|
|
|
|
الوجيز في تجويد الكتاب العزيز |
|
تأليف: الدكتور محمد بن سيدي محمد الأمين |
|
الأستاذ المشارك بكلية القرآن الكريم |
|
|
|
|
|
من لم يجود القرآن آثم |
والأخذ بالتجويد حتم لازم |
|
وهكذا منه إلينا وصلا |
لأنه به الإله أنـزلا |
|
وزينة الأداء والقراءة |
وهو أيضاً حلية التلاوة |
|
محمد بن محمد بن محمد الجزري |
|
المقدمة |
|
|
الحمد لله الذي أنـزل على عبده الكتاب مرتلاً، ووعد من قرأه على كل حرف منه عشر حسنات إحساناً منه وتفضلاً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
فإني متناول بالبحث والدرس إن شاء الله تعالى
جانباً من جوانب الكتاب العزيز تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل حتى وصل إليناً
محاطاً بالرعاية والإتقان معلوم القواعد بالتحديد مقرب الموارد بالتمهيد إنه
«الأخذ بالتجويد» |
|
|
|
|
|
فلما ضعفت الهمم وتباعد الناس عن أخذ كتاب ربهم من
أفواه الشيوخ الضابطين ظهر دعاة الفصل بين القرآن وتجويده. |
|
|
ونادى فريق بتجريد القرآن من رسمه وضبطه، بل إن
واقع الأمة اليوم منذر بتركه وهجره. |
|
|
وأمام هذه التحديات والتعديات التي أثارت البلبلة
في أذهان أهل العلم بله الناشئة. |
|
|
كان لا بدّ من وقفة يُجْلى فيها الحق وتُبْرأ فيها
الذمة، ويعود فيها أهل القرآن إلى تجويد كتاب ربهم بعزيمة وهمة. |
|
|
وهذا ما سأحاول الوصول إليه من خلال كتابة هذا
البحث بعد القراءة الطويلة في هذا الموضوع وجمع مادته من كتب شتى. ويمتاز هذا
البحث عن نظائره بما سيلحظه القارئ من حضورٍ لأئمة الإقراء أصحاب الأسانيد
العالية، فمن كتبهم أستمد مادتي، وبأقوالهم أقوّي حُجّتي، وعلى الله أولاً
وآخراً اعتمادي وعُدّتي. |
|
|
عليك اعتمادي ضارعاً متوكلا [1] |
فيا رب أنت الله حسبي وعدتي |
|
{ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [2] |
|
|
واقتضى العمل في هذا البحث أن تأتي خطته على ما يأتي
: |
|
|
مقدمة وستة مباحث وخاتمة. |
|
|
المبحث الأول : تعريف التجويد لغة واصطلاحاً. |
|
|
المبحث الثاني : نشأة التجويد. |
|
|
المبحث الثالث : عناية الأمة بالأخذ بالتجويد. |
|
|
المبحث الرابع : كيف يتلقى القرآن. |
|
|
المبحث الخامس : حكم الأخذ بالتجويد. |
|
|
المبحث السادس : اللحن في القراءة. |
|
|
الخاتمة. |
|
|
المبحث الأول:تعريف التجويد لغة واصطلاحاً |
|
|
تعريفه لغة : |
|
|
يقال : جاد الشيء جُودة أي صار جيداً، وأجدت الشيء
فجاد، والتجويد مثله[3]. |
|
|
المقدمة : وفيها لمحة عن اهتمام السلف بالتجويد
والسبب الباعث على تأليف هذا البحث. |
|
|
فالتجويد: مصدر من جوّد تجويداً إذا أتى بالقراءة
مجودة الألفاظ، بريئة من الجور في النطق بها. |
|
|
ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه وبلوغ النهاية في تحسينه، ولهذا يقال جوّد فلان في كذا إذا فعل ذلك جيداً، والاسم منه الجودة ضد الرداءة. [4] |
|
|
ويقال لقارئ القرآن الكريم المحسّن تلاوته (مجوِّد)
بكسر الواو إذا أتى بالقراءة مجوَّدة الألفاظ، بريئة من الجور والتحريف حال
النطق بها[5]. |
|
|
وفي الاصطلاح : |
|
|
هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد
الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وشكله، وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على
حال صيغته وكمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف. |
|
|
وهو حلية التلاوة وزينة القراءة. [6] |
|
|
ويقول الهذلي[7] في كامله : فأما تجويد الحروف فمعرفة ألفاظها وقراءتها، وأصولها وفروعها وحدودها وحقوقها وقطعها ووصلها، ومدّها وحدرها وتحقيقها وترسيلها وترتيلها، ومذاهب القراء فيها، وهو حلية التلاوة وزينة القراءة. [8] |
|
