|
|
|
أبو تراب اللغوي وكتابه الاعتقاب |
|
الدكتورعبد
الرّزّاق بن فرّاج الصّاعديّ |
|
|
|
المقدّمة |
|
الحمد لله حقَّ حمده، والصّلاة والسّلام
على خير خلقه، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
أما بعد، فإنّ كثيراً من المتخصّصين في علوم العربية
لا يعرفون عن أبي تراب اللّغويّ أو عن كتابه "الاعتقاب" إلا الشيء
اليسير، وقد لا يعرفون عنه شيئاً؛ فهو من علماء اللّغة المغمورين على الرّغم من
تقدّمه وعنايته الفائقة باللّغة، وإعجاب معاصريه به، وتوثيقهم إيّاه، وتلقّيهم
كتابه الاعتقاب بالقبول والرّضا، وهو ككثير من علماء اللغة المغمورين الذين لم
يواتهم الحظ ، فقصّر في ترجمته المترجمون، وأهمله أكثرهم ، ولم يكن كتابه أوفر
حظاً منه فقد أتت عليه عوادي الزمان، فضاع فيما ضاع من تراث العربيّة. |
|
ولقد قيض الله لأبي تراب من أبقى ذكره؛ بترجمة مختصرة
نافعة، وحَفِظَ جلّ كتابه "الاعتقاب" بنقله نصوصاً كثيرة منه تُربي
[1]
على ثلثمائة نص، وهو الأزهريّ (370هـ) القائل في مقدمة معجمه الكبير "تهذيب
اللغة" بعد أن ذكر أبا تراب وكتابه "الاعتقاب": "وقد قرأت
كتابه فاستحسنته ، ولم أره مجازفاً فيما أودعه ، ولا مصحّفاً في الذي ألّفه، وما
وقع في كتابي لأبي تراب فهو من هذا الكتاب"
[2]. |
|
وقد عَرَضَتْ لي فكرة هذا البحث منذ سنوات مضت وهي
جمع نصوص كتاب "الاعتقاب" من كتاب التّهذيب وغيره، ودراسته من خلالها،
والترجمة لمؤلّفه أبي تراب ترجمة ضافية، فعرضت الفكرة على أستاذي الدّكتور محمّد
يعقوب تركستاني فاستحسنها، وحثّني على المضيّ في إتمامها ، ثمّ حالت دون البدء
فيه حوائل؛ منها ما وجدته في ترجمة أبي تراب من اضطراب في اسمه وغموض في حياته
العلميّة؛ فأرجأت الشروع في الكتابة إلى حين التّمكّن من جلاء ذلك الغموض، فبقيت
فكرة البحث كامنة في نفسي، تبرز كلّما قرأت كتاباً في التّراجم أو التّاريخ أو
التّراث اللّغويّ القديم، حتّى تمكّنت بحول الله وقوته في هذا العام 1421هـ من
كشف ذلك الغموض، وتصحيح الاضطراب، وجمع مادة الاعتقاب من مظانها الأصلية كـ
"التهذيب" للأزهريّ وباقي معاجم اللّغة كـ "الصحاح"
للجوهريّ، و "التكملة" و "العباب" للصّغاني
"اللّسان" لابن منظور ، فبلغت النّصوص الّتي جمعتها خمسة وسبعين
وثلثمائة نصّ لغويّ من نصوص كتاب الاعتقاب، بعد أن قرأت التّهذيب مرّتين ، وهي –
في الحقِّ – أضعاف ما كنت أطمح إليه، وأكثر النصوص هي من الاعتقاب بمعناه
الاصطلاحي؛ أي: الإبدال، وبعضها ليس من الإبدال، ولكنها من كتاب الاعتقاب لأبي
تراب، فليس بالإمكان حذفها أو تجاهلها، ولا يضير ذلك أبا تراب، ولا يعيب كتابه،
فهو كغيره من علمائنا القدامى ـ رضي الله عنهم ـ الذين يحرصون على الأشباه
والنظائر، وقد يخلطون شيئاً بشيء؛ لغزارة حفظهم، ونزوعهم إلى الاستفاضة في جمع
