طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مع الإمام أبي اسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

إعداد: د.شايع بن عبده بن شايع الأسمري

الأستاذ المساعد في كلية القرآن الكريم في الجامعة

 

 

خطبة البحث

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولُه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[2] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[3].

أما بعد: فإن علماء الأندلس لهم مكانةٌ عالية في تاريخ حضارة المسلمين؛ لما قدموه من بحوث قيِّمة في جميع المجالات - دينية ودنيوية - إلا أن هذه المكانة العالية أتت عليها أقدارُ الله تعالى التي لا رادّ لها، فكان مصير هذه الحضارة العالية، والأبحاث القيمة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول - وهو الأكثر الأعظم - قضى عليه الإفرنج عبدة الصليب وأبادوه، عند استيلائهم على بلاد الأندلس، وإخراج المسلمين منها.

والقسم الثاني: ادّعاه أولئك الأوغاد - النصارى - ونسبوه لأنفسهم، وزعموا أنهم أهل السبق فيه.

والقسم الثالث: بعضه لا زال مدفونا مخطوطا في مكتبات العالم - ولعله الأكثر من هذا القسم - وبعضه أُخرج لكنه لا زال بحاجة إلى دراسة لاستخراج درره ولآلئه، وتنبيه الدارسين عليها؛ علّهم يفيدون منها في حياتهم العملية.

ومؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي من غرر ذلك التراث القيم، وما خرج منها فهو لا يزال بحاجة إلى بيان العلوم التي احتوى عليها، وتوجيه الدارسين إلى الإفادة منها، خصوصا الأبحاث المتعلقة بعلوم القرآن الكريم وتفسيره، فإن مؤلفات هذا الإمام قد حوت على جملة مباركة طيبة، لكن لا يعرفها إلا القليل من الباحثين والدارسين، فجاء هذا البحث ليُعرّف ببعض أنواع علوم القرآن الكريم وتفسيره التي اشتملت عليها مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، والتي هي في حقيقتها قواعد وأصول عامة، تهدي الدارسين وترشدهم إلى الإفادة من أعظم كتاب أُنزل من عند الله تعالى.

وليوجه أنظار الباحثين والدارسين - من أهل القرآن وعلومه - إلى الاستفادة من مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى.

وهو في الوقت نفسه إشادة واعتراف بفضل الإمام أبي إسحاق الشاطبي على أهل القرآن الكريم وعلومه.

هذا وقد سميت هذا البحث "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره"[4].

والله تعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الباحثين والدارسين، وأن يزيد به الإمام أبا إسحاق الشاطبي رفعة ومكانة.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

1 - أهمية الموضوع، وسبب اختياره:

إن هذا الموضوع - "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره" له أهمية ويستحق الدراسة؛ لأسباب أشرت إلى بعضها - إجمالاً - في خطبة الكتاب، وأُفصّل أهمها فيما يلي:

1 - هذا الموضوع يتعلّق بإمام، معدود من المجدّدين في الإسلام بما قدم من أبحاث قيمة في موضوعها ومضمونها.

2 - هذه الدراسة هي الأولى من نوعها، إذ لا أعلم أنه كُتب حول الإمام أبي إسحاق الشاطبي فيما يتصل بعلوم القرآن الكريم وتفسيره[5].

3 - هذه الدراسة ستكون - بإذن الله تعالى - توجيها للباحثين والدارسين في تفسير القرآن الكريم وعلومه إلى الإفادة من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي؛ لأنّ كثيرًا من الباحثين والدارسين يعدونه من أهل الفقه وأصوله فحسب.

4 - هذه الدراسة جمعت طائفةً من أصول التفسير وقواعده، وجَعَلَتْها في متناول الباحثين، مع الإشارة إلى مواطنها من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي لمن أراد الدراسة والتوسع في تلك القواعد والأصول.

5 - تطرق أبو إسحاق الشاطبي إلى مباحث قيّمة لم يُسبق إليها سواء في أصول التفسير، أو في التفسير، فجاء هذا البحث ليوجه أنظار الدارسين إليها، ويعطيهم صورة صادقة عنها.

2 - خطة البحث:

يتكون هذا البحث من مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.

المقدمة: وتشمل:

1 - أهمية الموضوع، وسبب اختياره.

2 - خطة البحث.

3 - المنهج المتبع في إخراج البحث.