| وعَرَّفه المتأخرون فقالوا : هو إخراج كل حرف من مخرجه وإعطاؤه حقه ومستحقه من الصفات. [9] | |
|
المبحث الثاني:نشأة التجويد |
|
|
نشأ التجويد على وجه التحديد منذ الوهلة الأولى التي نـزل فيها القرآن الكريم على قلب سيد الأولين والآخرين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ علم عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.[10] |
|
|
هذه الآيات قرأها جبريل على رسول الله صلى الله
عليه وسلم مرتلة، فحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الكيفية التي
تلقاها بها وأداها كما سمعها. |
|
|
يشهد لذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل عليه السلام ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم يرتله ترتيلاً). [11] |
|
|
فقوله : يرتله ترتيلاً هذا اللفظ يحتمل كل ما يرد
فيه من معان فيحتمل نـزوله على مكث وتمهل، ويحتمل بيان حروفه وحركاته، وإعطاء كل
حرف منه حقه ومستحقه. |
|
|
ولقائل أن يقول: إذا كان القرآن نـزل بادئ ذي بدء
مرتلاً مجوداً وقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم كما أنـزل فما معنى أمر الله
لرسوله بالترتيل في آية المزمل {وَرَتِّلِ
الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}[12]
وهي متأخرة النزول عن آيات سورة العلق السابقة. |
|
|
ويجاب عن ذلك بأن الخطاب وإن كان
له صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد أمته فهم مطالبون بترتيل وتجويد ما نـزل
إليهم من ربهم. |
|
|
ولذلك نظائر كثيرة في كتاب الله من توجيه الخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم
والمراد أمته، من ذلك قوله تعالى : {لاَ تَجْعَلْ
مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً}[13].
فمعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يجعل مع الله إلاهاً آخر ولا يقعد مذموماً
مخذولاً. |
|
|
ومن ذلك قوله تعالى: {إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}[14]،
ومعلوم أن والديه صلى الله عليه وسلم قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل فلا وجه لاشتراط
بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره
صلى الله عليه وسلم[15].
ومثل ذلك كثير. |
|
|
فآية المزمل إنما تفيد التأكيد والالتزام بتلك
الكيفية التي نـزل عليها القرآن وبيان أنها أفضل مراتب القراءة وحض الأمة على
الأخذ بها. |
|
|
ولقد كان صلى الله عليه وسلم هو المعلم الأول لهذه
الأمة تلاوة كتاب ربهم وقراءته امتثالاً لأمر ربه حيث قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[16]. |
|
|
وتواتر ذلك في السنة : فعن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة
من القرآن"[17]. |
|
|
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا
تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم نتعلم من العشر الذي نـزلت
بعدها حتى نعلم ما فيه"[18]. |
|
|
وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: "إن الله أمرني أن أعرض القرآن عليك. فقال:
أسمّاني لك ربك. قال: نعم. فقال أبي: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير
مما تجمعون"[19]. |
|
|
قال أبو عبيد القاسم بن سلام[20]:
معنى هذا الحديث عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أراد بذلك العرضِ
على أبي أن يتعلم منه القراءة ويتثبت فيها وليكون عرض القرآن سنة، وليس هذا على
أن يستذكر النبي صلى الله عليه وسلم منه شيئاً بذلك العرض[21]. |
|
|
قال السخاوي[22]:
كان القراء في الأمر الأول يقرأ المعلم على المتعلم اقتداء برسول الله صلى الله
عليه وسلم فإنه كان يتلو كتاب الله عز وجل على الناس كما أمره الله عز وجل[23].