المادة، واتساعهم في مفهوم التأليف، فإن لم يكن ذلك من الإبدال فهو من اللغات،
والحَدُّ بين الإبدال واللغات دقيق، وبعضهم يتسع في هذا الأمر فيجعل كل كلمتين
متفقتين في الحروف إلا حرفاً واحداً ـ من الإبدال، مثل نَبَأَ ونَتَأَ، ولابِثٍ
ولابَنٍ وثاقِبٍ وناقَبٍ.[3] |
|
وقد جعلت البحث في قسمين رئيسين: |
|
القسم الأول: أبو تراب وكتاب الاعتقاب |
|
وفيه بابان وفصول؛ وهما كما يلي: |
|
الباب الأول: أبو تراب اللّغويّ |
|
الفصل الأول: سيرته الشخصية
|
|
الفصل الثاني: حياته العلمية |
|
الباب الثاني: كتاب الاعتقاب |
|
الفصل الأول: مادّة الكتاب ومنهجه |
|
الفصل الثاني: مصادره |
|
الفصل الثالث: شواهده |
|
الفصل الرابع: قيمته العلميّة وأثره |
|
القسم الثاني: نصوص من كتاب الاعتقاب ( جمع وترتيب ) |
|
وفيه أبواب كثيرة بحسب مواد الاعتقاب، وهي. |
|
أبواب اعتقاب الهمزة |
|
أبواب اعتقاب الباء |
|
أبواب اعتقاب التّاء |
|
أبواب اعتقاب الثّاء |
|
أبواب اعتقاب الجيم |
|
أبواب اعتقاب الحاء |
|
أبواب اعتقاب الخاء |
|
أبواب اعتقاب الدّال |
|
أبواب اعتقاب الذّال |
أبواب اعتقاب الرّاء
|
|
أبواب اعتقاب الزّاي |
|
أبواب اعتقاب السّين |
|
أبواب اعتقاب الشّين |
|
أبواب اعتقاب الصّاد |
|
أبواب اعتقاب الضّاد |
|
أبواب اعتقاب الطّاء |
|
أبواب اعتقاب الظّاء |
|
أبواب اعتقاب العين |
|
أبواب اعتقاب الغين |
|
أبواب اعتقاب الفاء |
|
أبواب اعتقاب القاف |
|
أبواب اعتقاب الكاف |
|
أبواب اعتقاب اللام |
|
أبواب اعتقاب الميم |
|
أبواب اعتقاب النّون |
|
أبواب اعتقاب الواو |
|
أبواب اعتقاب الياء |
|
باب الاعتقاب في حروف مختلفة |
|
باب الفوائد والنّوادر |
|
وقد التزمت - في هذا القسم المهمّ من البحث - نقل النّصوص
اللّغويّة كما هي في مظانّها الأصليّة، ووضع كلّ نصّ بين علامتي تنصيص، لتسهل
مراجعته، وأضفت إلى ذلك ترتيب أبواب الاعتقاب على حروف المعجم، وتركت تخريج
الشّواهد الشّعريّة؛ اكتفاء بورودها في مظانّها اللّغويّة القديمة، وعلى رأسها
"التّهذيب" ولأنّ ذلك ليس من هدفي في هذا البحث القائم على الجمع
والتّرتيب والدّراسة. ولأني لا أحقق كتاباً مخطوطاً، فنصوص الاعتقاب متداولة في
كتب مطبوعة. |
|
فأرجو أن يكون التّوفيق حليفي
في هذا الجهد المتواضع؛ لإخراج شيء من كتاب لغويّ مفقود، يعدّ من مصادر اللّغة،
الّتي استقت منها معاجم العربية مادتها اللّغويّة، وبخاصّة فيما يتّصل بالإبدال
اللّغويّ، وأرجو - أيضاً - أن أقدّم ترجمة علميّة مفيدة لأبي تراب مؤلّف هذا
الكتاب النّفيس. |
|
والله حسبي وهو نعم الوكيل. |
|
القسم الأوّل:أبو تُراب وكتابه |
|
الباب الأوّل:
أبو تراب اللّغويّ |
|
الفصل الأوّل: سيرته الشّخصيّة |
|
اسمه: |
|
ثمّة غموض واضطراب في اسم أبي تراب اللّغويّ
[4]،
فهو:إسحاق بن الفرج