الفصل الأول: عن حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي ؛ويشمل - بإيجاز - ما يلي:

1 - اسم الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونسبه.

2 - مولد الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونشأته.

3 - بعض شيوخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

4 - بعض تلاميذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

5 - مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

6 - مقاومة الإمام أبي إسحاق الشاطبي للبدع والمبتدعة.

7 - ثناء العلماء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

8 - آثار الإمام أبي إسحاق الشاطبي العلمية.

9 - مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره.

10 - شعر الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

11 - وفاة الإمام أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى.

الفصل الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم (وفيه اثنا عشر مبحثا):

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي[6]في أسباب النزول.

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الأقوال المحكية في القرآن الكريم.

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في منهج القرآن الكريم في الترغيب والترهيب.

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن الكريم.

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير الإشاري للقرآن الكريم.

المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في قوله: إن المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً على المكي في الفهم وكذلك المكي بعضه مع بعض والمدني بعضه مع بعض.

المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أن تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال ويجتنب فيه الإفراط والتفريط

المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في بيان المقصود بالرأي المذموم والرأي الممدوح في تفسير القرآن الكريم.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في حكم ترجمة القرآن الكريم

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير العلمي للقرآن الكريم

المبحث الحادي عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الاختلاف

غير المؤثرة في تفسير القرآن الكريم.

المبحث الثاني عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في وجود المعرَّب في القرآن الكريم.

الفصل الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من تفسير القرآن الكريم (وفيه عشرة مباحث):

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالقرآن.

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالسنة.

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال التابعين وأتباعهم.

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في شيء من تعقيباته وآرائه في التفسير.

المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في نحو القرآن وبلاغته.

المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في ذكر القراءات وتوجيهها.

المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير آيات العقيدة.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أحكام القرآن الكريم.

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الإفادة من أصول الفقه في تفسير القرآن الكريم.

الخاتمة: أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث، والتوصيات.

3 - المنهج المتبع في إخراج البحث:

1 - تأمّلت في كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي، ودونت كثيرًا من المباحث التي رأيت أن لها صلة بعلوم القرآن الكريم وتفسيره.

2 - رتبت هذه المباحث على حسب الخطّة المذكورة في الفصلين:الثاني، والثالث.

3 - قابلت النصوص المنقولة على أصولها المطبوعة للتأكد من سلامة النقل.

4 - أشرت إلى الكلام المحذوف - أثناء النقل من النصوص - بوضع ثلاث نقاط، وفي هذه الحالة أطلب من القارئ مراجعة الكتاب المنقول منه بقولي: انظر، وأما إذا كان الكلام لم يُحذف منه شيء أشرت إلى المرجع بقولي: الموافقات - مثلاً - ثم أذكر الجزء والصفحة، وهذا في الغالب.

5 - نقلت من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي ما يوضِّح عنوان المبحث، وأحلت القارئ على باقي الكلام في الكتاب المنقول منه، وحرصت أن يكون الكلام المنقول هو الزبدة والخلاصة التي يستفيد منهما أهل التفسير وعلوم القرآن.

6 - كان لي بعض المداخلات والتعليقات على كثير من المباحث تجدها أحيانا في آخر المبحث - تحت عنوان بارز - وقد تكون في أثنائه، وقد تكون في أوله، وقد تكون في الحاشية.

7 - أشرت إلى اسم السورة، ورقم الآية، في كل الآيات المنقولة - في الأصل - وذلك في الحاشية.

8 - خرجت الأحاديث والآثار من مظانها، وحرصت أن أذكر كلام أهل العلم على الحديث (تصحيحا، وتحسينا، وتضعيفا) ما لم يكن في الصحيحين، أو أحدهما. وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فقمت بتخريجها، وإذا وجدت لأهل العلم عليها كلاما نقلته، وإن لم أجد حاولت إعطاء القارئ شيئا عن حال رجال إسنادها.

9 - شرحت الكلمات الغريبة، ولم أتوسع في ذلك.

10 - ترجمت لبعض الأعلام الذين رأيت أنهم يحتاجون لترجمة، ولم أتوسع في هذا الجانب خشية إثقال الحواشي.

