|
|
|
زيادات القَطِيعي على مسند الإمام أحمد
برواية ابنه عبد الله |
|
دراسةً
وتخريجاً |
|
تأليف
الدكتور / دخيل بن صالح اللحيدان |
الأستاذ المساعد في قسم السنة وعلومها
|
|
كلية أصول
الدين بالرياض |
|
|
|
إنَّ الحمدَ للهِ نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له،
ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً
عبده ورسوله، أما بعد[1]: |
|
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة[2]. |
|
إن الله تعالى حفظ لهذه الأمة القرآن
الكريم الذي تناقلته الأجيال بالتواتر، وحفظ لها سنة نبيها محمد صلى الله عليه
وسلم بأن يسر لها صحابته الكرام رضوان الله عليهم، فحفظوها وفهموها وعملوا بها،
وسار على نهجهم من أتى بعدهم، وذبّوا عنها تحريف المتأولين، وشبهات المبطلين،
وغلط الواهمين. |
|
وقيض الله تعالى للسنة من الأئمة النقاد
الذين بينوا أحوال الرواة، وميزوا الصحيح من الضعيف حتى يكون المستدل بها على
بصيرة في استخراج الأحكام الشرعية منها، ومعرفة الحلال من الحرام، والخاص من
العام، والناسخ من المنسوخ ونحو ذلك. |
|
وقد عُني العلماء بتدوين الحديث في
المسانيد والسنن والجوامع والمصنفات، والمعاجم والمشيخات والأجزاء الحديثية
وغيرها من مصادر السنة التي نقلت بالأسانيد المتصلة، وضُبطت ألفاظها بالعرض
والمقابلة وإثبات السماع تأكيداً على حفظها من الزيادة والنقصان، مع تواتر العزو
إليها في كتب أهل العلم بما لا يجعل للشك فيها مجالاً. |
|
ومن أبرز ما عُني به أهل الحديث، زيادات
الرواة عن شيوخهم، حيث قد يضيف تلميذ المؤلف أو من دونه بعض مروياته عن شيوخه
بحيث تتميز بهم عن مرويات المؤلف. |
|
وكانت
هذه الزيادات واضحة عند متقدمي أهل الحديث لمعرفتهم بالشيوخ والطبقات، ولمّا
ضَعُفت الهمم فيمن أتى بعدهم أحتيج إلى معرفتها ودراستها والتنبيه إليها،
وإفرادها بالتأليف، وقد جاء هذا البحث في دراسة زيادات واحد من هؤلاء الرواة،
وهو: الإمام القَطِيعي، ليسهم في تعريف زيادات الرواة، واستنباط أنواعها، ومعرفة
درجتها، وضوابطها، وكان ذلك من أسباب اختيار هذا الموضوع، إضافة إلى تأكيد ما
يلي: |
|
1- منزلة فن زيادات رواة الكتب، وهو مما
يستدرك على من ألف في مصطلح الحديث. |
|
2- الحاجة إلى معرفة أصحاب الزيادات
ومروياتهم، ولا سيما أنهم –وإن
كانوا ثقاتاً في أنفسهم- إلا أنهم ليسوا من النقاد الجهابذة الذين ينتقون
مروياتهم، بل شأن أكثرهم العناية بأداء ما سمعوا -سواء أكان صحيحاً أم ضعيفاً-
بل قد تكون أكثر زيادات بعضهم موضوعة كالقطِيعي، حيث إنهم يرون براءة الذمة
بالإسناد، والعهدة على من رووا عنه من شيوخهم. |
|
3- أثر هذا الفن في تمييز زيادات رواة
الكتب من مرويات مؤلفيها، ولا سيما من كان معروفاً بالانتقاء حيث يؤدي خفاؤها
إلى الوهم في نسبة الزيادات - مع ضعفها- إليهم، وقد وهم العلامة الهيثمي – مع جلالة قدره – فعزى حديثاً إلى مسند الإمام أحمد،
وهو من زيادات القَطِيعي عليه[3]،
ومن هو دون الهيثمي من باب أولى، ويؤدي هذا إلى عدم الدقة في بيان مكانة
المصادر، كما قد ينسب أهل الأهواء الحديث الموضوع من هذه الزيادات إلى الأئمة
أنفسهم فتحصل الشبهة لمن لا علم له بها، وقد دحض شيخ الإسلام ابن تيمية شبهاتهم
في عدة مواضع من كتبه، ومنه قوله: "ليس هذا الحديث في مسند أحمد،
ولا رواه أحمد لا في المسند ولا في الفضائل... وإنما هو من زيادات القَطِيعي
التي فيها من الكذب الموضوع ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع " [4]. |
|
4-
تباين أراء أهل
العلم في زيادات القَطِيعي على مسند الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، فمنهم