أو محمد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أمّا كنيته فـ: "أبو تراب" ولا خلاف في
هذا. |
|
ويعدّ الأزهريّ ( ت 370هـ) من أقدم المصادر التي ترجمت
لأبي تراب في مقدّمة كتابة "تهذيب اللّغة" الّتي ترجم فيها لبعض
العلماء، وقد أسهمت نسخ هذا الكتاب المتناثرة في العراق وخراسان في ذلك الغموض
والاضطراب، فهو "محمّد بن الفرج" في المقدّمة في بعض النّسخ القديمة
الّتي اطّلع عليها ياقوت الحمويّ فيما نقل عنه الصّفديّ
[5]. |
|
وهو في بعضها: "أبو تراب الّذي ألّف كتاب
الاعتقاب" وهذا هو الّذي في الكتاب المطبوع المتداول[6]. |
|
ويشير إليه الأزهريّ فيما ينقله عنه من نصوص بثلاثة
طرق:بكنيته، فيقول: "أبو تراب"
[7] أو يقول: "ابن الفرج"
[8] أو باسمه، فيقول: "إسحاق بن الفرج"
[9]. |
|
ويلاحظ أنّ نسخ التّهذيب لا تتفق في اسمه دائماً،
فقد يكون في نصّ في بعض النّسخ: "أبو تراب"
[10] ، فيكون في النّصّ نفسه في نسخة أخرى: "ابن الفرج" أو
"إسحاق بن الفرج" وقد يكون عكس ذلك، أي: إذا قالت نسخة: "ابن
الفرج" قالت نسخة أخرى: "أبو تراب".[11] |
|
وسرى ذلك الاضطراب إلى "لسان العرب" لابن
منظور، فقد يكون النّصّ في "التّهذيب" منقولاً عن "أبي
تراب"، فنجده بنصّه في "اللّسان" ولكن عن "ابن الفرج"
ونجد العكس - أيضاً- أي أن ابن منظور قد يقول: "أبو تراب" في الموضع
الّذي يقول فيه الأزهريّ: "ابن الفرج" أو "إسحاق بن الفرج". |
|
ويمكن بيان ذلك من خلال المقابلة بين بعض النّصوص في
"التّهذيب" و "اللّسان" |
النّصّ في التّهذيب النّصّ نفسه
في اللّسان
|
|
1/186 "إسحاق بن الفرج" 8/271 "أبو
تراب" |
|
5/205 "أبو تراب" 14/172 "ابن
الفرج" |
|
6/397 "ابن الفرج" 9/19 "أبو
تراب" |
|
8/243 "ابن الفرج" 15/140 "أبو
تراب" |
|
8/325 "ابن الفرج" |
|
6/358 "أبو تراب" |
|
8/337 "ابن الفرج" |
|
1/484 "أبو تراب" |
|
8/373 "ابن الفرج" |
|
11/381 "أبو تراب" |
|
8/376 "ابن الفرج" |
|
10/204 "أبو تراب" |
|
8/393 "ابن الفرج" |
|
7/320 "أبو تراب" |
|
9/30 "ابن الفرج" |
|
9/96 "أبو تراب" |
|
10/552 "أبو تراب" |
|
3/266 "ابن الفرج" |
|
13/25 "أبو تراب" |
|
1/95 "ابن الفرج" |
|
14/70 "أبو تراب" |
|
13/160 "ابن الفرج" |
|
16/188 "ابن الفرج" |
|
8/450 "أبو تراب" |
|
وجاء اسمه في "الوافي" للصّفديّ على النّحو
التّالي: |
|
محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أبو تراب
اللّغويّ. |
|
وذكر الصّفديّ أنّ ياقوتاً نقل هذا الاسم من نسخة من
كتاب الاعتقاب ، بعد أن تنبّه لهذا الاضطراب؛ قال الصّفديّ في التّرجمة:
"محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ أبو تراب اللّغويّ. ذكره أبو
منصور الأزهريّ في مقدّمة كتابه، فقال: أبو تراب محمّد بن الفرج صاحب كتاب
الاعتقاب... |