فعلمهم صلى الله عليه وسلم القرآن مرتلاً مجوداً كما نـزل. |
|
|
ويؤكد هذه الصلة الوثيقة بين القرآن والتجويد قول
ابن الجزري[24]: |
|
|
وهكذا منه إلينا وصلا[25] |
لأنه به الإله أنـزلا |
|
فالضمير في لأنه عائد إلى القرآن
وفي به يعود على التجويد أي أن الله أنـزل القرآن بالتجويد وهذا ما يجب أن يفهمه
كل من تدبر وعقل النصوص واستنبط منها ما يليق بكمال الله وجلاله في ذاته وأسمائه
وصفاته فله الكمال المطلق سبحانه. |
|
|
فالقرآن أكمل الكتب نـزل بأكمل الهيئات على أفضل
الرسل لخير أمة أخرجت للناس ثم نقله الصحابة كما علّموا فلم يغيروا ولم يبدّلوا
وتناقلته الأمة بعدهم جيلاً بعد جيل على تلك الكيفية التي نـزل بها فغاصوا في
معانيه وحافظوا على مبانيه وعملوا بما فيه فكان الأخذ بالتجويد سمة القراء
المتقنين، ومنهج الأئمة المسندين، ومضماراً للمتنافسين. |
|
|
قال الداني[26]:
وقراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق فمنهم من يعلم ذلك
قياساً وتميزاً وهو الحاذق النبيه، ومنهم من يعلمه سماعاً وتقليداً وهو الغبي
الفهيه، والعلم فطنة ودراية آكد منه سماعاً ورواية، وللدراية ضبطها ونظمها
وللرواية نقلها وتعلمها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم[27]. |
|
|
ظل التجويد يتلقى مع القرآن من أفواه الشيوخ
الضابطين فالمخل بالتجويد مخل بالقراءة مهما كان حفظه للحروف. |
|
|
أورد الداني بسنده عن أبي هاشـم الرفاعي[28]
عن سليم[29]
عن حمزة[30]
قال: إن الرجل يقرأ القرآن فما يلحن حرفاً أو قال ما يخطئ حرفاً وما هو من
القرآن في شيء. |
|
|
قال الداني معقباً على هذه الرواية: يريد أنه لا
يقيم قراءته على حدّها، ولا يؤدي ألفاظه على حقها، ولا يوفّي الحروف صيغتها، ولا
ينـزلها منازلها من التلخيص والتبيين والإشباع والتمكين، ولا يميز بين سين وصاد،
ولا ظاء ولا ضاد، ولا يفرق بين مشدد ومخفف ومدغم ومظهر، ومفخم ومرقق، ومفتوح
وممال، وممدود ومقصور، ومهموز وغير مهموز، وغير ذلك من غامض القراءة، وخفاء
التلاوة الذي لا يعلمه إلا المهرة من المقرئين، ولا يميزه إلا الحذّاق من
المتصدرين الذين تلقوا ذلك أداءً وأخذوه مشافهة، وضبطوه وقيدوه، وميزوا جليّه
وأدركوا خفيّه وهم قليل من الناس[31]. |
|
|
وربما قرأ الرجل فأعجب بنفسه وأعجب الحاضرون
بقراءته ولكن أئمة التجويد والقراءة بحكم خبرتهم وثاقب نظرتهم يردون عليه ما قرأ
ولا يعتبرونه شيئاً لإخلاله بقواعد التجويد من حيث لا يشعر. |
|
|
أورد الداني بسنده عن هشام بن بكير[32]
وكان هو وأبوه من القراء قال كنت عند عاصم[33]
ورجل يقرأ عليه قال فما أنكرت من قراءته شيئاً قال فلما فرغ قال له عاصم والله
ما قرأت حرفاً. |
|
|
قال الداني معقباً على هذه الرواية: يريد أنك لم
تقم القراءة على حدها ولم توف الحروف حقها، ولا احتذيت منهاج الأئمة من القراء،
ولا سلكت طريق أهل العلم بالأداء، وهذا وما قدمناه دال على توكيد علم التجويد
والأخذ بالتحقيق والله ولي التوفيق[34]. |
|
|
قلت : نعم إن للقراء فطنة ودراية عجيبة في استكشاف
اللحن مهما دق وخفي فآذانهم أدق من موازين الذهب. وملاحظاتهم تنبيك بالعجب. |
|
|
ولقد أدركت من شيوخ الإقراء من هذا حاله. فقد تلقيت
في سن الطلب بالسنة الرابعة بكلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة
النبوية على نخبة من أساتذة القراءات ومنهم شيخنا وشيخ مشايخنا الشيخ عبد الفتاح
القاضي[35]
رحمه الله تعالى تلقينا عليه القراءات الثلاث بمضمّن متن الدرة في القراءات
الثلاث المتممة للعشر لابن الجزري فكان أحدنا يقرأ كالمقيد يقوم ويسقط من كثرة
إشاراته لنا بالوقوع في اللحن رغم ما كان يتمتع به البعض من جودة في القراءة
وصوت حسن نطرب لسماعه. |
|
|
ولكنها ملكة وهبهم الله إياها لكثرة ممارستهم وفضل
من الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. |
|
|
مما تقدم نلحظ منهج أئمة الإقراء
في أخذهم بالتجويد كل من رام القراءة عليهم وأنهم لا يصدرونه متى أخل بشيء من
قواعده بل ولا يعدونه قارئاً. |
|
|
وما كل من في الناس يقرئهم مقري[36] |
فما كل من يتلو الكتاب يقيمه |
|
فلما بدأت عصور التدوين كان لعلم التجويد منها حظ
ونصيب فأفردت مباحثه وقواعده بالتأليف وضمَّن بعض القراء كتبهم بعض أبوابه
ومسائله فمنهم المقل ومنهم المكثر. |
|
|
يضاعف لك الله الجزيل من الأجر |
أيا قارئ القرآن أحسن أداءه |
|
وما كل من في الناس يقرئهم مقري |
فما كل من يتلو الكتاب يقيمه |
|
عن الأولين المقرئين ذوي الستر[38] |
وإن لنا أخذ القراءة سنة |
|
ولعل أول من أفرده بالتصنيف أبو مزاحم موسى بن عبيد
الله الخاقاني البغدادي المتوفى سنة 325ه
[37]
في قصيدته الخاقانية الرائعة والتي من أبياتها : |
|
|
2- ثم علي بن جعفر بن سعيد أبو الحسن السعيدي
الرازي الحذاء المتوفى في حدود سنة 410ه في كتابه: التنبيه على اللحن الجلي
واللحن الخفي[39]. |
|
|
3- مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة (437ه) وكتابه : الرعاية لتجود القراءة وتحقيق لفظ التلاوة. [40] |
|
|
4- أبو عمرو الداني المتوفى سنة 444هـ وكتابه:
التحديد في الإتقان والتجويد[41].