النافي ومنهم المثبت ومنهم من يرى قلتها، ومنهم من يرى كثرتها، مما يدعو إلى
تحرير القول فيها، وبيان الصواب بالاستقراء والدراسة التفصيلية المبينة لعددها،
ومواضعها، وما يدل على أنها من زيادات القَطِيعي، مع الحكم عليها. |
|
ومن
الجدير بالذكر أن هذا البحث يعتبر –فيما
يُعلم- أول دراسة مفردة بزيادات القَطِيعي على المسند، وهو يتكون بعد المقدمة
السابقة من: |
|
من فصلين، وخاتمة، وفهارس، وبيانها على
النحو التالي: |
|
الفصل الأول: الدراسة، وفيه: |
|
المبحث
الأول: التعريف بعبد الله بن أحمد. |
|
المبحث
الثاني: التعريف بالقَطِيعي. |
|
المبحث
الثالث: التعريف بمسند الإمام أحمد. |
|
المبحث
الرابع: التعريف بزيادات الرواة. |
|
المبحث
الخامس: التعريف بزيادات القَطيعي. |
|
الفصل الثاني: تخريج زيادات القَطِيعي. |
|
الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث. |
|
الفهارس، وفيها: |
|
1-
فهرس المصادر
والمراجع. |
|
2-
فهرس الموضوعات. |
|
هذا وسميت هذا البحث: "زيادات
القَطِيعي على مسند الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، دراسة وتخريجاً "،
وأسأل الله تعالى أن ينفع به ويغفر لي ولوالدي ولذوي أرحامي ولجميع المسلمين،
والحمد لله رب العالمين. |
|
كتبه دخيل بن صالح اللحيدان |
|
الرياض: 7/3/1420هـ |
|
|
|
الفصل الأول: الدراسة. |
|
المبحث الأول: التعريف بعبد الله بن
أحمد[5]. |
|
أولاً: اسمه ونسبه ونسبته وتأريخ ولادته:
|
|
فهو: عبد
الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني البغدادي أبو عبد
الرحمن.
ولد سنة: 213هـ. |
|
ثانياً: شيوخه: تلقى عبد الله بن الإمام
أحمد عن شيوخ كثيرين، وفي مقدمتهم: والده –
ت 241هـ – ويحيى بن عَبْدَوَيْه –وهو أكبر شيخ
له – ت 231هـ –،
وأحمد بن جَنَاب المِصِّيصي – ت 230هـ-، وأحمد بن محمد بن أيوب –
ت 228هـ-، وإبراهيم بن الحجاج السامي – ت231هـ، ويحيى بن معين إمام الجرح والتعديل – ت 233هـ -، وخليفة بن خياط صاحب التأريخ والطبقات – ت 240هـ – وغيرهم، قال الحافظ أبو بكر: محمد بن
عبد الغني ابن نقطة –ت
629هـ - عنه: "حدث عن جماعة يزيدون على الأربعمائة جمعنا
أسماءهم في كتاب مفرد "
[6]. |
|
ثالثاً: تلاميذه، ومنهم: أحمد بن شعيب
النسائي صاحب السنن– ت 303هـ –،
وموسى ابن هارون الحمال – ت 294هـ -، وعبد الرحمن بن أبي حاتم – ت 327هـ -، وأحمد بن جعفر القطِيعي –ت368هـ-، وغيرهم. |
|
رابعاً: مكانته العلمية: عبد الله بن
الإمام أحمد: حافظ ثقة، ومحدث كبير، قال عنه الإمام أحمد: "إن
ابني قد وعى علماً كثيراً "[7]،
وقال عنه أيضاً: "إن ابني محظوظ من علم الحديث لا يكاد يذاكرني
إلا بما لا أحفظ"، وقال أبو بكر: أحمد بن علي الخطيب البغدادي –ت463هـ-عنه: "كان
ثقة ثبتاً فهماً "
[8]
وقال تلميذه أبو الحسين: أحمد بن محمد البغدادي الشهير بابن المُنادى – ت 336هـ - عنه: "ما زلنا نرى أكابر شيوخنا
يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث
في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك ". |
|
خامساً: مسموعاته من والده: سمع عبد
الله بن الإمام أحمد من والده غالب مروياته، وفي ذلك يقول تلميذه ابن المُنادى: "لم
يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه؛ لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفاً،
والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منها ثمانين ألفاً، والباقي وجادة،
وسمع الناسخ والمنسوخ، والتأريخ، وحديث شعبة، والمقدم والمؤخر في كتاب الله
تعالى، وجوابات القرآن، والمناسك الكبير والصغير، وغير ذلك من التصانيف " [10]. |