|
قال ياقوت في "معجم الأدباء" كنت رأيت
نسخة بكتاب[12]
الأزهريّ ببغداد، وقد ذكر الأزهريّ أبا تراب فيها، وسمّاه محمّد بن الفرج، فلمّا
وردت إلى مرو وقفت على النّسخة التي بخطّ الأزهريّ، ولم أجد ذكر اسم أبي تراب في
المقدّمة، إنمّا ذكر كنيته فقال: أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب، ورأيته يقول في
ضمن كتابه: قال إسحاق بن الفرج، وكان هناك نسخة أخرى بكتاب
[13]
الأزهريّ لا توافق التي بخطّه ، وفيها زيادات ونقصان، وكنت أتأمّل ذلك القول
الّذي عزاه في كتابه الّذي بخطّه إلى إسحاق بن الفرج، وهو مذكور في النّسخة
الأخرى لأبي تراب، وكذا إذا وجدت في خطّه شيئاً قد عزاه إلى أبي تراب أراه في
تلك النّسخة قد عزاه إلى إسحاق بن الفرج، وطلبت نسخة بكتاب الاعتقاب لأصحّح اسمه
منها فوجدتها مترجمة لمحمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، وأنّا في حيرة من
هذا إلى أن يصحّ إن شاء الله تعالى، انتهى كلام ياقوت"
[14]. |
|
ونخرج من هذا النصّ النّفيس الذي أورده الصّفديّ
بجملة من الملحوظات ، منها: |
|
أ- قِدَم الغموض والاضطراب في
اسم أبي تراب، ووقوع ذلك في نسخ التّهذيب القديمة. |
|
ب- أنّ اسمه في المقدّمة من نسخة التّهذيب الّتي
بخطّ الأزهريّ: إسحاق بن الفرج، وفي نسخة بغداد: محمّد بن الفرج، وفي الكتاب
المطبوع الّذي بأيدينا: أبو تراب ، فحسب. |
|
جـ- أنّ اسمه في كتاب "الاعتقاب": محمّد بن
الفرج بن الوليد الشّعرانيّ ، وهذه أهمّ الملحوظات. |
|
د- حيرة ياقوت في ذلك الاضطراب، وهو من علماء
التّراجم الـمُدقّقين. |
|
هـ- أنّ هذا النصّ الـنّفيس ليس في "معجم
الأدباء" في طبعتيه؛ القديمة بعناية مرجليوث، والحديثة بتحقيق الدّكتور
إحسان عبّاس. |
|
ولهذا تعيّن أن أُحَرِّرَ هذا الاضطراب قدر
الاستطاعة باستقراء كامل النّصوص المعزوة لأبي تراب ،أو ابن الفرج، أو إسحاق بن
الفرج في "تهذيب اللّغة" ودراسة محتواها ومقابلة بعضها بما في
"اللّسان" لابن منظور، أو "التّكملة" للصّغانيّ؛ لأتبيّنَ
في النّهاية حقيقة هذه الأسماء؛ هل هي لرجل واحد، أو لرجال مختلفين؟ وقد فعلت
ذلك؛ فثبت عندي أنّ من يسميه الأزهريّ ابن الفرج هو من يسميه إسحاقَ بن الفرج؛
وهو من يسميه أبا تراب صاحب كتاب الاعتقاب ، فهو شخص واحد، وأوجز خلاصة ذلك فيما
يلي: |
|
1-
نقل الأزهريّ عن "أبي تراب" في نحو أربعين ومائتي نصّ[15]
ونقل عن "ابن الفرج" في نحو خمسة وثمانين نصاً
[16]،
ونقل عن إسحاق بن الفرج في نحو عشرين نصاً
[17]. |
|
وهذه النّصوص تتطابق في محتواها، فهي من نصوص
التّعاقب (الإبدال) وهي توافق عنوان الكتاب: "الاعتقاب"
[18]. |
|
2-
قد يقرن الأزهريّ بين اسمين من هذه الأسماء الثّلاثة بما يدلّ على أنّهما لشخصٍ
واحد، كقوله: "روى ابن الفرج أبو تراب عن خليفة الحصينيّ..."