وذكر في مقدمته سبب تأليفه بأنه راجع إلى ما رآه من إهمال القراء والمقرئين في
عصره تجويد التلاوة وتحقيق القراءة وتركهم استعمال ما ندب الله إليه وحث نبيه
صلى الله عليه وسلم وأمته عليه من تلاوة التنـزيل بالترسل والترتيل[42]. |
|
|
5- أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي المتوفى سنة 539ه وكتابه: نهاية الإتقان في تجويد تلاوة القرآن. [43] |
|
|
6- علم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى سنة (643ه) وكتابه: عمدة المفيد وعدة المجيد في معرفة التجويد. [44] |
|
|
7- نجم الدين محمد بن قيصر بن عبد الله البغدادي المارديني المتوفى سنة (721ه) وكتابه: الدر النضيد في معرفة التجويد. [45] |
|
|
8- تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الجعبري المتوفى سنة (732ه) وكتابه: عقود الجمان في تجويد القرآن. [46] |
|
|
9- شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة (833ه) خاتمة المحققين ورافع لواء القراء والمجودين وكتابه: التمهيد في علم التجويد. [47] |
|
|
وذكر في مقدمته أن سبب تأليفه: أنه لما رأى الناشئة من قراء زمانه وكثيراً من منتهيهم قد غفلوا عن تجويد ألفاظهم، وأهملوا تصفيتها من كدره، وتخليصها من درنه، رأيت الحاجة داعية إلى تأليف مختصر ابتكر فيه مقالاً يهز عطف الفاتر، ويضمن غرض الماهر، ويسعف أمل الراغب، ويؤنس وسادة العالم. [48] |
|
|
ثم أتبع ذلك بنظم المقدمة الجزرية[49]
ضمنها كثيراً من مباحث علم التجويد وقد كتب لهذه المقدمة القبول بين طلاب العلم
وتناولها العلماء بالشرح والتعليق حتى ربت شروحها على الحصر الدقيق. |
|
|
10- برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن
البقاعي المتوفى سنة (885ه) وكتابه: القول المعتبر في أصول التجويد لكتاب ربنا
المجيد[50]. |
|
|
11- زين الدين أبو الفتح جعفر بن إبراهيم السنهوري
المتوفى سنة (894ه) وكتابه: الجامع المفيد في صناعة التجويد[51]. |
|
|
12- أحمد بن نصر الميداني المقرئ المتوفى سنة (923ه)
وكتابه: قواعد التجويد[52]. |
|
|
وغير هؤلاء كثير يطول حصرهم وما ذكرته فيه الكفاية،
إذ ليس الغرض الحصر والاستقصاء بل العلم والدراية. |
|
المبحث الثالث: عناية الأمة بالأخذ بالتجويد |
|
|
قدمت في المبحث السابق أن القرآن نـزل مرتلاً
مجوداً وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تلقاه كذلك وبلّغ أمته ما نـزل عليه
بحروفه وهيئاته. بقي أن نعرف ما المراد بالترتيل المأمور به في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. |
|
|
الرتل: حسن تناسق الشيء. |
|
|
وثغر رتَل ورتِل حسن التنضيد مستو النبات. |
|
|
وقيل المفلج وقيل بين أسنانه فروج لا يركب بعضه على
بعض. |
|
|
ورتّل الكلام: أحسن تأليفه وأبانه وتمهل فيه. |
|
|
والترتيل في القراءة: الترسل فيها والتبيين من غير
بغي. |
|
|
قال علي رضي الله عنه حينما سئل عن معنى الترتيل:
(هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف)[53]. |
|
|
قال أبو العباس: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق
والتبيين والتمكين أراد في قراءة القرآن. |
|
|
وقال مجاهد: الترتيل الترسل. |
|
|
قال: ورتله ترتيلا بعضه على إثر بعض. |
|
|
قال أبو منصور: ذهب به إلى قولهم ثغر رتل إذا كان
حسن التنضيد. |
|
|
وقال ابن عباس في معنى الآية: قال : بينه تبييناً. |
|
|
قال أبو إسحاق: والتبيين بأن يجعل في القراءة وإنما
يتم التبيين بأن يبين جميع الحروف ويوفيها حقها من الإشباع. |
|
|
وقال الضحاك: انبذه حرفاً حرفاً. |
|
|
وقال الفراء: اقرأه على هينتك ترسلاً[54]. |
|
|
وقال الراغب: الرتل اتساق الشيء وانتظامه على
استقامة يقال رجل رتَل الأسنان، والترتيل إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة[55]. |
|
|
وقال الخازن في تفسيره: وقيل الترتيل هو التوقف
والترسل والتمهل والإفهام وتبيين القراءة حرفاً حرفاً إثره في إثر بعض بالمد
والإشباع والتحقيق[56]. |
|
|
وقال القرطبي في تفسيره: الترتيل في القراءة هو
التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل وهو المشبه
بنَوْرِ الأقحوان وهو المطلوب في قراءة القرآن[57]. |