|
وقال عبد الله: "كل شيء
أقول: قال أبي، قد سمعته مرتين أو ثلاثة، وأقله مرة " [11]. |
|
وقال الطبراني: "حدثنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي قال: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة،
وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة: أولياء الله، وزهاد أهل
البدعة أعداء الله "
[12]. |
|
سادساً: وفاته: كانت وفاة عبد الله بن
الإمام أحمد في شهر جمادى الآخرة، سنة 290هـ، وله سبع وسبعون سنة كعمر أبيه،
ودفن في مقابر باب التِّبْن[13]
في بغداد، رحمة الله عليه[14]. |
|
|
|
المبحث الثاني: التعريف بالقَطِيعي: |
|
أولاً: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته: |
|
هو: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك بن
شعيب البغدادي القَطِيعي أبو بكر، واشتهر "بالقَطِيعي" و " بأبي
بكر ابن مالك"، وربما نسبه بعضهم إلى جده فقال: أحمد بن شبيب، وحمدان لقب
جده، واسمه: أحمد، قاله ابن الجوزي[15]
–ت 597هـ-. |
|
والقَطيعي: بفتح القاف، وكسر الطاء
وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين وفي آخرها العين المهملة، قاله الأمير
ابن ماكولا[16]
–ت475هـ – والسمعاني[17]
–ت562هـ-، وهي
نسبة إلى: قطيعة الدقيق مَحَلّة في أعلى غربي بغداد، سكنها فنسب إليها[18]. |
|
ثانياً: ولادته ونشأته: |
|
ولد القَطِيعي سنة
274هـ، قال أبو طالب: محمد بن الحسين بن أحمد بن بُكير–ت 436هـ -: "سمعت أبا بكر بن مالك يذكر أن مولده في يوم الاثنين لثلاث خلون من
المحرم سنة أربع وسبعين ومائتين، وقال: كانت والدتي بنت أخي ابن عبد الله الجصاص،
وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل يجيئنا فنقرأ عليه ما نريده، وكان يُقعدني في
حجره حتى يقال له: يؤلمك فيقول: إني أحبه "
[19]. |
|
وهو صاحب رحلة، قال عنه الذهبي –ت748هـ: "رحل
وكَتَب وخرَّج "
[20]،
وقال عنه ابن الجزري –ت833هـ-: "ارتحل إلى البصرة والموصل وواسط وكتب وجمع، مع الصدق والدّين
والخير والسنة "
[21]. |
|
ثالثاً: شيوخه: |
|
أخذ القَطِيعِي العلم عن عدد من
المحدثين والحفاظ[22]،
مثل الحافظ أبي إسحاق: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي البغدادي –ت 285هـ- صاحب
الإمام أحمد وكتاب غريب الحديث[23]،
والحافظ المسند أبي مسلم: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري الكَجِّ –ت 292هـ- صاحب
كتاب السنن[24]،
والإمام الحافظ أبي العباس: أحمد بن علي بن مسلم البغدادي الأبَّار–ت 290هـ- صاحب
التأريخ[25]،
والمقرئ الثقة أبي الحسن: إدريس بن عبد الكريم البغدادي الحداد–ت 292هـ-[26]،
والحافظ أبي يعقوب: إسحاق بن الحسن بن ميمون البغدادي الحربي من رواة الموطأ عن
القَعْنَبي –ت
284هـ[27]،
والحافظ أبي علي: بشر بن موسى بن صالح الأسدي البغدادي–
ت 288هـ –[28]،
والإمام الحافظ أبي بكر: جعفر بن محمد بن الحسن الفِرْيابي صاحب كتاب أحكام
العيدين، ودلائل النبوة وغيرهما –ت
301هـ-[29]،
والحافظ أبي عبد الرحمن: عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل الشيباني المروزي ثم
البغدادي– ت 290هـ-[30]،
والمسند أبي شعيب: عبد الله بن الحسن بن أحمد الحراني –
ت 295هـ-[31]،
والمسند الثقة أبي خليفة: الفضل بن الحباب بن محمد الجُمَحي – ت306هـ-[32]،
وأبي العباس: محمد بن يونس بن موسى الكُدَيمي القرشي البصري –ت 286هـ-[33]،
والإمام الحافظ الفقيه القاضي المقرئ أبي بكر: موسى بن إسحاق بن موسى الخطمي
الأنصاري - ت297هـ –[34]. |
|
رابعاً: تلاميذه[35]: |
|
لقد كانت للقَطِيعي منزلة جليلة في