11 - أشرت إلى أماكن بعض النقولات التي نقلها الإمام الشاطبي عن بعض العلماء، وقد أترك البعض، إذ ليس المقام مقام تحقيق فليزم توثيق كل نص من مرجعه، أضف إلى ذلك أنه قد ينقل عن علماء مشافهة، وقد ينقل من مؤلفات هي في عداد المفقود الآن.

12 - أشرت إلى المباحث التي استفادها بعض المفسرين المتأخرين من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي، وذلك في الحاشية.

13 - وثقت القراءات التي ذُكرت في أثناء المباحث من كتب القراءات المعتمدة، وبينت المتواتر منها والشاذ.

14 - لم أجيء بكل المباحث التي حوتها كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي - مما يتعلق بعلوم القرآن وتفسيره - وإنما جئت بما يعطي القارئ صورة جيدة عن القيمة العلمية، التي حوتها مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، من علوم القرآن الكريم وتفسيره.

15 - ذكرت بين يدي الفصلين الثاني والثالث تمهيدًا قصيرًا.

16 - ذكرت ترجمة موجزة للإمام أبي إسحاق الشاطبي، حرصت أن آتي فيها ببعض الجديد، مثل إظهار مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره، وغير ذلك مما لا تجده في الدراسات التي سبقتني.

17 - اعتمدت في نقل كلام الإمام أبي إسحاق من كتابه الموافقات على
النسخة التي حققها الشيخ مشهور بن حسن، وقد أرجع إلى النسخة التي حققها العلاّمة عبد الله دراز عند الحاجة.

18 - وضعت خاتمة لهذا البحث بينت فيها أهم النتائج التي ظهرت لي خلال المدة التي عشتها مع هذا البحث، مع إبداء بعض التوصيات التي أرجو أن يؤخذ بها.

19 - وضعت الفهارس اللاَّزمة للإفادة من هذا البحث، وهي على النحو التالي:

1 - فهرس آيات القرآن الكريم.

2 - فهرس الأحاديث الشريفة.

3 - فهرس الآثار.

4 - فهرس المصادر والمراجع.

5 - فهرس مواضع البحث.

هذه أهم الركائز التي اتبعتها في إخراج هذا البحث، وأرجو أن أكون قد وُفقت في ذلك.

هذا وقد اجتهدت في السلامة من الزلل، لكنني لا أشك في وقوعه، فأستغفر الله تعالى من ذلك.

وأرجو أن أكون قد أديت شيئا من حق الإمام أبي إسحاق الشاطبي على أهل القرآن الكريم بهذا البحث المتواضع، كما أرجو أن أكون قد أسديت شيئا لمكتبة التفسير وعلوم القرآن الكريم.

وكتبه: شايع بن عبده بن شايع الأسمري

 

الفصل الأول: عن حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي ويشمل - بإيجاز[7]- ما يلي:

1 - اسم الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونسبه: هو الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي[8]الغرناطي، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبي[9].

2 - مولد الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونشأته: لم تُسلط - كتب التراجم المعتمدة - الأضواء على مكان ولادته، ولا عن تاريخها، ولا عن كيفيّة نشأته.

إلا أن الذي يبدو - والله أعلم - أن أصله كان من مدينة شَاطِبَة[10]، وأنه ولد في مدينة غرناطة[11]، قبيل سنة 720هـ[12].

أما عن نشأته: فقد نشأ على حبّ العلم، ومتابعة الدرس منذ نعومة أظفاره، حدثنا هو بذلك في مقدمة كتابه الاعتصام، نقتطف من ذلك قوله: "لم أزل منذ فُتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في عقلياته، وشرعياته، وأصوله، وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت عن أنواعه نوعًا دون آخر حسبما اقتضاه الزمان والإمكان...[13].

3 - بعض شيوخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي: تتلمذ الإمام أبو إسحاق الشاطبي على جماعة من العلماء، ذكر منهم بعض المعاصرين أربعة وعشرين شيخًا[14]، أكتفي بذكر من ذكرهم العلامة أحمد بابا التنبكتي، حيث قال: "أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم الإمام المفتوح عليه في فنها ابن الفخار البيري[15].والإمام الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السبتي[16] والإمام المحقق أعلم أهل وقته الشريف أبو عبد الله التلمساني[17]... والإمام علاّمة وقته بإجماع أبو عبد الله المقري[18]... وقطب الدائرة... الإمام الشهير أبو سعيد ابن لب[19]، والإمام الجليل... ابن مرزوق الجد[20]، والعلاّمة المحقّق المدرس الأصولي أبو علي منصور بن محمد الزاوي[21]، والعالم المفسر المؤلف أبو عبد الله البلنسي[22]... والعلامة الرحلة الخطيب أبو جعفر الشقوري[23]... والعالم الحافظ الفقيه أبو العباس القباب[24]، والمفتي المحدّث أبو عبد الله الحفّار[25]، وغيرهم"[26].