[19]. |
|
وقوله في أوّل أحد النّصوص: "قال ابن
الفرج...." وقوله في آخره: "جاء به أبو تراب في باب الشّين والسّين
وتعاقبهما"
[20]. |
|
أو يقرن بين أحد هذه الأسماء واسم الكتاب، كقوله:
"رواه أبو تراب له في كتاب الاعتقاب"
[21]
وفي نسخة أخرى - كما في الهامش: "حكاه ابن الفرج له في كتاب الاعتقاب"
[22] |
|
3-
الإشارة إلى عناوين بعض الأبواب في كتاب "الاعتقاب" وورود ذلك مع
الأسماء الثّلاثة، كقول الأزهريّ فيما يلي: |
|
"روى
أبو تراب في باب الكاف والفاء"
[23] |
|
"قال
ابن الفرج في باب الميم والباء"
[24] |
|
"قال
إسحاق بن الفرج... جاء بهما في باب الكاف والجيم"[25] |
|
"وقد
طلبته في باب العين والحاء لأبي تراب فلم أجده"
[26] |
|
"ونظرت
في باب ما يعاقب من حرفي الصاد والطاء لابن الفرج، فلم أجده"
[27] |
|
"روى
ابن الفرج لابن الأعرابي في باب الصّاد والفاء"
[28] |
|
4-
اتفاق الرّواة الوارد ذكرهم مع الأسماء الثّلاثة، وهو ما يظهر جلياً في النّصوص
المثبتة في القسم الثّاني من هذا البحث، وأمثلة ذلك ممّا نقله الأزهريّ: |
|
أ- "قال أبو تراب: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول
....."
[29] |
|
"قال
ابن الفرج: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول...."
[30] |
|
"قال
إسحاق بن الفرج: سمعت شُجاعاً السّلميّ يقول...."[31] |
|
ب- "قال أبو تراب: سمعت أبا السَّمَيدع
يقول..."
[32] |
|
"روى
ابن الفرج عن أبي السَّمَيدع..."
[33].
|
|
"قال
إسحاق بن الفرج: سمعت أبا السَّمَيدع يقول..."
[34] |
|
جـ- "روى أبو تراب عن مُدْرِك
الجعفريّ..."
[35] |
|
"قال
ابن الفرج: سمعت مُدْرِكاً الجعفريّ يقول..."
[36] |
|
"قال
إسحاق بن الفرج ... وقال مُدْرِك الجعفريّ..."