|
|
وقال الزمخشري في الكشاف: ترتيل القرآن قراءته على
ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيهاً بالثغر
المرتل وهو المفلج المشبه بنَوْرِ الأقحوان وأن لا يهذّه هذّاً ولا يسرده سرداً[58]. |
|
|
وقال الشيرازي[59]
في كتابه الموضح: الترتيل هو من قولهم ثغر رتَل إذا كان مفلجاً وذلك إذا انفرج
ما بين الأسنان على استواء فيها، وترتل في مسيره إذا تتابعت خطاه من غير سرعة،
فكذلك الترتيل هو التأني في القراءة مع تفصيل الكلم بعضها من بعض جامع لشرائط
التجويد والتقويم[60]. |
|
|
وقال ابن الجزري: وقال علماؤنا: أي تلبث في قراءته
وافصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولا تستعجل فتدخل بعض الحروف في بعض[61]. |
|
|
بعد هذا العرض تبين لنا معنى الترتيل المأمور به،
وأنه تبيين القراءة وإتباع بعضها بعضاً على تأن وتؤدة مع تجويد اللفظ وحسن
تأديته وتقويمه وإخراجه من مخرجه، فهو الأصل ولذلك نوه الله بشأنه حينما أكد
الفعل بالمصدر تعظيما لشأنه وترغيباً في ثوابه، {وَرَتِّلِ
الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}[62]،
{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [63]. |
|
|
وعلى هذا جاءت قراءته صلى الله عليه وسلم. |
|
|
كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدّاً، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم. [64] |
|
|
قال الداني مبيناً وجه الاستدلال من هذا الحديث على
وجوب الأخذ بالتجويد: وهذا حديث مخرّج من الصحيح، وهو أصل في تحقيق القراءة،
وتجويد الألفاظ، وإخراج الحروف من مواضعها، والنطق بها على مراتبها، وإيفائها
صيغتها، وكل حق هو لها، من تلخيص وتبيين ومدّ وتمكين وإطباق وتفش وصفير وغنة
وتكرير واستطالة وغير ذلك، على مقدار الصيغة وطبع الخلقة، من غير زيادة ولا
نقصان[65]. |
|
|
رحم الله الداني ما أوسع علمه، وأجزل لفظه، وأحكم
عبارته كيف لا وهو حصن حصين وسند في القراءة متين. |
|
|
فقد رأيت من تخبط في فهم هذا الحديث فلم يعرف
المراد بالمد فيه فقال: القراء لا يثبتون مداً في هذه المواضع الثلاثة... |
|
|
ومن قائل: إذا كان أداء القرآن – تجويده – متلقى
بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أين دليله النصي ؟ |
|
|
وهل مقدار الحركة منضبط أو هو مختلف باختلاف سرعة
القارئ وبطئه... الخ |
|
|
ولست هنا في مقام تتبع الأخطاء والهفوات بل هي وقفة
تأمل وإنعام نظر فقد كفانا صاحب المنجد[66]
في هذه المسائل شر الانقسام. |
|
|
وأقول لهؤلاء جميعاً لابد من مراجعة علماء القراءات
وما دونوه قديماً وحديثاً فما أشكل عليكم حله وصعب عليكم فهمه فإن لديهم الدواء
النافع والبيان الساطع، والحكم القاطع، وكل علم يسأل عنه أهله. |
|
|
ومن ذلك ما روي عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها
قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته قاعداً قط حتى كان
قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعداً، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون
أطول من أطول منها»[67]. |
|
|
وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسرة حرفاً حرفاً. [68] |
|
|
قال ابن القيم: وكانت قراءته ترتيلاً لا هذّا ولا عجلة بل قراءة مفسرة حرفاً حرفاً، وكان يقطع قراءته آية آية وكان يمد عند حروف المد فيمد الرحمن ويمد الرحيم. [69] |
|
|
أقول: لقد تلقت الأمة القرآن الكريم بحروفه وقراءته
وكيفية النطق بتلك الحروف والهيئات والصيغ التي جاءت بها على أنها سنة متبعة يجب
الحفاظ عليها والالتزام بها وتعليمها كما جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه
واتباع هديه في ذلك. |
|
|
أورد ابن مجاهد بأسانيده جملة من الأحاديث والآثار
الدالة على وجوب الاتباع في نقل القراءة وترك الابتداع. |
|
|
من ذلك ما رواه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
«قال لنا علي بن أبي طالب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرءوا
كلما علمتم»[70]. |
|
|
وأورد بسنده عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال:
القراءة سنة[71].
