
الصراع
بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن
لم تكن أعمقها على الإطلاق. |
|
وذلك
أن الكنيسة كانت هي صاحبة السلطة طوال القرون الوسطى في أوروبا حتى قامت النهضة
العلمية هناك. |
|
وفي
هذه الأثناء وقعت الحروب الصليبية بين المسلمين والأوروبيين،واستمرت طوال
القرنين الحادي عشر، والثاني عشر الميلادي،واحتك الصليبيون خلالها بالمسلمين
ووقفوا عن كثب على صفات الإسلام وروعته في جميع مجالات العلوم والفنون، في الأندلس
والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها، حيث كانت المدارس والجامعات المتعددة في كل
مكان في بلاد المسلمين، يؤمها طلاب العلم، ومنهم الأوروبيون الذين وفدوا يتعلمون
من الأساتذة المسلمين، وترجمت بعض الكتب إلى اللغة الإنجليزية. |
|
فلما عاد أولئك الأوروبيين الذين تأثروا بنور الإسلام وعرفوا أن الكنيسة ورجالها عملة مزيفة، ووسيلة للدجل والتحكم الظالم في عباد الله، أخذ هؤلاء يقاومون الكنيسة ودينها المزيف وأعلنوا كشوفاتهم العلمية والجغرافية، والعلوم الطبيعية التي تحرمها الكنيسة، وعند ذلك قامت قيامة من يُسمون لدى النصارى برجال الدين، واحتدم الصراع، ومكث قروناً بين رجال العلم ورجال الكنيسة، فأخذوا يُكفّرون ويقتلون ويحرقون ويشردون المكتشفين، وأنشأت الكنيسة محاكم للتفتيش لملاحقة حم |