4 - بعض تلاميذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي: قال أحمد بابا التنبكتي: "أخذ عنه جماعة من الأئمة كالإمامين العلامتين أبي يحيى بن عاصم الشهير[27]، وأخيه القاضي المؤلف أبي بكر بن عاصم[28]، والشيخ أبي عبد الله البياني[29]، وغيرهم"[30].

قلت: ومن هؤلاء الغير أبو عبد الله محمد بن محمد المجاري الأندلسي[31]، وأبو جعفر أحمد القصار الأندلسي الغرناطي[32]، وأبو الحسن علي بن سمعت، الذي أجازه الإمام الشاطبي إجازة عامة[33].

5 - مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي: هو مالكي المذهب، يدل على ذلك أن علماء المالكية أدخلوه في عداد طبقاتهم[34]، ولم ينازعهم في ذلك أحد من أهل المذاهب الفقهية الأخرى، ووصفه المعتنين بالتراجم عمومًا بأنه مالكي المذهب[35].

ومن الأدلة على هذه المسألة أن الإمام الشاطبي - نفسه - قد اعتنى بذكر أقوال الإمام مالك، وغيره من أئمة المذهب، يظهر ذلك جليا من خلال كتبه[36].

وهذا لا يعني أن الإمام الشاطبي مقلد أعمى متعصب، بل هو يعتمد في فتاواه على المأثور من نصوص الوحي، وأقوال أعلام المذهب المالكي، وإذا لم يظفر بشيء من ذلك في المسألة، يجتهد بانيا على مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية[37].

وأما مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي في العقيدة: فهو مذهب أهل السنة والجماعة، المبني على الكتاب والسنة، وذلك في الجملة؛ إذ أنه لم يسلم من الميل إلى رأي الأشاعرة في بعض الصفات - وفي غير الصفات -، فمن ذلك قوله: "والحب والبغض من الله تعالى، إما أن يراد بهما نفس الإنعام أو الانتقام، فيرجعان إلى صفات الأفعال على رأي من قال بذلك، وإما أن يراد بهما إرادة الإنعام والانتقام فيرجعان إلى صفات الذات؛ لأن نفس الحب والبغض المفهومين في كلام العرب حقيقة محالان على الله تعالى..."[38].

وقال: "... قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم}[39]، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [40]وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهيّة الواحد الحقّ، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادَّعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات الجهة البتة"[41].

وقال: "(فصل) وهل للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب خطاب العباد، لا بحسبه في نفسه ؟. فإن كلام الله في نفسه كلام واحد لا تعدّد فيه بوجه ولا باعتبار، حسبما يتبين في علم الكلام"[42].

فأنت ترى في المثال الأول أن الإمام الشاطبي أوّل الحب والبغض بإرادة الإنعام والانتقام، أو أنهما نفس الإنعام والانتقام.

وفي المثال الثاني يؤوّل صفة الفوقية الثابتة في النصوص لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.

وفي المثال الثالث يجعل كلام الله تعالى معنى قائما بالنفس، مجردًا عن الألفاظ والحروف.

ولا شك أن أبا إسحاق - غفر الله له - قد فاته الصواب في هذه الأمثلة الثلاثة.

6 - مقاومة الإمام أبي إسحاق الشاطبي للبدع والمبتدعة: أصيب العالم الإسلامي بعد القرون المفضّلة ببعض الانحراف عمّا كان عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكلما ابتعد آخر هذه الأمة عن أولها ازداد ظهور البدع، حتى كان عصر الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - فزادت هذه الحال سواء في شرق العالم الإسلامي، أم في غربه.

وكانت غرناطة - في عصر الإمام الشاطبي - مجمع فلول الهزائم، وملتقى آفات اجتماعية نشأ عنها انتشار بعض البدع التي أدت إلى ضعف المسلمين[43].

وكانت هذه الحال لا ترضي الإمام الشاطبي، وهو يعلم أنه مأمور بإنكار المنكر[44].