وفي رواية أخرى عن خارجة قال: القراءة سنة فاقرءوا كما تجدونه[72]. |
|
|
وبسنده عن عروة بن الزبير قال: إنما القراءة سنة من
السنن فاقرءوه كما علمتموه[73].
وفي رواية: فاقرءوه كما أقرئتموه[74]. |
|
|
وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرئ رجلاً
فقرأ الرجل {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ}[75]
مرسلة فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وكيف
أقرأكها؟ قال: أقرأنيها: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [76]
فمدها. |
|
|
فابن مسعود وهو مَن علمنا إتقانا وضبطا وحسن أداء،
مَنْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه: "من
سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنـزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"[77]. |
|
|
أنكر رضي الله عنه على هذا الرجل أن يقرأ كلمة
(الفقراء) من غير مد ولم يرخص له في ذلك[78]
مع أن فعله وتركه سواء في عدم التأثير على دلالة الكلمة ومعناها ولكن لما كانت
القراءة سنة متبعة وكيفياتها كذلك لم يقبل ابن مسعود من هذا الرجل أن يقرأ بغير
ما قرأ به على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون غاشا له موافقا له على
ما لم يقرأ به. |
|
|
ويؤكد ابن مسعود رضي الله عنه الحض على الأخذ
بالتجويد وأنه زينة التلاوة فيقول فيما رواه عنه الضحاك قال: قال عبد الله بن
مسعود: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي والله يحب أن يعرب
به[79]. |
|
|
وعن زر بن حبيش رحمه الله تعالى قال: قرأ رجل على
عبد الله بن مسعود (طه) ولم يكسر –أي لم يمل- فقال عبد الله بن مسعود (طه) وكسر
ثم قال: والله هكذا علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم[80]. |
|
|
وجاء رجل إلى الإمام نافع[81]
ليقرأ عليه بالحدر[82]
فوجهه نافع إلى ما هو أنفع له من الحدر وهو بيان الكيفية التي يجب أن يقرأ بها
كتاب الله عز وجل والمنهج القويم الذي سلكه الصحابة والتابعون في الأخذ والأداء. |
|
|
أورد الداني بسنده قال: جاء رجل إلى نافع فقال:
تأخذ على الحدر، فقال نافع ما الحدر؟ ما أعرفها أسمعنا قال فقرأ الرجل فقال
نافع: الحدر، أو قال حدرنا، أن لا نسقط الإعراب، ولا ننفي الحروف، ولا نخفف
مشددا، ولا نشدد مخففا، ولا نقصر ممدودا، ولا نمد مقصورا، قراءتنا قراءة أكابر
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل جزل، لا نمضغ ولا نلوك، ننبر ولا نبتهر،
نسهل ولا نشدد، نقرأ على أفصح اللغات وأمضاها، ولا نلتفت إلى أقاويل الشعراء
وأصحاب اللغات، أصاغر عن أكابر مليّ عن وفيّ، ديننا دين العجائز، وقراءتنا قراءة
المشايخ، نسمع في القرآن، ولا نستعمل فيه بالرأي، ثم تلا نافع[83]:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ
عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ
كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [84]. |
|
|
قال الداني معقبا على هذه الرواية: «وهذا كلام من
أيّد ووفّق ونُصر وفُهّم وجُعل إماماً عالماً وعلماً يُقْتفى أثره ويُتّبع
سننه». |
|
|
وهذه الطريقة التي وصفها وبينها وأوضحها وعرّف أن الصحابة رضوان الله عليهم احتذوها هي التي يجب على قراء القرآن أن يمتثلوها في التحقيق، ويسلكوها في التجويد وينبذوا ما سواها مما هو مخالف لها وخارج عنها وعلى ذلك وجدنا الأئمة من القراء والأكابر من أهل الأداء. [85] |
|
|
نعم لقد عمل أئمة الإقراء الذين خصهم الله بحمل كتابه
وشرفهم بالذب عن حياضه في كل عصر ومصر بهذه العبارات النيرة والتوجيهات الخيرة
الصادرة من إمام دار الهجرة ورأس القراء السبعة الإمام نافع فجاءت مؤلفاتهم
وأقوالهم شارحة وموضحة لذلك المنهج القويم والمسلك السليم ولا يشذ عنهم إلا من
لا يعتد بقوله، فهم الحفظة الناقلون، والقراء المجودون. |
|
|
ولعلي في هذه العجالة أن أقتبس بعض الشواهد على ما
ذكرت من حضهم على الأخذ بالتجويد قولاً وعملاً، وعلى أي صفة كانت القراءة
ترتيلاً أو تحقيقاً أو حدراً. |