عصره، ومما يدل على ذلك: عناية أئمة الحديث في وقته بالأخذ عنه، والسماع منه مثل:
الحافظ أبي نُعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني صاحب الحلية[36]– ت 430هـ-،
والمسند المعمر أبي الحسن: بُشْرى بن مَسِيس الفاتِني الرومي[37]
-ت 431هـ-، والإمام العلامة الفقيه أبي علي: الحسن بن شهاب بن الحسن العُكْبري–ت 428هـ-[38]،
والمحدث المسند أبي علي: الحسن بن علي بن محمد التميمي البغدادي المعروف بابن
المُذْهب–ت
444هـ-[39]،
والإمام المحدث الثقة أبي محمد: الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الشيرازي ثم
البغدادي الجوهري المُقَنَّعي – ت 454هـ- سمع من القَطِيعي سنة ثلاث
وستين وثلاث مئة قاله الذهبي[40]،
والحافظ أبي محمد: الحسن بن أبي طالب: محمد بن الحسن بن علي البغدادي الخلال – ت 439هـ-[41]،
والحافظ الناقد أبي علي: خلف بن محمد بن علي الواسطي صاحب كتاب: "أطراف
الصحيحين" –المتوفى
بُعيد الأربع مئة بيسير-[42]،
والحافظ الواعظ أبي القاسم: عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي
البغدادي صاحب الأمالي– ت 430هـ-[43]،
والمسند المقرئ أبي القاسم: عُبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري البغدادي
الصيرفي المعروف بابن السَّوَادي- ت 430هـ-[44]،
والواعظ المحدث أبي الفتح: عُبيد الله بن أبي حفص: عمر بن عثمان ابن شاهين
البغدادي –ت
440هـ-[45]،
والحافظ الناقد الجهبذ أبي الحسن: علي بن عمر بن أحمد الدارقطني البغدادي صاحب
كتاب: "السنن والعلل" –ت385هـ-[46]،
والفقيه الثقة أبي طالب: عمر بن إبراهيم بن سعيد الزهري الوقاصي –ت 434هـ-[47]،
والإمام الحافظ أبي الحسن: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رَزْق البغدادي
البزاز المعروف بابن رَزْقويه –ت412هـ-[48]،
والإمام الحافظ المحقق أبي الفتح: محمد بن أحمد بن محمد بن فارس ابن أبي الفوارس
البغدادي –ت
412هـ -[49]،
والمسند الصدوق أبي طالب: محمد بن الحسين بن أحمد بن بُكير–ت436هـ-[50]،
والفقيه المحدث القاضي أبي عمر: محمد بن الحسين بن محمد البَسْطامي –ت 408هـ-[51]،
والحافظ أبي عبد الله: محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري –ت405هـ- صاحب كتاب
المستدرك على الصحيحين[52]،
والمحدث الواعظ أبي طاهر: محمد بن علي بن محمد البغدادي المشهور بابن العَلاَّف – ت 442هـ-
[53]،
والمحدث أبي بكر: محمد بن المؤمل بن الصقر الوراق المعروف بغلام الأبهري –ت 434هـ-[54]. |
|
وآخر من حدث عنه: أبو محمد: الحسن بن
علي بن محمد الشيرازي الجوهري المُقَنَّعي، قال الذهبي عنه: "خاتمة
أصحابه " [55]،
وقال أيضاً: "كان آخر من روى في الدنيا عنه بالسماع والإذن " [56]،
وذكر أن سماعه منه كان سنة 368هـ
[57]. |
|
خامساً: مكانته العلمية: |
|
كان القَطِيعي محدثاً مكثراً من أسند
أهل زمانه، قال عنه تلميذه الدارقطني: "ثقة زاهد قديم سمعت أنه
مجاب الدعوة "
[58]،
وقال تلميذه أبو عبد الله الحاكم: "ثقة مأمون " [59]،
وقال تلميذه ابن المُذْهِب: "المحدث العالم المفيد الثقة " [60]،
وقال عنه تلميذه أبو بكر: أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني -ت425هـ- "ثقة " [61]،
وقال عنه الخطيب البغدادي[62]،والأمير
ابن ماكولا[63]،
والسمعاني[64]،
وابن كثير[65]،
وابن الجزري[66]: "كثير الحديث "، وزاد الأخيران: "ثقة ". |
|
وقد تُكلم فيه بسبب نسخه بعض كتبه من
غيرها بعد غرق كتبه قال تلميذه محمد بن أحمد بن أبي الفوارس: "له
في بعض المسند أصول فيها نظر، ذُكر أنه كتبها بعد الغرق " [67]،
وقال تلميذه أبو بكر البَرْقاني: "كان شيخاً صالحاً غرقت قطعة