فقام في هذا الجانب خير قيام، وألف في ذلك كتابًا حافلاً نصر به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقمع به بدع المبتدعين[45].

وقد تحدث هو بنفسه عن بعض مما قام به في هذا الشأن فقال: "... لم أزل أتتبع البدع التي نبّه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منها، وبيَّن أنها ضلالة، وخروج عن الجادة، وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف بجملة منها؛ لعلي أجتنبها فيما استطعت، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات؛ لعلي أجلو بالعمل سناها، وأُعد يوم القيامة فيمن أحياها..."[46].

وأثنى عليه العلماء بذلك، فمن ذلك قول أحمد بابا التنبكتي: "... حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك، مع تثبت تام، منحرف عن كلّ ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل"[47].

هذا ولم يسلم الإمام الشاطبي من ألسنة المبتدعة أعداء السنة فنسبوا إليه ما لم يقل، واتهموه بأشياء هو برئ منها براءة ذئب يوسف عليه السلام.

وقد أشار إلى ذلك بعض من ترجم له، كما تقدم قريبا في كلام التنبكتي.

كما أشار هو إلى شيء من الابتلاء الذي أُصيب به في سبيل قول الحق ورد الباطل[48].

7 - ثناء العلماء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي: لم تسلط

الأضواء على حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي وفضائله - بما يستحق - وما ذلك - في نظري - إلاّ لأنه خالف مألوف المبتدعة فأحيا السنة وأمات البدعة، وإلاّ فما معنى أن يكتب المقَّري صاحب نفح الطيب صفحات وصفحات كلها إطراء وثناء عن الزنديق الحلولي ابن عربي[49]، فإذا جاء إلى الإمام الشاطبي يكتفي ببعض النقولات من كتبه[50]، ولا يجود علينا بشيء من حياته وإمامته.

ويكتفي آخر - عن الإمام الشاطبي - بقوله: "إبراهيم الشاطبي الغرناطي أبو إسحاق"[51].

ومع ذلك فلا تخلو هذه الأمة ممن يقول الحق فمن ذلك: قول تلميذه أبي عبد الله المجاري: "الشيخ الإمام العلامة الشهير، نسيج وحده، وفريد عصره، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي"[52].

وقال عنه أحمد بابا التنبكتي: "الإمام العلامة، المحقق القدوة، الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليا مفسرًا، فقيها محدثا، لغويا بيانيا، نظارًا ثبتا، ورعا صالحا زاهدًا، سنيا[53] إماما مطلقا، بحاثا مدققا جدليا، بارعا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتقنين الثقات..."[54].

وحسبك بشهادة هذين الإمامين الفاضلين، وإنما يعرف الفضل لأهله أهلُه.

وقد تابعهما في الثناء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي محمد مخلوف[55]وغيره من المتأخرين[56].

8 - آثار الإمام أبي إسحاق الشاطبي العلمية: ألف الإمام أبو إسحاق الشاطبي تآليف نفيسة في موضوعها ومضمونها "اشتملت على تحرير للقواعد، وتحقيقات لمهمات الفوائد"[57]نشير إليها فيما يلي:

1 - الموافقات: وهو كتاب معدود في أصول الفقه، وكان قد سماه "عنوان التعريف بأسرار التكليف"؛ لأجل ما أُودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفيّة[58].

لكن بعض شيوخ الشاطبي أخبره برؤيا جعلت الإمام الشاطبي يسمي هذا الكتاب باسم "الموافقات"[59].

وهو كتاب عظيم القدر جليل النفع، أثنى عليه المتقدمون من العلماء[60]، والمتأخرون[61]، وكُتبت حوله الدراسات العلمية[62]، واختصره بعض العلماء[63]، ونظمه بعض تلاميذ المؤلف[64]، وطبع أكثر من طبعة[65]، ولا تكاد تخلو منه مكتبة طالب علم.

2 - الاعتصام: وهو كتاب في غاية الإجادة[66]، تناول فيه الإمام أبو إسحاق الشاطبي موضوع البدع، وبحثها بحثا علميا، وسبرها بمعيار الأصول الشرعية، بحيث أن من جاء بعد الإمام أبي إسحاق الشاطبي فألف في رد البدع فهو عيال على كتاب الاعتصام[67]، والكتاب لم يتمه مؤلفه، وقد طبع عدّة طبعات