|
|
قال مكي[86]
رحمه الله تعالى في باب صفة من يجب أن يقرأ عليه وينقل عنه: |
|
|
يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه
أهل الديانة والصيانة والفهم في علوم القرآن والنفاذ في علم العربية والتجويد
بحكاية ألفاظ القرآن وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم. |
|
|
فإذا اجتمع للمقرئ صحة الدين والسلامة في النقل والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علوم العربية والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن كملت حالته ووجبت إمامته، وقد وصف من تقدمنا من العلماء المقرئين القراء فقال: القراء يتفاضلون في علم التجويد فمنهم من يعلمه رواية وقياساً وتمييزاً فذلك الحاذق الفطن، ومنهم من يعرفه سماعاً وتقليداً فذلك الوهن الضعيف لا يلبث أن يشك ويدخله التحريف والتصحيف إذا لم يبن على أصل ولا نقل عن فهم. [87] |
|
|
وقال في موضع آخر بعد فراغه من أبواب التجويد والفصول التي أوضح فيها القواعد اللازمة لذلك: والمقرئ إلى جميع ما ذكرناه في كتابنا هذا أحوج من القارئ لأنه إذا علِمَه علَّمه، وإذا لم يعلَمْه لم يعلّمه فاستوى في الجهل بالصواب في ذلك القارئ والمقرئ ويضل القارئ بضلال المقرئ فلا فضل لأحدهما على الآخر. [88] |
|
|
وقال الداني مبيناً الطريقة التي ينبغي للقارئ أن
يسلكها حال القراءة قال: ينبغي للقارئ أن يأخذ نفسه بتفقد الحروف التي لا يوصل
إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالرياضة الشديدة والتلاوة الكثيرة مع العلم بحقائقها
والمعرفة بمنازلها فيعطي كل حرف منها حقه من المد إن كان ممدودا ومن التمكين إن
كان مُمكّنا ومن الهمز إن كان مهموزا ومن الإدغام إن كان مدغما، ومن الإظهار إن
كان مظهرا ومن الإخفاء إن كان مخفيا، ومن الحركة إن كان محركا ومن السكون إن كان
مسكنا. |
|
|
ومتى لم يفعل ذلك القارئ ولم يستعمل اللفظ به كذلك صار عند علماء هذه الصناعة لاحناً.[89] |
|
|
ويوجه الهذلي قارئ كتاب الله إلى الأخذ بأسباب
التجويد مبينا له القواعد التي يجب عليه الاهتمام بها حتى يصير قارئا مصدرا ومتى
أخل بشيء من تلك التوجيهات لم يجز له أن يقرئ أحداً من الناس. |
|
|
قال رحمه الله: والأصل أن يتفقد الإنسان لفظه
ويعتبر النظم والترتيل والتحقيق والحدر. |
|
|
والترتيل: القراءة بتفكر. |
|
|
والتحقيق إعطاء الحروف حقوقها من غير زيادة ولا
نقصان ولا تكلف، وإتعاب نفس برفع صوت، ولا مبالغة في النفس فينقطع. |
|
|
ولا يخلط آية رحمة بعذاب إذا لم يكن موضع الوقف. |
|
|
والحدر: أن يقرأ بغير تفكر في المعاني ولا يمضغ، ولا يزيد ولا ينقص، وليكن صوته على وتيرة واحدة، ويجتهد في مخارج الحروف وذلك بعد أن يعرف مخارجها على اختلاف أقاويل العرب، ويعلم مجهورها من مهموسها وزائدها من أصليها، ومبدلها مما لا يثبت فيه البدل، ومطبقها من المنخفض منها، ونطعيها من لثويها، وذلقيها من أسليها، وحلقيها من حنكيها، وأشباه ذلك مما فيه طول فمن لم يعلم مثل هذا ولم يفهمه لم يجز له أن يقرئ أحداً من الناس ولا يأخذ على أحد حرفا، ويحرم عليه ذلك في هذه الصناعة. [90] |
|
|
وقال الشهرزوري[91]
في المصباح الزاهر: إن من لم يعط الحرف حقه من الصفات اللازمة والعارضة، ويخرجه
من مخرجه المحدد له فقد صرفه عن مبناه وحاد به عن معناه. |
|
|
قال: اعلم أن التجويد حلية التلاوة وزينة الأداء
والقراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها مراتبها، ورد الحرف من حروف المعجم
إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه ولفظ النطق به؛ لأنه متى ما
تغير عما ذكرته لك من وصفه زال عن وضعه ورصفه. [92]
|
|
|
ويقول الشيرازي إن حسن الأداء فرض واجب على من رام
قراءة شيء من كتاب الله سواء رتل، أو حقق أو حدر. |
|
|
قال: وأما الحدر فهو تسهيل القراءة وهو يراد للتحفظ والاستكثار من الدرس، وهو أيضا يرتضى إذا لم يفارق التجويد وذلك بأن تعطى الحروف حقوقها من مخارجها ومسالكها ويوفر عليها حظوظها من حركاتها وسكناتها من غير زيادة مجاوزة للحد، ولا نقصان مؤد للقدح، فإن حسن الأداء فرض في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته صيانة للقرآن من أن يجد التغيير واللحن إليه سبيلا. [93] |