[37] |
|
5-
يمكن أن يستدلّ - أيضاً - بتعاقب الأسماء الثّلاثة في نسخ التّهذيب الّذي أشرت
إليه فيما تقدّم، فقد يكون دليلاً على وحدة المسمّى، أي أنّها لشخص واحد، هو أبو
تراب. |
|
6-
اجتماع هذا الاسم في نصّ فريد في "معجم البلدان" لياقوت الحموي؛ منقول
ـ فيما يظهر لي ـ عن الأزهري في التهذيب؛ قال ياقوت في رسم ( عربة ): "قال
أبو تراب إسحاق بن الفرج: عَرَبة: باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن
إبراهيم ..."[38]
وهذا يوافق ما في التهذيب، ولكن الأزهري اختصر الاسم فقال: "قال
إسحاق بن الفرج ..."[39]
وقد يكون هذا الاختصار امتداد للاضطراب في اسم أبي تراب في التهذيب. |
|
ويبقى تعليل ذلك التّعاقب أو الاضطراب ، وهو عندي من
اجتهاد النّسّاخ، لاختلاف شهرة أبي تراب من بلد إلى بلد، فبعضهم يعرفه بأبي
تراب، ويعرفه بعضهم بإسحاق بن الفرج أو ابن الفرج، فأباح بعض النّسّاخ لنفسه
التّغيير وفق ما يراه هو، فاختلفت نسخ "التّهذيب"، وسرى الاختلاف من
خلال هذه النّسخ المتباينة إلى معاجم أخرى كـ "التّكملة" و
"العباب" للصّغانيّ و "لسان العرب" لابن منظور. |
|
ويدلّ على هذا التّفسير ما وقع في
"التّهذيب" من تغيير في أسماء بعض العلماء غير أبي تراب ، فقد يذكره
الأزهريّ باسم فيغيره النّاسخ باسم آخر من أسمائه، ومن ذلك ما وقع في اسم
"ثعلب" فهو يذكر تارة باسم "أحمد بن يحيى" فيُغيّر في
نسخة أخرى في النّصّ نفسه ويجعل: "أبو العبّاس"
[40]
ويذكر تارة بقوله "روى ثعلب" فيغير ويقال: "روى أبو
العبّاس"
[41]. |
|
ووقع التّغيير في اسم "الزّجّاج" فهو يرد
في بعض النسخ بقوله: "قال الزّجّاج" ويَرِدُ في بعضها في الموضع نفسه
بقوله: "قال أبو إسحاق" وهو واحد، وقد وقع مثل هذا كثيراً في الجزءين
السّابع والعاشر من "التّهذيب" تثبته فروقات النّسخ المثبتة في
الهوامش
[42]. |
|
ووقع التغيير في اسم الأزهري نفسه، فإذا قال في بعض
النسخ: "قلت" غَيَّرَهُ نَاسِخٌ في أخرى بقوله: "قال
الأزهريّ"
[43]
أو "قال أبو منصور"
[44]وقد
نجد العكس - أيضاً
[45]
. |
|
وبهذا يتبيّن أنّ تلك الأسماء
الثّلاثة "أبا تراب" و "ابن الفرج" و "إسحاق بن الفرج" التي نقل عنها الأزهريّ في "التّهذيب" هي لشخص واحد، هو مؤلّف كتاب "الاعتقاب": أبو تراب
إسحاق بن الفرج. |
|
وثمّة اسم آخر لهذا الرّجل غير هذه الثّلاثة، وهو
"محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ" وهذا ما انفرد به ياقوت
ونقله عنه الصّفديّ في "الوافي"
[46]ونقله
عن أحدهما أو عن غيرهما السّيوطيُّ في "بغية الوعاة"[47]. |
|
قال ياقوت فيما يرويه عنه الصّفديّ: "وطلبت
نسخة بكتاب الاعتقاب لأصحّح اسمه منها فوجدتها مترجمة لمحمّد بن الفرج بن الوليد
الشّعرانيّ ، وأنا في حيرة من هذا"
[48]. |
|