من كتبه فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو
ثقة " [68]،
وقال أيضاً: "كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي
أنه صدوق لا يُشَك في سماعه، وإنما كان فيه بله فلما غرقت القَطِيعة بالماء
الأسود غرق كل شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه، ولما
اجتمعت مع الحاكم بن عبد الله بن البيع بنيسابور، ذكرت ابن مالك ولينته فأنكر
علي، وقال: ذاك شيخي وحسن حاله أو كما قال " [69]. |
|
وهذا الجرح محل تأمل؛ لأن الثقة لا
يُقدم على ذلك إلا إذا كانت هذه الكتب معارضة على كتبه، قال ابن الجوزي: "مثل
هذا لا يطعن به عليه؛ لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قُرئت عليه، وعورض بها
أصله " [70]،
وقال ابن كثير: "هذا ليس بشيء؛ لأنها قد تكون معارضة على كتبه
التي غرقت " [71]،
ويؤكد ذلك ما تقدم من توثيق الأئمة له، ثم إنهم على شدة تحريهم لم يمتنعوا من
الرواية عنه بسبب ذلك، ولا سيما أن فيهم الحافظ الناقد الدارقطني، ولهذا يقول
الخطيب البغدادي: "لم نر أحداً امتنع من الرواية عنه، ولا ترك
الاحتجاج به "
[72]،
ويقول ابن الجوزي: "قد روى عنه الأئمة: الدارقطني وابن شاهين والبَرْقاني،
وأبو نُعيم والحاكم، ولم يُمْتَنع من الرواية عنه، ولا تُرِك الاحتجاج به " [73]،
ويقول ابن كثير: "لم يمتنع أحد من الرواية عنه ولا التفتوا إلى
ما طعن عليه بعضهم وتكلم فيه "
[74]. |
|
وتُكلم فيه أيضاً بسبب اختلاطه، قال
أحمد بن أحمد القَصْري: "قال لي ابن اللبان الفَرَضي: لا تذهبوا
إلى القَطِيعي، قد ضعف واختل، وقد منعت ابني من السماع منه " [75]،
ويروي عن أبي الحسن: محمد بن العباس بن أحمد بن الفرات البغدادي -ت 384هـ – أنه
قال: "خلط في آخر عمره، وكف بعده وخرف، حتى كان لا يعرف شيئاً
مما يُقرأ عليه"[76]،
وقال أبو عمرو ابن الصلاح: "اختل في آخر عمره وخَرِف حتى لا
يعرف شيئاً مما يُقرأ عليه "
[77]،
ويرى الإمام الذهبي أن تغير ه كان قليلاً[78]،
وتعقب ابن الصلاح على كلامه السابق فقال: "هذا القول غلو وإسراف،
وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه "
[79]،
وكلام الذهبي محل تأمل؛ لأن ابن الصلاح مؤيد بمن سبق، وبذلك أجاب ابن حجر، وذكر
أن سماع ابن المُذْهِب منه كان قبل اختلاطه[80]. |
|
والذي يترجح أنه: ثقة مسند مكثر زاهد
تغير بأخرة. |
|
هذا ما يتعلق بحاله، أما عن مروياته
فالذي يظهر أنه لم يكن من الأئمة النقاد الذين يعنون بالانتقاء، ويعرفون أحوال
الرواة
[81]،
ولعله ممن يرى براءة الذمة بمجرد الإسناد، وقد اشتهر ذلك أيضاً عن فريق من
متقدمي أهل الحديث؛ لأنهم يرون أن من أسند أحال إلى مَلِئِ، قال الحافظ ابن حجر: "أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرَّا
إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته " [82]،
ويقول الذهبي عنه: "لم يكن القَطِيعي من فرسان الحديث، ولا
مجوداً بل أدى ما تحمله إن سَلِم من أوهام في بعض الأسانيد والمتون " [83]. |
|
سادساً: آثاره ومؤلفاته: |
|
يُعتبر القَطِيعي من مكثري الرواية ولا
سيما عن عبد الله بن الإمام أحمد – كما تقدم-، وقد سمع من عبد الله بن
الإمام أحمد: المسند، وذكر ابن نقطة أنه فاته على عبد الله بن أحمد خمسة أوراق
من مسند عبد الله بن مسعود، فرواها عنه بالإجازة، وهي من أوله[84]. |
|
وسمع منه أيضاً: الزهد، والفضائل،
والتأريخ، والمسائل وغير ذلك، قاله الخطيب البغدادي[85]. |
|
ومن مروياته أيضاً كتاب: "النهي
عن اللقب " لشيخه أبي إسحاق: إبراهيم الحربي[86]،وحديث
أبي عاصم: الضحاك بن مَخْلد النبيل لأبي مسلم: إبراهيم بن عبد الله الكَجِّي[87].