|
|
ويوضح ابن أم قاسم المرادي[94]
أن الأخذ بالتجويد هو منهج القراء جميعا لا خلاف بينهم في ذلك، والقارئ مطالب به
في كل الأحوال. |
|
|
قال: اعلم وفقنا الله وإياك أن التجويد هو إعطاء كل حرف حقه من مخرجه وصفته، والقراء مجمعون على التزام التجويد في جميع أحوال القراءة من ترتيل وحدر وتوسط، وربما توهم قوم أن التجويد إنما يكون مع الترتيل لاعتقادهم أن التجويد إنما هو الإفراط في المد وإشباع الحركات ونحو ذلك مما لا يتأتى مع الحدر وليس كما توهموه وإنما حقيقة تجويد القرآن ما قدمته لك، وذلك متأت مع الحدر كما يتأتى مع الترتيل، ولا يُنكر أن الأخذ بالترتيل أتم مدا وتحريكا وإسكانا من الأخذ بالحدر، ولكن لابد في جميع ذلك من إقامة مخارج الحروف وصفاتها. [95] |
|
|
ثم نقل عن الأهوازي قوله: وأما الحدر فإنه القراءة السهلة السمحة العذبة الألفاظ التي لا تخرج القارئ عن طباع العرب وعما تكلمت به الفصحاء بعد أن يأتي بالرواية عن الإمام من أئمة القراءة على ما نقل عنه من المد والهمز والقطع والوصل والتشديد والتخفيف والإمالة والتفخيم والاختلاس والإشباع فإن خالف شيئا من ذلك كان مخطئا. [96] |
|
|
ثم يأتي خاتمة المحققين من فاق أقرانه وساوى بعض
المتقدمين في الأسانيد المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله رب العالمين
فيعلن وجوب الأخذ بالتجويد وإثم التارك له تهاوناً استناداً إلى أقوال الأئمة
وسلف هذه الأمة من القراء الذي عليهم مدار أسانيد القراءات وإليهم يعزى اختلاف
الطرق والروايات فالقول الفصل قولهم والخارق لإجماعهم لا يضرهم. |
|
|
فقال في المقدمة[97]
: |
|
|
من لم يجود القرآن آثم |
والأخذ بالتجويد حتم لازم |
|
وهكذا منه إلينا وصلا |
لأنه به الإله أنـزلا |
|
ثم بين ذلك أوضح بيان في النشر فقال: |
|
|
ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون
بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة
المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا
يجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها، والناس في ذلك بين محسن مأجور ومسيء
آثم، أو معذور. |
|
|
فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح
العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناء بنفسه
واستبدادا برأيه وحدسه واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى
عالم يوقفه على صحيح لفظه فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب وغاش بلا مرية، فقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين
النصيحة لله ولكتابه ولرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم" [98]. |
|
|
أما من كان لا يطاوعه لسانه أو كان لا يجد من يهديه
إلى الصواب بيانه فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها[99]. |
|
|
أقول: لم يكن ابن الجزري بدعا من الناس فيما صرح به
من وجوب الأخذ بالتجويد لكتاب الله وتأثيم المتهاون بتطبيق قواعده الموافقة للغة
العرب لمن استطاع إليها سبيلا فقد سبقه إلى ذلك علماء القراءات العالمون
بحقائقها ودقائقها وقد تقدم عن الداني ومكي والهذلي والشهرزوري والشيرازي ما
يفيد ذلك فأئمة الإقراء كلهم مجمعون على وجوب الأخذ به. |
|
|
قال الداني مبيناً أن الأخذ بالتجويد من ألزم
الأشياء للقارئ وأنه منهج السلف: |
|
|
من ألزم الأشياء للقراءوكل حرف من حروف الذكرفحقه
التفكيك والتمكينفاستعمل التجويد عند لفظكافعن قريب بالجزيل تجزىقد جاء في
الماهر بالقرآنما فيه مقنع لمن تدبرههذا مقال الصادق المصدوقوليسلكوا فيه طريق
من مضى. |
|
|
تجويد لفظ الحرف في الأداءمما جرى قبل ولم يجروحكمه التحقيق والتبيينبكل حرف من كلام ربكاوبنعيم الخلد سوف تحظىمن الشفاء ومن البيانبأنه مع الكرام السفرهفليرغب القراء في التحقيقمن الأئمة مصابيح الدجى | |