وإن صحّ ما نقله الصّفديّ فهو حجّة قويّة لأنّ الاسم
مأخوذ من كتاب مؤلّفه، وهو "الاعتقاب" ولكن يصعب الجزم بشيء؛ لأنّ هذا
النّصّ ليس في "معجم الأدباء" لياقوت في طبعتيه، وفيهما عناية فائقة
بإخراج النّصّ وتصحيحه ومقابلته على أصوله، وقد ورد اسمه فيهما بما يوافق ما في
طبعة التّهذيب؛ أي بقوله: "أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب"
[49]. |
|
ولعلّ ذلك النّصّ ممّا ضاع من كتاب "معجم
الأدباء" وهو غير قليل. |
|
ومهما يكن من أمر فلا تنافيَ بين الاسمين إلا في
الأوّل منهما؛ أي "محمّد" و "إسحاق" وقد يكون ذلك من تحريف
النّسّاخ أو من تغييراتهم الّتي أشرتُ إلى بعضها، وقد يكون لهذا الرّجل اسمان:
محمّد وإسحاق، وليس لدينا ما يُقْطَعُ به ، وإنمّا هي احتمالات. |
|
أما اسم جَدِّة وهو "الوليد" فتركُ ذكرِهِ
في الاسم الأوّل لا ينفيه في الاسم الثّاني لاقتصار الأوّل على الأب. |
|
أمّا اللّقب وهو "الشّعرانيّ" فهو نسبة
إلى "الشَّعْر" المرسل على الرّأس، وقد اشتهر به جماعة من العلماء ذكر
السّمعانيّ
[50]
بعضهم، ولا يمتنع أن يكون أبو تراب منهم. |
|
ويبدو أنّ أبا تراب لم يكن مشهوراً في العراق،
وربّما في خراسان - أيضاً - فلم يعرفه كثير من معاصريه في القرن الثّالث ومن جاء
بعدهم في القرن الرّابع . ويدلّ على هذا قول ابن فارس (395هـ) وهو ينقل عنه في
نصّ لغويّ من نصوص التّعاقب: "وذُكِرَ عن رجل يُقال له أبو تراب، ولا نعرفه
نحن: بَجَسْتُ الجرح مثل بططته"
[51]. |
|
ولهذا - أيضاً - ذكره صاحب "الفهرست"
[52]فيمن
لا تُعرف أسماؤهم وأخبارهم ولعلّ خمول ذكره ممّا يفسّر الغموض والاضطراب الّذي
تقدّم في اسمه. |
|
و في الختام يمكن أن نقول: إن اسمه يحتمل الوجهين
معاً، أو أحدهما، وهما: |
|
أبو تراب محمّد بن الفرج بن الوليد الشّعرانيّ، كما
في "الوافي". |
|
أو أبو تراب إسحاق بن الفرج ، كما يفهم ممّا جاء في
"التّهذيب". |
|
وبهذا الأخير جزم محقّق المستدرك على التّهذيب، وهو
الدّكتور رشيد العبيديّ، وقال: "ابن الفرج هو إسحاق بن الفرج، وهو أبو تراب
نفسه صاحب الاعتقاب في اللّغة، ولم يتنبّه محقّقو التّهذيب إلى هذا"
[53]. |
|
ورجّحه الدّكتور فؤاد سزكين في "تاريخ الترّاث
العربيّ"
[54]. |
|
مولده ووفاته: |
|
سكتت المصادر القليلة الّتي ترجمت
لأبي تراب اللّغويّ عن ذكر تاريخ مولده أو وفاته. والحقّ أنّنا لا نطمع في معرفة
ذلك مع هذا الغموض الّذي يلفّ اسمه وتاريخ حياته بعامّة، فليس لنا إلا التّقدير
بالاستعانة ببعض القرائن، كتاريخ وفيات بعض شيوخه وتلامذته، فقد روى أبو تراب عن
جماعة من العلماء وسمع منهم ، وكلّهم من علماء القرن الثّالث، أو ممّن أدرك
القرن الثّالث. |
|
ومن آخر من روى عنهم أبو تراب وفاة: |
|
محمّد بن زياد المعروف بابن الأعرابيّ ( ت 231هـ) |