|
|
وأما مؤلفاته فمنها: |
|
أ - الفوائد المنتقاة والأفراد والغرائب
الحسان[88]،
وتسمى أيضاً القطيعات الخمسة
[89]،
وخامسها هو جزء الألف دينار
[90]. |
|
سابعاً: وفاته: |
|
توفي القَطِيعي في ذي الحجة سنة 368هـ
ببغداد، ودفن في مقابر باب حرب قريباً من قبر الإمام أحمد
[93]،
رحمة الله عليهما. |
|
|
|
المبحث الثالث: التعريف بمسند الإمام
أحمد: |
|
المسند، هو: الكتاب الذي روى مؤلفه فيه
أحاديث كل صحابي على حدة، قال الخطيب البغدادي: "منهم من يختار
تخريجها على المسند، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض " [94]. |
|
وقد بدأت عناية أهل العلم بتأليف
المسانيد في أوائل عصر تدوين السنة في أواخر القرن الثاني الهجري[95]،
وكانت بداية تأليف الإمام أحمد لمسنده بعد عودته من رحلته إلى الإمام عبد الرزاق
الصنعاني في اليمن -ت211هـ- قاله ابنه عبد الله[96]. |
|
ويشتمل المسند على ثمانية عشر مسنداً
قاله أبو المحاسن: محمد بن علي الحسيني–ت 765هـ-[97]،
وابن حجر
[98]،
وقد ذكر محمد بن جابر الوادي آشي – ت 749هـ- أنها ستة عشر[99]،
وهو محمول على أنه أضاف بعضها إلى بعض قاله ابن حجر
[100]. |
|
وهذا العدد إنما هو للمسانيد الرئيسة
بحيث يندرج تحت بعضها عدد من المسانيد التفصيلية كمسند: "بني
هاشم " و"الأنصار"، وأما عدد
مسانيده تفصيلاً فهو: (1056) مسنداً، بحسب ما أورده الحافظ أبو القاسم: علي بن
الحسين بن هبة الله بن عساكر - ت 579هـ-، في كتابه "ترتيب أسماء
الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد حنبل في المسند "
[101]. |
|
وعدد أحاديثه ثلاثون ألفاً قاله ابن
المُنادى[102]،
وهذا باطراح المكرر وزيادات ابنه عبد الله؛ لأنه معها يصل إلى أربعين ألفاً، قال
ابن عساكر: "يبلغ عدد أحاديثه ثلاثين ألفاً سوى المعاد وغير ما
ألحق به ابنه عبد الله من عالي الإسناد " [103]،
وقال الحسيني: "وجملة أحاديثه أربعون ألفاً بالمكرر مما رواه عنه ابنه الحافظ أبو عبد الرحمن: عبد
الله، وفيه من زياداته "
[104]. |
|
وقد توفي الإمام أحمد قبل إتمام تنقيحه، وهذا ما يفسر وجود التكرار والتداخل في مسانيده الرئيسة، فقد قال ابن عساكر: "خُلط فيه بين أحاديث الشاميين والمدنيين... بل قد امتزج في بعضه أحاديث الرجال بأحاديث النسوان... وكثر فيه تكرار الحديث المعاد المروي بعينه بالمتن والإسناد… ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله رحمه الله، فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نراه توفي قبل تهذيبه... وترتيبه " [105] |